بابن تميم.
وقال ابن مهدي: إذا رأيت الشامي يذكر الأوزاعي، وسعيد ابن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد فاطمئن إليه. وقال دُحَيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به ثقة.
قال خليفة، وغيره: مات سنة ١٥٣، زاد ابن سعد، وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد، وغير واحد من أصحابنا يقول: مات سنة ٥٤ وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات سنة ٥٥، وقال ابن معين: مات سنة ٥٦، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب ابن شيبة. وجزم ابن حبان في "الثقات" بالقول الأول. أخرج له الجماعة.
٤ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني أبو عبد الله، ثقة ثبت فقيه مشهور، توفي سنة ١١٧ أو بعد ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم
стр. 4342
شاميون، إلا ابن عمر ونافعًا فمدنيان، وفيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) نافع مولى ابن عمر (خرجت مع عبد الله بن عمر) ﵄ في سفر (يريد أرضًا له) وتقدم في رواية سالم: "وهو في زَرَّاعة له"، ولأبي داود من رواية نافع: أن ابن عمر استُصْرِخَ على صفيةَ، وهو بمكة، وعند البيهقي: "وهو بمكة، وهي بالمدينة"، وفيه: "وسار ما بين مكة والمدينة ثلاثًا".
ولا تنافي بين الروايات لإمكان الجمع بأنه كان بمكة، ثم أراد أرضًا له، وهي زَرَّاعته، وكانت بين مكة والمدينة، فأخبر بمرض صفية، فأسرع السير، فسار حتى قطع المسافة في ثلاثة أيام.
(فأتاه آت، فقال: إِن صفية بنت أبي عُبَيد) هي زوجة ابن عمر (لما بها) بكسر اللام، و"ما" موصولة أي للذي حَلَّ بها من المرض الشديد، والجار والمجرور متعلق بقوله: (فانظر) والفاء زائدة، والجملة خبر "إن" (أن تدركها) في تأويل المصدر مجرور بفي مقدرة، قياسًا أي انظر في إدراكها، بمعنى فَكِّر في سبيل إدراكها، يقال: نظرت في الأمر إذا تَدَبَّرْتَ، كما في المصباح. وكتب في هامش الهندية ما
стр. 4343
نصه: يحتمل أن يكون معنى الكلام: إن صفية بنت أبي عبيد، لما بها من شدة المرض أرسلتني إليك. اهـ.
وقال السندي: قوله (لما بها) بفتح اللام، أي للذي بها من المرض الشديد، أو بكسر اللام، أي هي فى الشدة، والتعب، لما بها من المرض. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي ذكره غير واضح، بل الوجه ما ذكرته اللهم إلا إذا صحت الرواية بفتح اللام، فيوجه لأنها لام الابتداء، و"ما" مبتدأ محذوف الخبر، أي للذي بها من المرض شديد، والجملة خبر "إن"، وقال بعضهم: وأظن أن الأقرب من الصواب لو قلنا: هي "ألمَّ بها" أي المرض اهـ.
قال الجامع: لا داعي لهذا، إذ فيه دعوى التصحيف، والتوجيه الذي ذكرناه واضح. والله أعلم.
(فخرج مسرعًا، ومعه رجل) جملة حالية من فاعل "خرج" (من قريش) يحتمل أن يكون هو إسماعيل بن عبد الرحمن الذي تقدم في الحديث (٥٩١).
(يسايره) أي يرافق ابن عمر في السير، والجملة صفة لرجل، أو حال منه.
(فغابت الشمس، فلم يصل الصلاة) أي صلاة المغرب. (وكان
стр. 4344
عهدي به) أي علمي بابن عمر، أي الذي كنت أعرفه من حاله. (وهو يحافظ على الصلاة) يعني أن عادة ابن عمر ﵄ المستمرة المحافظة على الصلاة في أوقاتها، لا الجمع بين الصلاتين.
(فلما أبطأ) أي عن أداء الصلاة (قلت: الصلاة - يرحمك الله) فيه تنبيه أهل العلم والفضل إلى فعل الخير، إذا ظُنَّ غفلتهم، وفيه أدب نافع مع ابن عمر، حيث أردف الأمر بالصلاة بالدعاء له تعظيمًا (فالتفت إِلي) إنما التفت إليه لينبهه على عدم غفلته، أو نسيانه للصلاة، بل فعل ذلك قصدًا.
(ومضى) سائرًا (حتى إِذا كان في آخر الشفق) وفي الرواية التالية: "وسار حتى كاد الشفق أن يغيب"، وفيه أن هذا الجمع صوري، لا جمع حقيقي، وأصرح من هذا ما في سنن أبي داود: "من رواية نافع، وعبد الله بن واقد: "أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة، قال سِرْ، حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل، فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق، فصلى العشاء" الحديث. فإنه صريح في الجمع الصوري.
قال الجامع: فإن قيل: هذه الروايات عن ابن عمر تعارض ما ثبت عنه من أنه كان يجمع في وقت الثانية جمعًا حقيقيًا، ففي رواية مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا جَدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق". الحديث. وفي رواية
стр. 4345
عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع: "فأخر المغرب، بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هُوِيّ من الليل" (١)، وللبخاري في الجهاد من طريق أسلم مولى ابن عمر، عن ابن عمر في هذه القصة: "حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جَمْعًا بينهما"، ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر في هذه القصة "فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم نزل، فصلى الصلاتين جمعًا".
أجيب بأنه لا معارضة بين هذه الروايات لإمكان حملها على تعدد الواقعة، ففي بعض الأوقات جَمَعَ جَمْعًا حقيقيًا، وفي بعضها جمعًا صوريًا. كما أشار إليه في "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧٧.
قال الجامع: ومما يؤيد هذا الجمع بين هذه الروايات ما أخرجه البيهقي من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر استُصْرِخَ على صفية بنت أبي عُبَيد، وهو بمكة، وهي بالمدينة فأقبل، فسار حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فقال له رجل كان يصحبه: الصلاة، الصلاة، فسار ابن عمر، فقال له سالم: الصلاة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمْرٌ في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار، حتى إذا غاب الشفق جمع بينهما،
стр. 4346
وسار ما بين مكة والمدينة ثلاثًا".
فقد بينت هذه الرواية أنه سار ثلاثًا، فيحمل على الجمع الحقيقي في بعض تلك الأيام، وعلى الجمع الصوري في بعضها. فلا تعارض، ولله الحمد ..
(نزل، فصلى المغرب، ثم أقام العشاء، وقد توارى الشفق) أي غاب الشفق عن الأفق.
(فصلى بنا) أي صلاة العشاء (ثم أقبل علينا، فقال: إِن رسول الله ﷺ كان إِذا عجل به السير) من باب تَعِبَ، والباء للتعدية، أي أعجله السير، وأسند الإعجال إلى السير توسعًا. (صنع هكذا) أي مثلما صنعت من الجمع. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا من طريق نافع أخرجه مسلم مختصرًا.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٩٥)، وفي الكبرى (١٥٦٩) عن محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن نافع
стр. 4347
عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود، فأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع عنه. وعن محمد بن المثنى عن يحيى القطان، عن عبيد الله العُمَرِيّ، عن نافع عنه. مختصرًا.
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" أيضًا عن إبراهيم بن موسى الرازي، عن عيسى بن يونس، عن ابن جابر عنه. وعن محمد بن عُبَيدٍ المُحاربي، عن محمد بن فُضَيل، عن أبيه، عن نافع، وعبد الله بن واقد كلاهما عنه. وعن سليمان بن داود العَتَكِيّ، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عنه.
وبقية المسائل تقدمت في الأحاديث الماضية، فلا حاجة إلى إعادتها. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْعَطَّافُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ سَارَ بِنَا حَتَّى أَمْسَيْنَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ نَسِيَ الصَّلَاةَ، فَقُلْنَا لَهُ: الصَّلَاةَ، فَسَكَتَ، وَسَارَ حَتَّى كَادَ الشَّفَقُ أَنْ يَغِيبَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَصَلَّى، وَغَابَ الشَّفَقُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ
стр. 4348
أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: هَكَذَا كُنَّا نَصْنَعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتية بن سعيد) الثقفي الْبَغْلاني، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (العَطَّاف) -بفتح العين المهملة، وتشديد الطاء- بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي، أبو صفوان المدني، صدوق يَهِم، توفي قبل مالك، من [٧].
قال مالك -وقد بلغه أن عطاف بن خالد قد حدث-: ليس من أهل القباب (١).
قال مطرف: قال لي مالك: عطاف يحدث؟ قلت: نعم، فأعظم ذلك، وقال: لقد أدركت أناسًا ثقات، يحدثون ما يؤخذ عنهم. قلت: كيف؟ قال: مخافة الزلل. وقال في رواية عنه: إنما يكتب العلم عن قوم قد جَرَى فيهم العلم مثل عبيد الله بن عمر، وأشباهه.
стр. 4349
وقال أحمد: لم يرتضه ابن مهدي. وقال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة صحيح الحديث، يَرْوِي نحو مائة حديث. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، قال: سئل عن يحيى ابن حمزة، وعطاف؟ قال: ما أقربهما، عطاف صالح الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس به بأس، ثقة، صالح الحديث.
وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح، ليس بذاك، محمد بن إسحاق، وعطاف بن خالد هما باب الرحمة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال مرة: صالح، ليس به بأس. قال مالك: عطاف يحدث؟ قيل: نعم. قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون.
وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لم أر بحديثه بأسًا إذا روى عنه ثقة. ووثقه العجلي. وقال الساجي: رَوَى عن نافع، عن ابن عمر حديثًا لم يتابع عليه، يعني حديثه: "أن النبي ﷺ أقاد من خداش". وقال أبو بكر البزار: قد حدث عنه جماعة، وهو صالح الحديث، وإن كان قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها. وقال الزبير: كان من ذوي السنن من قريش. وعن عطاف، قال: ولدت سنة ٩١. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات مالا يشبه حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق فيه الثقات. أخرج
стр. 4350
له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في "القدر"، والترمذي، والمصنف. والله تعالى أعلم.
٣، ٤ - تقدما في السند السابق.
تنبيهان:
الأول: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو ٢٧.
الثاني: حديث ابن عمر هذا من طريق عَطَّاف صحيح، من أفراد المصنف، أخرجه هنا: (٥٩٦)، وفي "الكبرى": (١٥٦٨) عن قتيبة، عنه.
وقوله: "حتى كاد الشفق" إلخ، فيه أن هذا الجمع كان صوريًا، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في الحديث الماضي، فارجع إليه.
وقوله: "إذا جد به السير": أي اشتد، قاله صاحب المحكم، وقال عياض: جد به السير: أسرع، كذا قال، وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعًا. قاله في "الفتح". وقال ابن الأثير: أي اهتم به، وأسرع فيه، يقال: جَدَّ، يَجُدُّ، ويَجِدُّ -بالضم، والكسر- وجَدَّ بِهِ الأمْرُ، وأجَدَّ، وجَدَّ فيه، وأجدَّ: إذا اجتهد. اهـ. نهاية جـ ١ ص ٢٤٤، وقال السندي: الباء للتعدية، أي جعله السير مجتهدًا مسرعًا. اهـ.
كَفِعْلِكَ الأَوَّلِ، فَسَارَ حَتَّى إِذَا اشْتَبَكَتِ النُّجُومُ، نَزَلَ، فَقَالَ: أَقِمْ، فَإِذَا سَلَّمْتُ، فَأَقِمْ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَامَ مَكَانَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَاحِدَةً، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ أَمْرٌ يَخْشَى فَوْتَهُ، فَلْيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَاةَ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عبدة بن عبد الرحيم) بن حَسَّان، أبو سعيد المروزي، نزيل نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: شيخ صالح. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: صدوق لا بأس به. وقال أبو داود: لا أحدث عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: قدم مصر، وحدث بها، ثم خرج إلى دمشق، فمات بها سنة ٢٤٤، ووثقه مسلمة، وذكر ابن السمعاني أنه يقال له: الباباني -بموحدتين، وبنون- نسبة إلى موضع بمرو. رَوَى عنه البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنف.
٢ - (ابن شميل) هو النضر بن شميل المازني، أبو الحسن البصري
стр. 4353
النحوي، نزيل مرو، ثقة، ثبت، توفي سنة ٢٠٤، من كبار [٩]، تقدم في ٤١/ ٤٥.
٣ - (كثير بن قَارَوَنْدَا) الكوفي نزيل البصرة، أبو إسماعيل، مقبول، من [٧]، تقدم في ٥٨٨.
٤، ٥ - تقدما قريبًا.
تنبيه:
حديث ابن عمر ﵄ هذا من طريق كثير، عن سالم عنه، حسن، تقدم الكلام عليه مُستَوفَى الشرح، والمسائلِ المتعلقة به برقم (٥٨٨) فارجع إليه تزدد علمًا.
قوله: "لا": الظاهر أن سالمًا لما سأله في المرة الأولى لم يتذكر، فَنَفَى، ثم لما أتاه مرة أخرى وسأله تذكر، فذكر له جمعه في السفر.
قوله: "إلا بجمع": أي إلا بمزدلفة، قال السندي: ولم يذكر عرفات، وكأنه بناء على أنه يجمع هناك أحيانًا لا دائمًا، لما قال بعض العلماء: إن شرطه الإمام الأعظم. والله أعلم.
قال الجامع: هذا الذي قاله السندي من اشتراط الإمام الأعظم فيه نظر، سيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى.
стр. 4354
وقوله: "ثم سلم واحدة تلقاء وجهه": فيه مشروعية السلام مرة واحدة تلقاء وجهه، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في محله، إن شاء الله تعالى.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 4355
٤٦ - الْحَالُ التِّي يُجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على الصفة التي يشرع للمسافر الجمع فيها، بين الصلاتين.
والحال: صفة الشيء، يذكر، ويؤنث، فيقال: حال حسن، وحال حسنة، وقد يؤنث بالهاء، فيقال: حالة. قاله في "المصباح". وقال في حاشية الخضري: الأفصح في ضميره ووصفه التأنيث، وفي لفظه التذكير بأن يجرد من التاء، فيقال: حال حسنة. اهـ. قلت: ومنه قول المصنف هنا: الحال التي إلخ.
والظاهر أن المصنف ﵀ لا يرى الجمع إلا لمن جَدَّ به السير، وهو مذهب الليث بن سعد، وقولٌ لمالك، كما تقدم، وقد قدمنا أن الصحيح جوازه مطلقًا، وهو رأي أكثر أهل العلم، لصحة الأحاديث بذلك. والله أعلم.
٥٩٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة بن سعيد) البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
стр. 4356
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة ثبت حجة فقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (نافع).
٤ - (ابن عمر).
تقدما في السند السابق.
وهذا الإسناد من رباعيات المصنف وهو (٢٨) من رباعيات الكتاب، وسائر لطائفه واضحة. وكذلك شرح الحديث. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وهو عليه التكلان.
تنبيه:
حديث ابن عمر هذا من طريق مالك، عن نافع، أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وأخرجه المصنف هنا (٥٩٨)، وفي "الكبرى" (١٥٧٢) بهذا السند. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
٥٩٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، أَوْ حَزَبَهُ أَمْرٌ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
стр. 4357
رجال الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، ثم النيسابوري، ثقة ثبت حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن هَمَّام بن نافع، الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مصنف، شهير، عَمِيَ في آخره، فتغير، وكان يتشيع، توفي سنة ١١١ عن ٨٥ سنة، من [٩]، تقدم في ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، توفي سنة ١٥٤ وله ٥٨ سنة، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (موسى بن عقبة) بن أبي عياش، الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام في المغازي، توفي سنة ١٤١، وقيل: قبل ذلك، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٦/ ١٢٢.
٥ - (نافع).
٦ - (ابن عمر).
تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا
стр. 4358
عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ موسى، عن نافع، وفيه عبد الله بن عمر ﵄، أحد المكثرين، وأحد العبادلة. وقد تقدم غير مرة.
وشرح الحديث واضح. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث من رواية موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٥٩٩) بهذا السند.
قوله: "أو حزبه أمر": أي نزل به مهم، يقال: حَزَبَهُ أمر، يحزُبه، من باب قتل،: أصابه. كما أفاده في المصباح.
وقال الشيخ ناصر: بعد ذكره لهذا الحديث: صحيح الإسناد، لكن قوله: "أو حزبه أمر" شاذ، لعدم وروده في سائر الطرق عن نافع وغيره، ويمكن أن يكون محرفًا؛ ففي مصنف عبد الرزاق جـ ٢ ص ٥٤٧ بإسناده هذا "أو أجد به المسير". والله أعلم. اهـ. "صحيح النسائي" جـ ١ ص ١٣٠.
قال الجامع: عندي أن دعوى الشذوذ غير صحيحة، إذ هذه الجملة غير منافية لسائر الروايات، بل هي بمعنى رواية سالم السابقة. "إذا حضر أحدكم أمر يخشى فوته، فليصل هذه الصلاة". فليتنبه. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 4359
٦٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي، الجَوَّاز المكي، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت حجة إمام، توفي سنة ١٩٨، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، ثقة ثبت حجة إمام، توفي سة ١٢٤، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر.
٥ - (أبوه).
تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، ورواته كلهم ثقات، اتفقوا
стр. 4360
عليهم، غير شيخه فمن أفراده، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن سالم، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
والحديث واضح المعنى مما سبق. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث ابن عمر ﵄ من طريق الزهري عن سالم عنه، متفق عليه.
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن علي بن عبد الله.
وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى -وقتيبة- وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد- كلهم عن سفيان، عنه، به.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4361
٤٧ - الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر.
وتقدم أن المصنف ذكر "الوقتُ الذي يَجْمَعُ فيه المقيمُ"، والفرق بين الترجمتين أن الأولى بَيَّنَ فيها المصنف الوقت الذي يشرع فيه الجمع للمقيم، وهذه بين فيها أصل مشروعية الجمع، وكان الأولى له تقديم هذا الباب على الباب المذكور، كما لا يخفى. والله تعالى أعلم.
٦٠١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة ثبت فقيه حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
стр. 4362
٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق، يدلس، من [٤]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٤ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٣٦.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر الصحابي ﵄ تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، ورجاله ثقات، اتفقوا عليهم، وفيه رواية تابعي عن تابعي، أبو الزبير عن سعيد، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة، وآخر من مات من الصحابة بالطائف. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث ابن عباس ﵄ هذا من طريق أبي الزبير أخرجه مسلم، وأبو داود، وتقدم الكلام في المسائل المتعلقة به مُسْتَوْفًى في الحديث (٥٨٩) فارجع إليه تستفد. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٠٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، وَاسْمُهُ غَزْوَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ،
стр. 4363
عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ، يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لِئَلاَّ يَكُونَ عَلَى أُمَّتِهِ حَرَجٌ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء، وسكون الزاي، (واسمه غزوان) -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- أبو عمرو المروزي، ثقة من [١٠].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي، والدارقطني: ثقة. وقال أبو علي، محمد بن علي بن حمزة المروزي: سمع من ابن المبارك ثلاثة أحاديث. وقال مسلمة: ثقة. مات سنة ٢٤١ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ٢٤٠، أو قبلها، أو بعدها بقليل. أخرج له البخاري، والأربعة.
٢ - (الفضل في موسى) السِّيناني -بكسر السين- أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، توفي سنة ١٩٢ في ربيع الأول، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٣/ ١٠٠.
стр. 4364
٣ - (الأعمش) سليمان بنِ مِهْران أبو محمد الكاهلي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلس، توفي سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (حبيب بن أبي ثابت) قيس بن دينار، الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس، توفي سنة ١١٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢١/ ١٧٠.
٥ - (سعيد بن جُبير).
٦ - (ابن عباس) ﵄.
تقدما في الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، ورجاله كلهم ثقات، وهم ما بين مروزيين، وهما: شيخه والفضل، وكوفيين، وهم: الباقون إلا ابن عباس؛ فهو مدني بصري مكي طائفي، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: الأعمش، عن حبيب، عن سعيد. وشرح الحديث واضح مما تقدم. والله تعالى أعلم.
تنبيهات:
الأول: حديث ابن عباس ﵄ هذا من طريق حبيب بن أبي ثابت أخرجه مسلم. وقد تقدم بيان المسائل المتعلقة به في
стр. 4365
شرح الحديث (٥٨٩) فارجع إليه تستفد.
الثاني: قوله: كان يصلي بالمدينة إلخ، يستفاد منه أن هذا الفعل تكرر منه، بخلاف الرواية السابقة حيث إن فيها: "صلى رسول الله ﷺ … " إلخ. فتفطن.
الثالث: في قول ابن عباس ﵄: "لئلا يكون على أمته حرج" دليل واضح على أن هذا الجمع جمع حقيقي، لا صوري، ووجه ذلك أن ابن عباس ﵄ أجاب بمثل هذا الجواب لما سئل عن سبب الجمع في السفر، وقد ثبت هناك أن الجمع حقيقي، لا صوري. فتنبه. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٠٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبت، من [٨]،
стр. 4366
تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل، توفي سنة ١٥٠ أو بعدها، وقد جاوز ٧٠ سنة، من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم المكي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (أبو الشعثاء) جابر بن زيد الأزدي البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، توفي سنة ٩٣، أو ١٠٣، من [٣]، تقدم في ٥٨٩.
٦ - (ابن عباس) ﵄ تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث ابن عباس ﵄ هذا من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، أخرجه الشيخان، وأبو داود. وشرحه واضح مما سبق، وكذا تقدم الكلام على المسائل المتعلقة به في الحديث (٥٨٩) فارجع إليه تستفد. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4367
٤٨ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَةَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في عرفة.
ومحل الاستدلال من الحديث واضح.
٦٠٤ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: "سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى بَطْنِ الْوَادِي خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِبراهيم بن هارون) الْبَلْخي العابد صدوق، من [١١].
روى عن حاتم بن إسماعيل، وَروَّاد بن الجَرَّاح، والنضر بن زُرَارة الذهلي، وغيرهم. وروى عنه الترمذي في "الشمائل"، والنسائي،
стр. 4368
ومحمد بن علي الحكيم الترمذي. قال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به.
٢ - (حاتم بن إِسماعيل) أبو إسماعيل الحارثي مولاهم المدني كوفي الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب، من [٨].
قال أحمد: هو أحب إليّ من الدراوردي، وزعموا أن حاتمًا كان فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح، وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من سعيد بن سالم، وقال النسائي: ليس به لأس. وقال ابن سعد: كان أصله من الكوفة، ولكنه انتقل إلى المدينة، فنزلها، ومات بها سنة ١٨٦، كان ثقة مأمونًا كثير الحديث.
وقال البخاري عن أبي ثابت المديني: مات سنة ١٨٧، وكذا قال ابن حبان، وزاد ليلة الجمعة لتسع ليال مضين من جمادى الأولى، قاله في الثقات، وكذا قال البخاري أيضًا في "التاريخ الكبير"، و"الأوسط". وقال العجلي: ثقة. وكذا قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين. وقال ابن المديني رَوَى عن جعفر عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها. وقال الذهبي في "الميزان": قال النسائي: ليس بالقوي. أخرج له الجماعة.
٣ - (جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
стр. 4369
الهاشمي، أبو عبد الله المدني، المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، توفي سنة ١٤٨، من [٦]، أخرج له البخاري ومسلم والأربعة، تقدم في ١٢٣/ ١٨٢.
٤ - (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر المدني، ثقة فاضل، توفي سنة بضع عشرة ومائة، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم مدنيون إلا شيخه فبلخي، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر بن عبد الله ﵄ أحد المكثرين السبعة روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمد بن علي الباقر (أن جابر بن عبد الله) ﵄ (قال: سار رسول الله ﷺ ) أي من منى في اليوم التاسع (حتى أتى عرفة) اسم لموضع الوقوف، قيل: سميت بذلك لأن آدم عرف حواء عليهما الصلاة والسلام هناك، وقيل: لأن جبريل عليه الصلاة
стр. 4370
والسلام عَرَّفَهُ المناسك هناك، وجمعت على عرفات، وإن كان موضعًا واحدًا، لأن كل جزء منه يُسَمَّى عرفةَ، ولهذا كانت مصروفة، كقصبات، قال النحويون: ويجوز ترك صرفه، كما يجوز ترك صرف عامات وأذرعات، على أنها اسم مفرد لبقعة. قال الواحدي وغيره: وعلى هذا تتوجه قراءة أشهب العقيلي: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] بفتح التاء. قال الزجاج: والوجه الصرف بالتنوين عند جميع النحويين. قاله النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" جـ ٤ ص ٥٥، ٥٦.
(فوجد القُبَّة) بضم القاف وتشديد الباء: من الخِيام بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب، والجمع قُبَب، بضم ففتح، وقِباب، بكسر القاف. أفاده في اللسان.
(قد ضُرِبت) أي نصبت (بنمرة) بفتح النون وكسر الميم، ويجوز تخفيفها بإسكان الميم، ويجوز كسر النون مع إسكان الميم. أفاده النووي في تهذيبه جـ ٤ ص ١٧٣.
وفي المصباح: ونَمِرَة موضع، قيل: من عرفات، وقيل: بقربها خارج عنها. اهـ. والجار والمجرور متعلق بضربت، والجملة حال من القبة.
(فنزل بها، حتى إِذا زالت الشمس أمر بالقصواء) أي أمر برحل ناقته المسماة بالقصواء.
والقصواء كحمراء: اسم ناقة النبي ﷺ ، وهي في الأصل ما قُطِعَ
стр. 4371
طرف أذنها، وكل ما قطع من الأذن فهو جَدْع، فإذا بلغ الربع فهو قَصْو، فإذا جاوزه فهو عَضْب، فإذا استؤصلت فهو صَلْم، ولم تكن ناقة رسول الله ﷺ قصواء، وإنما كان هذا لَقَبًا لها، وقيل: كانت مقطوعة الأذن. وقد جاء في الحديث أنه كان له ناقة تسمى العضباء، وناقة تسمى الجدعاء، وفي حديث آخر صَلْماء، وفي رواية أخرى: مُخَضْرَمَة، هذا كله في الأذن. ويحتمل أن تكون كل واحدة صفة ناقة مفردة، ويحتمل أن يكون الجميع صفة ناقة واحدة، فسماها كل منهم بما تَخَيَّلَ فيها، ويؤيد ذلك ما روي في حديث علي ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ يُبَلِّغ أهل مكة سورة براءة، فرواه ابن عباس ﵄: أنه ركب ناقة رسول الله ﷺ القصواء، وفي رواية جابر العضباء، وفي رواية غيرهما الجدعاء، فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة، لأن القضية واحدة. وقد روي عن أنس أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ على ناقة جدعاء، وليست بالعضباء. وفي إسناده مقال، وفي حديث الهجرة: إن أبا بكر ﵁، قال: إن عندي ناقتين، فأعطى رسول الله ﷺ إحداهما، وهي الجَدْعَاءُ. قاله ابن منظور
﵀.
(فَرُحِلَت له) بالبناء للمفعول، يقال: رَحَلْتُ البعيرَ رحْلًا، من باب نَفَعَ: شَدَدْتُ عليه رحله، والرحل كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكَبٍ للبعير، وحِلْسٍ، وَرَسَنٍ، وجمعه أرْحُل، ورِحَال،
стр. 4372
مثل أفلُس، وسِهَام. قاله في المصباح.
(حتى إِذا انتهى) أي وصل (إِلى بطن الوادي خطب الناس) خطبته البليغة، وسيأتي بيانها في كتاب الحج، إن شاء الله تعالى.
(ثم أذَّن بلال) بن رباح ﵁ (ثم أقام، فصلى) رسول الله ﷺ بالناس (الظهر، ثم أقام) بلال (فصلى العصر، ولم يصل بينهما) أي لم يتطوع بين الظهر والعصر بنافلة.
فيه أن السنة في عرفة الجمع بين الظهر والعصر بأذان واحد، وإقامة لكل منهما، وأنه لا يفصل بينهما بسنة الظهر. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵄ هذا من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٠٤)، وفي الكبرى (١٥٧٥) عن إبراهيم بن هارون، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عنه.
ولفظه في الكبرى: دخلنا على جابر بن عبد الله، فقلت: أخبرني عن حجة النبي ﷺ ، قال: سار رسول الله ﷺ …
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
стр. 4373
أخرجه مسلم في المناسك عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وعن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن جعفر به نحوه، وفيه قصة أبي سَيَّارَة.
وأخرجه أبو داود فيه عن النُّفَيْليّ، وعثمان بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، أربعتهم عن حاتم به. وعن يعقوب ابن إبراهيم، عن يحيى القطان، عن حاتم به نحوه.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن هشام بن عمار عن حاتم به.
وفوائد الحديث ستأتي في كتاب الحج، إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4374
٤٩ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمزْدَلِفَةَ
المزدلفة: بصيغة اسم الفاعل من ازدلف الشيء: اقترب، وأصله ازتلف، فأبدلت التاء دالًا، سميت بها لقربها من عرفات، وقيل سميت بها لاجتماع الناس بها، وهي علم على البُقْعَة، لا يدخلها ألف ولام، إلا لمحا للصفة في الأصل كالحسن، والعباس. أفاده في "المصباح".
٦٠٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا.
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة بن سعيد) الثَّقَفي البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت، من [٥]، تقدم في ٢٢/ ٢٣.
стр. 4375
٤ - (عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة رُمِي بالتشيع، من [٤].
رَوَى عن أبيه، وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي، والبراء بن عازب، وسليمان بن صرد، وعبد الله بن أبي أوفى، وغيرهم. وعنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة، وقاصهم. وقال العجلي، والنسائي: ثقة. قال ابن عبد البر: عبيد بن عازب هو جد عدي بن ثابت وقال غيره: هو عدي بن أبان بن ثابت بن قيس بن الخطم
الأنصاري الظفري، وثابت صحابي معروف. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ١١٦، قال البرقاني: قلت للدارقطني: فعدي بن ثابت عن أبيه، عن جده؟ قال: لا يثبت، ولا يعرف أبوه ولا جده، وعدي ثقة. وقال الطبري: عدي بن ثابت ممن يجب التثبت في نقله. وقال ابن
معين: شيعي مفرط. وقال الجُوزَجاني: مائل عن القصد. وقال عفان: قال شعبة: كان من الرفاعين. وقال أبو بكر: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن معول (١).
وقال السلمي: قلت للدارقطني: فعدي بن ثابت؟ قال: ثقة، إلا
стр. 4376
أنه كان غاليًا -يعني في التشيع- وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان يتشيع. أخرج له الجماعة.
٥ - (عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث ابن خَطْمَةَ، واسمه عبد الله بن خثيم بن مالك الأوسي الأنصاري، أبو موسى الخطمي، شهد الحديبية وهو صغير، وشهد الجمل وصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة. قال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله ابن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت ابن معين يقول هذا. قال أبو داود: وسمعت مصعبًا الزبيري يقول: ليست له صحبة. وقال أبو حاتم: روى عن النبي ﷺ ، وكان صغيرًا في عهده، فإن صحت روايته فذاك. قال الحافظ: وروايته عن النبي ﷺ في صحيح البخاري. وقال ابن حبان في كتاب الصحابة: كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت النبي ﷺ قال: وما أرى ذاك بشيء. وقال ابن البرقي: ذكر عبد الله بن عبد الحكم، عن الليث، عن يحيى ابن سعيد، عن عدي بن ثابت أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير. وذكر لبابة: شهد بيعة الرضوان وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جسر أبي عبيد. وقال البرقاني: قلت للدارقطني:
стр. 4377
موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري؟ فقال: ثقة، وأبوه وجده صحابيان. أخرج له الجماعة.
٦ - (أبو أيوب الأنصاري) خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي ﷺ حين قدم المدينة عليه، مات غازيًا بالروم سنة ٥٠، وقيل: بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٢٠. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات اتفقوا عليهم، وهم مدنيون إلا عبد الله بن يزيد، وعدي بن ثابت، فكوفيان، وفيه رواية صحابي عن صحابي. وشرح الحديث واضح، وهو يدل على مشروعية الجمع في المزدلفة، وسيأتي تحقيقه في محله، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
تنبيهات:
الأول: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ هذا من رواية عبد الله بن يزيد عنه متفق عليه.
الثاني: أن المصنف أورده هنا (٦٠٥)، وفي "الكبرى" (١٥٧٦) عن قتيبة، عن مالك، عن يحيى الأنصاري، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد عنه. وفي "الحج" عن يحيى بن حبيب بن عَرَبيّ، عن حماد بن زيد، عن يحيى الأنصاري به. وعن عمرو بن
стр. 4378
علي، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن عدي به.
الثالث: أخرج هذا الحديث معه البخاري ومسلم وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الحج" عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، وفي المغازي عن القعنبي، عن مالك- وأخرجه مسلم في "المناسك" عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال- وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث- ثلاثتهم عن يحيى الأنصاري به. وأخرجه ابن ماجه في الحج عن محمد بن رمح به. أفاده الحافظ المزي في "تحفته" جـ ٣ ص ٩٢ وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٠٦ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا أَتَى جَمْعًا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: "فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِثْلَ هَذَا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي، مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرَقي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٩٦ سنة، من
стр. 4379
[١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (هُشيم) بن بَشير بن القاسم بن دينار، السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، توفي سنة ١٨٣، من [٧]، تقدم في ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (إِسماعيل بن أبي خالد) البَجَلي الأحمسي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٧١.
٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السَّبِيعي الهَمْدَاني، ثقة عابد، اختلط بآخره، توفي سنة ١٢٧، وقيل: قبل ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (سعيد بن جبير)، ٦ - (ابن عمر) تقدما في السابق. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين اتفق الستة بالرواية عنهم من دون واسطة، وقد جمعتهم في قولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أولَئِكَ الأشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … قَيْسٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
стр. 4380
وَابْنُ الْعَلاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
قوله: "حيث أفاض" حيث هنا للزمان، فإنها قد تأتي له، كما قال الأخفش، وإن كان أكثر استعمالها للمكان، كما في مغني اللبيب جـ ١ ص ١٦٦ - أي في الوقت الذي أفاض فيه من عرفات.
وقوله: "أفاض من عرفات" أي رجع، ودفع منها، يقال: أفاض الناس من عرفات: دَفَعُوا منها، وكل دَفْعَة إفاضة. وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة، أي طواف الرجوع من منى إلى مكة. قاله في "المصباح".
وقوله: "أتى جمعًا": أي جاء إلى مزدلفة، وسميت جمعًا: إما لأن الناس يجتمعون لها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بحواء. قاله في المصباح أيضًا.
وشرح الحديث واضح، وكذا المسائل المتعلقة به واضحة مما سبق، فلا حاجة إلى إعادتها. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
تنبيه:
حديث ابن عمر هذا من رواية سعيد بن جبير عنه أخرجه مسلم في الحج عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي؛ وعن زهير بن حرب، عن وكيع، كلاهما عن شعبة، عن الحكم- وسلمة بن كُهَيل- وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن