قال عبد العزيز (فأخبرني) أي عبد الله بن محيريز (أن أبا محذورة قال له: خرجت في نفر) بفتحتين، وهو كما في المصباح: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة. وفي الرواية التالية: "خرجت عاشر عشرة من أهل مكة".
(فكنا ببعض طريق حنين) بصيغة التصغير: واد بين مكة والطائف، وهو مذكر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة، وقصة حنين: أن النبي ﷺ فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هوازن، وثقيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثم أمدهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغنموا أموالهم، وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على نخلة اليمامة، ومنهم من سلك الثنايا.
وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك نخلة، ويقال: إنه ﵊ أقام عليها يومًا وليلة، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغنم المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال، فلما أهل ذو القعدة ترك القتال، لأنه شهر حرام، ورحل راجعًا، فنزل الجعرانة وقسم بها غنائم أوطاس، وحنين، ويقال: كانت ستة آلاف سبي.
стр. 4552
(مقفل رسول الله ﷺ ) بفتح الميم والفاء بينهما قاف ساكنة: ظرف زمان من القفول، وهو الرجوع، أي زمن رجوعه (من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ ، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن عنه متنكبون) أي معرضون عن طريق رسول الله ﷺ ، يقال: نكب عن الطريق: إذا عدل عنه، وتنكب: أي تنحى، وأعرض انتهى زهر، والجملة في محل نصب على الحال.
(فظللنا) بكسر اللام الأولى، يقال: ظل يفعل كذا، يظل، من باب تعب، ظلولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب:
ظل إلا لعمل يكون بالنهار، قاله في المصباح.
(نحكيه) أي نشابه صوت المؤذن يقال: حكيت الشيء، أحكيه، حكايته: إذا أتيت بمثله على الصفة التي أتى بها غيرك، فأنت
كالناقل، ومنه حكيت صنعته: إذا أتيت بمثلها، وهو هنا كالمعارضة، وحكوت أحكوه لغة، قاله الفيومي.
(ونهزأ به) أي نحكيه استهزاء به. فالجملة بيان لمعنى الحكاية، أي إنما حكوا صوته من أجل الاستهزاء به (فسمع رسول الله ﷺ الصوت) أي صوت أذاننا وقت الحكاية (فأرسل إِلينا حتى وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع) أيكم: مبتدأ، خبره الموصول، وجملة "قد ارتفع" في محل نصب
стр. 4553
على الحال من الصوت (فأشار القوم إِلي، وصدقوا) أي أشار رفقاؤه بأنه الذي سمع صوته مرتفعًا، وقد صدقوا في ذلك، حيث إنه كان أحسنهم صوتًا (فأرسلهم كلهم) أي أطلق رسول الله ﷺ سراح رفقائه، لأنه إنما طلبهم ليتعرف على الرجل الحسن الصوت، فلما عرفه أطلقهم (وحبسني) أي أمسكني عنده (فقال: قم، فأذن) فيه وجوب القيام للأذان، حيث أمر به النبي ﷺ ، وأمره للوجوب ما لم يصرفه صارف، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه (فأذنت بالصلاة) أي
أردت الأذان (فقمت، فألقى علي رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه) فيه فضل أبي محذورة ﵁ حيث ألقى عليه رسول الله التأذين بنفسه.
(قال: "قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) فيه تربيع التكبير في أول الأذان، وقد تقدم جواز التثنية أيضًا، لصحة الرواية فيه، كما تقدم تحقيقه (أشهد أن لا إِله إِلا الله، أشهد أن لا إِله إِلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ثم قال: ارجع فامدد صوتك) هذا صريح في أنه ﷺ أمره بالترجيع، فسقط ما توهمه النفاة أنه كرره له تعظيمًا، فظنه ترجيعًا، قاله السندي.
(ثم قال: "قل: أشهد أن لا إِله إِلا الله، أشهد ألا إِله إِلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله،
стр. 4554
حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إِلا الله، ثم دعاني حين
قضيت التأذين، فأعطاني صرة) بضم الصاد المهملة، وتشديد الراء المهملة: ما يجمع فيه الشيء، ويشد، جمعه صرر، كغرفة، وغرف. (فيها شيء من فضة) استدل به ابن حبان على الرخصة في أخذ الأجرة على الأذان، وعارض به الحديث الوارد في النهي عن ذلك.
قال ابن سيد الناس: ولا دليل فيه لوجهين:
الأول: أن حديث أبي محذورة هذا متقدم قبل إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي، فحديث عثمان متأخر بيقين.
الثاني: أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، بل أقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام، كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرقها الاحتمال سلبها الاستدلال، لما فيها من الإجمال، ذكره في "زهر الربى".
(فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة) فيه استحباب طلب التأذين طلبًا لأجره العظيم (فقال: قد أمرتك به) بتخفيف الميم من الأمر خلاف النهي، لا من التأمير.
(فقدمت) بكسر الدال من باب تعب (على عتاب) بفتح العين المهملة، وتشديد المثناة الفوقية (بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة - بن أبي العيص -بكسر المهملة- بن أمية الأموي، أبي عبد الرحمن،
стр. 4555
أو أبي محمد المكي، صحابي، كان أمير مكة في عهد النبي ﷺ ، ومات في يوم مات أبو بكر الصديق ﵄ فيما ذكر الواقدي، وذكر الطبراني أنه كان عاملًا على مكة لعمر ﵁ سنة إحدى وعشرين. أفاده في التقريب. (عامل رسول الله ﷺ ) بالجر صفة لعتاب، ويحتمل الرفع خبرًا لمحذوف، أي هو، والنصب مفعولًا لمحذوف أيضًا، أي أعني، أو حالًا من عتاب (بمكة) متعلق بعامل. (فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ ) عن أمر: متعلق بحال محذوف، أي حال كون التأذين صادرًا عن أمره ﷺ ويحتمل كون "عن" بمعنى بعد، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي بعد أمره، أو بمعنى الباء أي بأمره، فتتعلق "بأذنت". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
الأولى: في درجته:
حديث أبي محذورة ﵁ هذا صحيح، تقدم تخريجه برقم (٦٣٠).
الثانية: في فوائده:
منها: ما بوب عليه المصنف ﵀، وهو بيان كيفية الأذان.
ومنها: حرص السلف على تعلم أمور الدين.
стр. 4556
ومنها: فضل أبي محذورة ﵁ حيث ألقى النبي ﷺ الأذان عليه بنفسه.
ومنها: عظيم حلمه ﷺ حيث لم يعاقب هؤلاء المستهزئين به.
ومنها: تربيع التكبير في أول الأذان، وتكرير سائر كلماته، إلا كلمة التوحيد، فتفرد.
ومنها: مشروعية الترجيح في الأذان.
ومنها: تأليف من كان قريب العهد بالإسلام، ليثبت الإيمان في قلبه بإعطاء شيء من المال.
ومنها: جواز طلب التأذين طلبًا لعظيم ثوابه.
والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
رجال الإسناد: سبعة
١، ٢، ٣ - تقدموا في السند السابق.
٤ - (عثمان بن السائب) الجمحي المكي مولى أبي محذورة، مقبول، من [٦]، روى عن أبيه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة،
وروى عنه ابن جريج، ذكره ابن حبان في الثقات، روى له المصنف وأبو داود هذا الحديث فقط، قال ابن القطان غير معروف.
٥ - (السائب) والد عثمان الجمحي المكي مولى أبي محذورة، روى عن أبي محذورة. وعنه ابنه عثمان، ذكره ابن حبان في الثقات. له عند المصنف وأبي داود هذا الحديث فقط. وقال الذهبي: لا يعرف، وفي "ت" مقبول، من [٣].
٦ - (أم عبد الملك بن أبي محذورة) زوج أبي محذورة مقبولة، من [٣]، أخرج لها أبو داود والنسائي.
٧ - (أبو محذورة) سمرة بن معير ﵁، تقدم في (٦٣٠). والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث صحيح، وتقدم تخريجه في (٦٣٠) وشرحه يعلم مما سبق، غير أن بعض المواضع يحتاج إلى توضيح، فمنها:
стр. 4560
(قوله: عاشر عشرة) أي واحدًا من جماعة منحصرة في عشرة، وهو منصوب على الحال.
تنبيه:
من القواعد النحوية: أنه يصاغ من اثنين إلى عشرة وزن فاعل في المذكر، وفاعلة في المؤنث، وإذا أريد به بعض ما صيغ منه يضاف إليه وجوبًا، فيقال: عاشر عشرة، أي واحد من جملة عشرة، فلا يشترط كونه هو العاشر، بل المراد أنه واحد من العشرة. قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] أي واحدًا منهما، ويقال: "ثالث ثلاثة" أي واحد منها وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ حيث قال:
وَصُغْ مِنْ اثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَ إِلَى … عَشْرَةٍ كَفَاعِلٍ مِنْ فَعَلا
وَاخْتِمْهُ فِي التَّأنِيثِ بِالتَّا وَمَتى … ذَكَّرْتَ فَاذْكُرْ فَاعِلَا بِغَيْرِ تَا
وَإِنْ تُرِدْ بَعْضَ الَّذِي مِنْهُ بُنِي … تُضِفْ إِلَيْهِ مِثْلَ بَعْضٍ بَيِّنِ
(قوله: رجل رجل) هكذا النسخ بالرفع، وهو صحيح، أي أذن كل رجل منا واحدًا بعد واحد، فرجل الأول بدل من الضمير الفاعل، والثاني عطف عليه.
(وقوله: فمسح على ناصيتي) أي مسح النبي ﷺ على مقدم رأسه لتحصل له بركة يده ﷺ المباركة، فيحفظ ما يلقي عليه من ألفاظ الأذان، و"الناصية"، ومثلها "الناصاة": قصاص الشعر، وهو
стр. 4561
بتثليث القاف والضم أعلى: حيث تنتهي نبته من مقدمه، أو مؤخره. انتهى. "ق" بزيادة.
(قوله: وبرك علي) بتشديد الراء: أي دعا لي بالبركة، والتبريك: الدعاء بالبركة، والبركة محركة: النماء، والزيادة، والسعادة، وبارك الله لك، وفيك، وعليك، وبَارَكَكَ، وبارِكْ على محمد، وعلى آل محمد: أدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، قاله المجد. وفيه استحباب الدعاء بالبركة.
(قوله: الصلاة خير من النوم) مبتدأ وخبر، أي لذة الصلاة خير من لذة النوم عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق، ويمكن أن
يكون من باب "العسل خير من الخل". قاله القاري.
وفيه استحباب التثويب في أذان الفجر، وسيأتي تحقيقه في (٦٤٧) إن شاء الله تعالى.
(قوله: في الأولى) أي في المناداة الأولى، وفي نسخة "في الأول": أي في النداء الأول، والمراد الأذان دون الإقامة. قاله السندي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأقرب أن يفسر قوله: في الأول بالأذان الأول الذي يؤذن قبل الفجر، كما قال الصنعاني وغيره، يعني أنه علمه أن يقول في الأذان الأول للصبح: الصلاة خير من النوم
стр. 4562
مرتين، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4563
٧ - أَذَانُ المنْفَردِينَ فِي السَّفَرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان في حال السفر للمسافرين، وليس المراد بالمنفردين الذين يصلون فرادى، بل بمعنى الذين انفردوا عن أهلهم ووطنهم.
٦٣٤ - أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَقَالَ: "إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (حاجب بن سليمان) بن سليمان المنبجي -بنون ساكنة، ثم موحدة مكسورة، ثم جيم- أبو سعيد مولى بني شيبان، صدوق يهم، من [١٠].
قال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني في العلل: لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه، وذكر له حديثًا وهم في متنه، رواه عن وكيع،
стр. 4564
عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "قبل رسول الله بعض نسائه ثم صلى، ولم يتوضأ".
قال: والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: "كان يقبل، وهو صائم". وقال مسلمة بن قاسم: روى عن عبد المجيد بن أبي رواد وغيره أحاديث منكرة، وهو صالح يكتب حديثه. وقال ابن منده: مات بمنبج سنة خمس وستين ومائتين. انفرد به المصنف.
تنبيهان:
الأول: المنبجي بفتح فسكون، فكسر موحدة، آخره جيم: نسبة إلى قرية بالشام. أفاده في "لب اللباب".
الثاني: ما قاله الدارقطني في الحديث المتقدم تعقبه الحافظ الزيلعي، قائلًا: لقائل أن يقول: هو تفرد ثقة، وتحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة خطئه بحيث يجب ترك حديثه فلا يكون ثقة، ولكن النسائي وثقه، وإن لم يوجب خروجه عن الثقة فلعله لم يهم، وكان نسبة الوهم بسبب مخالفة الأكثرين له. انتهى التعليق المغني بهامش سنن الدارقطني جـ ١ ص ١٣٦.
٢ - (وكيع) بن الجراح بن مليح، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، ثقة، حافظ، عابد، توفي في آخر سنة ١٩٦ أو أول ١٩٧ وله ٧٠ سنة، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
стр. 4565
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفي ثقة، ثبت، حجة، من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (خالد الحذاء) بن مهران -بكسر الميم-، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل بضمها، وكسر الزاي- البصري، مولى قريش، وقيل: مولى بني مجاشع، رأى أنس بن مالك، ثقة يرسل، من [٥].
قال الأثرم عن أحمد: ثبت، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا
يحتج به، وقال ابن سعد: لم يكن خالد بحذاء، ولكن كان يجلس إليهم، قال: وقال فهد بن حيان: إنما كان يقول: احذ على هذا النحو، فلقب بالحذاء، قال: وكان خالد ثقة مهيبًا كثير الحديث، توفي سنة ١٤١، وكان قد استعمل على العشور بالبصرة، وقال محمد بن المثنى، عن قريش بن أنس: مات سنة ١٤٢ أو أكثر، وذكره ابن حبان في الثقات، وحكى القولين في تاريخ وفاته.
وقال العجلي: بصري ثقة، وقال أبو الوليد الباجي: قرأت على أبي ذر الهروي في كتاب "الكنى" لمسلم: خالد الحذاء، أبو المنازل -بفتح الميم- قال أبو الوليد: والضم أشهر. وقال عبد الله بن أحمد ابن حنبل في كتاب العلل عن أبيه: لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النهدي شيئًا. وقال أحمد أيضًا لم يسمع من أبي العالية. وذكر
стр. 4566
ابن خزيمة ما يوافق ذلك، ويشهد له. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه، عن أحمد: ما أراه سمع من الكوفيين من رجل أقدم من أبي الضحى، وقد حدث عن الشعبي، وما أراه سمع منه. وقال غيره: لم يسمع من عراك بن مالك، بينهما خالد بن أبي الصلت. وحكى العقيلي في تاريخه من طريق يحيى بن آدم، عن أبي شهاب، قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكتم علي عند البصريين في خالد الحذاء، وهشام.
قال يحيي: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قدم علينا قدمة من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه، وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يقع في خالد، فأتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: مالك؟ أجننت؟ وتهددناه، فسكت، وحكى العقيلي من طريق أحمد بن حنبل: قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يلتفت إليه ابن علية، وضعف أمر خالد.
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: ما خالد في المثبت بدون هشام ابن عروة وأمثاله. قال الحافظ: قلت: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بآخره، أو من أجل دخوله في عمل السلطان، والله أعلم انتهى. روى له الجماعة.
٥ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الجرمي البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال، وقال العجلي: فيه نصب
стр. 4567
يسير، توفي بالشام هاربًا من القضاء سنة ١٠٤ وقيل بعدها، من [٣]، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢.
٦ - (مالك بن الحويرث) بن حشيش بن عوف بن جندع، أبو سليمان الليثي الصحابي، وقيل في نسبه غير ذلك، نزل البصرة.
روى عن النبي ﷺ ، وعنه أبو قلابة الجرمي، وأبو عطية مولى بني عقيل، ونصر بن عاصم الليثي، وسوار الجرمي، ذكر ابن عبد البر أنه توفي سنة ٩٤، وتبعه على ذلك ابن طاهر وغيره.
قال الحافظ ﵀: وفيه نظر، بل لا يصح ذلك، لاتفاقهم على أن آخر من مات بالبصرة أنس بن مالك، حتى إن ابن عبد البر ممن صرح بذلك، والظاهر أن ذلك تصحيف، وأن وفاته سنة ٧٤، بتقديم السين، وهو الذي في كتاب أبي علي بن السكن بخط من يوثق به، وبه جزم الذهبي في مختصره. أخرج له الجماعة. انتهى "تت". والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه فانفرد هو به.
ومنها: أن النصف الأول كوفيون، إلا شيخه، فمنبجي، والنصف الثاني بصريون.
стр. 4568
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ خالد عن أبي قلابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مالك بن الحويرث) ﵁، أنه (قال: أتيت النبي ﷺ ، أنا، وابن عم لي، وقال مرة أخرى: أنا وصاحب لي) الظاهر أن هذا من قول أبي قلابة يعني أن مالك بن الحويرث حدث أبا قلابة مرتين، ففي المرة الأولى قال: أنا وابن عم لي، وفي المرة الثانية، قال: أنا وصاحب لي، ثم إن ابن عمه، أو صاحبه المذكور لم يسم في شيء من طرق هذا الحديث، كما قاله الحافظ في الفتح.
(فقال) ﷺ (إِذا سافرتما فأذنا) أي ليؤذن من أحب منكما أن يؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، لأنهما أقاما عنده عشرين ليلة، كما يأتي في الباب التالي، ولا يعتبر في الأذان سن بخلاف الإمامة.
وإنما صرفنا الأمر للاثنين إلى أحدهما، ولم نجعله من الأمر لهما ليؤذنا معًا، ويكون فيه مشروعية الأذان جماعة: للرواية الآتية "فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم"، وللطبراني من طريق حماد ابن سلمة، عن خالد الحذاء في هذا الحديث "إذا كنت مع صاحبك، فأذن، وأقم، وليؤمكما أكبركما"، فتعين كون المراد أحدهما، إذ الرواية يفسر بعضها بعضًا، وهذا أولى من حمل القرطبي اختلاف هذه الروايات على تعدد القصة، فإنه بعيد، كما قاله الحافظ.
وقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية وبالجمع، والمراد واحد،
стр. 4569
كقوله: يا حرسي اضربا عنقه، وقوله: قتله بنو تميم، مع أن القاتل والضارب واحد.
وقال أبو الحسن بن القصار: أراد به -يعني قوله: فأذنا- الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ.
قال الحافظ ﵀: وكأنه فهم منه أمرهما أن يؤذنا جميعًا، كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان معًا فليس ذلك بمراد، وإن أراد أن كُلاًّ منهما يؤذن على حدة، ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة.
نعم يستحب لكل أحد إجابة المؤذن، فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن، والآخر يجيب. انتهى فتح الباري بتصرف جـ ٢ ص ١٣٢.
قال الجامع: الوجه الذي قدمناه في الجمع أولى، وهو وجه ذكره الحافظ أيضًا، والله أعلم.
وقال السندي: قوله: فأذنا: في المجمع: أي ليؤذن أحدكما، ويجيب الآخر، انتهى. يريد أن اجتماعهما في الأذان غير مطلوب،
لكن ما ذكر من التأويل يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يقال: الإسناد مجازي، أي ليتحقق بينكما أذان وإقامة، كما في: بنو فلان قتلوا، والمعنى يجوز لكل منكما الأذان والإقامة، أيكما فعل حصل، فلا يختص بالأكبر كالإمامة. انتهى.
стр. 4570
(وأقيما) فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن، إن حمل الأمر على ما مضى، وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم، قاله في الفتح.
(وليؤمكما أكبركما) إنما خص الإمامة بالأكبر لمساواتهما في سائر الأشياء الموجبة للتقدم، كالأقرئية، والأعلمية، بالنسبة لمساواتهما في المكث والحضور عنده ﷺ ، وذلك يستلزم المساواة في هذه الصفات عادة، ذكره السندي، وسيأتي تمام البحث في ذلك في محله إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث مالك بن الحويرث ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٣٤) وفي الكبرى (١٥٩٨) و (٤/ ٧٨١) والكبرى (٤/ ٨٥٦) عن حاجب بن سليمان، عن وكيع، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عنه، وفي (٦٣٥) عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عنه، وفي (٦٦٩) عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن خالد الحذاء به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه بألفاظ
стр. 4571
مختلفة، ومعان متقاربة، فمنهم من طول، ومنهم من اختصر.
فأخرجه البخاري في الصلاة عن معلي بن أسد، عن وهيب بن خالد- وعن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد-، وفيه، وفي خبر الواحد عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي- وفي الأدب عن مسدد، عن إسماعيل بن علية أربعتهم عن أيوب به، وفي الصلاة أيضًا، عن محمد بن يوسف، عن سفيان الثوري- وفيه، وفي الأدب أيضًا عن مسدد، عن يزيد بن زريع- وفي الجهاد عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب- ثلاثتهم عن خالد الحذاء به.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن علية به. وعن أبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام، كلاهما عن حماد بن زيد به، وعن إسحاق بن إبراهيم- وابن أبي عمر، فرقهما- كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الوهاب الثقفي- وعن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث- كلاهما عن خالد الحذاء به.
وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضًا عن مسدد، عن إسماعيل بن علية- وعن مسدد، عن مسلمة بن محمد- كلاهما عن خالد الحذاء به.
وأخرجه الترمذي في الصلاة أيضًا عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوري به، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة أيضًا عن بشر بن هلال الصواف،
стр. 4572
عن يزيد ابن زريع، عن خالد الحذاء به. أفاده أبو الحافظ المزي ﵀ في تحفته جـ ٨ ص ٣٣٦، ٣٣٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية الأذان في السفر.
ومنها: وجوب الأذان لأمره ﷺ به، وقد تقدم تحقيق الخلاف فيه.
ومنها: أفضلية الإمامة على الأذان، حيث خص به الأكبر، بخلاف الأذان.
ومنها: فضل الهجرة، والرحلة في طلب العلم.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الاهتمام بشأن الصلاة، وبتعليم أحكام الدين. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4573
٨ - اْجْتِزَاءُ الْمَرْءِ بِأَذَانِ غَيْرِهِ فِي الحَضَرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على اكتفاء الشخص بأذان غيره في الحضر.
وليس المراد تخصيص هذا الحكم بالحضر فقط، بل لكونه بين حكم السفر في الباب الماضي، فأراد إفراد حكم الحضر بباب خاص به. والله أعلم.
٦٣٥ - أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَاهُ مِنْ أَهْلِنَا؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْليِكُمْ، فَأَقِيمُوا عِنْدَهُمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ".
стр. 4574
رجال الإسناد: خمسة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم، طوسي الأصل، يلقب دَلُويَهْ، وكان يغضب منها، وَلَقَّبَهُ أحمدُ: شعبةَ الصغير، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٨٦ سنة، من [١٠]، تقدم في ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ، توفي سنة ١٩٣ عن ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة فقيه، توفي سنة ١٣١ عن ٦٥ سنة، من [٥]، تقدم في ٣٢/ ٤٨.
والباقيان تقدما في السند السابق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء.
ومنها: أنهم اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخه فلم يخرج له مسلم وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه فبغدادي.
стр. 4575
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أيوب عن أبي قلابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مالك بن الحويرث) ﵁، أنه (قال: أتينا رسول الله ﷺ ) وعند البخاري في الصلاة: "أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي". قال في الفتح: هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وكان قدوم وقد بني ليث فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة أن واثلة الليثي قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز لتبوك. انتهى. جـ ٢ ص ١٣١.
(ونحن شببة) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. والشببة بفتحات: جمع شاب (متقاربون) أي في العلم، ففي رواية لأبي داود من طريق مسلمة بن محمد، عن خالد الحذاء "وكنا يومئذ متقاربين في العلم" (فأقمنا عنده عشرين ليلة) أي بأيامها، ففي رواية للبخاري "فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة" (وكان رسول الله ﷺ رفيقًا) من الرفق، بفاء، فقاف، ورواية مسلم "رقيقًا"، بقافين، من الرقة، ورواية البخاري بالوجهين (فظن أنا قد اشتقنا إِلى أهلنا) بالإفراد (فسألنا عمن تركناه من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: ارجعوا إِلى أهليكم) جمع أهل، والأهل من النوادر؛ حيث يجمع مكسرًا نحو الأهالي، ومصححًا بالواو والنون؛ نحو الأهلين، وبالألف والتاء؛ نحو الأهلات، ذكره العيني في عمدته
стр. 4576
(فأقيموا عندهم، وعلموهم، ومروهم) من عطف الخاص على العام (إِذا حضرت الصلاة) هكذا نسخ النسائي بدون واو، وعند
غيره: "وإذا حضرت الصلاة"، بعاطف، وجواب إذا: الجملة بعده، أي إذا حان وقت الصلاة (فليؤذن لكم أحدكم) هذه الرواية تبين معنى الرواية السابقة "فأذنا، وأقيما"، أي ليؤذن واحد منكما، كما تقدم الكلام عليه محققًا.
وهذا محل استدلال المصنف في الترجمة، حيث إن النبي ﷺ أمر أحدهما بالتأذين، فيفيد اجتزاء الآخر بأذانه.
(ثم ليؤمكم أكبركم) أي سِنًا، وليس المراد أكبرهما قدرًا ومنزلة، لما مر قريبًا من قوله: "وكنا يومئذ متقاربين في العلم" -بالموحدة (١) - أي يوم قال لنا النبي ﷺ "ليؤمكما أكبركما".
ولأبي داود من رواية إسماعيل ابن علية، قال: قال خالد -يعني الحذَّاء- قلت لأبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما متقاربان، يعني أين القرآن الذي أمر النبي ﷺ صاحبه أن يتقدم على غيره في الصلاة؟ وإنما سأل عن ذلك لأن ظاهر هذا الحديث يعارض حديث "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" فإنه صريح في تقديم الأقرأ، وهذا صريح في تقديم الأكبر سنًا، فأجابه بأنهما كانا متقاربين في القرآن، فبقي الفضل
стр. 4577
في السن، فأمر بتقديمه. والله أعلم.
تَنْبِيهٌ:
هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في الباب السابق. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٣٦ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، فَقَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ حَيٌّ أَفَلَا تَلْقَاهُ؟ قَالَ أَيُّوبُ: فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمَّا كَانَ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، فَذَهَبَ أَبِي بِإِسْلَامِ أَهْلِ حِوَائِنَا، فَلَمَّا قَدِمَ اسْتَقْبَلْنَاهُ، فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ -وَاللهِ- مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: "صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الجُوزَجَاني، نزيل دمشق، ثقة حافظ، رمي بالنصب، توفي سنة ٢٥٩، من [١١]، أخرج له
стр. 4578
أبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي البصري القاضي بمكة، ثقة، إمام، حافظ، توفي سنة ٢٢٤ هـ عن ٨٠ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة، ثبت، فقيه، توفي سنة ١٧٩، من كبار [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣.
٥ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرْمي تقدما في السند السابق.
٦ - (عمرو بن سلمة) بن قيس الجرمي، أبو بُرَيْد، ويقال: أبو يَزِيد البصري، وفد أبوه على النبي ﷺ ، وكان عمرو يصلي بقومه في عهده وهو صغير، ولم يصح له سماع ولا رواية، ورُوِيَ من وجه غريب أنه أيضًا وفد مع أبيه. رَوَى عنه أبو قلابة الجرمي، وعاصم الأحول، وأبو الزبير، ومِسْعَر بن حبيب الجرمي، وغيرهم.
قال الحافظ ﵀: روى ابن منده في كتاب الصحابة حديثه من طرق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عمرو بن سلمة، قال: كنت في الوفد الذين
стр. 4579
وفدوا على رسول الله ﷺ ، وهذا تصريح بوفادته، وقد روى أبو نعيم في الصحابة أيضًا من طرق ما يقتضي ذلك، وقال ابن حبان: له صحبة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف.
٧ - (سلمة) بن قيس، وقيل: ابن نفيع، وقيل: ابن لائم، وقيل: ابن لاي، أبو قدامة البصري الجرمي، صحابي، وقد على النبي ﷺ ، وروى عنه، وعنه ابنه عمرو بن سلمة. والله أعلم.
تنبيه:
سلمة بكسر اللام، وقد قيل بفتحها، والصواب الأول، وهو الذي ذكره الحافظ السيوطي ﵀ في ألفية الأثر حيث قال:
عَمْرٌو وَعَبْدُ اللهِ نَجْلَا سَلِمَهْ … بِالكَسْرِ مَعَ قَبِيلَةٍ مُكَرَّمَهْ
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه، والصحابي عن الصحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن
стр. 4580
زيد الجرمي (عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام على الصحيح، الجرمي، قال أيوب (فقال لي أبو قلابة: هو) أي عمرو بن سلمة
(حي، أفلا تلقاه) فيه أنه ينبغي للعالم إذا كان هناك من هو أولى منه، إما علمًا، وإما إسنادًا، مع علم، وإما غَيرَ ذلك من أنواع الفضل أن يُرْشد الطالبَ إليه، لحديث مسلم وغيره "الدينُ النصيحةُ"، قال في ألفية الأثر مشيرًا إلى آداب المحدث، ومنها ما ذكرناه:
وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثَر … فَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ طَهِّرِ
قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدْ حِرْصًا عَلَى … نَشْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى
مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ شَيْخًا أَوْ حَدَثْ … وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثْ
ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إِلَى … أَعْلَى فِي الاسْنَادِ إِذَا مَا جَهِلَا
(قال أيوب) السختياني (فلقيته) أي عمرو بن سلمة (فسألته) أي عما حدثه به أبو قلابة (فقال) عمرو (لما كان وَقْعَةُ الفتح) "كان" تامة، ولذا اكتفت بمرفوعها، وهو "وقعة"، كما قال في الخلاصة:
............... … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحَرِيرِيُّ في مُلْحَتِهِ:
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَر
وَالْوَقْعَةُ -بفتح فسكون- قال المجد ﵀: والوقعة بالحرب: صَدْمَةٌ بعد صدْمة. انتهى. والمراد هنا غزوة الفتح. وكانت في رمضان
стр. 4581
سنة ثمان من الهجرة.
وسببها على ما ذكره أهل السير: نقض قريش عهدها بإعانتهم بني بكر الذين دخلوا في عقدهم وعهدهم على خزاعة الذين دخلوا في عهد النبي ﷺ ، فناصروهم سرًا، حتى قتلوا منهم رجالًا، فجاء عمرو بن سالم الخُزَاعِي، وبُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ إلى المدينة، وأخبَراه بمُظاهرَة قريش بني بكر عليهم، وإجابتهم إلى مناصرتهم، ثم قدم أبو سفيان المدينة لِيَشُدَّ العهد، ويزيد في المدة؛ فدخل علي بنته أم حبيبة ﵂، فذهب ليجلس على الفراش، فطوته، فقال: يا بنيةُ أرَغِبْتِ بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟.
قالت: هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، قال: لقد أصابك بعدي شرّ، ثم خرج، فأتى رسول الله ﷺ ، فكلمه، فلم يرد عليه، فكلم أبا بكر أن يكلم رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، فكلم عمر، فقال: أنا أشفع لكم؟ والله لو لم أجد إلا الدِّرَّة لجاهدتكم بها، فدخل على علي، وعنده فاطمة وابنها الحسن، فقال: يا علي أنت أمَسُّ القوم بي رَحِمًا، جئت في حاجة، وذكرها، قال: لقد عزَمَ رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه، فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري ابنك هذا، فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: ما بلغ ابني أن يجير. قال: يا أبا الحسن قد اشتد الأمر فانصحني، قال: ما أعلم شيئًا يغني عنك،
стр. 4582
لكنك سيد بني كنانة، فقم، فأجِرْ بين الناس، ثم الْحَقْ بأرضك، فقام، فقال: يا أيها الناس قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، وانطلق، فلما قدم مكة أخبرهم، قالوا: فهل أجاز لك محمدٌ؟ قال: لا، قالوا: فما يغني عنك ما قلت؟ قال: ما وجدت غير ذلك. فأمر النبي ﷺ الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على عائشة، وهي تحرك بعض الجهاز. قال: أين ترينه يريد؟ قالت: لا أدري.
ثم أعلم الناس أنه قاصد مكة، وأمر بالجد، ثم قال: "اللهم خذ الإخبار والعيون عن قريش"، ثم خرج في عشرة آلاف حتى نزل بَمرِّ الظَّهْران، وعَمِيَتْ أخباره عن قريش، فلا يأتيهم عنه خبر، وخرج في تلك الليلة أبو سفيانَ، وحَكِيم بن حِزام، يتجسسان الإخبار.
وكان العباس لقي النبي ﷺ بالطريق مهاجرًا بعياله من مكة إلى المدينة، قال العباس: فلما نزل بمر الظهران قلت: وَاصَبَاحَ قريش، إن دخل مكة عَنْوَةً قبل أن يستأمنوه إنه لهلاكهم إلى آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وخرج لعله يجد بعض الحطابة يأتي مكة فيخبرهم، وإذا هو يسمع كلام أبي سفيان، وبديل ابن ورقاء، خرجا وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قطُّ، فقال العباس، قال: أبا الفضل مالك؟
قلت: هذا رسول الله، واصباح قريش. قال: فما الحيلة؟
стр. 4583
قلت: إن ظفِرَ ليضرِبنَّ عُنُقُكَ، فاركب على عَجُزِ هذه البَغْلَةِ لآتِيَ بك رسولَ الله ﷺ ، فأسَتأمِنُهُ لك، فركِب، فجئْت به، كلما مر بنار، قالوا: مَنْ هذا؟ فإذا رأوا البغلة قالوا: عَمُّ رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر، فلما رأى أبا سفيان، قال: عدوَّ الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد، ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحوَ رسول الله ﷺ ، وركضتُ البغلةَ، فسَبقته بما تسبِق الدابة الرجلَ، فدخلت عليه، ودخل عمر، فقال: أبو سفيان اضرب عنقه.
فقلت: يا رسول الله إني أجرته، فقال: اذهب به إلى رَحْلِك، فإذا أصبحت فاتني به، فغدوت به؛ فلما رآه، قال: وَيْحَكَ يا أبا سفيان، ألم يَأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: لقد ظننتُ أنه لو كان مع الله غيره، لقد أغنى شيئًا بعد.
قال: ألم يَأنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحْلَمَك! أما هذه ففي نفسي منها شيء حتى الآنَ، فقال العباس: أسلِمْ قبل أن يَضْرِب عنقك، فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله إنه رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمِنْ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن"، فذهب لينصرف، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباس احبِسه بمَضيِق الوادي حتى تمرّ به جنود الله فيراها، فمرت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول: سليم، فيقول:
стр. 4584
مالي ولسليم؟ ثم تمر قبيلة، فيقول: من هذه؟ فيقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالي، ولمزينة؟ حتى نفرت القبائل، فمر رسول الله ﷺ في كَتِيبَتِه المهاجرون والأنصار، لا يُرَى منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال: من هؤلاء؟ قال رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: يا أبا الفضل قد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيمًا.
قال: إنها النبوة، قال: نعم إذًا، قال: الْحَقْ إلى قومك، فجاء، فصرخ بأعلى صوته، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، وأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الحميت الدسم الأحمس (١) قَبُحَ مِنْ طَليعَة قوم، قال: لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد، ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى طوى وقف على راحلته معتجِرًا (٢) بشِقَّة بُرْدة حمراء، وإنه ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثْنُونه (٣) تكاد تمس واسط الرحل، فلما دخل مكة دخل المسجد، فأتاه أبو بكر بأبيه، يقوده،
стр. 4585
فقال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه، فقال: هو أحق أن يمشي إليك، فمسح صدره، وقال: أسلم، فأسلم، ورأى كان رأسه ثَغَامَة (١)، فقال: غيروا هذا بشيء.
وأمر رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى- الزبيرَ أن يدخل بمن معه من كُدًى، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كَدَاء، فذكروا أن سعدًا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم يوم تستحل الحرمة، فسمعها عمر وغيره، فقالوا: يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة.
فقال لعلي: خذ الراية، وادخل بها، وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وكان على الميمنة، فدخل من أسفل مكة، فلقيه بنو بكر، فقاتلوه، فقتل منهم عشرين رجلًا، وانهزموا، وارتفعت منهم طائفة على الجبل، وتبعهم المسلمون بالسيوف، ولما علا رسول الله ﷺ بنفسه كدا نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين، فقال: ألَمْ أنْهَ عن القتال؟ فقال المهاجرون نظن أن خالدًا قوتل، فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله، وما يعصيك، وكان رسول الله ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، لكنه أمر بقتل نفر سماهم، وإن وُجِدُوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن أبي سرح، وكان قد أسلم، وكتب
стр. 4586
الوحي، ثم ارتد، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاع، فأخذه حتى أتى به النبي ﷺ ، فاستأمنه له، فسكت طويلًا، ثم قال: نعم، فلما انصرف قال لمن حوله: "لقد صمَتُّ ليقوم إليه أحدكم، فيضرب عنقه"، قالوا له: هلا أومأت لنا؟ قال: "إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين"، فكان ابن أبي سرح بعد ذلك ممن حسن إسلامه.
ومنهم: عبد الله بن خطل كان مسلمًا فارتد، فقال: اقتلوه، وإن تعلق بأستار الكعبة، فقتلوه.
ومنهم الحويرث بن نفيل، كان يؤذي النبي ﷺ بمكة. ولما حمل العباس فاطمة، وأم كلثوم ابنتي النبي ﷺ من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث، فرمى بهما إلى الأرض، فقتله علي يوم الفتح.
ولما أتاه خالد قال: "نهيتك عن القتال؟ " قال: هم بدءونا، ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت يدي ما استطعت، قال: "قضى الله خيرًا".
وَفَرَّ صفوان بن أمية عامدًا للبحر، وعكرمة بن أبي جهل عامدًا لليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله صفوان سيد قومه، وقد خرج ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، فإنك أمنت الأحمر والأسود، قال: "أدرك ابن عمك، فهو آمن"، فأدركه، قال: هذا أمان قد جئتك به، قال: اعْزُبْ عني، لا تكلمني، قال: أي صفوان إن ابن عمك عزه من عزك، وشرفه من شرفك، قال: أخافه على نفسي،
стр. 4587
قال: هو أحلم من ذلك، فرجع معه إليه، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أربعة أشهر.
وأقبلت زوجة عكرمة بن أبي جهل، وهي مسلمة يومئذ، فاستأمنته له، فأمنه، فأقبل معها، فأسلم، فوثب به رسول ﷺ فرحًا به.
وأتته أم هانئ أخت علي، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جَفْنَة فيها أثر العجين، وفاطمة بنته تستره، فلما اغتسل صلى ثمان ركعات من الضحى، ثم قال: مرحبًا وأهلًا بأم هانئ، ما جاء بك؟ فقالت: نَفَرَ إلَيَّ رجلان من أحمائي، فقال أخي: لأقتلنهما، فقال: "أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتح، فدخلها، ثم وقف على بابها، فقال: "لا إله إلا الله صدق
وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال يدعى تحت قدميَّ هاتين، إلا سِدَانة البيت، وسِقَاية الحاج. يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نَخْوَةَ الجاهلية، وتعاظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى …﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا، فأنتم الطُّلَقَاء"، وجلس في المسجد، فقال علي بن أبي
стр. 4588
طالب -ومفتاح الكعبة بيده-: اجمع لنا الْحِجَابة مع السقاية، فقال: "أين عثمان بن طلحة؟ فقال: هذا مفتاحك، اليومُ يومُ وَفَاء وبِرّ".
وكان حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل، فما أشار لصنم إلا وقع لقفاه.
ولما دخل الكعبة أمر بلالًا أن يؤذن -وكان دخل معه- وأبو سفيان، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: قد أكرم الله أسيدًا أن لا يكون سمع هذا، وقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه بحق ما تبعته، وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: علمت ما قلتم، ثم ذكر لهم ذلك، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد، ثم قام على الصفا يدعو وقد أحدقت الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون إذا فتح الله بلده يقيم بها؟ فلما فرغ قال: "ما قلتم؟ " قالوا: لا شيء، فلم يزل حتى أخبروه، فقال: "مَعَاذ الله المَحْيَا مَحْيَاكُم، والمَمَاتُ مماتكم"، ثم أقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، وكان فتحها
صلحًا عند الشافعي، وعَنْوَةً عند أبي حنيفة، وقيل: أعلاها كان صلحًا، وأسفلها كان عنوة. انتهى من "شرح ألفية السيرة النبوية
العراقية"، للعلامة المناوي ص ٢٠١ - ٢٠٥".
(بادر كل قوم بإِسلامهم) أي أراد كل قوم أن يسبقوا غيرهم
стр. 4589
بالإِسلام. وفي رواية البخاري في المغازي عن سليمان بن حرب بسند المصنف: فقال -يعني عمرو بن سلمة-: كنا بماء مَمَرِّ الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يُغْرَى في صدري. زاد في رواية البيهقي "بغِرَاء" (١).
وكانت العرب تَلَوَّم (٢) بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدِمَ، قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا … الحديث". انتهى. "صحيح البخاري" جـ ٥ ص ١٩١.
(فذهب أبي بإِسلام أهل حِوَائِنَا) الْحِوَاءُ -بكسر الحاء المهملة، والمدِّ-: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، قاله في زهر. وفي "ق": والحواء، ككتاب، والمُحَوَّى، كالمُعَلَّى: جماعة البيوت المتدانية. انتهى.
أي ذهب إلى رسول الله ﷺ بأن أهل قريتنا أسلموا، ثم قَدِمَ، فَلما قدم القرية (استقبلناه) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته،
стр. 4590
فهو مستقبَلٌ بالفتح، اسم مفعول. قاله الفيومي (فقال: قد جئتكم والله من عند رسول الله ﷺ حقًا) مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا، لكونه مؤكدًا، كما قال في الخلاصة في بيان المصدر الذي يحذف عامله وجوبًا:
وَمِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّداَ … لِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَالمُبْتَدا
نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفًا … وَالثَّانِ كَابْنيِ أنْتَ حَقًّا صِرْفًا
أي أحُقُّهُ حَقًّا، أي أثبت كونه رسول الله ﷺ إثباتًا لا يحتمل التشكيك. (فقال) أي رسول الله ﷺ (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا) يعني أنه بَيَّنَ لهم أوقات الصلاة. (فإِذا حضرت الصلاة) أي دخل وقتها (فليؤذن لكم أحدكم) فيه دليل على أن أذان الواحد يكفي الجماعة، وهو الذي أراده المصنف بقوله: "اجتزاء المرء بأذان غيره" (وليؤمكم أكثركم قرآنًا) زاد في رواية البخاري: "فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقَدَّمُونِي بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين" (١).
وكانت علي بُرْدة، كنت إذا سجدت، تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّون عنا اسْتَ قارئكم، فاشتروا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. انتهى صحيح البخاري جـ ٥ ص ١٩١ - ١٩٢. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.