← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

الوحي، ثم ارتد، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاع، فأخذه حتى أتى به النبي ﷺ ، فاستأمنه له، فسكت طويلًا، ثم قال: نعم، فلما انصرف قال لمن حوله: "لقد صمَتُّ ليقوم إليه أحدكم، فيضرب عنقه"، قالوا له: هلا أومأت لنا؟ قال: "إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين"، فكان ابن أبي سرح بعد ذلك ممن حسن إسلامه. ومنهم: عبد الله بن خطل كان مسلمًا فارتد، فقال: اقتلوه، وإن تعلق بأستار الكعبة، فقتلوه. ومنهم الحويرث بن نفيل، كان يؤذي النبي ﷺ بمكة. ولما حمل العباس فاطمة، وأم كلثوم ابنتي النبي ﷺ من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث، فرمى بهما إلى الأرض، فقتله علي يوم الفتح. ولما أتاه خالد قال: "نهيتك عن القتال؟ " قال: هم بدءونا، ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت يدي ما استطعت، قال: "قضى الله خيرًا". وَفَرَّ صفوان بن أمية عامدًا للبحر، وعكرمة بن أبي جهل عامدًا لليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله صفوان سيد قومه، وقد خرج ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، فإنك أمنت الأحمر والأسود، قال: "أدرك ابن عمك، فهو آمن"، فأدركه، قال: هذا أمان قد جئتك به، قال: اعْزُبْ عني، لا تكلمني، قال: أي صفوان إن ابن عمك عزه من عزك، وشرفه من شرفك، قال: أخافه على نفسي،

стр. 4587

قال: هو أحلم من ذلك، فرجع معه إليه، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أربعة أشهر. وأقبلت زوجة عكرمة بن أبي جهل، وهي مسلمة يومئذ، فاستأمنته له، فأمنه، فأقبل معها، فأسلم، فوثب به رسول ﷺ فرحًا به. وأتته أم هانئ أخت علي، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جَفْنَة فيها أثر العجين، وفاطمة بنته تستره، فلما اغتسل صلى ثمان ركعات من الضحى، ثم قال: مرحبًا وأهلًا بأم هانئ، ما جاء بك؟ فقالت: نَفَرَ إلَيَّ رجلان من أحمائي، فقال أخي: لأقتلنهما، فقال: "أجرنا من أجرت يا أم هانئ". فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتح، فدخلها، ثم وقف على بابها، فقال: "لا إله إلا الله صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال يدعى تحت قدميَّ هاتين، إلا سِدَانة البيت، وسِقَاية الحاج. يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نَخْوَةَ الجاهلية، وتعاظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى …﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا، فأنتم الطُّلَقَاء"، وجلس في المسجد، فقال علي بن أبي

стр. 4588

طالب -ومفتاح الكعبة بيده-: اجمع لنا الْحِجَابة مع السقاية، فقال: "أين عثمان بن طلحة؟ فقال: هذا مفتاحك، اليومُ يومُ وَفَاء وبِرّ". وكان حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل، فما أشار لصنم إلا وقع لقفاه. ولما دخل الكعبة أمر بلالًا أن يؤذن -وكان دخل معه- وأبو سفيان، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: قد أكرم الله أسيدًا أن لا يكون سمع هذا، وقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه بحق ما تبعته، وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: علمت ما قلتم، ثم ذكر لهم ذلك، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد، ثم قام على الصفا يدعو وقد أحدقت الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون إذا فتح الله بلده يقيم بها؟ فلما فرغ قال: "ما قلتم؟ " قالوا: لا شيء، فلم يزل حتى أخبروه، فقال: "مَعَاذ الله المَحْيَا مَحْيَاكُم، والمَمَاتُ مماتكم"، ثم أقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، وكان فتحها صلحًا عند الشافعي، وعَنْوَةً عند أبي حنيفة، وقيل: أعلاها كان صلحًا، وأسفلها كان عنوة. انتهى من "شرح ألفية السيرة النبوية العراقية"، للعلامة المناوي ص ٢٠١ - ٢٠٥". (بادر كل قوم بإِسلامهم) أي أراد كل قوم أن يسبقوا غيرهم

стр. 4589

بالإِسلام. وفي رواية البخاري في المغازي عن سليمان بن حرب بسند المصنف: فقال -يعني عمرو بن سلمة-: كنا بماء مَمَرِّ الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يُغْرَى في صدري. زاد في رواية البيهقي "بغِرَاء" (١). وكانت العرب تَلَوَّم (٢) بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدِمَ، قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا … الحديث". انتهى. "صحيح البخاري" جـ ٥ ص ١٩١. (فذهب أبي بإِسلام أهل حِوَائِنَا) الْحِوَاءُ -بكسر الحاء المهملة، والمدِّ-: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، قاله في زهر. وفي "ق": والحواء، ككتاب، والمُحَوَّى، كالمُعَلَّى: جماعة البيوت المتدانية. انتهى. أي ذهب إلى رسول الله ﷺ بأن أهل قريتنا أسلموا، ثم قَدِمَ، فَلما قدم القرية (استقبلناه) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته،

стр. 4590

فهو مستقبَلٌ بالفتح، اسم مفعول. قاله الفيومي (فقال: قد جئتكم والله من عند رسول الله ﷺ حقًا) مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا، لكونه مؤكدًا، كما قال في الخلاصة في بيان المصدر الذي يحذف عامله وجوبًا: وَمِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّداَ … لِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَالمُبْتَدا نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفًا … وَالثَّانِ كَابْنيِ أنْتَ حَقًّا صِرْفًا أي أحُقُّهُ حَقًّا، أي أثبت كونه رسول الله ﷺ إثباتًا لا يحتمل التشكيك. (فقال) أي رسول الله ﷺ (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا) يعني أنه بَيَّنَ لهم أوقات الصلاة. (فإِذا حضرت الصلاة) أي دخل وقتها (فليؤذن لكم أحدكم) فيه دليل على أن أذان الواحد يكفي الجماعة، وهو الذي أراده المصنف بقوله: "اجتزاء المرء بأذان غيره" (وليؤمكم أكثركم قرآنًا) زاد في رواية البخاري: "فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقَدَّمُونِي بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين" (١). وكانت علي بُرْدة، كنت إذا سجدت، تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّون عنا اسْتَ قارئكم، فاشتروا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. انتهى صحيح البخاري جـ ٥ ص ١٩١ - ١٩٢. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 4591

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث سلِمة الجرمي ﵁ أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٣٦)، وفي "الكبرى" (١٦٠٠) عن إبراهيم بن يعقوب، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَةَ عنه. وفي (٧٨٩). وفي "الكبرى" (١١/ ٨٦٤) عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة عن الثوري، عن أيوب به. وفي (٧٦٧). وفي "الكبرى" (٤/ ٨٤٣) عن شعيب بن يوسف، عن يزيد بن هارون، عن عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة، قال: لما رجع قومي من عند النبي ﷺ قالوا: إنه قال: "ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن … " الحديث. ولم يقل "عن أبيه". والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري وأبو داود، فأخرجه البخاري في "المغازي" مطولًا عن سليمان بن حرب، بسند المصنف. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن أيوب به.

стр. 4592

وعن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير بن معاوية، عن عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة به، وعن قتيبة، عن وكيع، عن مسعر ابن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمة، عن أبيه. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو اجتزاء الشخص بأذان غيره، وأن الأذان ليس واجبًا على كل مصل، بل يكفي أذان الواحد للجماعة. ومنها: الرحلة لتعلم أحكام الدين. ومنها: وجوب تعليم العالم الجاهل ما يحتاج إليه من أمر دينه. ومنها: كون الأحق بالإمامة هو الأقرأ، وسيأتي تحقيق القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز إمامة الصبي، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وإسحاق، والشافعي، وذهب إلى عدم صحة إمامته الشعبي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وابن حزم، وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏: لا تصح المكتوبة، وعنهما في النافلة روايتان، وقال الزهري: إذا اضطروا إليه أمهم. أفاده في المنهل جـ ٤ ص ٣٠١، ٣٠٢، وسيأتي تحقيق القول في ذلك، وترجيح الراجح بدليله في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 4593

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4594

٩ - الْمُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز اتخاد المؤذِّنَيْنِ للمسجد الواحد. وأراد به أن يؤذن كل منهما بانفراده، لا أنهما يؤذنان معًا، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. ٦٣٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". رجال الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني أبو رجاء، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني الإمام، ثقة، ثبث، حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة، توفي ١٢٧، من [٤]، تقدم في ١٦٧/ ٢٦٠. ٤ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.

стр. 4595

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهي أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو -٣١ - من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه فبغلاني. ومنها: أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن) عبد الله (بن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: إِن بلالًا) هو ابن رباح، المؤذن ﵁، تقدمت ترجمته في ٨٦/ ١٠٤، (يؤذن بليل) أي الأذان المعروف في الشرع، إذ هو المتبادر من إطلاق اللفظ الشرعي، وأيضًا لا يحسن قوله: "فكلوا، واشربوا" إلا حينئذ. قاله السندي. وهو تعليل مقدم على معلوله، وهو قوله (فكلوا واشربوا حتى ينادي) أي يؤذن، كما في الرواية التالية (ابن أم مكتوم) أي كلوا واشربوا في الليل كله إلى أن يؤذن ابن أم مكتوم، ولا يمنعكم من ذلك أذان بلال، لأنه يؤذن بليل، وهذا الأمر للإباحة، والرخصة، وبيان بقاء الليل بعد أذان بلال ﵁. وابن أم مكتوم هو عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيس بن

стр. 4596

زائدة، ويقال: زياد بن الأصم، وهو (١) جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي العامري الأعمى، مؤذن النبي ﷺ ، وقيل: اسمه عبد الله، والأول أكثر وأشهر، أسلم قديمًا، وهاجر قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية، وقتل بها شهيدًا، وكان معه اللواء يومئذ، وهو الأعمى المذكور في القرآن في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢]. وقال الواقدي رجع من القادسية إلى المدينة، فمات بها، ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه أنس ابن مالك، وعبد الله بن شدَّاد بن الهاد، وزِرّ بن حُبَيش، وأبو رزين الأسدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطية بن أبي عطية، وأبو البَخْتَري الطائي، ولم يدركه. ذكره ابن حبان في الصحابة في العبادلة، فقال: كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله، ومنهم من زعم أن اسمه عمرو، ومنهم من قال: هو عبد الله بن زائدة، فقد نسبه إلى جده. وقال ابن سعد: أما أهل المدينة، فيقولون: اسمه عبد الله، وأما أهل العراق، فيقولون: اسمه عمرو، ثم اتفقوا على نسبه، فقالوا: ابن قيس بن زائدة، وكان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة يصلي بالناس في عامة غزواته، وقال أبو أحمد الحاكم: قتل شهيدًا بالقادسية. أخرج

стр. 4597

له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه حديث عدم الرخصة لمن يسمع النداء في التخلف عن الجماعة الآتي (٨٥١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا من رواية عبد الله بن دينار، أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٣٧) وفي الكبرى (١٦٠١) عن قتيبة، عن مالك عن عبد الله بن دينار، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه "خ" في الأذان عن عبد الله بن يوسف عن مالك، به. وعن موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن مسلم، عن مالك به. وأخرجه مالك في (الموطأ) رقم ٦٩ و (أحمد) في مسنده جـ ٢ ص ٦٢ و ٦٤ و ٧٣ و ٧٩ و ١٠٧. والله أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية اتخاذ مؤذنين لمسجد واحد، وقد استحبه أصحاب الشافعي، وأما الاقتصار على مؤذن واحد فغير مكروه، وأما الزيادة على مؤذنين فليس في الحديث تعرض له، ونقل عن بعض أصحاب الشافعي أنه تكره الزيادة على أربعة، وهو ضعيف. قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.

стр. 4598

ومنها: أنه إذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يرتبوا واحدًا بعد واحد، إذا اتسع الوقت لذلك، كما في أذان بلال وابن أم مكتوم ﵄، فإنهما وقعا مرتبين، والفقهاء من أصحاب الشافعي قالوا: يتخيرون بين أن يؤذن كل منهم في زاوية من زوايا المسجد، وبين أن يجتمعوا ويؤذنوا دفعة واحدة. قاله ابن دقيق العيد أيضًا. قال العلامة الصنعاني ﵀: أقول: إذا تعدد المؤذنون فلهم صورتان: إحداهما تأذين كل أحد في زاوية من زوايا مسجد الأذان، وظاهره متفرقين، أو يؤذنون جميعًا دفعة واحدة، ولا يخفى أن الصورة الأولى هي التي تقدم أنها مستحبة، دون الثانية. وقد يقال: إن الترتيب الذي وقع في أذان مؤذنيه ﷺ لابد منه، لأنهما لو أذنا دفعة واحدة لكان أذانًا قبل الوقت، فلا يجزئ، ولا يعد أذانًا، فإن الأذان المشروع هو ما كان في الوقت، والأذان المجزئ هو أذان ابن أم مكتوم، وأما أذان بلال فما كان إلا ليرجع القائم، ولينبه النائم، كما في لفظ البخاري "لا يمنع أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، وينبه نائمكم". فبين أن أذانه ليس للوقت، ولا للصلاة، إنما هو إعلام بأن الوقت قد قرب، فيرجع القائم، ويستيقظ النائم، فلا يتم قياس تعدد المؤذنين بعد دخول الوقت على مؤذنيه ﷺ ، بل لو قيل: إن تعدد المؤذنين بعد دخوله غير مستحب، لأنه لم يقع في زمنه ﷺ إلا تأذين

стр. 4599

رجل واحد بعد دخول الوقت لكان واضحًا. انتهى كلام الصنعاني في العدة ج ٢ ص ١٨٣". قال الجامع: هذا الذي قاله الصنعاني أخيرًا هو الذي أراه، فلا ينبغي اتخاذ مؤذنين فأكثر بعد دخول الوقت استدلالًا بهذا الحديث -كما يقول بعض العلماء- لأن الحديث لا يدل عليه، فإن أذان بلال ليس للصبح، وإنما هو لبيان قرب وقت الصبح، فيرجع القائم، ويتنبه النائم. فليُتَبَصَّرْ. والله أعلم. ومنها: أنه قيل: في الحديث دليل على جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر، وقد عرفت ما فيه آنفًا، وسيأتي اختلاف أهل العلم في ذلك بعد باب إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز الأكل والشرب للصائم إلى الأذان الثاني الذي هو بعد طلوع الفجر، وسيأتي الكلام عليه في بابه من كتاب الصوم إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز كون المؤذن أعمى، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى. ومنها: أنه يجوز تقليد الأعمى للبصير في الوقت، أو جواز الاجتهاد فيه، فإن ابن أم مكتوم لابد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر وذلك إما سماع من بصير، أو اجتهاد، وقد جاء في الحديث "وكان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت"، وهذا يدل على رجوعه إلى البصير، ولو لم يُرَدْ ذلك لم يكن في هذا اللفظ دليل على جواز

стр. 4600

رجوعه إلى الاجتهاد بعينه، لأن الدال على أحد الأمرين مبهمًا لا يدل على واحد منهما معينًا. انتهى. عمدة الأحكام ج ٢ ص ١٨٦، بنسخة العدة. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: قال الحافظ ﵀: قال ابن منده ﵀: حديث عبد الله بن دينار مجمع على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه، ورواه عنه شعبة، فاختلف عليه فيه، رواه يزيد بن هارون عنه على الشك: "إن بلالًا -كما هو المشهور- أو إن ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتي يؤذن بلال"، قال: ولشعبة فيه إسناد آخر، فإنه رواه أيضًا عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته؛ أنيسة، فذكره على الشك أيضًا، أخرجه أحمد، عن غندر، عنه. ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان من طريق شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي، والطبراني من طريق منصور ابن زاذان، عن خبيب بن عبد الرحمن. وادعى ابن عبد البر وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب، وأن الصواب حديث الباب، قال الحافظ: وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه، وهو قوله: "إذا أذن عمرو، فإنه ضرير البصر، فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد"،

стр. 4601

وأخرجه أحمد. وجاء عن عائشة أيضًا أنها كانت تنكر حديث ابن عمر، وتقول: إنه غلط. أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عنها، فذكر الحديث، وزاد: "قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر" قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابن عمر. انتهى. وقد جمع ابن خزيمة، والضبعي بين المحدثين بما حاصله: أنه يحتمل أن يكون الأذان كان نوبًا بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي ﷺ يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يحَرِّم على الصائم شيئًا، ولا يدل على دخول وقت الصلاة، بخلاف الثاني، وجزم ابن حبان بذلك، ولم يبده احتمالًا، وأنكر ذلك عليه الضياء، وغيره. وقيل: لم يكن نوبًا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالًا كان في أول ما شُرِعَ الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار، قالت: "كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر، تَمطَّا، ثم أذن" أخرجه أبو داود، وإسناده حسن، ورواية حميد عن أنس "إن سائلًا سأل عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا، فأذن حين طلع الفجر … " الحديث. أخرجه النسائي وإسناده صحيح. ثم أردف بابن أم مكتوم، وكان يؤذن بليل، واستمر بلال على

стр. 4602

حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها، ثم في آخر الأمر أخَّر ابنَ أم مكتوم لضعفه، ووكل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل، وكان سبب ذلك ما روي أنه ربما كان أخطأ الفجر، فأذن قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرة فأمره النبي ﷺ أن يرجع فيقول: "ألا إن العبد نام" يعني أن غلبةَ النوم على عينيه منعته من تبين الفجر، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا، ورجاله ثقات حفاظ. لكن اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني على أن حمادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع، وأخرجه البيهقي من طريق سعيد ابن زَرْبِيِّ -وهو بفتح الزاي وسكون الراء، بعدها موحدة، ثم ياء كياء النسب- فرواه عن أيوب موصولًا، لكن سعيد ضعيف. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب أيضًا، لكن أعضله فلم يذكر نافعًا، ولا ابن عمر. وله طريق أخرى عن نافع عند الدارقطني وغيره، واختلف في رفعها ووقفها أيضًا، وأخرى مرسلة من طريق يونس بن عبيد، وغيره عن حميد بن هلال، وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة،

стр. 4603

ووصلها يونس عن سعيد بذكر أنس، وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا قوة ظاهرة، فلهذا -والله أعلم- استقر أن بلالًا يؤذن الأذان الأول. انتهى فتح الباري جـ ٢ ص ١٢١ - ١٢٣. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٣٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم في السند الماضي. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة، ثبت، فقيه، إمام مشهور، توفي سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، أبو بكر القرشي المدني، الفقيه، الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة ١٢٥، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني،

стр. 4604

الفقيه، ثقة، ثبت، عابد، فاضل، توفي سنة ١٠٦، من كبار [٣]. تقدم في ٤٩٠. ٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في السند السابق. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، اتفقوا عليهم، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، وليثًا فمصري. ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه. وشرح الحديث يعلم مما قبله. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بالحديث الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ من رواية سالم عنه أخرجه مسلم. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٣٨)، وفي الكبرى (١٦٠٢) عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن سالم عنه.

стр. 4605

الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم والترمذي، فأخرجه مسلم في الصوم عن يحيى بن يحيى،- وقتيبة- ومحمد بن رمح- كلهم عن الليث بن سعد به. وأخرجه الترمذي في الصلاة عن قتيبة به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4606

١٠ - هَلْ يُؤَذِّنَانِ جَميعًا أَوْ فُرَادَى أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان حكم من سأل قائلًا: هل المؤذنان يؤذنان جميعًا، أو فرادى، أي حال كونهما مجتمعين في وقت واحد، أو حال كونهما فرادى، يؤذن كل منهما في وقت غير ما يؤذن فيه الآخر. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: والفقهاء من أصحاب الشافعي قالوا: يخيرون بين أن يؤذن كل واحد منهم في زاوية من زوايا المسجد، وبين أن يجتمعوا، ويؤذنوا دفعة واحدة. انتهى. عمدة جـ ٢ ص ١٨٢. قال الجامع: والاستدلال لهذا القول بحديث الباب بعيد، فإنه يدل على اتخاذ مؤذنين، يؤذن كل واحد منهما في غير الوقت الذي يؤذن فيه الآخر، لا أنهما يجتمعان في الأذان، فتبصر. والله تعالى أعلم. ٦٣٩ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"، قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَصْعَدَ هَذَا.

стр. 4607

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم الدَّوْرَقِيُّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٩٦ سنة، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - (حفص) بن غِياث بن طَلْق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة، فقيه، تغير حفظه قليلًا في الآخر، توفي سنة ١٩٤، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. ٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان المدني، ثقة، ثبت، توفي سنة بضع و ١٤٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥/ ١٥. ٤ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة، فقيه، فاضل، توفي سنة ١٠٦، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه فبغدادي، وحفصًا فكوفي.

стр. 4608

ومنها: أن شيخه ممن اتفق الستة بالرواية عنه بدون واسطة، وهم تسعة، جمعتهم في قولي: اشتَركَ الأئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … النَّاقِدينَ الْبَارِعينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأشَجُّ وابْنُ معْمرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ، وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلاءِ وابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى ومنها: أن فيه عبيد الله بن عمر العمري قدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها. ومنها: أن القاسم هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُل: هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أبُو بَكْرٍ سُلَيْمَان خَارِجَهْ ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمته: القاسم، عن عائشة. ومنها: أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، قال في ألفية الأثر: وَالمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ وَأنَسٌ، وَالْبَحْرُ كالْخُدْرِيِّ … وَجَابِرٌ، وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ والله تعالى أعلم.

стр. 4609

شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ : إِذا أذن بلال فكلوا واشربوا) فيه أن هذا الأمر أمر إباحة، وإعلام بامتداد وقت السحور إلى هذا الوقت (حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قالت) عائشة ﵂ (ولم يكن بينهما) أي بين أذانيهما (إِلا أن ينزل هذا) بكسر الزاي، من باب ضرب، أي ينزل بلال من محل الأذان، وفيه أن الأذان يكون في موضع مرتفع، إذِ القَصْد منه الإعلامُ، فكونه في مكان مرتفع أبلغ (ويصْعَد هذا) أي ابن أم مكتوم، وصَعِدَ بكسر العين، يقال: صَعِدَ في السلم، والدرجة، يصعَد، من باب تعِبَ، صعودًا، وصعِد السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل -بالتثقيل-: إذا علوته. أفاده في المصباح. ومراد عائشة ﵂ بهذا تقليل المدة التي تكون بين أذانيهما. ثم إن رواية المصنف ﵀ صريحة في أن جملة "ولم يكن بين أذانيهما … " إلخ من كلام عائشة ﵂، لا من كلام القاسم، وأما ما وقع في صحيح البخاري في الصيام من قوله: قال القاسم: "لم يكن بين أذانيهما، إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا"، فمعناه، كما قال الحافظ: قال القاسم في روايته عن عائشة. قال في الفتح: وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه

стр. 4610

الأذان قبل الفجر هو وقت السحور، وهو أحد الأوجه في المذهب -يعني المذهب الشافعي- واختاره السبكي في شرح المنهاج، وحَكَى تصحيحه عن القاضي حسين، والمتولي، وقطع به البغوي، وكلامُ ابن دقيق العيد يشعر به، فإنه قال بعد أن حكاه: يُرَجَّحُ هذا بأن قوله: "إن بلالًا ينادي بليل" خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعًا، وذلك إن كان وقت الأذان مشتبهًا محتملًا لأن يكون عند طلوع الفجر، فبين ﷺ أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق، قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. انتهى. ويقويه أيضًا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التأهب لإدراك الصبح في أول وقتها. وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم، فقال: قال العلماء: معناه: أن بلالًا كان يؤذن، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر. قال الحافظ: وهذا -مع وضوح مخالفته لسياق الحديث- يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل. واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكر من حديث عائشة ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال، ويصيبه ابن أم

стр. 4611

مكتوم، وتعقب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي ﷺ مؤذنًا، واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوع ذلك منه نادرًا، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته، والله أعلم. انتهى فتح الباري جـ ٢ ص ١٢٥. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا من طريق عبيد الله متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٣٩)، وفي "الكبرى" (١٦٠٣) عن يعقوب بن إبراهيم، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله العمري، عن القاسم، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن، إسحاق ابن إبراهيم، وفي "الصوم" عن عُبَيد بن إسماعيل، كلاهما عن أبي أسامة- وفي "الصلاة" أيضًا عن يوسف بن عيسى، عن الفضل ابن موسى- وأخرجه مسلم في "الصوم" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عَبْدة بن سليمان- وعن أبي موسى محمد بن المثنى، عن حماد بن مَسْعَدة-، وفيه، وفي "الصلاة" عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن أبيه- كلهم عن عبيد الله به.

стр. 4612

والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في الأذان للصبح قبل دخول وقتها: ذهب إلى جواز ذلك مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، والجمهور، ورجع إليه أبو يوسف بعد أن كان يقول بالمنع. وذهب آخرون إلى منع الأذان بها قبل دخول وقتها كسائر الصلوات، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والحسن بن صالح بن حي، قالوا: فإن أذَّنَ لها قبل الفجر أعاد الأذان بعده. ورَوَى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن عائشة، قالت: ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر، وعن إبراهيم النخعي، قال: شَيَّعْنَا علقمة إلى مكة، فخرجنا بليل، فسمع مؤذنًا يؤذن، فقال: أما هذا فقد خالف أصحاب محمد ﷺ ، لو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذن، وعن إبراهيم النخعي أنه كره أن يؤذن قبل الفجر. وعن عبيد الله بن عمر، قلت لنافع: إنهم كانوا يُنَادُون قبيل الفجر؟ قال: ما كان النداء إلا مع الفجر. وحَكَى ابنُ حزم عن الحسن البصري، أنه قيل له: الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس؟ فغضب، وقال: عُلُوج (١) فَرَاغٌ، لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، من أذن قبل الفجر فإنما صلى أهل ذلك

стр. 4613

المسجد بإقامة لا أذان فيها. وعن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل قالوا له اتق الله، وأعد أذانك. وذهبت طائفة من أهل الحديث أنه إن كان للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد الفجر، فلا بأس أن يؤَذَّن للصبح إذا كان هكذا، وبه قال ابن حزم الظاهري، فقال: يجوز أن يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه، وينزل من المنارة أو العلو، ويصعد مؤذن آخر، ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في الأذان. واحتج المانعون بحديث ابن عمر "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام"، رواه أبو داود في سننه، وصحح وقفه على عمر في أذان مؤذن له يقال له: مسعود. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: أحدها: ضعفه، كما تقدم عن أبي داود، وضعفه أيضًا الشافعي، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم. ثانيها: أنه عارضه على تقدير صحته ما هو أصح منه، وهو قوله ﵇ "إن بلالًا يؤذن بليل … " الحديث. قال البيهقي: والأحاديث الصحاح التي تقدم ذكرها مع فعل أهل الحرمين أولى بالقبول منه، ثم روى بإسناده عن شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك

стр. 4614

ابن أنس: أليس قد أمر النبي ﷺ بلالًا أن يعيد الأذان؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل"، قلت: أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليل. ثالثها: قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله ﷺ يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر. وأجاب المانعون عن حديث الباب بأن هذا الأذان لم يكن لأجل الصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائمين للسحور وغيره. أجاب بمعناه الطحاوي، وابن حزم، ويرده حديث زياد بن الحارث الصدائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني -يعني النبي ﷺ فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله، فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: "لا"، حتى إذا طلع الفجر … الحديث. رواه أبو داود، وغيره، وهو صريح في الأذان للصبح قبل الوقت من غير إعادته بعد دخول الوقت. قال الجامع: حديث الصدائي ضعيف، لا يصح الاستدلال به، فتنبه. وقال ابن عبد البر: وفي إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل والنهار لا أذان لها ما يدل على أن أذان بلال بالليل إنما هو لصلاة الصبح.

стр. 4615

قال الجامع: فيما قاله نظر لا يخفى، فأذان بلال بين في الحديث سببه، وهو أنه يوقظ النائم ويرجع القائم، لا لأجل صلاة الصبح، كما زعمه، فتبصر. وقال الطحاوي: يجوز أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه ولا يتحقق ذلك لضعف بصره، ثم استدل بما رواه عن أنس مرفوعًا: "لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئًا". قال الطحاوي: فدل على أن بلالًا كان يريد الفجر، فيخطئه، لضعف بصره. قال صاحب "طرح التثريب": قلت: وهذا ضعيف؛ لأن قوله ﵊: "إن بلالًا يؤذن بليل" يقتضي أن هذه كانت طريقته، وعادته دائمًا، ولو كان لا يقع ذلك منه إلا لخطأٍ لم يقع إلا نادرًا، فإنه لولا أن الغالب إصابته لا رُتِّبَ مؤذنًا، واعتُمِدَ عليه في الأوقات. وفي "صحيح البخاري" من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : "لا يمنعن أحدكم" أو "أحدًا منكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن" أو "ينادي بليل، ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم … " الحديث، وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر، يقصد ذلك، ويتعمده. والله أعلم. انتهى من "طرح التثريب" باختصار، وبعض تصرف جـ ٢ ص ٢٠٥ - ٢٠٧.

стр. 4616

قال الجامع: الراجح عندي أن الأذان قبل الفجر سنة ثابتة، بأدلة صحيحة، وليس لأجل صلاة الصبح، وإنما هو لأجل أن يرجع القائم، ويستيقظ النائم، فلا يجزئ عن الأذان بعد طلوع الفجر، فتبصر، والله أعلم. المسألة الخامسة: أنه استدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد في الرواية على الصوت من غير رؤية المخبر بأن يكون وراء حجاب، إذا كان عارفًا بالصوت، واعتمد في ذلك على إخبار ثقة، فإن ابن أم مكتوم لم يكن يشاهد ما يعرف به دخول الوقت، وإنما كان يعتمد في ذلك على إخبار من يخبره بذلك ممن يثق به، وأقره النبي ﷺ على ذلك، وأيضًا فإنه ﵊ أمر بالاعتماد على صوت المؤذن من غير مشاهدة، فإن ذلك يكون في الليل وظلمته، ولابد أن يميز صوت بلال من صوت ابن أم مكتوم، فإن لكل منهما حكمًا غير حكم الآخر، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف. وعن شعبة بن الحجاج منعه لاحتمال الاشتباه. وأما في باب الشهادة فالأكثر على المنع من الاعتماد على الصوت فيها، وباب الشهادة أضيق، وبالاحتياط أجدر، ومن جوز استدل بهذا الحديث، قال المهلب: فيه جواز شهادة الأعمى على الصوت، لأنه ميز صوت من علمه الوقت ممن يثق به، فقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له. انتهى طرح التثريب جـ ٢ ص ٢١٠ - ٢١١.

стр. 4617

قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز شهادة الأعمى إذا كان عاقلًا يعرف الأصوات هو الحق، وهو الذي رجحه البخاري في صحيحه، حيث قال: "باب شهادة الأعمى، وأمره، ونكاحه، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف بالأصوات … إلى آخر ما قاله. انظر الصحيح بنسخة الفتح جـ ٥ ص ٣١٢. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: فيه جواز كون المؤذن أعمى، فابن أم مكتوم كان أعمى، وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصير، كما كان بلال وابن أم مكتوم، وروى البيهقي في سننه عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يكره أن يكون المؤذن أعمى. قال البيهقي: وهذا، والذي روي عن ابن مسعود في ذلك محمول على أعمى منفرد، لا يكون معه بصير يعلمه الوقت. انتهى. وبوب عليه البخاري في "صحيحه" "باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره". وقال ابن بطال: اختلفوا في أذان الأعمى، فكرهه ابن مسعود وابن الزبير، وكره ابن عباس إقامته، وأجازه طائفة، وروي أن مؤذن النخعي كان أعمى، وأجازه مالك، والكوفيون، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، إذا كان له من يُعَرَّفُه الوقت، لأن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بعد أن يقال له: أصبحت أصبحت. انتهى "طرح التثريب". والله أعلم. المسألة السابعة: في هذا الحديث أن النبي ﷺ كان له مؤذنان

стр. 4618

بالمدينة، وفي صحيح مسلم عن عائشة، وابن عمر ﵃ قالا: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم. قال أبو بكر بن إسحاق الصِّبْغِيّ: والخبران صحيحان، فمن قال: كان له مؤذنان أراد اللذين كانا يؤذنان بالمدينة، ومن قال: ثلاثة أراد أبا محذورة الذي كان يؤذن بمكة. قال ولي الدين العراقي ﵀: وكان له مؤذن رابع؛ وهو سعد القرظ، أذن للنبي ﷺ بقباء مرارًا، ثم صار بعد النبي ﷺ مؤذنًا بالمدينة لما ترك بلال الأذان، وأذن له زياد بن الحارث الصدائي أيضًا، وقال: "إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم" رواه أبو داود، وغيره، لكنه لم يكن راتبًا، ولهذا عد مؤذنوا النبي ﷺ أربعة. انتهى. قال الجامع: تقدم أن حديث الصدائي لا يصح، فتنبه. قال الشافعي ﵀: وأحب أن أقتصر في المؤذنين على اثنين، لأنا إنما حفظنا أنه أذن لرسول الله ﷺ اثنان، ولا نُضَيِّقُ إن أذن أكثر من اثنين. واحتج في الإملاء في جواز أكثر من اثنين بقصة عثمان، فقال: ومعروف أنه زاد في عدد المؤذنين فجعله ثلاثة. وذكر أبو علي الطبري، والرافعي أن المستحب ألا يزاد على أربعة مؤذنين. وذكر النووي في الروضة أنه أنكر هذا القول كثيرون من أصحاب الشافعي، وقالوا: إنما الضبط بالحاجة ورؤية المصلحة، فإن رأى

стр. 4619

الإمام المصلحة في الزيادة على الأربعة فعله، وإن رأى الاقتصار على اثنين لم يزد، قال: وهذا هو الأصح. أفاده في طرح التثريب جـ ٢ ص ٢١١، ٢١٢. قال الجامع: ثم إن الأولى في تأذينهم أن يكون في أوقات مختلفة، كما ثبت عن مؤذني رسول الله ﷺ ، إلا إذا دعت الحاجة إلى الأذان في وقت واحد، فلا مانع منه للضرورة. قال في الفتح: وأما أذان اثنين معًا فمنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره، إلا إن حصل من ذلك تهويش. انتهى جـ ٢ ص ١٢٠. والله أعلم. المسألة الثامنة: في الحديث دليل على جواز نسبة الإنسان إلى أمه، وفي الصحابة جماعة عرفوا بذلك، منهم: ابن بُحَيْنَة، ويعلى ابن مُنْيَةَ، والحارث ابن الْبَرصَاء، وغيرهم، وحكي أن يحيى بن معين كان يقول: حدثنا إسماعيل ابن علية، فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قل إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير، ولهذا استثنى ابن الصلاح في علوم الحديث من الجواز ما يكرهه الملقب، وهو حسن، لكن قال الحافظ العراقي: الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب، لا اللزوم. أفاده في الطرح جـ ٢ ص ٢١٣. وقال السيوطي ﵀ في "ألفية الأثر":

стр. 4620

وَذِكُرُهُ بِالوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ، أُنَيْسَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدورقي المتقدم في السند السابق. ٢ - (هشيم) بن بَشيِر بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية ابن أبي خَازِم الواسطي، ثقة، ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، من [٧]، تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (منصور) بن زاذان الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، ثقة، ثبت، عابد، توفي سنة ١٢٩، من [٦] أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٧٥. ٤ - (خُبَيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف، الأنصاري الخزرجي، أبو الحارث المدني، ثقة، من [٤].

стр. 4621

وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: مات سنة ١٣٢، وقال الواقدي: مات في زمن مروان بن محمد، أخرج له الجماعة. ٥ - (أنيسة) -بالتصغير- بنت خبيب بن يساف الأنصارية، عدادها في أهل البصرة، روت عن النبي ﷺ هذا الحديث، روى عنها ابن أخيها خبيب بن عبد الرحمن. قال ابن سعد: أسلمت، وبايعت النبي ﷺ ، وقال ابن حبان: لها صحبة، وذكرها جماعة ممن صنف في الصحابة، أخرج لها المصنف فقط. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغدادي، وهو شيخه وواسطيين؛ وهما هشيم ومنصور، ومدني؛ وهو خبيب، وبصرية، وهي أنسية. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمته. ومنها: أن أنيسة من أفراد المصنف، ولا رواية لها إلا في هذا الموضع. وشرح الحديث يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم.

стр. 4622

تنبيهان: الأول: حديث أنيسة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، أخرجه هنا (٦٤٠)، وفي "الكبرى" (١٦٠٤) بهذا السند. الثاني: أنه قد ادعى الحافظ ابن عبد البر وغيره أن حديث أنيسة هذا مقلوب، والصواب حديث ابن عمر وغيره "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، لكن الصواب أنه ليس مقلوبًا، لإمكان الجمع بأن بلالًا كان يؤذن أحيانًا بليل، وأحيانًا بعد الفجر، فكان تعليم النبي ﷺ صادرًا في الحالتين، كما تقدم تحقيقه في الباب الماضي. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4623

١١ - الأذَانُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَلاةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان في غير وقت الصلاة، ليستيقظ النائم، ويرجع القائم، فيأخذ راحة ليكون على نشاط للصبح. وليس مراد المصنف أن الأذان الذي حصل قبل الفجر يجزئ عن الأذان بعده، بدليل أنه بوب الباب التالي بقوله: "وقت أذان الصبح"، فعلم أن مراده هنا أنه يشرع الأذان في غير وقت الصلاة لمهمة أخرى، وهي المذكورة في حديث الباب. والحاصل أن الأذان قبل الفجر سنة، ولكنه لا يجزئ عن الأذان الذي بعد طلوع الفجر، لأنه لم يصح أنه ﷺ اكتفى به، وأما حديث الصدائي، فضعيف؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، كما بينه الحافظ في "التلخيص". ٦٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَلِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا". -يَعْنِى فِي الصُّبْحِ.

стр. 4624

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة، ثبت، حافظ، حجة، فقيه، توفي سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (المعتمر بن سليمان) التيمي، أبو محمد البصري، يلقب بالطُّفيل، ثقة، توفي سنة ١٨٧، وقد جاوز ٨٠ سنة، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠. ٣ - (سليمان) بن طَرْخَان التيمي، أبو المعتمر البصري، ثقة عابد، توفي سنة ١٤٣ وهو ابن ٩٧، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٧. ٤ ٤ - (أبو عثمان) النَّهْدِيّ -بفتح النون، وسكون الهاء-، عبد الرحمن بن مَلّ -بلام ثقيلة، والميم مثلثة- بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نَهْد، سكن الكوفة، ثم البصرة، مشهور بكنيته، مخضرم، ثقة، ثبت، عابد، من كبار [٢]. أسلم على عهد النبي ﷺ ، وصَدّق إليه (١)، ولم يلقه. قال ابن المديني: هاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر، ووافق استخلاف عمر،

стр. 4625

فسمع منه، ولم يسمع من أبي ذرّ، وقال: أدرك النبي ﷺ ، وقال عبد القاهر بن السري، عن أبيه، عن جده: كان أبو عثمان من قضاعة، وأدرك النبي ﷺ ولم يره، وسكن الكوفة، فلما قتل الحسين تحول إلى البصرة، وحج ستين ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: أتت علي مائة وثلاثون سنة وما مني شيء إلا وقد أنكرته خلا أملي. وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: إني لأحسب أن أبا عثمان كان لا يصيب ذنبًا، كان ليلهُ قائمًا، ونهاره صائمًا. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: كان ثقة، وكان عَرِيفَ قومه، وقال أبو زرعة والنسائي وابن خراش: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: أكبر تابعي أهل الكوفة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وتُوُفِّيَ أول قدوم الحجاج العراق، وكذا أرخه القراب، وزاد: سنة ٧٥. وقال عمر بن علي وغيره: مات سنة ٩٥، وهو ابن ١٣٠ سنة، وقال ابن معين وغيره: مات سنة ١٠٠، وقال خليفة: مات بعد سنة ١٠٠، ويقال: بعد سنة ٩٥، وقال هُشَيم: بلغني أن أبا عثمان، توفي، وهو ابن ثلاثين ومائة سنة، وهو معدود فيمن عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك، أخرج له الجماعة. ٥ - (ابن مسعود) عبد الله الهذلي الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →