← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

أنه كان غاليًا -يعني في التشيع- وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان يتشيع. أخرج له الجماعة. ٥ - (عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث ابن خَطْمَةَ، واسمه عبد الله بن خثيم بن مالك الأوسي الأنصاري، أبو موسى الخطمي، شهد الحديبية وهو صغير، وشهد الجمل وصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة. قال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله ابن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت ابن معين يقول هذا. قال أبو داود: وسمعت مصعبًا الزبيري يقول: ليست له صحبة. وقال أبو حاتم: روى عن النبي ﷺ ، وكان صغيرًا في عهده، فإن صحت روايته فذاك. قال الحافظ: وروايته عن النبي ﷺ في صحيح البخاري. وقال ابن حبان في كتاب الصحابة: كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت النبي ﷺ قال: وما أرى ذاك بشيء. وقال ابن البرقي: ذكر عبد الله بن عبد الحكم، عن الليث، عن يحيى ابن سعيد، عن عدي بن ثابت أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير. وذكر لبابة: شهد بيعة الرضوان وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جسر أبي عبيد. وقال البرقاني: قلت للدارقطني:

стр. 4377

موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري؟ فقال: ثقة، وأبوه وجده صحابيان. أخرج له الجماعة. ٦ - (أبو أيوب الأنصاري) خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي ﷺ حين قدم المدينة عليه، مات غازيًا بالروم سنة ٥٠، وقيل: بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٢٠. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات اتفقوا عليهم، وهم مدنيون إلا عبد الله بن يزيد، وعدي بن ثابت، فكوفيان، وفيه رواية صحابي عن صحابي. وشرح الحديث واضح، وهو يدل على مشروعية الجمع في المزدلفة، وسيأتي تحقيقه في محله، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل. تنبيهات: الأول: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ هذا من رواية عبد الله بن يزيد عنه متفق عليه. الثاني: أن المصنف أورده هنا (٦٠٥)، وفي "الكبرى" (١٥٧٦) عن قتيبة، عن مالك، عن يحيى الأنصاري، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد عنه. وفي "الحج" عن يحيى بن حبيب بن عَرَبيّ، عن حماد بن زيد، عن يحيى الأنصاري به. وعن عمرو بن

стр. 4378

علي، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن عدي به. الثالث: أخرج هذا الحديث معه البخاري ومسلم وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الحج" عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، وفي المغازي عن القعنبي، عن مالك- وأخرجه مسلم في "المناسك" عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال- وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث- ثلاثتهم عن يحيى الأنصاري به. وأخرجه ابن ماجه في الحج عن محمد بن رمح به. أفاده الحافظ المزي في "تحفته" جـ ٣ ص ٩٢ وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٠٦ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا أَتَى جَمْعًا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: "فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِثْلَ هَذَا". رجال الإسناد: ستة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي، مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرَقي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٩٦ سنة، من

стр. 4379

[١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - (هُشيم) بن بَشير بن القاسم بن دينار، السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، توفي سنة ١٨٣، من [٧]، تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (إِسماعيل بن أبي خالد) البَجَلي الأحمسي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٧١. ٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السَّبِيعي الهَمْدَاني، ثقة عابد، اختلط بآخره، توفي سنة ١٢٧، وقيل: قبل ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٥ - (سعيد بن جبير)، ٦ - (ابن عمر) تقدما في السابق. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين اتفق الستة بالرواية عنهم من دون واسطة، وقد جمعتهم في قولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أولَئِكَ الأشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … قَيْسٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي

стр. 4380

وَابْنُ الْعَلاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى قوله: "حيث أفاض" حيث هنا للزمان، فإنها قد تأتي له، كما قال الأخفش، وإن كان أكثر استعمالها للمكان، كما في مغني اللبيب جـ ١ ص ١٦٦ - أي في الوقت الذي أفاض فيه من عرفات. وقوله: "أفاض من عرفات" أي رجع، ودفع منها، يقال: أفاض الناس من عرفات: دَفَعُوا منها، وكل دَفْعَة إفاضة. وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة، أي طواف الرجوع من منى إلى مكة. قاله في "المصباح". وقوله: "أتى جمعًا": أي جاء إلى مزدلفة، وسميت جمعًا: إما لأن الناس يجتمعون لها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بحواء. قاله في المصباح أيضًا. وشرح الحديث واضح، وكذا المسائل المتعلقة به واضحة مما سبق، فلا حاجة إلى إعادتها. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. تنبيه: حديث ابن عمر هذا من رواية سعيد بن جبير عنه أخرجه مسلم في الحج عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي؛ وعن زهير بن حرب، عن وكيع، كلاهما عن شعبة، عن الحكم- وسلمة بن كُهَيل- وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن

стр. 4381

كُهَيل- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن أبي إسحاق- ثلاثتهم عن سعيد به. وأخرجه أبو داود في "المناسك" عن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن سلمة- وحده- به. وعن محمد بن العلاء، عن أبي أسامة، عن إسماعيل به. وعن الأنباري، عن إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد، وعبد الله بن مالك، كلاهما عن ابن عمر. وأخرجه الترمذي في "الحج" عن بندار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، وعن بندار، عن القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عنه. قال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر رواية سفيان أصح من رواية إسماعيل بن أبي خالد. قال: وَرَوَى إسرائيل هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن عبد الله، وخالد ابني مالك عن ابن عمر. وقال الدارقطني: إن هذا السند وَهِمَ فيه إسماعيل بن أبي خالد على أبي إسحاق، وخالفه شعبة، والثوري، وإسرائيل عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر. قال: وإسماعيل -وإن كان ثقة- لكن هؤلاء أقوم بحديث أبي إسحاق منه. انتهى. قال الحافظ: ولكن الجواب عن مسلم أنه اعتمد على ما رواه

стр. 4382

شريك عن الحسن (١) عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، وعبد الله ابن مالك، كلاهما عن ابن عمر، فيدل على أن أبا إسحاق كان: يجمعهما تارة، ويفرد أحدهما تارة. والله أعلم. انظر النكت الظراف: جـ ٥ ص ٤٢٢ - ٤٢٣. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٠٧ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ. رجال الإسناد: ستة ١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليَشْكُرِيّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسِيُّ، نزيل نَيْسَابُور، ثقة مأمون سُنِّيٌ، توفي سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، تقدم في ١٥/ ١٥. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الفقيه الحجة الثبت، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر القرشي المدني الإمام

стр. 4383

الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني، ثقة فقيه ثبت، من [٣]، تقدم في ٤٩٠. ٦ - (ابن عمر) ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات نبلاء اتفقوا عليهم إلا شيخه فلم يخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وأنه نقل عن أحمد حنبل وإسحاق بن راهويه أنهما قالا: أصح الأسانيد الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. قوله: "صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة": أي جمع بينهما جمع تأخير. والله تعالى أعلم. تنبيه: حديث ابن عمر ﵄ هذا من رواية مالك عن الزهري، عن سالم، عنه أخرجه مسلم في "الحج" عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود عن القعنبي،-والمصنف هنا- (٦٠٧) عن عبيد الله ابن سعيد، عن ابن مهدي- ثلاثتهم عن مالك به. وشرح الحديث واضح، وكذا المسائل المتعلقة به واضحة مما سبق،

стр. 4384

فلا حاجة لإعادتها. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٠٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، إِلاَّ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ وَقْتِهَا. رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثَّقَفي البَغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم المكي، ثقة ثبت حجة إمام، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة وَرِع لكنه يدلس، توفي سنة ١٤٧، من [٥]، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (عمارة) بن عمير التيمي من بني تيم الله بن ثعلبة، الكوفي، ثقة ثبت، من [٤]. قال البخاري عن علي بن المديني: له نحو ثمانين حديثًا. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: ثقة، وزيادة، يسئل عن مثل

стр. 4385

هذا؟ وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان خيارًا. وقال ابن سعد: توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك. وكذا قال ابن حبان في الثقات. وقال: رَوَى عن عبد الله ابن عمر. وخليفة بن خياط (١). وزاد سنة ٩٨، وكذا جزم بروايته عن ابن عمر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، وأما ابن أبي خيثمة فَحَكى عن يحيى بن معين أنه مات سنة ٨٢، أخرج له الجماعة. ٥ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، توفي سنة ٨٣، ثقة من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٧/ ٤١. ٦ - (عبد الله) بن مسعود بن غافل بن حَبيب الهُذلي، أبو عبد الرحمن من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، أمّره عمر على الكوفة، ومات سنة ٣٢ أو في التي بعدها بالمدينة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأنهم كوفيون إلا شيخه فبغلاني، وأن فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، الأعمش، وعُمَارة، وعبد الرحمن.

стр. 4386

ومنها: أن عبد الله هنا هو ابن مسعود، لأن الراوي عنه كوفي، للقاعدة المعروفة أن عبد الله إذا أطلق في الصحابة، ينظر إلى البلدان، كما قال في ألفية المصطلح: وَحَيْثُمَا أطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي بمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْر، أوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرة الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أطْلِق ابْنُ عَمْرِو وقد تقدم هذا غير مرة، وإنما أعدته تنبيهًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: ما رأيت النبي ﷺ جَمَعَ بين صلاتين) أي في وقت أحدهما (إِلا بجمع) أي بمزدلفة، وتقدم قريبًا علة تسميتها به. وقد احتج بهذا الحديث الحنفية على منع الجمع بين الصلاتين في السفر؛ لأن ابن مسعود من ملازمي النبي ﷺ ، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في المزدلفة. وأجاب الجمهور القائلون بجواز الجمع في السفر عنه بأنه نفي لعلمه، والمثبت مقدم عليه؛ لأن معه زيادة علم، كما أفاده النووي في "المجموع" جـ ٤ ص ٣٧٣، وقال في "شرح مسلم" جـ ٩ ص ٣٧: والجواب عن هذا الحديث أنه مفهوم، وهم -يعني الحنفية- لا يقولون

стр. 4387

تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع، ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. والله أعلم. اهـ. كلام النووي. (وصلى) النبي ﷺ (الصبح يومئذ) أي يوم إذْ بات بمزدلفة. (قبل وقتها) أي المعتاد، يعني أنه صلى صلاة الصبح في ذلك اليوم قبل ميقاتها المعتاد، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر، فقوله: "قبل وقتها": المراد قبل وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك لا يجوز بإجماع المسلمين، فيتعين التأويل المذكور. وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث في بعض رواياته أن ابن مسعود صلى الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة، ثم قال: إن رسول الله ﷺ صلى الفجر هذه الساعة، وفي رواية: فلما طلع الفجر قال: إن رسول الله ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم". واستدل به لأبي حنيفة في استحباب الصلاة في آخر الوقت في غير هذا اليوم، ومذهب الجمهور استحباب الصلاة في أول الوقت في كل الأيام، ولكن في هذا اليوم أشد استحبابًا. أفاده النووي ﵀ في شرح مسلم جـ ٧ ص ٣٧. وقد تقدم تحقيق المسألة، وترجيح مذهب الجمهور بالدلائل في الباب (٢٥) فارجع إليه تستفد. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 4388

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا من رواية عبد الرحمن بن يزيد عنه متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا (٦٠٨)، وفي "الكبرى" (١٥٧٨) عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن، عنه. وفي "المناسك" (٣٠٣٨) عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. و (٣٠١٠) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش به. و (٣٠٢٧) عن القاسم بن زكريا، عن مصعب بن المقدام، عن داود الطائي، عن الأعمش به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "الحج" عن عمر بن حفص، عن أبيه. ومسلم فيه عن يحيى، وأبي بكر، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية- وعن عثمان، وإسحاق، كلاهما عن جرير. وأبو داود فيه عن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد- وأبي عوانة- وأبي معاوية- خمستهم عن الأعمش به.

стр. 4389

وسائر متعلقات الحديث واضحة مما مر فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4390

٥٠ - كَيْفَ الْجَمْعُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل: كيف الجمع بين الصلاتين؟ والجواب واضح من قوله: فلما أتى المزدلفة صلى الغرب، ثم نزعوا رحالهم، ثم صلى العشاء. والله تعالى أعلم. ٦٠٩ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْدَفَهُ مِنْ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَتَى الشِّعْبَ نَزَلَ، فَبَالَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَهْرَاقَ الْمَاءَ، قَالَ: فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ". فَلَمَّا أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ نَزَعُوا رِحَالَهُمْ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم، أبو عَمَّار المروزي، ثقة توفي سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود

стр. 4391

والترمذي والنسائي، تقدم في ٤٤/ ٥٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي ثقة ثبت حجة إمام، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (إِبراهيم بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني مولى آل الزبير، أخو موسى، ثقة، من [٦]. قال ابن المديني: له عشرة أحاديث، وقال أحمد ويحيى والنسائي: ثقة. ونقل الغلابي عن ابن معين أنه قال: إبراهيم أحب إلي من موسى. وقال الدارقطني: ثقة ليس فيه شيء. وقال مصعب بن عبد الله: كانت له هيبة وعلم. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: يكتب حديثه، وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث. وقال أبو داود: وإبراهيم، وموسى، ومحمد: بنو عقبة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٤ - (محمد بن أبي حرملة) القرشي المدني، مولى عبد الرحمن ابن أبي سفيان بن حويطب وقد ينسب إليه، ثقة، توفي سنة بضع و ١٣٠، من [٦]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٥٧٨.

стр. 4392

٥ - (كريب) بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، أبو رِشْدِين المدني مولى ابن عباس، ثقة، توفي سنة ٩٨، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦١/ ٢٥٣. ٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١. ٧ - (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحِيل الكَلْبي الأمير، أبو محمد، وأبو زيد، الصحابي المشهور ﵁، مات سنة ٥٤ بالمدينة، عن ٧٥ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٦/ ١٢٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منيها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن كريبًا ليس في الكتب الستة من يسمى باسمه غيره، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أسامة بن زيد) ﵄، حِبُّ رسول الله ﷺ وابن حِبِّهِ (وكان النبي ﷺ أردفه من عرفة) أي حمله على ظهر راحلته، وفيه جواز ركوب الاثنين على دابة إذا كانت تطيق ذلك، وجملة: وكان … الخ معترضة، أنه قال: (فلما أتى) أي النبي ﷺ -

стр. 4393

(الشِّعْب) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والمراد به الشعب المعهود للحجاج، قاله العيني. (نزل) أي عن راحلته (فبال، ولم يقل أهراق الماء) أي لم يقل أسامة: أهراق الماء موضع "بال"، بل صرح بذكر البول وأراد بهذا أنه حفظ اللفظ المسموع، وراعاه في التبليغ، وأنهم ما كانوا يتحاشون عن لفظ البول بلفظ كنايته، وهو أهْرَاق الماء. وأهراق، أصله: أراق، يقال: أراقه، يُرِيقُه، فهو مُرِيق، والمفعول مُرَاق، فأبدلت الهمزة هاء، فقيل: هَرَاقَه، والأصل هَرْيَقَهُ، وزان دَحْرَجَه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تفتح الدال من يُدَحْرِجُه، وتفتح من الفاعل والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيق، ومُهَرَاق، والأمر: هرق ماءك والأصل هَرْيِقْ، وزان دَحْرِج". وقد يجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهْرَاقَهُ، يُهْرِيقُه، ساكن الهاء تشبيها له بأسْطَاع يُسْطيع، كأن الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًا. أفاده في المصباح. قال الجامع: ما هنا مما جمع فيه بين الهاء والهمزة. (قال) أسامة (فصببت عليه من إِداوة) بالكسر: المطهرة، وجمعها: أدَاوَى بالفتح. وفيه جواز الاستعانة على الوضوء في صب الماء.

стр. 4394

(فتوضأ وضوءًا خفيفًا) يحتمل أن يكون خفيفًا من حيث الكمّ، أي لم يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، أو من حيث الكيف أي لا يبالغ في دلك الأعضاء. قيل: إنما خففه لأنه لم يرد الصلاة به، وإنما توضأ ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره، فإنه كان في عامة أحواله على طهر. وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله، لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة. وقال غيره: إنما فعله لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه ﷺ كان لا يبقى بغير طهارة. قال الجامع: فيه نظر، إذ لا دليل على أنه كان لا يبقى على غير طهارة. والله أعلم. وقال الخطابي: إنما ترك إسباغه ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، ويجوز فيه لأنه لم يُرِدْ أن يصلي به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. ذكره العيني في "عمدته" جـ ٢ ص ٢٦٠. قال أسامة: (فقلت لى: الصلاة) بالنصب على الإغراء، أو على الحذف، والتقدير: أتريد الصلاة؟ قال الحافظ: ويؤيده قوله في رواية تأتي: فقلت: أتصلي يا رسول الله، ويجوز الرفع على تقدير: حانت الصلاة أو: حضرت. (فقال) ﷺ (الصلاة أمامك) برفع الصلاة على الابتداء، والخبر "أمامك"، وهو بفتح الهمزة، أي قدامك، ثم إنه يحتمل نصبه على الظرفية، فيتعلق بمحذوف خبر عن المبتدإ، ويحتمل الرفع على أنه خبر،

стр. 4395

لأنه من الظروف التي تقبل التصرف، كما قال ابن مالك: وَمَا يُرَى ظَرْفًا وَغَيْرَ ظَرْفِ … فَذَاكَ ذُو تَصَرّفٍ فِي الْعُرْفِ انظر "حاشية الصبان على الأشموني" جـ ٢ ص ١٣١. قال الخطابي ﵀: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة، وهي أمامه، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس، لبيان فعل النبي ﷺ . وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ مزدلفة، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه ﷺ بفعله، وبَيَّنه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان لما أخرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام. وقال الكرماني ﵀: ليس فيه دليل على أنه لا يجوز، إذ فعلُهُ المجرد لا يدل إلا على الندب، وملازمة الشرطية في قوله: لما أخرها ممنوعة، لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير، إذ الأصل عدم الجواز. قال البدر العيني ﵀: قلت: لا نسلم نفي الدليل على عدم الجواز، لأن فعله قارنه قوله، فدل على عدم الجواز، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالمًا بالسنة، ولم يكن يعلم ذلك، لأنه ﵊ أول ما سنها في حجة الوداع، والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فقِرَانُ فعله بقوله دليلٌ على عدمِ الجواز، ووجوبِ تأخيرها إلى غير وقتها المَعهود. والله أعلم. اهـ. كلام العيني في "عمدته" جـ ٢ ص ٢٦٠.

стр. 4396

قال الجامع: ما قاله العيني ردًّا لكلام الكرماني تحقيق حقيق بالقبول. قال أبو محمد بن حزم: وأما قولنا: لا تجزئ صلاة المغرب تلك الليلة إلا بمزدلفة، ولابدّ، وبعد غروب الشفق، ولابد، فَلِمَا رَوَينا من طريق البخاري … فذكر حديث الباب، ثم قال: فإذا قد قصد ﵇ ترك صلاة المغرب، وأخبر بأن المصلَّي من أمام، وأن الصلاة من أمام، فالمُصَلَّى هو موضع الصلاة، فقد أخبر بأن موضع الصلاة ووقت الصلاة من أمام، فصح يقينًا أن ما قبل ذلك الوقت، وما قبل ذلك المكان ليس مُصَلّى، ولا الصلاة فيه صلاة. اهـ. المحلى جـ ٧ ص ١٢٩. قال الجامع: هذا تحقيق نفيس، والحاصل أن الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة المغرب لا تجزئ إلا في المزدلفة وقت العشاء. والله تعالى أعلم. قال العيني ﵀: فإن قلت: "الصلاة أمامك" قضية حملية، فكيف يصح هذا الحمل؟ لأن الصلاة ليست بأمام. قلت: المضاف فيه محذوف، تقديره وقتُ الصلاة أمامك، إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، وقيل: معناه: "المُصَلَّى أمامك"، أي مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المَحَلّ، وهو أعم من أن يكون مكانًا أو زمانًا. اهـ. (فلما أتى المزدلفة صلى المغرب) أي بعد وضوئه بالإسباغ، وبعد

стр. 4397

الأذان والإقامة، ففي رواية البخاري: "فلما جاء المزدلفة نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب … (ثم نزعوا رحالهم) أي أنزلوا الرِّحَال عن ظهور جِمَالهم، والرِّحال جمع رَحْل، كسَهْم وسِهَام، ويجمع على أرْحُل، كَفَلْس وأفْلُس، والرحلُ: كل شيء يُعَدُّ للرَّحِيل من وِعَاءٍ للمتاع، ومَرْكَبٍ للبعير، وحِلْسٍ وَرَسَنٍ. كما قاله الفيومي. وفي رواية البخاري: "ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله" وإنما فعلوا ذلك لئلا يحصل منها التشويش بقيامها. وفيه جواز الفصل بين الصلاتين بقليل مثل إناخة الجمال، ونحوه. (ثم صلى العشاء) أي بعد الإقامة، ففي رواية البخاري: "ثم أقيمت العشاء، فصلى، ولم يُصَلِّ بينهما"، وفيه أنه لا يشرع الفصل بين الصلاتين، بالتطوع. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أسامة ﵁ هذا متفق عليه بنحوه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: هذا الحديث من رواية ابن عباس عن أسامة ﵃ من أفراد المصنف ﵀. أخرجه هنا (٦٠٩)، وفي "الكبرى" (١٥٧٩) عن الحسين بن الحريث، عن ابن عيينة، عن إبراهيم، ومحمد بن أبي حَرْمَلَة، وفي

стр. 4398

الكبرى عن إبراهيم وحده، كلاهما عن كريب، عن ابن عباس عنه. وقال الحافظ أبو الحجاج الْمِزِّيُّ ﵀: والصحيح عن أسامة. اهـ. "تحفة الأشراف" جـ ١ ص ٤٨ يعني أن الصحيح كونه من رواية كريب عن أسامة، لا عن ابن عباس عنه. ولعله لمخالفة ابن عيينة لغيره، فقد رواه عبدُ الله بنُ المبارك، وزهيرُ بن معاوية عند مسلم، والثوريُّ، وحمادُ بن زيد عند المصنف، كلهم عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن أسامة، وفي بعض الطرق تصريحه بأنه سأل أسامة ﵁. قال الجامع: لكن الجمع ممكن بأنه سمعه عن ابن عباس عنه، ثم سأل بعدُ أسامةَ، فأخبره به، فإن ابن عيينة ثقة ثبت حافظ فمخالفته لهم لا تضره، لما ذكرنا. فتنبه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرج معه: قد ذكرنا آنفًا أنه من رواية كريب عن ابن عباس عن أسامة من أفراد المصنف، وأما من رواية كريب عن أسامة نفسه، فقد أخرجه البخاري في "الطهارة" عن القعنبي- وفي الحج عن عبد الله بن يوسف- كلاهما عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن أسامة ﵁. وفي "الطهارة" عن محمد بن سَلام، عن يزيد بن هارون - وفي "الحج" عن مسدد، عن حماد بن زيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن موسى به. وأخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن محمد بن رُمْح، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد به. وعن أبي

стр. 4399

بكر، وأبي كريب، كلاهما عن ابن المبارك، وعن إسحاق، عن يحيى ابن آدم، عن زهير، كلاهما عن إبراهيم بن عقبة، وعن إسحاق، عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عقبة- كلاهما عن كريب به. وأخرجه أبو داود في "الحج" عن القعنبي به. وأخرجه المصنف فيه عن محمود بن غَيْلان، عن وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن عقبة به. وفي "الكبرى" عن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون به. وعن قتيبة، عن مالك به. وعن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن إبراهيم به (١). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: جواز الإرداف على الدابة إذا أطاقت ذلك. ومنها: جواز الاستعانة في الوضوء في صب الماء. ومنها: مشروعية التخفيف في الوضوء. ومنها: استحباب الوضوء للدوام على الطهارة، وإن لم يصل به صلاة، إذ هي عبادة تَرَتَّب عليها تكفير الذنوب، فقول من قال بكراهة الوضوء إثر الوضوء ما لم يؤدّ بالأول صلاة فلا وجه له، وقد تقدم تحقيق هذا في كتاب الطهارة، في باب "ثواب من توضأ كما أمِر" ١٠٨/ ١٤٧ فارجع إليه تزدد علمًا.

стр. 4400

ومنها: أن صلاة المغرب في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة لا تُجْزِئُ، على القول الراجح، لقوله: "الصلاةُ أمامُك". ومنها: أن الفصل بين الصلاتين بتنزيل الرحل ونحوه لا يضر في الجمع. ومنها: أنه لا يشرع الفصل بينهما بأداء سنة المغرب، لقوله: "ولم يُصَلِّ بينهما" كما في الرواية التي أشرنا إليها سابقًا. وأما تفصيل المذاهب في حكم الصلاة في الطريق، وفي جواز الفصل بينهما بالنافلة، وفي حكم الأذان والإقامة لكل منهما، وغير ذلك فسيأتي مستوفًى في محله إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4401

٥١ - فَضْلُ الصَّلاةِ لِمَوَاقِيتِهَا أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على فضل الصلاة في مواقيتها المحددة لها. فاللام هنا بمعنى "في"، لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض عند الكوفيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أفاده العيني في عمدته جـ ٤ ص ١٥٤. اعلم: أن كل ما تقدم من الأحاديث في الأبواب السابقة مما يدل على جواز الصلاة لغير وقتها المعتاد لها إنما هو من باب التيسير والتسهيل، إلا ما كان بعرفة ومزدلفة فالأولى لمن لا يشق عليه أن يصلي كل صلاة لوقتها، إلا في هذين الموضعين على خلاف فيهما أيضًا، سيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى. فكأن المصنف ﵀ يشير بهذه الترجمة إلى ما ذكرته، تنبيهًا على أن الأفضل أداء كل صلاة في وقتها المحدد لها، لحديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب، فإنه صريح في أن أداء الصلاة لوقتها أحب العمل إلى الله تعالى. والله أعلم. ٦١٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا

стр. 4402

عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ- وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ". رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) بن بَحْر بن كُنَيز، أبو حفص الفَلاس الصَّيْرفي الباهلي البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ القطان، أبو سعيد البصري، ثقة متقن حافظ إمام قُدْوَة، توفي سنة ١٩٨، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الوَرْد العَتَكِيُّ مولاهم أبو بِسْطَام الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (الوليد بن العَيْزَار) بن حُرَيث العبدي الكوفي، ثقة، من [٥]. وفي الخلاصة: العَيْزار -بفتح المهملة، وإسكان التحتانية، ثم

стр. 4403

زاي-، رَوى عن أبيه، وعكرمة، وأبي عمرو الشيباني، وعنه يونس بن أبي إسحاق، وأبو يعقوب الصغير، ومالك بن مِغْوَل، وإسرائيل والمسعودي، وشعبة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: كوفي ثقة. انتهى. أخرج له الشيخان، والترمذي، والمصنف. ٥ - (أبو عمرو الشيباني) سَعْد بن إياس الكوفي، ثقة مخضرم، من [٢]. قال إسماعيل بن أبي خالد عنه: تكامل شبابي يوم القادسية، فكنت ابن أربعين سنة، وكانت وَقْعَة القادسية سنة ١٦، وقال أيضًا: بُعِثَ النبي ﷺ ، وأنا أرْعَى إبلًا لأهلي بكاظِمَةَ. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال هبة الله بن الحسن البصري: مُجْمَع على ثقته. وقال إسماعيل بن أبي خالد: عاش عشرين ومائة سنة. وقال الحافظ: فتكون وفاته سنة ٩٦، وأرخه ابن عبد البر في الاستيعاب سنة ٩٥، وسماه ابن حبان في "الثقات": سعيدًا، وقال: حج في الجاهلية، وليست له صحبة. ورَوَى عن عمر وغيره. وعنه الناس، حضر القادسية، وهو ابن أربعين سنة، ومات بعد أن تم له ١٢٠ وكانت القادسية سنة ٢١، قال: فكأنه مات سنة ١٠١، وقال أبو نعيم في الصحابة: سعد بن إياس،

стр. 4404

ويقال: سعيد. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. ووثقه العجلي أيضا، وذكر الصريفيني أنه مات سنة ٩٨، والله أعلم. أخرج له الجماعة. ٦ - (عبد الله) بن مسعود ﵁، تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا الوليد، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه، وأن شيخه ممن اتفق الستة على الرواية عنه بدون واسطة، كما تقدم غير مرة، وفيه رواية تابعي عن تابعي: الوليد، عن أبي عمرو الشيباني. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) الوليد بن العيزار (سمعت أبا عمرو) سعد بن إياس (الشيباني) بفتح الشين المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها باء موحدة، ثم ألف، ثم نون: نسبة إلى قبيلة شيبان بن ثعلبة، كما قاله الصنعاني في العدة. (يقول) في محل نصب على الحال من المفعول، أو مفعول ثان لسمعت على رأي بعض النحاة. (حدثنا صاحب هذه الدار) كذا رواه شعبة مبهمًا، وقد صرح أبو معاوية النخعي في الرواية التالية بأنه عبد الله بن مسعود.

стр. 4405

(وأشار) أبو عمرو حينما قال: حدثنا صاحب هذه الدار (إِلى دار عبد الله) بن مسعود ﵁؛ فيه الاكتفاء بالإشارة المُفْهِمَة عن التصريح. قاله في "الفتح". (قال) صاحب تلك الدار، وهو ابن مسعود (سألت رسول الله ﷺ أيُّ العمل أحب إلى الله تعالى؟) وفي رواية مالك بن مغول: "أي العمل أفضل؟ "، وكذا لأكثر الرواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسئول به، فلفظ حديث الباب ملزوم عنه. قاله في "الفتح". فإن قيل: جاء إن إطعام الطعام خير أعمال الإسلام، وجاء إن أحب العمل إلى الله أدومه، وغير ذلك مما قيل فيه: إنه أحب الأعمال إلى الله، أو أفضل الأعمال إلى الله. فما وجه التوفيق بين تلك النصوص؟ أجيب بأن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بأنْ أعْلَمَ كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بمالهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال، لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها (١) بل المراد

стр. 4406

بها الفضل المطلق، أو المراد من أفضل الأعمال، فحذفت "من"، وهي مرادة. وقال ابن دقيق العيد الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان، لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذ بينه وبين حديث أبي هريرة "أفضل الأعمال إيمان بالله … " الحديث. وقال غيره: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين، لأنه يتوقف على إذن الوالدين، فيكون برهما مقدمًا عليه. اهـ "فتح الباري" جـ ٢ ص ١٢، ١٣. (قال) ﷺ (الصلاة على وقتها) مبتدأ حذف خبره، لدلالة السؤال عليه كما قال في الخلاصة: وَحَذُفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ: زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا؟ أي أحب الأعمال إلى الله. قال العيني: واستعمال لفظة "على" هنا بالنظر إلى إرادة الاستعلاء على الوقت والتمكن من أدائها في أيّ جزء من أجزائها. قال ابن بطال: فيه أن البِدَار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيها، لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قال الحافظ: وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر. قال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولًا ولا آخرًا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاءً، وتعقب بأن إخراجها عن

стр. 4407

وقتها محرم، ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور، كالنائم والناسي؛ فإن أخراجهما عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال، مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب. والله تعالى أعلم. تنبيه: اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب، وهو قوله: "على وقتها"، وخالفهم علي بن حفص -وهو شيخ صدوق من رجال مسلم- فقال: "الصلاة في أول وقتها". أخرجه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي من طريقه، قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه؛ لأنه كبر، وتغير حفظه. قال الحافظ: ورواه الحسن بن علي المعمري في "اليوم والليلة" عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، كذلك. قال الدارقطني: تفرد به المعمري، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: "على وقتها"، ثم أخرجه الدارقطني عن المحاملي، عن أبي موسى كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمري

стр. 4408

وَهِمَ فيه، لأنه كان يحدث من حفظه. وقد أطلق النووي في "شرح المهذب" أن رواية "في أول وقتها" ضعيفة. اهـ. قال الحافظ: لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وغيرهما من طريق عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة، كذا أخرجه البخاري وغيره، وكأن من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة "عَلَى" لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت، فيتعين أوله. قاله في "الفتح". (وبر الوالدين) هكذا في رواية المصنف هنا وفي "الكبرى": "وبر الوالدين"، وفي رواية الشيخين وغيرهما: "قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين". والبر -بالكسر: الإحسان، وبر الوالدين: الإحسان إليهما، والقيام بخدمتهما، وترك العقوق والإساءة إليهما، قال الفيومي ﵀: وبَرِرْت والدي- أي من باب عَلِمَ -بالفتح- بِرًا -بالكسر- وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقْتُ به، وتَحَرَّيْتُ مَحَابَّهُ، وتوقيت مكارهه. اهـ. قال ابن دقيق العيد ﵀: وأما بِرُّ الوالدين، فقد قدم في هذا الحديث على الجهاد، وهو دليل على تعظيمه، ولا شك في أن أذاهما بغير وما يجب ممنوع منه، وأما ما يجب من البر في غير هذا ففي ضبطه

стр. 4409

إشكال كبير. اهـ. قال الصنعاني ﵀: وذلك أن البر هو الإحسان، ودرجات الإحسان متفاوتة، والواجب منها للوالدين غير منضبط. وقد ضبط ابن عطية الدرجات المتفاوتات في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات وفروض الكفايات كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دَعَتْه أمه ليمرضها مثلًا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصد به من تأنيسه لها، وغير ذلك، فلو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أول وقتها، وفي جماعة. اهـ. كلامه. قال الصنعاني: وليس بواضح، ولا شك أن ترك العقوق بر، وفقدان هذا المذكور من واجب البر، وليس هو كل ما يجب منه. اهـ. "العدة" جـ ٢ ص ١٤. تنبيه: قد تقدم في رواية الشيخين وغيرهما "قال: ثم أيُّ؟ قال: بر الوالدين"، الحديث. قال الفاكهاني: إن "أي" غير منون لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده. وقال ابن الجوزي في هذا الحديث: "أيُّ" مشدد منون، كذلك سمعت من ابن الخشاب، وقال: لا يجوز إلا تنوينه، لأنه معرب غير مضاف.

стр. 4410

قال الحافظ: وتعقب بأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أي العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين. اهـ. "فتح الباري" جـ ٢ ص ١٤. وقال العيني بعدما تقدم: قلت: قال النحاة: إن أيًا الموصولة، والشرطية، والاستفهامية معربة دائمًا، فإذا كانت "أي" هذه معربة عند الإفراد، فكيف يقال: إنها مبنية عند الإضافة؟. ولما نقل سيبويه هذا هكذا أنكر عليه الزجاج، فقال: ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين هذا أحدهما، فإنه يُسَلِّم أنها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت. اهـ. كلام العيني في "عمدته" جـ ٤ ص ١٥٥، ١٥٦. (والجهاد في سبيل الله وعند الشيخين وغيرهما: قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". والجهاد: بالكسر مصدر جاهد، وهو محاربة الكفار لإعلاء كلمة الله، وإظهار. شعائر الإسلام بالنفس والمال. فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر، قلت: هذه الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان، فمن ضَيَّع الصلاة التي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشد تضييعًا، وأشد تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك بر والديه فهو لغير ذلك من حقوق الناس أشد تركًا، وكذا الجهاد في سبيل الله؛ من تركه مع قدرته عليه عند تعينه عليه، فهو لغير ذلك من الأعمال التي يتقرب

стр. 4411

بها إلى الله تعالى أشد تركًا. اهـ. "عمدة القاري" ببعض تغيير. وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: وأما الجهاد في سبيل الله تعالى فمرتبته في الدين عظيمة، والقياس يقتضي أنه أفضل سائر الأعمال التي هي وسائل؛ فإن العبادات على قسمين: منها ما هو مقصود لنفسه، ومنها ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب المتوسل إليه، فحيث تعظم فضيلة المتوسل إليه تعظم فضيلة الوسيلة، ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخمال الكفر، ودحضه، كانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك. والله أعلم. اهـ. "إحكام الأحكام" جـ ٢ ص ١٥. والله تعالى أعلم. تنبيه: زاد في رواية الشيخين في آخر هذا الحديث: "قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني". والقائل هو: ابن مسعود ﵁، وفيه تقرير، وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال بنفسه. وقوله: ولو استزدته. إلخ، يحتمل أن يريد من هذا النوع، وهو مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يريد من مطلق المسألة المحتاج إليها، وزاد الترمذي من طريق المسعودي عن الوليد: فَسَكَتَ عني رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني. فكأنه استشعر منه مشقة، ويؤيده ما في رواية مسلم: "فما تركت أن أستزيده إلا إرعاء عليه"، أي شفقة

стр. 4412

عليه لئلا يسأم. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ١٤. والله ولي التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا من رواية أبي عَمْرو الشيباني عنه متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦١٠) وفي "الكبرى" (١٥٨٠) عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو، عنه. و (٦١١) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن ابن عيينة، عن أبي معاوية النخعي، عن أبي عمرو، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة"، وفي "الأدب" عن أبي الوليد، وفي "التوحيد" عن سليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة- وفي "الجهاد" عن الحسن بن الصباح، عن محمد بن سابق، عن مالك بن مِغْول- وفي "التوحيد" أيضًا عن عباد بن يعقوب الأسدي، عن عباد بن العَوَّام، عن أبي إسحاق الشيباني- ثلاثتهم عن الوليد بن العيزار، عنه به.

стр. 4413

وأخرجه مسلم في "الإيمان" عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، وعن بندار، عن غندر- كلاهما عن شعبة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني به. وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن مروان بن معاوية، عن أبي يعفور عبد الرحمن بن عبيد ابن نسطاس، عن الوليد بن العيزار به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عنه به. وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن قتيبة، عن مروان الفزاري به. وفي "البر والصلة" عن أحمد بن محمد المروزي، عن ابن البارك، عن المسعودي، عن الوليد بن العيزار به، وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو فضل الصلاة في وقتها المعتاد. ومنها: فضل بر الوالدين، وأن أعمال البر يفضل بعضها على بعض، وأن فيه السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد، والرفق بالعالم، والتوقف عن الإكثار عليه خشية إملاله، وما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي ﷺ ، والشفقة عليه، وما كان هو عليه من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه، وفيه أن الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا كانت مُعَيِّنةً للمشار إليه مُمَيِّزَةً له عن غيره. قال ابن بزيزة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن لأن فيه بذل النفس، إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات،

стр. 4414

وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر دائم، لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون، والله أعلم. قاله في "الفتح". جـ ٢ ص ١٤. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦١١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، سَمِعَهُ مِنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ؟ قَالَ: "إِقَامُ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المِسْور بن مَخْرَمَة الزهري البصري، صدوق، توفي سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: من الثقات، قليل الخطأ، وذكره ابن حبان في الثقات. رَوَى عنه مسلم ١٤ حديثًا. روى عنه الجماعة إلا البخاري. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي أبو محمد الحافظ الحجة الإمام، من [٨]، تقدم في ١/ ١.

стр. 4415

٣ - (أبو معاوية النخعي) عمرو بن عبد الله بن وهب الكوفي، ثقة، من [٦]. ويقال: أبو سليمان. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ثقة، صالح الحديث. وقال أيضا: أخطأ زيد بن الحباب، حيث قال: عمرو بن وهب بن عبد الله، يعني أنه قلبه، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري، والمصنف، وابن ماجه. ٤ - (أبو عمرو الشيباني). ٥ - (عبد الله بن مسعود). تقدما في السند السابق. وكذلك شرح الحديث، وسائر متعلقاته، واضحة مما مر قريبًا، فارجع إليها، وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦١٢ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، وَعَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُوتِرُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ: هَلْ بَعْدَ الأَذَانِ وِتْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَبَعْدَ الإِقَامَةِ، وَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ
следующие страницы →