وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: مات سنة ١٣٢، وقال الواقدي: مات في زمن مروان بن محمد، أخرج له الجماعة.
٥ - (أنيسة) -بالتصغير- بنت خبيب بن يساف الأنصارية، عدادها في أهل البصرة، روت عن النبي ﷺ هذا الحديث، روى عنها ابن أخيها خبيب بن عبد الرحمن.
قال ابن سعد: أسلمت، وبايعت النبي ﷺ ، وقال ابن حبان: لها صحبة، وذكرها جماعة ممن صنف في الصحابة، أخرج لها المصنف فقط. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغدادي، وهو شيخه وواسطيين؛ وهما هشيم ومنصور، ومدني؛ وهو خبيب، وبصرية،
وهي أنسية.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمته.
ومنها: أن أنيسة من أفراد المصنف، ولا رواية لها إلا في هذا الموضع.
وشرح الحديث يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم.
стр. 4622
تنبيهان:
الأول: حديث أنيسة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، أخرجه هنا (٦٤٠)، وفي "الكبرى" (١٦٠٤) بهذا السند.
الثاني: أنه قد ادعى الحافظ ابن عبد البر وغيره أن حديث أنيسة هذا مقلوب، والصواب حديث ابن عمر وغيره "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، لكن الصواب أنه ليس مقلوبًا، لإمكان الجمع بأن بلالًا كان يؤذن أحيانًا بليل، وأحيانًا بعد الفجر، فكان تعليم النبي ﷺ صادرًا في الحالتين، كما تقدم تحقيقه في الباب الماضي. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4623
١١ - الأذَانُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان في غير وقت الصلاة، ليستيقظ النائم، ويرجع القائم، فيأخذ راحة ليكون على نشاط للصبح.
وليس مراد المصنف أن الأذان الذي حصل قبل الفجر يجزئ عن الأذان بعده، بدليل أنه بوب الباب التالي بقوله: "وقت أذان الصبح"، فعلم أن مراده هنا أنه يشرع الأذان في غير وقت الصلاة لمهمة أخرى، وهي المذكورة في حديث الباب.
والحاصل أن الأذان قبل الفجر سنة، ولكنه لا يجزئ عن الأذان الذي بعد طلوع الفجر، لأنه لم يصح أنه ﷺ اكتفى به، وأما حديث الصدائي، فضعيف؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، كما بينه الحافظ في "التلخيص".
٦٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَلِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا". -يَعْنِى فِي الصُّبْحِ.
стр. 4624
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة، ثبت، حافظ، حجة، فقيه، توفي سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (المعتمر بن سليمان) التيمي، أبو محمد البصري، يلقب بالطُّفيل، ثقة، توفي سنة ١٨٧، وقد جاوز ٨٠ سنة، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٣ - (سليمان) بن طَرْخَان التيمي، أبو المعتمر البصري، ثقة عابد، توفي سنة ١٤٣ وهو ابن ٩٧، من [٤]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٨٧/ ١٠٧. ٤
٤ - (أبو عثمان) النَّهْدِيّ -بفتح النون، وسكون الهاء-، عبد الرحمن بن مَلّ -بلام ثقيلة، والميم مثلثة- بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نَهْد، سكن الكوفة، ثم البصرة، مشهور بكنيته، مخضرم، ثقة، ثبت، عابد، من كبار [٢].
أسلم على عهد النبي ﷺ ، وصَدّق إليه (١)، ولم يلقه. قال ابن المديني: هاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر، ووافق استخلاف عمر،
стр. 4625
فسمع منه، ولم يسمع من أبي ذرّ، وقال: أدرك النبي ﷺ ، وقال عبد القاهر بن السري، عن أبيه، عن جده: كان أبو عثمان من قضاعة، وأدرك النبي ﷺ ولم يره، وسكن الكوفة، فلما قتل الحسين تحول إلى البصرة، وحج ستين ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: أتت علي مائة وثلاثون سنة وما مني شيء إلا وقد أنكرته خلا أملي. وقال
معتمر بن سليمان، عن أبيه: إني لأحسب أن أبا عثمان كان لا يصيب ذنبًا، كان ليلهُ قائمًا، ونهاره صائمًا.
وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: كان ثقة، وكان عَرِيفَ قومه، وقال أبو زرعة والنسائي وابن خراش: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: أكبر تابعي أهل الكوفة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وتُوُفِّيَ أول قدوم الحجاج العراق، وكذا أرخه القراب، وزاد: سنة ٧٥.
وقال عمر بن علي وغيره: مات سنة ٩٥، وهو ابن ١٣٠ سنة، وقال ابن معين وغيره: مات سنة ١٠٠، وقال خليفة: مات بعد سنة ١٠٠، ويقال: بعد سنة ٩٥، وقال هُشَيم: بلغني أن أبا عثمان، توفي، وهو ابن ثلاثين ومائة سنة، وهو معدود فيمن عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك، أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن مسعود) عبد الله الهذلي الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
стр. 4626
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأنهم ما بين مروزي، ثم نيسابوري؛ وهو إسحاق، وبصرِيَّيْنِ؛ وهما المعتمر وأبوه، وكُوفِيَّيْنِ؛ وهما أبو عثمان وابن مسعود.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي عثمان) النهدي عن عبد الرحمن بن ملّ، وفي رواية ابن خزيمة من رواية معتمر، عن أبيه، قال: "حدثنا أبو عثمان"، قال الحافظ ﵀: ولم أر هذا الحديث من حديث ابن مسعود في شيء من الطرق، إلا من رواية أبي عثمان، عنه، ولا من رواية أبي عثمان إلا من رواية سليمان التيمي عنه، واشتهر عن سليمان، وله شاهد في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب. انتهى فتح الباري جـ ٢ ص ١٢٤.
قال الجامع: ستأتي رواية سمرة التي أشار إليها الحافظ للمصنف في الصوم رقم (٢١٧١).
стр. 4627
(عن) عبد الله (بن مسعود) الهذلي ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: إِن بلالًا يؤذن بليل) ورواية البخاري: "لا يمنعن أحدكم -أو أحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن -أو ينادي- بليلٍ … (ليوقظ) من الإيقاظ (نائمكم) بالنصب مفعول يوقظ، أي لينبهه ليتأهب للصلاة بالغسل، ونحوه، قالوا: سبب ذلك أن الصلاة كانت بغلس، فيحتاج تَحْصيلها إلى التأهب من الليل، فُوضِعَ له الأذان قبيل الفجر لذلك. ذكره السندي.
(وليرجع قائمكم) بفتح الياء، وكسر الجيم المخففة، قال السندي ﵀: المشهور أنه من الرَّجْع المتعدي المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨]، لا من الرجوع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، وقوله عز من قائل: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، ويحتمل أن يكون من الإرجاع، وهو الموافق لما قبله لفظًا، وعلى الوجهين (قائمكم) بالنصب، ويحتمل أن يكون من الرجوع اللازم، و"قائمكم" بالرفع، لكنه لا يوافق ما قبله. انتهى كلام السندي.
وقال في "الفتح" ما نصه: يستعمل لازمًا ومتعديًا، يقال: رجع زيد، ورجعت زيدًا، ولا يقال في المتعدي بالتثقيل. قال: فعلى هذا
من رواه بالضم والتثقيل أخطأ، فإنه يصير من الترجيح، وهو الترديد، وليس مرادًا هنا، وإنما معناه يرد القائم -أي المتهجد- إلى راحته، ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطًا، أو يكون له حاجة إلى الصوم، فيتسحر.
стр. 4628
قال: وتمسك الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا لمذهبه، فقال: فقد أخبر أن ذلك النداء كان لما ذكر، لا للصلاة.
وتعقب بأن قوله "لا للصلاة" زيادة في الخبر، وليس فيه حصر فيما ذكر، فإن قيل: تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، والأذان قبل الوقت ليس إعلامًا بالوقت، فالجواب أن الأعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلامًا بأنه دخل أو قارب أن يدخل، وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات، لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه، والصبح يأتي غالبًا عقب نوم، فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت. والله أعلم. انتهى "فتح الباري" جـ ٢ ص ١٢٤.
(وليس الفجر) أي ظهور الفجر، فهو على حذف مضاف (أن يقول) أي يظهر (هكذا) أشار به إلى هيئة ظهور الفجر الكاذب، والقولُ أريد به فعلُ الظهور، وإطلاق القول على الفعل شائع. قاله السندي. وفي الرواية الآتية للمصنف في الصوم "وليس الفجر أن يقول هكذا، وأشار بكفه، ولكن الفجر أن يقول هكذا، وأشار بالسبابتين"، وفي رواية البخاري "وليس أن يقول الفجر، أو الصبح- وقال بأصبعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول هكذا".
وقال زهير: بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.
стр. 4629
قال الحافظ ﵀: قوله: وقال زهير، أي الراوي، وهي -يعني كلمة قال- أيضًا بمعنى أشار، وكأنه جمع بين أصبعيه، ثم
فرقهما، ليحكي صفة الفجر الصادق، لأنه يطلع معترضًا، ثم يعم الأفق ذاهبًا يمينًا وشمالًا، بخلاف الفجر الكاذب، وهو الذي تسميه العرب "ذَنَب السِّرْحانِ" فإنه يظهر في أعلى أفق السماء، ثم ينخفض، وإلى ذلك أشار بقوله: رفع، وطأطأ أصبعه.
وفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس، عن سليمان "فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا، ولكن الفجر هكذا" فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقرونًا بالإشارة الدالة على المراد، وبهذا اختلفت عبارة الرواة، وأخصر ما وقع فيها رواية جرير عن سليمان عند مسلم "وليس الفجر المعترض، ولكن المستطيل". انتهى "فتح الباري" جـ ٢ ص ١٢٤.
وقوله (يعني في الصبح) أي قال هذا الكلام، وأشار هذه الإشارة في بيان وقت الصبح الكاذب، والصادق، وهذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبين لي من هو؟ والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
стр. 4630
حديث ابن مسعود ﵁ هذا من رواية عبد الرحمن بن ملِّ عنه متفق عليه.
الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٤١)، وفي "الكبرى" (١٦٠٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي عنه، وفي
الصوم (٢١٧٠) عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن سليمان التيمي به. والله أعلم.
الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية- وفي "الطلاق" عن القعنبي، عن يزيد بن زريع- وفي "خبر الواحد" عن مسدد، عن يحيى القطان.
وأخرجه مسلم في "الصوم" عن زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن علية- وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي خالد الأحمر، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن المعتمر بن سليمان- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير- والمعتمر بن سليمان- سبعتهم عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عنه.
وأخرجه أبو داود في "الصوم" عن أحمد بن يونس به، وعن مسدد به.
стр. 4631
وأخرجه ابن ماجه في "الصوم" عن يحيى بن حكيم، عن يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان التيمي به.
وبقية مسائل الحديث تعلم مما تقدم، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4632
١٢ - وَقْتُ أذَانِ الصُّبْحِ
أي هذا باب ذكر الحديث المبين وقت أذان صلاة الصبح، ولَمَّا بَيَّنَ رَحمه الله تعالى في الباب الماضي الأذان الذي يفعل لأجل إيقاظ النائم، وإرجاع القائم، ووقتُهُ قبل طلوع الفجر، أراد أن يبين في هذا الباب وقت الأذان الذي شرع لأجل صلاة الصبح.
ومحل الاستدلال واضح من قوله: "فأذن حين طلع الفجر". لأنه ﷺ أمره بالأذان، فأذن بعد طلوع الفجر ممتثلًا لأمره، فتبين به أن وقت أذان الصبح بعد طلوع الفجر. والله أعلم.
٦٤٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصُّبْحِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالاً، فَأَذَّنَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَخَّرَ الْفَجْرَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ، فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا وَقْتُ الصَّلَاةِ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي، المتقدم في السند السابق.
стр. 4633
٢ - (يزيد) بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة، متقن، عابد، توفي سنة ٢٠٦ هـ، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، توفي سنة ١٣٢، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك الأنصاري، الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو -٣٢ - من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه، وأنهم ما بين مروزي ثم نيسابوري؛ وهو
شيخه؛ وواسطي، وهو يزيد، وبصريَّيْنِ؛ وهما أنس، وحميد.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثًا وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله أعلم.
تنبيه:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى أخرجه هنا (٦٤٢)، وفي الكبرى (١٦٠٦) بهذا
стр. 4634
السند، وتقدم في (٥٤٤) عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عنه، وتقدم شرحه هناك مستوفى، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4635
١٣ - كَيْفَ يَصْنَعُ الْمُؤَذِّنُ فِي أذَانِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الصفة التي يصنعها المؤذن في حال تأذينه، من الالتفات يمينًا وشمالًا، ومحلُّ الاستدلال واضح من قوله: "فجعل يقول في أذانه هكذا … " إلخ.
٦٤٣ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَخَرَجَ بِلَالٌ، فَأَذَّنَ، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ هَكَذَا، يَنْحَرِفُ يَمِينًا وَشِمَالاً.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمود بن غَيْلانَ) العَدوي مولاهم أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، توفي سنة ٢٣٩، من [١٠]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الجراح بن مَلِيح الرُّؤَاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة، حافظ، عابد، توفي سنة ١٩٦، من كبار [٩]، تقدم في
٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، ثبت، حجة، فقيه، توفي سنة ١٦١، من [٧]، تقدم
في ٣٣/ ٣٧.
стр. 4636
٤ - (عَوْن بن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السُّوَائِيُّ، الكوفي، ثقة، توفي سنة ١١٦، من [٤]، تقدم في ١٠٣/ ١٣٧.
٥ - (أبو جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوَائِي، ويقال: اسم أبيه وهب أيضا، صحابي معروف مشهور بكنيته، وصَحِبَ عليًا
﵄، توفي سنة ٧٤، تقدم في ١٠٣/ ١٣٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه) أبي جحيفة، وهب بن عبد الله، أو ابن وهب السوائي رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: أتيت النبي ﷺ ، فخرج بلال)، وفي رواية الشيخين وغيرهما، قال: أتيت النبي ﷺ بمكة، وهو بالأبطح في قبة له حمراء، من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي ﷺ ، عليه حلة حمراء فكأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذن بلال … الحديث.
стр. 4637
(فأذن بلال، فجعل) أي شرع (يقول) أي يفعل، ففيه إطلاق القول على الفعل (في أذانه هكذا) وجملة قوله (ينحرف يمينًا وشمالًا) بيان لاسم الإشارة. وهكذا أورده المصنف مختصرًا، وأورده مسلم من رواية وكيع، عن سفيان أتم من هذا، حيث قال: "فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يمينًا وشمالًا، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح".
قال الحافظ ﵀: وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان، وأن محله عند الحيعلتين، وبَوَّبَ عليه ابن خزيمة "انحرافُ المؤذن عند قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح بفمه لا ببدنه كله"، قال: إنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساقه من طريق وكيع أيضًا بلفظ: "فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمنيًا وشمالًا" وفي رواية عبد الرزاق عن الثوري في هذا الحديث زيادتان: إحداهما الاستدارة، والأخرى وضع الإصبع في الأذن.
ولفظه عند الترمذي "رأيت بلالًا يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ها هنا وها هنا، وأصبعاه في أذنيه"، فأما قوله "ويدور" فهو مدرج في رواية سفيان عن عون، بَيَّن ذلك يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: "رأيت بلالًا أذن، فَاتَّبَعَ فاه ها هنا وها هنا، والتفت يمينًا وشمالًا" قال سفيان: كان حجاج -يعني ابن أرطاة- يذكر لنا عن عون أنه قال: "فاستدار في أذانه"، فلما لقينا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة.
стр. 4638
أخرج الطبراني، وأبو الشيخ من طريق يحيى بن آدم، وكذا أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان،
لكن لم يسم حجاجًا، وهو مشهور عن حجاج. أخرجه ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم من طريقه، ولم ينفرد به، بل وافقه إدريس الأودي، ومحمد العرزمي، عن عون، لكن الثلاثة ضعفاء، وقد خالفهم من هو مثلهم، أو أمثل، وهو قيس بن الربيع، فرواه عن عون، فقال في حديثه "ولم يستدر" أخرجه أبو داود.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عَنَى استدارة الرأس، ومن نفاها عني استدارة الجسد كله. ومشى ابن بطال ومن تبعه على ظاهره، فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله.
قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه دليل على استدارة المؤذنين للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واخْتُلِفَ هل يستدير ببدنه كله، أو بوجهه فقط وقدماه قارتان مستقبل القبلة؟ واختُلِفَ أيضًا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة، وفي الثانية مرة، أو يقول: حي على الصلاة عن يمينه، ثم حي على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى؟ قال: ورجح الثاني، لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث. انتهى. "إحكام الأحكام" جـ ٢ ص ١٧٦، ١٧٧. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4639
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي جحيفة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٤٣)، وفي الكبرى (١٦٠٧) بهذا السند، وفي الزينة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان به. وفي الزينة أيضًا عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن يوسف، عن سفيان به.
وأخرجه مسلم مطولًا فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة- وزهير بن حرب-.
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري- ثلاثتهم عن وكيع عن سفيان به.
وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عنه نحوه.
стр. 4640
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أيوب بن محمد الهاشمي، عن عبد الواحد بن زياد، عن حجاج بن أرطاة عن عون بن أبي جحيفة،
عن أبيه ﵁. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في استدارة المؤذن في أذانه:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في استدارة المؤذن، فرخصت طائفة فيه.
فممن رخص فيه الحسن البصري، كان يقول: إذا أراد أن يقول: حي على الصلاة أدار، وإذا أراد أن يقول الله أكبر، استقبل القبلة. وقال النخعي: إذا بلغ حي على الصلاة، حي على الفلاح أدار عنقه يمينًا وشمالًا، ولا يحرك قدميه.
وقال سفيان الثوري: يثبت قدميه مكانهما إذا أذن، ثم ينحرف عن يمينه وعن شماله بحي على الصلاة، حي على الفلاح، ثم يستقبل القبلة بالإقامة والتكبير، وكذلك قال النعمان وصاحباه. وقال الأوزاعي: يستقبل القبلة، فإذا قال: حي على الصلاة استدار إن شاء عن يمينه فيقول: حي على الصلاة مرتين، ثم يستدير عن يساره كذلك، فإذا فرغ استقبل القبلة، فقال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
وقال الشافعي: ويؤذن قائمًا، يستقبل القبلة في أذانه كله، ويلوي رأسه في حي على الصلاة، حي على الفلاح، يمينًا وشمالًا، وبدنه مستقبل القبلة، وبه قال أبو ثور.
стр. 4641
وكرهت طائفة الاستدارة في الأذان، كره ابن سيرين أن يستدير في المنارة، وأنكر مالك استدارة المؤذن، وقال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة، يريد أن يسمع الناس، وكذلك قال إسحاق. انتهى كلام ابن المنذر في الأوسط جـ ٣ ص ٢٦، ٢٧.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الراجح عندي في هذه المسألة قول من قال بمشروعية الاستدارة، وكونها عند الحيعلتين، لصحة
دليله، كما تقدم. والله أعلم.
فائدة:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأما وضع الأصبعين في الأذنين فقد رواه مُؤَمِّل عن سفيان، أخرجه أبو عوانة، وله شواهد ذكرتها في تغليق التعليق من أصحها ما رواه أبو داود، وابن حبان من طريق أبي سلام الدمشقي، أن عبد الله الهوزني حدثه، قال: قلت لبلال: كيف كانت نفقة النبي ﷺ ؟
فذكر الحديث، وفيه "قال بلال: فجعلت إصبعي في أذني، فأذنت"، ولابن ماجه، والحاكم من حديث سَعْد القَرَظ "أن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في أذنيه" وفي إسناده ضعف.
قال العلماء: في ذلك فائدتان:
إِحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديث ضعيف،
стр. 4642
أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال.
ثانيهما: أنه علامة للمؤذن، ليعرف من رآه على بعد، أو كان به صمم أنه يؤذن، ومن ثم قال بعضهم: يجعل يده فوق أذنه حسب.
قال الترمذي: استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعه في الأذان، قال: واستحب الأوزاعي في الإقامة أيضًا. والله أعلم.
تنبيه:
لم يرد تعيين الأصبع التي يستحب وضعها، وجزم النووي أنها المسبحة، وإطلاق الأصبع مجاز عن الأنملة. والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر:
وقع في "المغني" للموفق نسبة حديث أبي جحيفة بلفظ "أن بلالًا أذن، ووضع أصبعيه في أذنيه" إلى تخريج البخاري ومسلم، وهو وهم، وساق أبو نعيم في المستخرج حديث الباب من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، عن سفيان بلفظ عبد الرزاق من غير بيان، فما أجاد، لإيهامه أنهما متوافقتان، وقد عرفت ما في رواية عبد الرزاق من الإدراج، وسلامة رواية عبد الرحمن من ذلك. والله المستعان. انتهى "فتح الباري" جـ ٢ ص ١٣٦، ١٣٧.
قال الجامع: رواية عبد الرحمن بن مهدي التي أشار إليها آنفًا أخرجها أبو عوانة في "صحيحه"، كما أشار إليه في "الفتح" جـ ٢ ص ١٣٥،
стр. 4643
والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4644
١٤ - رَفْعُ الصَّوْتِ بِالأذانِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الترغيب في رفع الصوت بالأذان.
٦٤٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ، وَلَا إِنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الجملي، أبو الحارث المصري، ثقة، ثبت، توفي سنة ٢٤٨، من [١١]، تقدم في ١٩/ ٢٠.
стр. 4645
٢ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة العُتَقِي، أبو عبد اللَّهِ المصري الفقيه صاحب مالك، ثقة، توفي سنة ١٩١، من كبار [١٠]، تقدم في ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة، ثبت، حجة، فقيه، توفي سنة ١٧٩، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني)، ومنهم من يسقط عبد الرحمن من نسبه، ومنهم من ينسبه هو إلى جده، فيقول: عبد الرحمن بن أبي صعصعة، ثقة، من [٦].
قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الهيثم بن عدي: مات في خلافة أبي جعفر، قال ابن المديني: وَهِمَ ابن عيينة في نسبه؛ حيث قال: عبد الله بن عبد الرحمن. وقال الشافعي: يشبه أن يكون مالك حفظه. وقال الدارقطني: لم يختلف على مالك في تسمية عبد الرحمن بن عبد الله. وقال ابن عبد البر في التمهيد: ثقة.
أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٥ - (عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري المدني، ثقة، من [٣]، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن
ماجه.
стр. 4646
٦ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄ استصغر بأحد، ثم شهد ما بعدها، توفي بالمدينة سنة ٦٣ أو ٦٤ أو ٦٥، وقيل: سنة ٧٤، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
ومنها: أن فيه أبا سعيد الخدري من المكثرين السبعة من الصحابة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مالك) بن أنس، أنه قال: (حدثني عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، عن أبيه)
عبد الله بن عبد الرحمن.
قال في الفتح: زاد ابن عيينة: "وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، وكانت أمه عند أبي سعيد"، أخرجه ابن خزيمة من طريقه، لكن قلبه ابن عيينة، فقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن، والصحيح قول مالك، ووافقه عبد العزيز الماجِشُون. وزعم أبو مسعود في الأطراف
стр. 4647
أن البخاري أخرج روايته، لكن لم نجد ذلك، ولا ذكرها خلف، قاله ابن عساكر.
واسم أبي صعصعة: عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو ابن غنم بن مازن بن النجار. مات أبو صعصعة في الجاهلية، وابنه عبد الرحمن صحابي، رَوَى ابنُ شاهين في الصحابة من طريق قيس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن جده حديثًا سمعه من النبي ﷺ ، وفي سياقه أن جده كان بدريًا، وفيه نظر، لأن أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم، وإنما ذكروا أخاه قيس بن أبي صعصعة انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٠٥.
(أنه أخبره) الضمير الأول لأبيه، والثاني لعبد الرحمن، أي أن أبا عبد الرحمن -وهو عبد الله- أخبر ابنه عبد الرحمن (أن أبا سعيد الخدري قال له:) أي لعبد الله بن عبد الرحمن (إِني أراك تحب الغنم) قال في المخصص: الغَنَمُ جمع، لا واحد له من لفظه. وقال أبو حاتم: وهي أنثى. وعن صاحب العين: الجمع: أغْنَام، وأغَانِمُ، وغُنُوم، وفي المحكم: ثَنَّوْه، فقالوا: غنمان، وفي الجامع: هو اسم لجمع الضأن، والمَعْز. وفي الصحاح: موضوع للجنس، يقع على الذكر، والإناث، وعليهما جميعًا. قاله في عمدة القاري جـ ٥ ص ١١٤.
(والبادية) أي وتحب البادية أيضًا لأجل الغنم، لأن محب الغنم يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي
стр. 4648
الصحراء التي لا عمارة فيها. أفاده في الفتح.
(فإِذا كنت في غنمك) كلمة "في" تأتي بمعنى "بين"، كما في قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]. قاله العيني.
(أو باديتك) كلمة "أو" هنا يحتمل أن تكون للشك من الراوي، أو تكون للتنويع، لأنه قد يكون في غنم بلا بادية، وقد يكون في بادية بلا غنم، وقد لا يكون فيهما معًا، وعلى كل حال لا يترك الأذان. أفاده في الفتح، وعمدة القاري.
(فأذنت بالصلاة) أي أعلمت بدخول وقت الصلاة، وللبخاري في الأذان "فأذنت بالصلاة" باللام بدل الباء، والمعنى متقارب.
(فارفع صوتك) زاد في رواية البخاري "بالنداء"، أي الأذان.
قال في الفتح: وفيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان مقررًا عندهم، لاقتصاره على الأمر بالرفع، دون أصل التأذين. قال:
واستَدَلَّ به الرافعيُّ للقول الصائر إلى استحباب أذان المنفرد، وهو الراجح عند الشافعية، بناءً على أن الأذان حق الوقت. وقيل: لا يستحب، بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة، ومنهم من فصَّل بين من يرجو جماعة، أو لا. انتهى فتح جـ ٢ ص ١٠٥.
(فإِنه) الفاء للتعليل، أي لأنه (لا يسمع مدى صوت المؤذن) أي غايته، و"مدى" -بفتح الميم، وتخفيف الدال المهملة، بعدها ألف-
стр. 4649
الغاية. وقال السندي: وفي نسخة "مَدَّ صوت المؤذن" -بفتح ميم، وتشديد دال- أي تطويله، والمراد أن من سمع منتهى الصوت، أو مده يشهد له، فكيف من سمع الأذان سماعًا بينًا، وهذه الشهادة لإظهار شرفه، وعلو درجته، وإلا فكفى بالله شهيدًا. انتهى كلام السندي جـ ٢ ص ١٢.
قال الجامع: ما ذكره من وجود نسخة "مَدّ" -بفتح ميم، فتشديد دال- بدل "مَدَى" بالقصر يحتاج إلى تثبت، فإني لم أرها لغيره. والله أعلم.
وقال التوربشتي ﵀: إنما ورد البيان على الغاية مع حصول الكفاية بقوله: "لا يسمع صوت المؤذن" تنبيهًا على أن آخر ما ينتهي إليه صوته يشهد له، كما يشهد له الأولون.
وقال القاضي البيضاوي ﵀: غاية الصوت تكون أخفى، لا محالة، فإذا شهد له مَنْ بَعُدَ عنه، ووصل إليه هَمْسُ صوته، فلأنْ يشهد له من هو أدنى منه، وسمع مبادئ صوته أولى. انتهى ذكره العيني.
(جن) بالرفع فاعل "يسمع" (ولا إِنس، ولا شيء) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من عطف العام على الخاص، لأن
الجن، والإنس داخلان في شيء، ويؤيده -كما قال الحافظ- ما في رواية ابن خزيمة "لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر، ولا
стр. 4650
جن، ولا إنس"، ولأبي داود، والنسائي من طريق أبي يحيى، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب، ويابس"، ونحوه للنسائي وغيره من حديث البراء، وصححه ابن السكن.
قال الحافظ ﵀: فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب "ولا شيء"، وقد تكلم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على غير ما يقتضيه ظاهره، قال القرطبي: قوله "ولا شيء": المراد به الملائكة. وتعقب بأنهم دخلوا في قوله "جن"، لأنهم يستخفون عن الأبصار. وقال غيره: المراد كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل، دون الجمادات، ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلًا، ولا شرعًا.
قال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع، والشهادة، والتسبيح لا يكون إلا من حي، فهل ذلك حكايته عن لسان الحال، لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها، أو هو على ظاهره، وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها الحياة، والكلام. وقد تقدم البحث في ذلك في قول النار "أكل بعضي بعضًا"، وسيأتي في الحديث الذي فيه: "إن البقرة قالت: إنما خلقت للحرث". انتهى.
قال الجامع: قد ذكر في "الفتح" في حديث "اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا" ما نصه: وقد اختلف في هذه
стр. 4651
الشكوى، هل هي بلسان المقال، أو بلسان الحال؟ واختار كُلًا طائفةٌ. وقال ابن عبد البر: لِكِلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح. وقال عياض: إنه الأظهر. وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمرٍ جائزٍ لم يُحْتَجْ إلى تأويله، فحمله على حقيقته. وقال النووي: نحو ذلك، ثم قال: حملُهُ على حقيقته هو الصواب. وقال نحو ذلك التوربشتي. إلى آخر ما كتبه الحافظ هناك. جـ ٢ ص ٢٤.
وفي "صحيح مسلم" من حدث جابر بن سمرة مرفوعًا "إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ". ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك: إن قوله هنا: "ولا شيء" نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وتعقبه بأن الآية مختلف فيها.
قال الحافظ: وما عرفت وجه هذا التعقب، فإنها سواء في الاحتمال، ونقل الاختلاف، إلا أن يقول: إن الآية لم يختلف في كونها على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء، هل هو على الحقيقة، أو المجاز، بخلاف الحديث. والله أعلم. انتهى "فتح" جـ ٢ ص ١٠.
قال الجامع: الحاصل أن الصواب في هذه الشهادة، ومثلُها التسبيحُ المذكورُ، أنه على ظاهر النص، وأن التأويل غير صحيح؛ لما ثبت من النصوص في هذا المعنى، كحديث مسلم المذكور آنفًا،
стр. 4652
وحديث حنِينِ الجِذْعِ لَمَّا تركه النبي ﷺ وخطب على المنبر، وحديثِ تسبيحِ الحصى، وحديث تسبيح الطعام، إلى غير ذلك من النصوص الصريحة الصحيحة في كون الله تعالى يفعل ما يشاء، فلا يختص الإدراكُ والنطقُ ونحوُهما بالعقلاء. ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله بصيرته، فلا يصدق إلا ما يدركه عقله السخيف. نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم ويجنبنا الزيغ المؤدي إلى العذاب الأليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
(إِلا شهد له يوم القيامة) وللبخاري في رواية الكشميهني "إلا يشهد له".
قيل: السر في هذه الشهادة، مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى، والجواب، والشهادة. قاله الزين بن المُنَيِّر.
وقال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل، وعلو الدرجة، وكما أن الله يفضح بالشهادة قومًا، فكذلك يكرم بالشهادة آخرين. أفاده في الفتح جـ ٢ ص ١٠٦.
(قال أبو سعيد) الخدري ﵁ (سمعته)؛ قال الكرماني: أي سمعت هذا الكلام الأخير، وهو قوله: "فإنه لا يسمع"
إلى آخره. وأشار بذلك إلى أنه من قوله "إني أراك تحب" إلى قوله: "فإنه لا يسمع" موقوف، ويؤيد ذلك ما رواه ابن خزيمة من رواية ابن
стр. 4653
عيينة، ولفظه: "قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي، فارفع صوتك بالنداء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يسمع مدى صوت المؤذن" فذكره. ورواه يحيى القطان أيضًا عن مالك بلفظ: أن النبي ﷺ قال: "إذا أذنت فارفع صوتك، فإنه لا يسمع" فذكره.
وقد أورد الغزالي، والرافعي، والقاضي حسين هذا الحديث، وجعلوه كله مرفوعًا، ولفظه: "أن النبي ﷺ قال لأبي سعيد: إنك رجل تحب الغنم" وساقوه إلى آخره. ورده النووي، وتصدى ابن الرفعة للجواب عنهم بأنهم فهِمُوا أن قول أبي سعيد سمعته من رسول الله ﷺ يرجع إلى كل ما ذكر، والصواب مع النووي، لما تقدم. أفاده في عمدة القاري جـ ٥ ص ١١٥، ونحوه في الفتح جـ ٢ ص ١٠٦. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا أخرجه البخاري.
الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٤٤)، وفي الكبرى (١٦٠٨) عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه. والله أعلم.
стр. 4654
الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف- وفي ذكر الجن عن قتيبة- وفي التوحيد عن
إسماعيل- ثلاثتهم عن مالك به. وفي المناقب عن أبي نعيم، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه به.
وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن محمد بن الصباح، عن سفيان ابن عيينة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد. كذا يقول سفيان: عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه.
قال الحافظ في نكته: قد أخرجه البزار في مسنده عن عمرو بن علي، وأحمد بن عبدة، كلاهما عن سفيان بن عيينة، فقال:
عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة.
قال الجامع: قد تقدم أن هذا الذي عند البزار هو الصواب. والله تعالى أعلم
الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو استحباب رفع الصوت بالأذان، ليكثر من يشهد له، ولو كان أذانه على مكان مرتفع، وكان بلال ﵁ يؤذن على بيت امرأة من بني النَّجَّارِ بيتُهَا أطول بيت
стр. 4655
حول المسجد.
ومنها: استحباب العُزْلَة عن الناس خصوصًا في أيام الفِتَنِ، وأن حب الغنم، والبادية، ولا سيما عند وقوع الفتن، من عمل السلف
الصالح.
ومنها: أن فيه جواز التَّبَدِّي، ومُسَاكَنَةُ الأعراب، ومشاركتهم في الأسباب، لكن بشرط أن يكون معه حَظّ من العلم، وأمْن من غلبة الجَفَاء.
ومنها: أن أذان المنفرد مندوب إليه، ولو كان في بَرّية، لأنه إن لم يحضر من يصلي معه، يحصل له شهادة من سمعه، من الحيوانات، والجمادات.
وللشافعي في أذان المنفرد ثلاثة أقوال: أصحها: نعم، لحديث أبي سعيد الخدري هذا، والثاني: وهو القديم، لا يندب له، لأن
المقصود من الأذان الإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد، والثالث: إن رَجَى حضور جماعة أذن، لإعلامهم، وإلا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان يرجو حضور غلمانه.
ومنها: أن الجن يسمعون أصوات بني آدم.
ومنها: أن بعض الخلق يشهد لبعض. انظر فتح جـ ٢ ص ١٠٦ - ١٠٧، وعمدة القاري ٥ جـ ص ١١٥. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 4656
٦٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعَهُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ، وَيَابِسٍ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري، أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨ هـ، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في
٤٢/ ٤٧.
٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود في القدر والترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة، ثبت، توفي سنة ١٨٢، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥.
٤ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي البصري، ثقة، ثبت، حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٥ - (موسى بن أبي عثمان) الكوفي، مقبول، من [٦].
стр. 4657
وفي (تت) موسى بن أبي عثمان التَّبَّانُ المدني، وقيل: الكوفي، مولى المغيرة. رَوَى عن أبيه، وأبي يحيى المكي، والأعرج، وسعيد
ابن جبير، وإبراهيم النخعي، وأم ظبيان. وعنه أبو الزناد، ومالك ابن مِغْوَل، وشعبة، والثوري. قال سفيان: كان مؤدبًا، ونعم الشيخ
كان، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ: فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التّبَّان، روى عن أبيه، وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي، روى عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، وعن النخعي، وسعيد. وعنه شعبة، والثوري، وغيرهما، ولم يذكر في التبان شيئًا، وقال في الآخر عن أبيه: شيخ. انتهى.
علق له البخاري، وأخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٦ - (أبو يحيى) المكي، يقال: اسمه سمعان الأسلمي، مقبول، من [٤].
وفي (تت) أبو يحيى المكي، روى عن أبي هريرة حديث "المؤذنُ يغفر له مَدَى صوته"، وعنه موسى بن أبي عثمان. ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم أنه سمعان الأسلمي.
قال ابن عبد البر: أبو يحيى المكي اسمه سمعان سمع من أبي هريرة، روى عنه بعض المدنيين في الأذان. وقال ابن القطان: لا
يعرف أصلًا، وقد ذكره ابن الجارود، فلم يزد على ما أخذ من هذا
стр. 4658
الإسناد، ولم يسمه، وقال المنذري، والثوري: إنه مجهول. أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٧ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وفيه أن شيخه إسماعيل من أفراده، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (سمعه) أي سمع الحديث الآتي (من فم رسول الله ﷺ ) يعني أنه أخذه مشافهة، لا بواسطة.
(يقول) جملة حالية في محل نصب من "رسول الله"، وإن كان مضافًا إليه، لكون المضاف جزءًا للمضاف إليه، كما قال ابن مالك:
وَلا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ … إِلا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
أوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أضِيفَا … أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفَا
(المؤذن) مبتدأ، خبره جملة قوله: (يغفر له بمَدِّ صَوْتِه) -بفتح الميم، وتشديد الدال المهملة، والباء سببية- أي يغفر له بسبب مد
стр. 4659
صوته. أو بمعنى "مع"، أي يغفر له مع مد صوته.
وفي نسخة السندي "بمَدَى صوته"، ونص عبارته: قوله: "بمَدَى صَوْته" وفي نسخة "بمَدِّ صوته"، قيل: معناه بقدر صوته وحَدِّهِ، فإن بلغ الغاية من الصوت بلغ الغاية من المغفرة، وإن كان صوته دون ذلك، فمغفرته على قدره، أو المعنى: لو كان له ذنوب، تملأ ما بين محله الذي يؤذن فيه إلى ما ينتهي إليه صوته لغفر له. وقيل: يغفر له من الذنوب ما فعله في زمانٍ مُقَدَّرٍ بهذه المسافة. انتهت عبارته.
وفي "الزهر": قال أبو البقاء: الجَيِّدُ عند أهل اللغة "مَدَى صوته" وهو ظرف مكان.
قال الجامع: قوله: "ظرف مكان" هذا على رواية أبي داود، فإن روايته "يغفر له مَدَى صوته"، وأما على رواية المصنف فهو مجرور بالباء، وليس منصوبًا على الظرفية. إلا إذا وجدت نسخة موافقة لرواية أبي داود. فتنبه.
وأما "مَدُّ صوته" فله وجه، وهو يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون تقديره مسافة صوته.
والثاني: أن يكون المصدر بمعنى المكان، أي ممتد صوته، وفي المعنى على هذا وجهان: أحدهما: معناه لو كانت ذنوبه، تملأ هذا المكان لغفرت له، وهو نظير قوله ﷺ إخبارًا عن الله تعالى "لو جئتني
стр. 4660
بِقُرابِ الأرض خَطايَا"، أي بمِلْئِهَا من الذنوب. والثاني: يغفر له من الذنوب ما فعله في زمان مقدر بهذه المسافة. انتهى.
وفي المنهل: قوله: "المؤذن يغفر له مدى صوته" أي غاية صوته ومنتهاه، وهو منصوب على الظرفية، أي أن المؤذن يستكمل
مغفرة الله تعالى إذا بذل جهده في رفع الصوت بالأذان، وقيل: إن الكلام على وجه التمثيل والتشبيه، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه صوت المؤذن لو قدر، وكان ما بين أقصاه، وبين مقامه الذي فيه، ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله تعالى له.
وقيل: معناه يغفر لأجله ذنوب كل من سمع صوته، فحضر الصلاة المسببة عن ندائه. وقيل: معناه تغفر ذنوبه التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: معناه: يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنًا، أو مقيمًا إلى حيث يبلغ صوته. انتهى ما في المنهل جـ ٤ ص ١٧٣.
قال الجامع: أوضح المعاني، وأقربها من هذه المعاني التي ذكرها في المنهل أوَّلُها.
(ويشهد له كل رطب، ويابس) أي كل نَامٍ، وجَمَادٍ، مما يبلغه صوته، وهذا بمعنى حديث أبي سعيد الخدري الماضي "جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له"، وتقدم البحث هناك أن الصواب في تلك الشهادة أنها بلسان المقال.