← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الحَجَفَة، والمراد بها الترس إذا كان من جلود وليس فيه من خشب ولا عصب، وهو القصب الذي تعمل منه الأوتار. وذكر القزاز أنها من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة اهـ زهر جـ ١/ ص ٢٧ "فوضعها" أي جعلها حائلة بينه وبين الناس لئلا يطلع أحد على عورته "ثم جلس" النبي ﷺ "خلفها" أي خلف الدرقة "فبال إليها" أي متوجهًا إليها ومستترًا بها "فقال بعض القوم" قيل لعل القائل كان منافقا، والأولى أنه ليس منافقًا لأن مجموع الروايات يبين ذلك، ففي رواية أبي داود "فقلنا"، وفي رواية البيهقي "فتكلمنا فيما بيننا، فقلنا يبول كما تبول المرأة" فتبين أنه من الصحابة، وإنما قالوا ذلك تعجبا لما رأوه مخالفا لما عليه عادتهم في الجاهلية في بول الرجال قياما وكانوا قريبي العهد بها، ولم يقولوا استهزاء ولا سُخْريّة "انظروا يبول كما تبول المرأة" قال الشيخ ولي الدين العراقي: هل المراد التشبيه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما محتمل. وفهم النووي الأول، فقال في شرح أبي داود: معناه أنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجال لا تقتضي الستر على ما كانوا عليه في الجاهلية، قال الشيخ ولي الدين: ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه فإن لفظها "فقال بعضنا لبعض يبول رسول الله ﷺ كما تبول المرأة وهو قاعد" وفي معجم الطبراني "يبول رسول الله ﷺ وهو جالس كما تبول المرأة" وفي سنن ابن ماجه قال أحمد بن عبد الرحمن المخزومي كان من شأن العرب البول قائمًا ألا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة يقول يقعد ويبول. اهـ زهر. وقال السندي: نعم ذكر ما أصاب صاحب بني إسرائيل أنسب بالتستر اهـ.

стр. 492

"فسمعه" أي سمع ما قال ذلك البعض رسول الله ﷺ "فقال" رسول الله ﷺ مجيبا له (أ) تستغرب ذلك مني "وما علمت" ما موصولة أو موصوفة "أصاب صاحب بنى إسرائيل" برفع صاحب على أنه فاعل أصاب ومفعوله محذوف والتقدير أو ما علمت العذاب الذي أصابه صاحب بني إسرائيل. ويجوز نصبه على أنه مفعول أصاب والفاعل ضمير يعود إلى "ما" أي أوَ ما علمت العذاب الذي أصاب أي هو صاحب بني إسرائيل، قيل: المراد بصاحب بني إسرائيل واحد منهم، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وقيل المراد به موسى ﵊ وعلى هذا فمعناه أنه نهاهم عن التهاون في البول فعذب من لم ينته عنه، وهذا القول بعيد جدًا، والأول هو الذي يدل عليه السياق. وبنو إسرائيل: أولاد يعقوب بن إسحاق، وإسرائيل هو يعقوب، ومعناه بالسريانية عبد الله لأن إسرا بمعنى عبد، وإيل بمعنى الله. "كانوا" أي بنو إسرائيل "إذا أصابهم شيء من البول" أي أصاب جسدهم أو ثيابهم "قرضوه" أي قطعوه، يقال: قرضت الشيء قرضا من باب ضرب: قطعته بالمقراض. أفاده في المصباح "بالمقاريض" جمع مقراض بكسر الميم، وقال في المصباح، ولا يقال إذا جمعت بينهما: مقراض كما تقول العامة، وإنما يقال عند اجتماعهما: "قرضته بالمقراضين وفي الواحد قرضته بالمقراض" اهـ. يعني أنهم كانوا يقطعون الموضع الذي أصابه البول؛ لأنه ما كان يجوز لهم أن يطهروا موضع النجاسة بالماء، وإنما التطهير في دينهم بقطع المتنجس والظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك ولو في جسدهم ويؤيد هذا رواية مسلم "جلد أحدهم" وفي رواية أبي داود "جسد أحدهم"

стр. 493

فيكون هذا من الأمر الشاق الذي حملوه. وقيل: المراد بالجلد الجلود التي كانوا يلبسونها، وإليه ذهب القرطبي، ويؤيده رواية البخاري "إذا أصاب ثوب أحدهم". قال الجامع: والأولى عندي أنهم كانوا يعملون هذا وهذا، فهم مكلفون بكليهما فلا حاجة إلى حمل إحدى الروايتين على الأخرى. "فنهاهم صاحبهم" أي نهي بني إسرائيل صاحبهم المذكور عن القطع المذكور، وقال: إن هذا تكلف شديد فاتركوه "فعذب في قبره" أي عذبه الله بسبب نهيه عن المعروف، فحذر النبي ﷺ أصحابه من إنكار ما هو مقرر في الشرع. فكأنه ﷺ قال لا تستثقلوا ما أبينه لكم من الأحكام فعلا أو قولا، ولو كان على خلاف معتادكم في الجاهلية، كما استثقل صاحب بني إسرائيل، وإلا فيخشى أن يصيبكم مثل ما أصابه وهذا على أن القائل انظروا الخ من الصحابة أما على أنه مشرك أو منافق كما قاله في المرقاة فيكون قصد النبي ﷺ بذلك توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار حيث عيَّره بالحياء وجعله من فعل النساء. أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٨٨. قال الجامع: لكن سياق الأحاديث يدل علي المعنى الأول كما تقدم. مسائل تتعلق بهذا الحديث "الأولى": في درجته: هذا الحديث صحيح. "الثانية": فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش به، وأخرجه "ق" في الطهارة، عن أبي بكر بن شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة والبيهقي.

стр. 494

"الثالثة": في فوائده: يستنبط من هذا الحديث جواز ترك التباعد عن الناس عند البول. ومشروعية التستر بشيء ولا سيما إذا كان بقرب الناس. وأنه لا يجوز لأحد التكلم في شيء من أمور الدين حتى يعلم حكم الله فيه. والتلطف في المخاطبة عند التعليم فإنه ﷺ لما سمع مقالتهم لم يقابلهم بالغلظة بل تلطف بهم شفقة عليهم ورحمة. وطلب التحرز عن النجاسات والإحتياط في ذلك. وأن المخالفة سبب في الهلاك والتعذيب فقد نبه ﷺ أن صاحب بني إسرائيل نهى عن المعروف في دينهم فتسبب عنه تعذيبه. وأن عذاب القبر حق، وأن للبول خصوصية فيه فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا "أكثر عذاب القبر من البول". قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨١. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 495

٢٧ - التنزه عن البول أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب التنزه عن البول، وموضع الترجمة قوله "فكان لا يستنزه من بول" لأن تسبب العذاب بعدم استنزاهه يدل على وجوب التنزه، والتنزه مصدر تنزه يقال: تَنَزَّةَ فلان يَتَنَزَّه إذا تباعد عن الأقذار. أفاده الفيومي. فمعنى التنزه عن البول التحفظ عنه. ٣١ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". خَالَفَهُ مَنْصُورٌ، رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا.

стр. 496

رجال الإسناد: سبعة ١ - "هناد بن السري" بفتح السين وتخفيف الراء أبو السري الكوفي ثقة [١٠] تقدم. في ٢٣/ ٢٥. ٢ - "وكيع" بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ من كبار ٩ تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٣ - "الأعمش" سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهلي مولاهم الكوفي ثقة حافظ من -٥ - تقدم. في ١٧/ ١٨. ٤ - "مجاهد" بن جَبْر بإسكان الموحدة مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي المقرئ الإمام المفسر، عن ابن عباس، وقرأ عليه، قال مجاهد: عرضت عليه ثلاثين مرة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وجابر، عن عائشة في (خ م). قال شعبة، والقطان، وابن معين، وأبو حاتم الرازي: لم يسمع منها، لكن قد صرح مجاهد في بعض رواياته سماعه منها. وعنه عكرمة، وعطاء، وقتادة، والحكم بن عُتيبة، وأيوب، وخلق. وثقه ابن معين، وأبو زرعة، قال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ومولده سنة إحدى وعشرين اهـ. صه وفي (ت) مات سنة ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤ وله ٨٣ سنة رَوَى له الجماعة من الطبقة الثالثة. ٥ - "طاوس" هو ابن كيسان اليماني الجَنَديُّ بفتح الجيم والنون، قيل من الأبناء، وقيل مولى هَمْدان، الإمام العلم، قيل: اسمه ذكوان قاله ابن الجوزي. عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن

стр. 497

أرقم، وجابر، وابن عمر، وأرسل عن معاذ، قال طاوس: أدركت خمسين من الصحابة، وعنه مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وسليمان الأحول، وخلق. قال ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله، وقال ابن حبان: حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة، قال ابن القطان: مات سنة ست ومائة، وقال بعضهم يوم التروية، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وثقه ابن معين، وغيره، أخرج له الجماعة اهـ. صه من الطبقة الثالثة. ت. ٦ - "منصور" هو ابن المعتمر بن عبد الله الكوفي ثقة ثبت تقدم في ٢/ ٢. ٧ - "ابن عباس" هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. الهاشمي، أبو العباس المكي، ثم المدني، ثم الطائفي، ابن عم النبي ﷺ وصاحبه، وحبر الأمة، وفقيهها، وترجمان القرآن، روى ألفا وستمائة وستين حديثا، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، وعنه أبو الشعثاء، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وعطاء بن يسار، وأمم، قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس، ويقول: غَوَّاص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهما، ولا ألبَّ لبًّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مر في الطريق قالت النساء: أمرَّ المسك أو ابن عباس؟. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس،

стр. 498

وإذا نطق، قلت: أفصح الناس، وإذا حدث، قلت: أعلم الناس، ومناقبه جمة، قال أبو نعيم: مات سنة ثمان وستين. قال ابن بكير: بالطائف، وصلى عليه محمَّد بن الحنفية. قلت: ابن عباس سمع من النبي ﷺ خمسة وعشرين حديثا، وباقي حديثه عن الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابة، والله أعلم. أخرج له الجماعة. اهـ صه. وفي (ت) ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ودعا له رسول الله ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد، وهو أحد المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة اهـ باختصار. قال الجامع عفا الله عنه: الذي ثبت في مسند الإمام أحمد بن حنبل أنه روى ألفا وستمائة وستة وتسعين حديثا. فائدة: اختلف العلماء في عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس ﵄ بسماعها من النبي ﷺ كان من الغريب قول الغزالي في المستصفي، وقلده جماعة: إنها أربعة ليس إلا. وعن يحيى القطان، وابن معين، وأبي داود صاحب السنن: تسعة، وعن منذر: عشرة، وعن بعض المتأخرين: أنها دون العشرين من وجوه صحاح. وقيل: خمسة وعشرون كما تقدم في عبارة الخلاصة. وقال العلامة السخاوي: وقد اعتنى شيخنا يعني الحافظ ابن حجر بجمع الصحيح والحسن فقط من ذلك فزاد على الأربعين سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور فعل شيء بحضرة النبي ﷺ .

стр. 499

قال: وأشار شيخنا لذلك عقيب قول البخاري في الحديث الثالث من باب الحشر من الرقاق هذا مما يعد أن ابن عباس سمعه اهـ من فتح المغيث، جـ ١/ ص ١٤٧ بزيادة. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته وأن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والعنعنة والسماع والقول. ومنها: أن رواته كلهم أجلاء ثقات، وأن الثلاثة الأولين كوفيون والرابع مكي، والخامس يماني، والصحابي مكي، مدني، بصري، طائفي ورواية ثلاث من التابعين بعضهم عن بعض. فائدة: عبد الله بن عباس ﵄ هو أحد العبادلة الأربعة وقد ذكرهم السيوطي في الألفية بقوله. والبَحْرُ وابْنَا عُمَر وعَمْرو … وابنُ الزُّبَيْر فِي اشتهَار يَجْري دُونَ ابن مَسْعُود لَهُم عَبَادله … وغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لهُ وقوله: وغلطوا الخ يشير به إلى أن بعض العلماء أدخل فيهم ابن مسعود، وهذا غلط لأنه مات قبل اشتهار هذا اللقب، وكذا قول بعضهم: إنهم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير. شرح الحديث "عن ابن عباس" ﵄ أنه "قال: مرّ رسول الله ﷺ " أي اجتاز، يقال: مررت يزيد، وعليه، فيُعَدَّى بالباء تارة وبعلى أخرى، مرّا ومُرُورًا ومَمَرًا: أجزت ومرّ الدهرُ مرّا ومرورًا أيضا، ذهب. أفاده في المصباح. "على قبرين" تثنية قبر، وهو موضع دفن الميت، وأقله حفرة تُواري

стр. 500

الميت، وأكمله اللحد، وفي رواية ابن ماجه "بقبرين جديدين" قاله في المنهل جـ ١/ ص ٧٩ قلت: ذكرنا أنه يتعدى بالباء، و"على"، وفي رواية البخاري هنا "مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما"، وفي الأدب: "خرج النبي ﷺ من بعض حيطان المدينة" قال الحافظ: فيحمل أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مر به. وفي الأفراد للدارقطني من حديث جابر أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية وهو يقوي رواية الأدب لجزمها بالمدينة من غير شك، والشك في قوله أو مكة من جرير. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٧٩. "فقال" النبي ﷺ لما سمع صوتهما "إنهما" أي مَن فيهما "يعذبان" أي يعاقبان، يقال: عذبته تعذيبا: عاقبته والاسم العذاب، وأصله في كلام العرب الضرب، ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة، واستعير للأمور الشاقة، فقيل: السفر قطعة من العذاب. قاله الفيومي. وأسند التعذيب إلى القبرين مجازا من إطلاق المحل على الحال؛ لأن المعذب في الحقيقة مَن فيهما، كما تقدم قريبا. ويحتمل عود الضمير على معلوم من المقام، وهو من في القبرين لأن سياق الكلام يدل عليه. وقوله "يعذبان" في محل رفع خبر إن، وفي رواية أبي داود "ليعذبان" بلام التأكيد، وأكده بإن واللام وإن كان مقتضى الظاهر على خلافه لما فيه من الإخبار بمغيب، وما كان هكذا شأنه أن ينكر بقطع النظر عن المخبر به ولتأكيد التنفير من هذا الصنيع المؤدي إلى العذاب أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٧٩. "وما يعذبان في كبير" أي بسبب أمر كبير أي أنهما لا يعذبان في أمر كبير يشق عليهما تركه، أو أنهما لا يعذبان في أمر يستعظمه الناس بل

стр. 501

يتهاونون به ويجترئون عليه، قال ابن مالك فيه شاهد على ورود في للتعليل، وهو مثل قوله ﷺ "عذبت امرأة في هرة" قال وخفي ذلك على أكثر النحويين مع وروده في القرآن كقوله تعالى ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: آية ٦٨] وفي الحديث كما تقدم وفي الشعر فذكر شواهد انتهى. واستدل ابن بطال بهذه الرواية على أن التعذيب لا يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد يعني قبل هذه القصة. وتعقب برواية منصور عند البخاري، "ثم قال بلى" أي أنه لكبير، وصرح به في الأدب من طريق عبد بن حُميد عنه فقال: "وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير" أفاده في الفتح جـ ١/ ص ٣٨٠. تنبيه: وقد اختلف في معني قوله "وإنه لكبير" فقال أبو عبد الملك البوني: يحتمل أنه ﷺ ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى إليه في الحال بأنه كبير، فاستدرك، وتعقب بأنه يستلزم أن يكون نسخا، والنسخ لا يدخل الخبر، وأجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله "وما يعذبان في كبير" إخبار بالحكم، فهذا أوحي إليه أنه كبير، فأخبر به، كان نسخا لذلك الحكم. وقيل: يحتمل أن الضمير في قوله: وإنه يعود على العذاب، لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة "يعذبان عذابا شديدا في ذنب هين". وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة لأنها من الكبائر، بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي. وقال الداودي، وابن العربي: "كبيرٌ" المنفي بمعنى أكبر، والمثبت واحد الكبائر، أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا، وإن كان كبيرًا في الجملة.

стр. 502

وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأن تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب. وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد، وجماعة. وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان، والله أعلم اهـ فتح الباري. جـ ١/ ص٣٨٠. قال الجامع عفا الله منه: فجملة الأقوال ثمانية، والذي يَقْوَى عندي أنه ليس بكبير في اعتقادهما، فلذا تساهلا في شأنه، مع أنه لا يشق عليهما الاحتراز عنه، وهو عند الله كبير، والله أعلم. فائدة: قال الحافظ ﵀ ولم يُعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عَمْد من الرواة لقصد الستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في الفَحْص عن تسمية مَن وقع في حقه ما يذم به، قال: وقد اختلف فيهما، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني، قال: لأنهما لو كانا مسلمين لما

стр. 503

كان لشفاعته إلى أن ييبسا الجريدتان معنًى، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه فتشفّع لهما إلى المدة المذكورة، وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين، قال القرطبي: وهو الأظهر، وقال الحافظ: وهو الظاهر من مجموع طرق الحديث اهـ. زهر، جـ ١/ ص ٢٩. "أمّا" أما بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيها معنى الشرط كمهما يكن من شيء بدليل لزوم الفاء بعدها قال ابن مالك: أمَّا كَمَهْمَا يَكُ منْ شيء وَفَا … لتلْو تلْوهَا وُجُوبًا ألفَا "هذا" إشارة إلى مَن في أحد القبرين "فكان لا يستنزه" بنون ساكنه بعدها زاي، ثم هاء، هذه هي رواية المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، ورواية لمسلم، من الاستنزاه، قال في النهاية: أي لا يستبريء، ولا يتطهر، ولا يستبعد من البول، وفي العيني لا يستنزه من التنزه وهو الإبعاد، جـ ٢/ ص ٤٣١. وقد قدمنا في عبارة المصباح أن التنزه هو الإبعاد عن الأقذار، ووقع في رواية الشيخين "لا يستتر" قال الحافظ: كذا في أكثر الروايات بمثناة من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر "يستبريء" بموحدة ساكنة من الاستبراء. قال: فعلى رواية أكثر معنى الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني لا يتحفظ منه، فتوافق رواية "لا يستنزه" لأنها من التنزه وهو الإبعاد، وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع، عن الأعمش "كان لا يتوقى" وهي مفسرة للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته، وضعف بأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف بالسبية، واطرح اعتبار البول، فيترتب

стр. 504

العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا ولا يخفى ما فيه، وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي. وتعقب الإسماعيلى رواية الاستتار بما يحصل جوابه مما ذكرنا. قال ابن دقيق العيد: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعا "أكثر عذاب القبر من البول" أي بسبب ترك التحرز منه. قال: ويؤيده أن لفظ "من" في هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعين الحمل على المجاز لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد لأن مخرجه واحد، ويؤيده أنّ في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه "أما أحدهما فيعذب في البول" ومثله للطبراني عن أنس اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٨١. وفي المنهل: وروى لا يستنتر بنون بين تاءين من النتر وهو جذب فيه قوة وفي الحديث "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات" رواه أحمد وأبو داود مرسلا، وروى "لا يستنثر" بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وثاء مثلثة مكسورة، أي لا ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه اهـ، جـ ١/ ص ٨٠ ونحوه في العيني. "من بوله" بالإضافة، ووقع في رواية "من البول" فأل عوض عن المضاف إليه.

стр. 505

وقد استدل به البخاري على أن نجاسة البول مقصورة على بول الناس، ولا يعم بول سائر الحيوانات، فلا يكون حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. وقال القرطبي: قوله من البول اسم مفرد لا يقتضي العموم ولو سلم فهو مخصوص بالأدلة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٨٤. "وأما هذا" إشارة إلى من في القبر الآخر "فإنه كان يمشي بالنميمة" أي يسعى بالفساد بين القوم بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر من الشتم والأذى. قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٨٠. والنميمة: فعيلة من نَمَّ الرجل الحديث نَمَا، من باب قتل وضرب: سعى به ليوقع فتنة أو وحشة، فالرجل نَمٌّ تسميةً بالمصدر، ونمَّام مبالغة، والاسم النميمة، والنميم أيضا. قاله في المصباح. قال ابن دقيق العيد: هي نقل كلام الناس، والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار، فأما ما اقتضى فعل مصلحة، أو ترك مفسدة فهو مطلوب انتهى. قال الحافظ: وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم وكلام غيره يخالفه. وقال النووي: وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح، وتعقبه الكرماني فقال: هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء، فإنهم يقولون: الكبيرة هى الموجبة للحد، ولا حد على المشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرار هو المستفاد منه جعله كبيرة لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو أن المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحي، انتهى.

стр. 506

قال الحافظ: وما نقله عن الفقهاء، ليس هو قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما هذا، والثاني ما فيه وعيد شديد، قال وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، انتهى. ولا بد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص عليه في الأحاديث الصحيحة، وإلا لزم أن لا يعد عقوق الوالدين، وشهادة الزور، من الكبائر مع أن النبي ﷺ عدهما من أكبر الكبائر. قال الحافظ: وعُرفَ بهذا الجوابُ عن اعتراض الكرماني بأن النميمة قد نص في الصحيح على أنه كبيرة اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٨١. وقال الحافظ في الفتح في كتاب الأدب، جـ ١٠/ ص ٤٨٨ ما نصه: قال الغزالي ما ملخصه: ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من ثم له، ولا يظن بمن نُمَّ عنه ما نُقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لايرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فينم هو على النَّمَّام فيصير نمّامًا. قال النووي: وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا فهي مستحبة، أو واجبة كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤدي شخصا ظلما فحذره منه، وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبه مثلا فلا منع من ذلك. وقال الغزالي ما ملخصه: النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه، ولا اختصاص لها بذلك، بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولا أم فعلا وسواء كان عيبا أم لا، حتى لو رأى شخصا يخفى ما له فأفشى كان نميمة.

стр. 507

واختلف في الغيبة، والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ والراجح التغاير وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا واشتركا فيما عدا ذلك، ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا والله أعلم اهـ فتح، جـ ١٠/ ص ٤٨٨. "ثم" بعد أن بَيَّن للصحابة حالَ صاحب القبرين أراد أن يتشفع لهما لكمال رأفته "فدعا" أي طلب يقال: دعوت الناس إذا طلبتهم. أفاده في المصباح، ولعل الباء في المفعول زائدة، أو على تضمين دعا معنى فعل يتعدى بالباء أي أمر الخ. ويقال فيه: دعيته بالياء لغة في دعوته أفاده في "ق". "بعسيب" بفتح العين وكسر السين المهملتين بوزن كريم الجريدة التي لم ينبت فيها خوص وان نبت فهي السعفة كقصبة. وفي "ق" العسيب جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يُكشَط خُوصها والذي لم ينبت عليه الخُوص من السَّعَف اهـ. والسعف كقصب جمع سعفة كقصبة: أغصان النخل ما دامت بالخوص، فإن زال الخوص عنها قيل جريدة. أفاده في المصباح. والخوص بالضم: ورق النخل الواحدة خوصة. أفادة في المصباح أيضا. "رطب" بفتح فسكون خلاف اليابس. قال في الفتح: وقيل أنه خص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف، ورَوَى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة

стр. 508

بلال، ولفظه "كنا مع النبي ﷺ في جنازة إذ سمع شيئا في قبر، فقال لبلال: ائتني بجريدة خضراء" الحديث. وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني أنه الذي أتى بها إلى النبي ﷺ . "فشقه باثنين" أي فأتي بها فكسرها، وجعلها اثنين فالباء زائدة للتأكيد، واثنين مفعول مطلق، أي شقه شقين اثنين أي نصفين، وقال النووي: حال، يقال شقه شقا من باب قتل، والشِّق بالكسر نصف الشيء قاله في المصباح، وفي رواية البخاري "فكسرها كسرتين". "فغرس" أي غرز بالزاى كما في رواية للبخاري، وفي رواية له "فوضع" والأولى أخص "على هذا" القبر "واحدا" من الشقين "وعلى هذا" القبر واحدا منهما. وموضع الغرس كان بإزاء الرأس، لما وقع في مسند عبد بن حميد من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش "ثم غرز عند رأس كل واحد منهما قطعة، قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨٢. "ثم" بعد أن غرس "قال" ﷺ لما قيل له لم صنعت هذا؟ كما في رواية البخاري "لعله" يخفف، ووقع في رواية البخاري وغيره "أن يخفف" قال ابن مالك: يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، قال: ويحتمل أن تكون زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء مع كونها جارة، انتهى. وقال الكرماني: شبه لعل بعسى فأتى بأن في خبره. "يخفف" بالبناء للمفعول أي العذاب "عنهما" أي عن المقبورين. "ما" مصدرية ظرفية "لم ييبسا" أي يجف العودان، يقال: يبس،

стр. 509

ييبس من باب تعب، وفي لغة بالكسر فيهما إذا جف بعد رطوبة، فهو يابس، وشيء يَبْس ساكن الباء بمعني يابس أيضا. أفاده في المصباح. والمعنى: يخفف العذاب عنهما مدة عدم يبس الشقين. وفي رواية البخاري "ما لم تيبسا" قال الحافظ كذا في أكثر الروايات بالمثناة الفوقانية أي الكسرتان، وللكشميهني "إلا أن تيبسا" بحرف الاستثناء، وللمستملي "إلى أن ييبسا" بإلى التي للغاية والياء التحتانية أي العودان. "خالفه" أي الأعمشَ "منصور" بن المعتمر "رواه" أي الحديث جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، وهو ما كان جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل له: وما وجه المخالفة؟ فقال: رواه "عن مجاهد" بن جبر "عن ابن عباس ولم يذكر طاوسا" يعني أنه رواه عنه بدون واسطة. يريد المصنف ﵀ أن هذا الحديث رُوي عن ابن عباس من طريقين أحدهما من طريق الأعمش، وهي بواسطة مجاهد، والثاني من طريق منصور وهي من دون واسطة، وقد أخرجه البخاري من الطريقين جميعا. قال الحافظ ﵀: وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معا اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٧٩. وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح، وقال في العلل: سألت محمدا يعني البخاري أيهما أصح؟ فقال: رواية الأعمش أصح.

стр. 510

قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: فإن قيل إذا كان حديث الأعمش أصح فلم لم يخرجه وخرج الذي غير صحيح يعني فلم لم يكتف بإخراج حديث الأعمش فقط؟ قيل: كلاهما صحيح وحديث الأعمش أصح، فالأصح يستلزم الصحيح على ما لا يخفى اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٤٣٠. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته هذا الحديث متفق عليه. "المسألة الثانية": في بيان مواضع ذكر المصنف له، وذكر من أخرجه معه: أخرجه المصنف: هنا عن هناد، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، وأخرجه في التفسير في الكبرى من هذا الوجه، وفي الجنائز عن هناد، عن أبي معاوية بالسند المذكور. وأخرجه البخاري: في الجنائز عن يحيى بن يحيى، وفي الطهارة عن محمَّد بن المثنى، وفي الأدب عن يحيى، كلاهما عن وكيع، وفي الجنائز أيضا عن قتيبة، وفي الحج عن علي، كلاهما عن جرير، ثلاثتهم عن الأعمش عنه به. قاله المزي في التحفة ج ٥/ ص ٣٠٢. لكن كتب الحافظ في النكت عند قوله عن يحيى بن يحيى ما نصه: قلت: الذي في الأصول: حدثنا يحيى فقط فجزم ابن السكن بأنه ابن موسى، وجزم أبو نعيم في المستخرج بأنه ابن جعفر، وكتب عند قوله في الحج عن علي، عن جرير، قلت: لم أره في الحج اهـ. وأخرجه مسلم: في الطهارة عن أبي سعيد الأشج، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع بالسند المذكور.

стр. 511

وعن أحمد بن يوسف الأزدي عن معلي بن أسد، عن عبد الواحد ابن زياد، عن الأعمش به. وأخرجه أبو داود: في الطهارة عن زهير بن حرب، وهناد بن السري كلاهما عن وكيع به. وأخرجه الترمذي: في الطهارة عن قتيبة، وهناد، وأبي كريب، ثلاثتهم عن وكيع به. قال الترمذي: وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواية الأعمش أصح اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: وأشار المصنف إلى هذا في آخر الحديث، وسنتكلم عليه إن شاء الله هناك. وأخرجه ابن ماجه: في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ووكيع به. قاله في التحفة، جـ ٥/ ص ٣٠٢. وأخرجه أحمد، والبيهقي اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٨٤ "المسألة الثالثة": فيمن أتى بالعسيب إلى النبي ﷺ قال في الفتح: رَوَى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة بلال، ولفظه "كنا مع النبي ﷺ في جنازة إذ سمع شيئا في قبر، فقال لبلال: ائتني بجريدة خضراء" الحديث. وقد مر آنفا. وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني أنه الذي أتى بها إلى النبي ﷺ ، وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب أنه الذي قطع الغصنين فهو في قصة أخرى غير هذه، فالمغايرة بينهما من أوجه. منها: أن هذه كانت في المدينة وكان معه ﷺ جماعة، وقصة جابر

стр. 512

كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده. ومنها: أن في هذه القصة أنه ﷺ غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين. وفي حديث جابر "أنه ﷺ أمر جابرا بقطع غصنين من شجرتين كان النبي ﷺ استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرا فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي ﷺ جالسا وأن جابرا سأله عن ذلك؟ فقال: "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين" ولم يذكر في قصة جابر أيضا السبب الذي كان يعذبان به، ولا الترجي الذي في قوله لعله، فبان تغاير حديث ابن عباس، وحديث جابر، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك. وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة "أنه ﷺ مرّ بقبر، فوقف عليه، فقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه" فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع كما تقدم "فسمع شيئا في قبر" وفيه "فكسرها باثنين، ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه"، وفي قصة الواحد جعل نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، وفي قصة الاثنين جعل على كل قبر جريدة اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٨٢. "المسألة الرابعة": في قوله "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". قال في الفتح: قال المازري: يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة انتهى، وعلى هذا فلعل هنا للتعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا، وتعقبه القرطبي بأنه لو حصل الوحي لما أتى بحرف الترجي، كذا قال، ولا يرد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل. قال القرطبي: وقيل إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث

стр. 513

جابر، لأن الظاهر أتى القصة واحدة وكذا رجح النووي كون القصة واحدة، وفيه نظر لما أوضحنا من المغايرة بينهما. وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة الذكر وتلاوة القرآن من باب أولى (١) اهـ. وقال الطيبي: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزبانية. "المسألة الخامسة": قد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه على القبر عملا بهذا الحديث. قال الطرطوشي: لأن ذلك ببركة يده، وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيب، وهو قوله ليعذبان. قال الحافظ: قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عُذِّبَ كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا؟ أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما سيأتي في الجنائز وهو أولى أن يتبع من غيره اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٨٣. قال الجامع عفا الله عنه: وقد اعترض عليه العلامة العيني في قوله

стр. 514

وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الخ بأنه قد صرح في الحديث بأنه دعا بجريدتين فكسرهما فوضع على كل قبر منهما كسرة فهذا صريح في أنه ﷺ وضعه بيديه الكريمتين، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة وهي كدعوي احتمال مجيء غلام زيد في قولك جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به اهـ عمدة، جـ ٢/ ص ٤٣٧. قال الجامع عفا الله عنه: قلت: الذي قاله الخطابي ومن تبعه من استنكار وضع الجريدة ونحوها على القبر هو الذي يترجح عندي، لأنه أمر يختص به الرسول ﷺ من حيث كونه مغيبا لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالوحي ومن حيث بركة يده كما علله الخطابي وعياض بذلك. وأما ما قاله الحافظ: لا يلزم من كوننا الخ فغير صحيح لأن الدعاء أمرنا به أطلعنا على التعذيب أم لا؟ لأنه ليس معللا بالتعذيب بخلاف وضع الجريدة، ولأنه ﷺ دعا لكل ميت وأمر به، بخلاف غرزها، فإنه ما فعله إلا لأشخاص معينين (١) معللا ذلك بما ذكر، ولأنه اقتدى به الصحابة ومن بعدهم على الدعاء بخلاف غرزها فما نقل إلا عن بريدة ﵃ أجمعين فهو قياس مع الفارق. وأما قوله: وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده فقد علمت جوابه في كلام العلامة بدر الدين العيني من أن السياق صريح في ذلك فتأمل والله أعلم، وقال في المنهل، جـ ١ / ص ٨٣: ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة، ولا سيما الخلفاء الراشدون أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور، ولو كان سنة ما تركه أولئك الأئمة، وقد قال ﷺ : "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء

стр. 515

الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ". الحديث رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه. ووصية بريدة ﵁ ليست حجة على غيره كما هو معلوم، فما قاله الخطابي ومن معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٨٤. "المسألة السادسة": قدمنا عن الحافظ أنه لم يعرف اسم المقبورين وأنه كان ذلك عن عمد من الرواة قصدا للستر، وأنه لا ينبغي الفحص عن مثل هذا. قال: وما حكاه القرطبي في التذكرة وضعفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ فهو قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقرونا ببيانه، ومما يدل على بطلان الحكاية المذكورة أن النبي ﷺ حضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت في الحديث الصحيح. وأما قصة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه ﷺ قال لهم "من دفنتم اليوم ها هنا" فدل على أنه لم يحضرهما. وإنما ذكرت هذا ذبًا عن هذا السيد الذي سماه النبي ﷺ سيدا، وقال لأصحابه "قوموا إلى سيدكم"، وقال: "إن حكمه قد وافق حكم الله"، وقال: "إن عرش الرحمن اهتز لموته"، إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة خشية أن يغتر ناقص العلم بما ذكره القرطبي، فيعتقد صحة ذلك وهو باطل. وقد اختلف في المقبورين: فقيل: كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المديني، واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة "أن النبي ﷺ مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما

стр. 516

يعذبان في البول والنميمة"، قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح، لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه، فشفع لهما إلى المدة المذكورة. وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما ولو كان ذلك من خصائصه لبينه يعني كما في قصة أبي طالب. قال الحافظ: قلت: وما قاله أخيرا هو الجواب، وما طالب به من البيان قد حصل، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية، لكن الحديث الذي احتج له أبو موسى ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب فهو من تخليط ابن لهيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي قدمناه أن مسلما أخرجه واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهر. وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين، ففي رواية ابن ماجه "مرَّ بقبرين جديدين" فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد "أنه ﷺ مر بالبقيع فقال من دفنتم اليوم هنا" فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه مَنْ هو منهم، ويقوي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد، والطبراني بإسناد صحيح "يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول" فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٨٤.

стр. 517

"المسألة السابعة": في هذا الحديث إثبات عذاب القبر: قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: فيه أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب الطبقات تأليفه إن قيل: إن مذهبكم أداكم إلى إنكار عذاب القبر، وهذا قد أطبقت عليه الأمة، قيل: إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما يُجَوّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني يقطع بذلك وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجَهَلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه ذكره أبو عبد الله المرزباني في كتاب الطبقات تأليفه. وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضا والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصادق ﷺ أن الله يحيى العبد، ويرد إليه الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير. وصار أبو هُذَيل، وبشر إلى: أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين، وإنما المسألة إنما تقع في تلك الأوقات وأثبت البلخي والجبائي، وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين، وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وأنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد، وأن الميت يجوز أن يتألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكرَّامية، وقال بعض المعتزلة: إن

стр. 518

الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام، وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام كالسكران والمغشي عليه، إن ضُربوا لم يجدوا ألما، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمرو وبشر المريسي ويحيى بن كامل، وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة وإلى الإنكار أيضا ذهب الخوارج، وبعضى المرجئة ثم المعذب عند أهل السنة والجماعة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده، أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمَّد بن جرير، وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضا فاسد اهـ عمدة القاري جـ ٢/ ص ٤٣٤. قال الجامع عفا الله عنه: في قولهم: إن المعذب الجسد بعينه أو بعضه ليس دليل قاطع فيه، بل الأدلة مطلقة، كلما أفاده الحافظ في الفتح في الجنائز جـ ٣/ ص ٢٧٥. وقد جاء في عذاب القبر أحاديث كثيرة: منها. حديث الباب .. ومنها: حديث عائشة ﵂ "أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة فسألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: نعم عذاب القبر حق، قالت: فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" رواه الشيخان. ومنها: حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال "إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم لتسمع أصواتهم" رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.

стр. 519

ومنها: حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" رواه مسلم. "المسألة الثامنة": في الحديث دلالة على نجاسة بول الإنسان قليله وكثيره، وهو مذهب عامة الفقهاء، وليس فيه دليل على نجاسة بول الحيوان مطلقا من مأكول اللحم وغيره كما ذهب إليه الشافعي والحنفية ونسبه ابن حزم لجماعة من السلف. قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب "كان لا يستتر من البول" بول الناس، لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه "يعني ابن بطال" أراد الرد على الخطابي حيث قال فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية "من البول" أريد به الخصوص، لقوله في الرواية الأخرى "من بوله" أو الألف واللام عوض عن الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم الفارق، وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله ولمن قال بطهارته حجج أخرى اهـ بتصرف، المنهل جـ ١/ ص ٨٢. وقال العلامة الشوكاني ﵀، بعد ما ذكر ما نقلناه عن الفتح ما نصه: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكا بالأصل، واستصحابا للبراءة الأصلية، والنجاسةُ حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك، وغاية ما جاؤا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مرادا به الخصوص كما

стр. 520

سلف عمومٌ ظني الدلالة لا ينهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف. قال: فإن قلت: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يرد دليل فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم. قلت: قد تمسكوا بحديث "إنها ركس" قاله ﷺ في الروثة أخرجه البخاري والترمذي والنسائي، وبما تقدم في بول الآدمي وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتقض بالقول بنجاسة زبل الجلالة، والدفع بأن العلة في زبل الجلالة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا إلا أن يقال: إن زبل الجلالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة، لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم حديث "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" فغير صالح لضعفه، حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع؛ لأن في رجاله سَوَّار بن مصعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، يروي الموضوعات. فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي وزبله والروثة، وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته "إنها ركس إنها روثة حمار". وأما سائر الحيونات التي لا يؤكل لحمها فإن وجدت في بول بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارةً أو نجاسةً ألحقته، وإن لم

стр. 521

تجد فالمتوجه البقاء على الأصل، والبراءة كما عرفت اهـ كلام الشوكاني نيل جـ ١/ ص ٨٥. قال الجامع: هذا الذي قاله الشوكاني هو الذي يترجح عندي. والله أعلم. "المسألة التاسعة": في الحديث دليل على وجوب الاستنجاء، إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول فلا يجعل بينه وبين البول حجابا من ماء أو حجارة ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين. وقال ابن بطال: معناه لا يستتر جسده ولا ثوبه من مماسة البول ولما عذب على استخفافه بغسله وبالتحرز عنه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يغسلها أنه حقيق بالعذاب، وقال البغوي فيه وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة عن أعين الناس. قال العيني: هذا رد على من قال: ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين، ولكن كلاهما واجب على ما لا يخفى، والتحقيق هو المعنى الأول لظهور ألفاظ روايات الحديث عليه اهـ جـ ٢/ ص ٤٣٥. باختصار. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 522

٢٨ - باب البول في الإناء أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية البول في الإناء، والإناء والآنية: الوعاء، والأوعية وزنا ومعنى، والأواني جمع الجمع. قاله في المصباح. والمناسبة بين البابين واضحة لأن كلا منهما في البول. ٣٢ - أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - "أيوب بن محمَّد الوزَّان" مولى ابن عباس الربعي، عن ابن عيينة، ومروان بن معاوية. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ووثقه النسائي. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين، وذكر الشيرازي أنه الذي يلقب بالقُلْب (١) وقال هما واحد، اهـ صه وفي (ت) أيوب بن محمَّد بن زياد الوزان، أبو محمَّد الرقي، ثقة، من العاشرة.

стр. 523

فائدة: الوَزَّان بفتح الواو والزاي المشددة هذه النسبة لجماعة يزنون الأشياء قال في اللباب: وبيت الوزان بالرّىّ بيت العلم والفضل، أولهم أبو سعد عبد الكريم بن أحمد الوَزَّان الرازي أصله من ساوة، سكن الري كان بعض أجداده يزن، فنسب إليه. اهـ. وكتب في هامش الخلاصة: ما نصه: كان يزن القطن في الوادي. اهـ تهذيب ٢ - "حجاج" بن محمَّد مولي سليمان بن مجالد البغدادي الحافظ الأعور، أبو محمَّد المصِّيصي بكسر فتشديد، روى عن شعبة، وابن جريج، والليث بن سعد، وحمزة الزيات، وطائفة. وعنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقتيبة، ويحيى بن يحيى، وغيرهم. قال أبو داود: بلغني أن يحيى كتب عنه نحوا من خمسين ألف حديث، ووثقه ابن المديني، والنسائي، والعجلي، وابن قانع، وسلمة بن قاسم، وابن حبان. مات ببغداد في ربيع الأول سنة ٢٠٦ قال ابن سعد وكان تغير في آخر عمره، وكان ثقة صدوقا، وقال الحربي: منع يحيى بن معين ابنه أن يدخل عليه أحدًا بعد أن اختلط. اهـ صه بزيادة. روى له الجماعة. من الطبقة التاسعة. ٣ - "ابن جريج" عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل كان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين ومائة، أو بعدها، وقد جاوز سبعين، وقيل جاوز المئة ولم يثبت، من السادسة. ٤ - "حكيمة بنت أميمة" بنت رقيقة كلهن بالتصغير واسم أبيها حكيم، نقل الذهبي أنها لم ترو إلا عن أمها ولم يرو عنها سوى ابن جريج، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: إنها غير

стр. 524

معروفة من السادسة. اهـ المنهل جـ ١ / ص ٩٥، لكن في المناوي قال: ولم يذكرها ابن حبان في الثقات فليحرر. قال الجامع: بل ذكرها في الجزء الرابع ص ١٩٥. ٥ - "أميمة بنت رقيقة" بنت عبد ويقال عبد الله بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. ورقيقة أمها وهي رقيقة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ ويقال: رقيقة بنت صيفي بن هاشم بن عبد مناف أم مخرمة بن نوفل اهـ تحفة الأشراف جـ ١١/ ص ٨٦٤. وفي المنهل ورقيقة أمها بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف أخرج أبو نعيم في ترجمتها تبعا للطبراني حديث ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة "قالت كان للنبي ﷺ قدح من عيدان يبول فيه" الحديث خلافا لما قاله ابن منده من أن أمها رقيقة بنت خويلد ولابن السكن القائل أنهما واحدة روت عن النبي ﷺ وعن أزواجه، وروى عنها محمَّد بن المنكدر وابنتها حكيمة، روى لها أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وكانت ممن بايع النبي ﷺ بيعة النساء، روى الترمذي، وغيره من طريق ابن عيينة، عن محمَّد بن المنكدر، أنه سمع أميمة بنت رقيقة تقول: بايعت النبي ﷺ في نسوة فقال لنا: "فيما استطعتن وأطقتن" قلن: الله ورسوله أرحم منا بأنفسنا. اهـ، ١/ ٩٦. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته ما بين رَقّي أيوب، وبغدادي، حجاج، ومكي ابن جريج، ومدنيتين، وهما: حكيمة ورقيقة.

стр. 525

وفيه من صيغ الأداء: الإخبارُ، والتحديثُ، والقولُ، والعنعنةُ، وفيه رواية المرأة عن أمها. شرح الحديث "عن أميمة بنت رقيقة" ﵂ أنها "قالت كان للنبي ﷺ قدح" بفتحتين إناء يكون من خشب أو غيره جمعه أقداح اهـ المنهل وفي "ق" آنية تُروي الرجلين، أو اسم يجمع الصغار والكبار. اهـ "من عيدان" بفتح العين المهملة وسكون المثناه التحتية جمع عيدانة هي الطوال من النخيل المتجردة من السعف. وفي "ق" والعيدان بالفتح الطوال من النخل واحدتها بهاء، ومنها "كان قدح يبول فيه النبي ﷺ " اهـ. وقال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي: "عيدان" مختلف في ضبطه بالكسر والفتح، واللغتان بإزاء معنيين، فالكسر جمع عود، والفتح جمع عيدانة بفتح العين، قال أهل اللغة: هى النخلة الطويلة المتجردة، وهي بالكسر أشهر رواية، وفي كتاب تثقيف اللسان مَنْ كَسَرَ العين فقد أخطأ، يعني لأنه أراد جمع عود وإذا اجتمعت الأعواد لا يتأتى منها قدح يحفظ الماء، بخلاف من فتح العين، فإنه يريد قَدَحا من خشب هذه صفته يُنْقَر ليحفظ ما يجعل فيه. انتهى كلام الزركشي اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٢. لكن دعوى أن الأعواد لا يتأتى منها قدح يحفظ فيه الماء غير مسلمة بل هو مُتَأتٍ وواقع كما هو مشاهد، قاله في المنهل. وقال السندي: قلت: والجمعية غير ظاهرة على الوجهين، وإن حمل على الجنس يصح الوجهان إلا أن يقال حمل عَيدان بالفتح على الجنس أقرب لأنه مما فرق بينه وبين واحده بالتاء، ومثله يجيء للجنس،

стр. 526

بل قالوا: إن ما أصله الجنس يستعمل في الجمع أيضا فلا إشكال فيه، بخلاف العيدان بالكسر جمع عُود، وأجاب بعضهم على تقدير الكسر بأنه جمع اعتبارا للأجزاء، فارتفع الأشكال على الوجهين اهـ جـ ١/ ص ٣٢. قال العلامة: ابن القيم وكان يسمى يعني القدح الصادر نقله المناوي. "يبول فيه" أي في ذلك العَيدان ذكّره باعتبار الإناء، أو لأنه اسم جنس يجوز فيه الوجهان. "ويضعه تحت السرير" جمعه سُرُر مأخوذ من السرور؛ لأنه في الغالب لأولي النعمة. قاله الراغب، وجَعْلُه تحت السرير ليقرب تناوله، وفي رواية أبي داود تقييده بالليل، قال في المنهل: ويفهم من التقييد بالليل أن البول نهارا غير مشروع في القدح إلا لضرورة لأن الليل محل الأعذار غالبا. وإنما اتخذ النبي ﷺ قدحا للبول رفقا بنفسه وتعليما للأمة، قال المناوي: والظاهر كما قال العراقي أن هذا كان قبل اتخاذ الكنف في البيوت فإنه لا يمكنه التباعد بالليل للمشقة، أما بعد اتخاذها فكان يقضي حاجته فيه ليلا ونهارا. اهـ. وفيه نظر؛ لأن الليل محل مشقة غالبا، فالأولى إبقاء الحديث على إطلاقه، فيجوز اتخاذ إناء للبول فيه ليلا ولو مع وجود الكنيف اهـ. عبارة المنهل جـ ١/ ص ٩٦. مسائل تتعلق بهذا الحديث "الأولى": في درجته حديث أميمة ﵂ حديث حسن. قال العلامة المناوي ما نصه: قال عبد الحق عن الدارقطني: هذا الحديث ملحق بالصحيح جار مُجرَى مصححات الشيخين، وتعقبه ابن القطان بأن الدارقطني لم يقض فيه بصحة ولا ضعف والخبر متوقف الصحة على

стр. 527

العلم بحال الراوية، فإن ثبتت ثقتها صحت روايتها وهي لم تثبت انتهى. وفي اقتفاء السنن: هذا الحديث لم يضعفوه، وهو ضعيف، ففيه حكيمة، وفيها جهالة، فإنه لم يرو عنها إلا ابن جريج، ولم يذكرها ابن حبان في الثقات. انتهى. ونوزع بما فيه طول، والتوسط ما جزم به النووي من أنه حسن. اهـ فيض القدير جـ ٥/ ص ١٧٨. وقال في المنهل العذب: والحديث ضعيف؛ لأن فيه حكيمة، وفيها جهالة، لكنه تقوى بطرق أخرى، ولذا حسنه النووي، والحافظ ابن حجر، والمناوي في شرحه الكبير، وصححه الحاكم في مستدركه، وذكره ابن حبان في صحيحه. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٩٧ بتصرف يسير. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري. قال الجامع: سنذكر الطرق التي أشار إليها صاحب المنهل، إن شاء الله تعالى. "المسألة الثانية": في بيان موضعه عند المصنف، ومن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢٨/ ٣٢، وفي الكبرى -٣٤ - عن أيوب بن محمَّد الوزان، عن حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أمها. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن عيسى، عن حجاج بن محمَّد به، وأخرجه الحاكم وابن حبان، والبيهقي. "المسألة الثالثة": قال الحافظ السيوطي ﵀: هذا يعني حديث الباب مختصر وقد أتمه ابن عبد البر في الاستيعاب فقال: "فبال ليلة فوضع تحت سريره فجاء، فهذا القدح ليس فيه شيء، فسأل المرأة -يقال لها: بركة، كانت تخدم أم حبيبة، جاءت معها من الحبشة- فقال: أين البول الذي كان في هذا القدح؟ فقالت: شربته يا رسول الله" قال الحاكم في المستدرك هذه سنة غريبة اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٢.

стр. 528

"المسأله الرابعة" قدمنا أن حديث الباب فيه مقال لكنه تقوي بطرق أخري ووعدنا أن نذكرها، فنقول: أخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أم أيمن، قالت: "قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة، فشريت ما فيها، وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي ﷺ قال: يا أم أيمن قومي، فأهريقي ما في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: أما والله إنه لا تُبْجَعَنَّ بَطْنُك أبدًا" "وتبجعن بالموحدة" ورواه أبو أحمد العسكري بلفظ "ولن تشتكي بطنك". وأبو مالك ضعيف، ونبيح لم يدرك أم أيمن. وله طريق أخرى رواها عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرت "أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها: بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح؛ قالت: شربته، قال: صحة يا أم يوسف -وكانت تكني أم يوسف- فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه" كذا في التلخيص الحبير، وفيه وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين، وهو واضح من اختلاف السياق، ووضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٣١. "المسألة الخامسة": أنه ورد حديث يعارض حديث الباب، وهو ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند جيد كما قاله العراقي عن عبد الله بن

стр. 529

يزيد عن النبي ﷺ قال "لا ينقع البول في طست في البيت فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع" وما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر قال "لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول". والجواب: أن المراد به طول مكثه لأنه يقال نقع الماء في منقعه نقْعًا من باب نَفَعَ: طال مكثه قاله في المصباح. فبان أن المراد طول مكثه، وما في الإناء لا يطول مكثه بل تريقه الخدم عن قريب، ثم يعاد تحت السرير، لما يحدث أفاده المناوي، وقال مغلطاي: يحتمل أن يكون أراد كثرة النجاسة في البيت بخلاف القدح فإنه لا يحصل به نجاسة لمكان آخر. اهـ زهر، ويحمل الحديث الثاني عليه، أي بيتا فيه منتقع. فإن قلت: يعارضه ما أخرجه أبو يعلى في مسنده، وابن أبي حاتم في العلل والعقيلي في الضعفاء، وابن عدى في الكامل، وابن السني، وأبو نعيم معا في الطب، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه في تفسيره، والرامهرمزي في الأمثال، والمستغفري في الطب النبوي، وعثمان الدارمي في الأطعمة، عن علي ﵁ "أن النبي ﷺ قال أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة كرم على الله تعالى من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّدَ الرُّطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر" ووجه المعارضة أن اتخاذ القدح منها للبول ينافي الإكرام. قلت: يجاب عن هذا بأن طرق الحديث كلها ضعيفة حتى أورده ابن الجوزي في الموضوعات. وحكم العلامة ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة بوضعه، فلا يعارض حديث الباب، فلا يحتاج إلى طلب محامل،

стр. 530

وتأويلات؛ لأن طلب ذلك إذا كان الحديث ثابتا. فتنبه. وعلى فرض صحته فاتخاذ القدح لا ينافي الإكرام، إذ المراد بالإكرام سقيها، وتلقيحها، ونحو ذلك، فإذا انفصلت واتخذت قدحا زال اسم النخلة عنها، أفادة العلامة المناوي في الفيض. "المسألة السادسة": في هذا الحديث: جواز إعداد الآنية، واتخاذها للبول فيها بالليل في البيوت بلا كراهة حيث لم يطل مكثه فيه كما قررناه آنفا. وفيه: بول الرجل بقرب أهل بيته للحاجة. وفيه: جواز اتخاذ السرير، وأنه لا ينافي التواضع لمسيس الحاجة. فائدة: قال ابن قتيبة كان سريره ﷺ خشبات مشدودة بالليف، بيعت في زمن بني أمية فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم. نقله المناوي في فيض القدير، جـ ٥/ ص ١٧٨. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
следующие страницы →