← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

٦٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعَهُ مِنْ فَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ، وَيَابِسٍ". رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري، أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨ هـ، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود في القدر والترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٥. ٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة، ثبت، توفي سنة ١٨٢، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥. ٤ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي البصري، ثقة، ثبت، حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٥ - (موسى بن أبي عثمان) الكوفي، مقبول، من [٦].

стр. 4657

وفي (تت) موسى بن أبي عثمان التَّبَّانُ المدني، وقيل: الكوفي، مولى المغيرة. رَوَى عن أبيه، وأبي يحيى المكي، والأعرج، وسعيد ابن جبير، وإبراهيم النخعي، وأم ظبيان. وعنه أبو الزناد، ومالك ابن مِغْوَل، وشعبة، والثوري. قال سفيان: كان مؤدبًا، ونعم الشيخ كان، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التّبَّان، روى عن أبيه، وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي، روى عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، وعن النخعي، وسعيد. وعنه شعبة، والثوري، وغيرهما، ولم يذكر في التبان شيئًا، وقال في الآخر عن أبيه: شيخ. انتهى. علق له البخاري، وأخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٦ - (أبو يحيى) المكي، يقال: اسمه سمعان الأسلمي، مقبول، من [٤]. وفي (تت) أبو يحيى المكي، روى عن أبي هريرة حديث "المؤذنُ يغفر له مَدَى صوته"، وعنه موسى بن أبي عثمان. ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم أنه سمعان الأسلمي. قال ابن عبد البر: أبو يحيى المكي اسمه سمعان سمع من أبي هريرة، روى عنه بعض المدنيين في الأذان. وقال ابن القطان: لا يعرف أصلًا، وقد ذكره ابن الجارود، فلم يزد على ما أخذ من هذا

стр. 4658

الإسناد، ولم يسمه، وقال المنذري، والثوري: إنه مجهول. أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ٧ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وفيه أن شيخه إسماعيل من أفراده، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (سمعه) أي سمع الحديث الآتي (من فم رسول الله ﷺ ) يعني أنه أخذه مشافهة، لا بواسطة. (يقول) جملة حالية في محل نصب من "رسول الله"، وإن كان مضافًا إليه، لكون المضاف جزءًا للمضاف إليه، كما قال ابن مالك: وَلا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ … إِلا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ أوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أضِيفَا … أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفَا (المؤذن) مبتدأ، خبره جملة قوله: (يغفر له بمَدِّ صَوْتِه) -بفتح الميم، وتشديد الدال المهملة، والباء سببية- أي يغفر له بسبب مد

стр. 4659

صوته. أو بمعنى "مع"، أي يغفر له مع مد صوته. وفي نسخة السندي "بمَدَى صوته"، ونص عبارته: قوله: "بمَدَى صَوْته" وفي نسخة "بمَدِّ صوته"، قيل: معناه بقدر صوته وحَدِّهِ، فإن بلغ الغاية من الصوت بلغ الغاية من المغفرة، وإن كان صوته دون ذلك، فمغفرته على قدره، أو المعنى: لو كان له ذنوب، تملأ ما بين محله الذي يؤذن فيه إلى ما ينتهي إليه صوته لغفر له. وقيل: يغفر له من الذنوب ما فعله في زمانٍ مُقَدَّرٍ بهذه المسافة. انتهت عبارته. وفي "الزهر": قال أبو البقاء: الجَيِّدُ عند أهل اللغة "مَدَى صوته" وهو ظرف مكان. قال الجامع: قوله: "ظرف مكان" هذا على رواية أبي داود، فإن روايته "يغفر له مَدَى صوته"، وأما على رواية المصنف فهو مجرور بالباء، وليس منصوبًا على الظرفية. إلا إذا وجدت نسخة موافقة لرواية أبي داود. فتنبه. وأما "مَدُّ صوته" فله وجه، وهو يحتمل شيئين: أحدهما: أن يكون تقديره مسافة صوته. والثاني: أن يكون المصدر بمعنى المكان، أي ممتد صوته، وفي المعنى على هذا وجهان: أحدهما: معناه لو كانت ذنوبه، تملأ هذا المكان لغفرت له، وهو نظير قوله ﷺ إخبارًا عن الله تعالى "لو جئتني

стр. 4660

بِقُرابِ الأرض خَطايَا"، أي بمِلْئِهَا من الذنوب. والثاني: يغفر له من الذنوب ما فعله في زمان مقدر بهذه المسافة. انتهى. وفي المنهل: قوله: "المؤذن يغفر له مدى صوته" أي غاية صوته ومنتهاه، وهو منصوب على الظرفية، أي أن المؤذن يستكمل مغفرة الله تعالى إذا بذل جهده في رفع الصوت بالأذان، وقيل: إن الكلام على وجه التمثيل والتشبيه، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه صوت المؤذن لو قدر، وكان ما بين أقصاه، وبين مقامه الذي فيه، ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله تعالى له. وقيل: معناه يغفر لأجله ذنوب كل من سمع صوته، فحضر الصلاة المسببة عن ندائه. وقيل: معناه تغفر ذنوبه التي باشرها في تلك النواحي إلى حيث يبلغ صوته، وقيل: معناه: يغفر بشفاعته ذنوب من كان ساكنًا، أو مقيمًا إلى حيث يبلغ صوته. انتهى ما في المنهل جـ ٤ ص ١٧٣. قال الجامع: أوضح المعاني، وأقربها من هذه المعاني التي ذكرها في المنهل أوَّلُها. (ويشهد له كل رطب، ويابس) أي كل نَامٍ، وجَمَادٍ، مما يبلغه صوته، وهذا بمعنى حديث أبي سعيد الخدري الماضي "جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له"، وتقدم البحث هناك أن الصواب في تلك الشهادة أنها بلسان المقال.

стр. 4661

وقال في المنهل في شرح هذا الحديث: والصحيح أن للجمادات والنباتات والحيوانات علمًا وإدراكًا وتسبيحًا، كما يُعلَمُ من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قال البغوي: وهذا مذهب أهل السنة، ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقرة، وغيرهما. انتهى. زاد في رواية أبي داود في هذا الحديث "وشاهد الصلاة تكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٤٥)، وفي الكبرى (١٦٠٩) عن إسماعيل بن مسعود، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن شعبة عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى المكي، عن أبي هريرة ﵁. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن

стр. 4662

حفص بن عمر، عن شعبة به، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة به. قال في "النكت الظراف": أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد عن أبي الوليد، عن شعبة، وصرح فيه بسماع أبي يحيى من أبي هريرة ﵁. انتهى جـ ١١ ص ٩٤. والله أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو الترغيب في رفع الصوت بالأذان، بحيث لا يتضرر به، لكونه سببًا للمغفرة، وشهادة كل شيء له، ولأن فيه الأمر بحضور الصلوات، فكلما كان أدعى للإسماع كان أولى، لما يترتب عليه من زيادة الخير. وقد روى البيهقي بسنده عن أبي محذورة ﵁، قال: "لما قدم عمر ﵁ مكة أذنت، فقال لي: يا أبا محذورة أما خفت أن ينشق مُرَيْطَاؤُكَ". "السنن الكبرى" جـ ١ ص ٣٩٧ والمريطاء: بضم الميم، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية: عرقان في مراقِّ البطن، يعتمد عليهما الصائح، قاله في "اللسان". ومنها: ثبوت المغفرة للمؤذن بمد صوته. ومنها: رِفْعَةُ شأن المؤذن يوم القيامة، حيث شهد له كل رطب ويابس، ممن سمع صوته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 4663

٦٤٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ، مِنْ رَطْبٍ، وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيُّ البصري الزَّمِنُ، ثقة، ثبت، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (معاذ بن هشام) الدستُوائي البصري، وسكن اليمن، صدوق رُبَّمَا وَهِمَ، توفي سنة ٢٠٠، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتُوَاِئي، أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، وقد رُمِيَ بالقدر، من كبار [٧]، توفي سنة ١٥٤، عن ٧٨ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٤ - (قتادة) بن دعَامة بن قتادة السَّدُوسِيُّ، أبو الخطاب

стр. 4664

البصري، ثقة، ثبت، رأس الطبقة [٤]، توفي سنة بضع عشرة ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو إِسحاق الكوفي) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، عابد، اختلط بآخره [٣]، توفي سنة ١٢٩، وقيل: قبل ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٦ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عَدِيٍّ الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، توفي سنة ٧٢، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا على الإخراج لهم، وأنهم بصريون، إلا الصحابي، وأبا إسحاق، فكوفيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، قتادة، عن أبي إسحاق. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن البراء بن عازب) رضي الله تعالى عنهما (أن نبي الله ﷺ قال: إِن الله وملائكته) بالنصب، كما هو قراءة الجماعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]. قال القرطبي ﵀: وقرأ ابن عباس ﵄ "وملائكته" بالرفع

стр. 4665

عطفًا على موضع اسم "إن". (يصلون على الصف المقدم) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والصلاة من الله تعالى: ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله : الرحمة، وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار لهم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ … الآية﴾ [غافر: ٧ - ٩]. انظر تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠٣. تنبيه: قال القرطبي ﵀: اختلف العلماء في الضمير في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]: فقالت فرقة: الضمير فيه لله والملائكة، وهذا قولٌ من الله تعالى شرف به ملائكته، فلا يصحبة الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال له رسول الله ﷺ : "بئس

стр. 4666

الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". أخرجه في الصحيح. قالوا: لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير، ولله أن يفعل في ذلك ما يشاء. وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن الله يصلي، وملائكته يصلون، وليس في الآية اجتماع في ضمير، وذلك جائز للبشر فِعْلُهُ، ولم يقل رسول الله: "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على "ومن يعصهما"، وسكت سكتة. واستدلوا بما رواه أبو داود عن عدي بن حاتم: أن خطيبًا خطب عند النبي ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله، ومن يعصهما. فقال: "قم -أو اذهب- بئس الخطيب أنت". إلا أنه يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه، وقال له: "بئس الخطيب" أصلح له بعد ذلك جميع كلامه، فقال: "قل: ومن يعص الله ورسوله". كما في صحيح مسلم، وهو يؤيد القول الأول بأنه لم يقف على "من يعصهما". انظر تفسير القرطبي جـ ١٤ ص ٢٣٢. وفي الحديث الحث على الصلاة في الصف المقدم، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من كتاب الإمامة، إن شاء الله تعالى. (والمؤذن يغفر له بمد صوته) تقدم الخلاف في ضبطه، ومعناه في الحديث السابق (ويصدِّقُهُ كل من سمعه من رطب ويابس) أي يشهد له يوم القيامة، أو يصدقه يوم يسمع، ويكتب له أجر تصديقهم

стр. 4667

بالحق. قاله السندي. (وله مثل أجر من صلى معه). قال السندي ﵀: أي إن كان إمامًا، أو مع إمامه إن كان مقتديًا بإمام آخر، لحكم الدلالة، لكن هذا يقتضي أن يخص بمن حضر بأذانه، والأقرب العموم، تخصيصًا للمؤذن بهذا الفضل، وفضلُ الله أوسعُ. والله أعلم. انتهى. تنبيه: حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي. تحفة جـ ٢ ص ٥٧، أخرجه هنا (٦٤٦)، وفي الكبرى (١٦١٠) بهذا السند. وفوائد الحديث تعلم مما سبق، وسيأتي بعضها في الإمامة، إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلابالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4668

١٥ - التَّثْوِيبِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التثويب في أذان صلاة الفجر، خاصة. والتثويب: مصدر ثَوَّبَ، يُثَوِّبُ، وهو العَوْدُ إلى الإعلام بعد الإعلام، ويُطْلَق على الإقامة، كما في حديث "حتى إذا ثُوِّبَ أدبر، حتى إذا فرغ أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه"، وعلى قول المؤذن في أذان الفجر: "الصلاة خير من النوم"، وكُلٌّ من هذين تثويبٌ قديم ثابت من وقته ﷺ إلى يومنا هذا. وقد أحدث الناس تثويبًا ثالثًا بين الأذان والإقامة. قاله في فتح الودود. قال الجامع: المراد بالتثويب هنا، هو قول المؤذن في أذان الفجر، بعد حي على الفلاح مرتين: الصلاة خير من النوم مرتين. قال ابن منظور: ويقال: ثَوَّبَ الداعي تثويبًا: إذا عاد مرة بعد أخرى، ومنه تثويب المؤذن: إذا نادى بالأذان للناس إلى الصلاة، ثم نادى بعد التأذين، فقال: الصلاةَ، رحمكم الله، الصلاةَ؛ يدعو إليها عَوْدًا بعد بَدْءٍ. قال الجامع: هذا التثويب الذي ذكره ابن منظور مما أحدثه الناس، وهو من البدع المنكرة، أنكره ابن عمر ﵄، وغيره، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

стр. 4669

وقال ابن منظور أيضًا: والتثويب: هو الدعاء للصلاة، وغيرها، وأصله أن الرجل إذا جاء مُسْتَصْرِخًا، لوَّح بِثوبه، لِيُرَى، ويَشْتَهِرَ، فَكان ذلك كالدعاء، فسمي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مُثَوِّبٌ. وقيل إنما سمي الدعاء تثويبًا، من ثَابَ، يَثُوبُ: إذا رَجَعَ، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة؛ فإن المؤذن إذا قال: "حي على الصلاة"، فقد دعاهم إليها، فهذا قال بعد ذلك: "الصلاة خير من النوم"، فقد رجع إلى كلامٍ معناه المبادرة إليها. انتهى لسان جـ ١ ص ٥٢٠. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٤٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سَلْمَانَ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكُنْتُ أَقُولُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ الأَوَّلِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، راوية ابن المبارك، ثقة، توفي سنة ٢٤٠ عن ٩٠ سنة، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم

стр. 4670

في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي، ثقة، ثبت، حجة، فقيه، عابد، توفي سنة ١٨١ عن ٦٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، ثبت، حجة، فقيه، توفي سنة ١٦١، من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو جعفر) قال في التقريب: أبو جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة في الأذان من شيوخ الثوري، مجهول، من [٤]، وقيل: هو الفراء. انتهى. وفي (تت): (س) أبو جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة في الأذان، وعنه الثوري، رواه النسائي، من رواية ابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، عن الثوري، وقال عبد الرحمن: ليس هو بأبي جعفر الفراء. كذا قال. وقد رواه إسماعيل بن عمرو البجلي، عن الثوري، عن أبي جعفر الفراء، عن أبي سلمان، وذكر مسلم، وغير واحد أن أبا جعفر الذي يروي عن أبي سلمان، وعنه الثوري أنه أبو جعفر الفراء، فالله أعلم. انتهى. تت جـ ١٢ ص ٥٩. ٥ - (أبو سلمان) المؤذن، قيل: اسمه هام، مقبول، من [٣].

стр. 4671

روى عن علي، وأبي محذورة. وعنه أبو جعفر الفراء، والعلاء ابن صالح الكوفي. انفرد به المصنف. تنبيه: وقع في النسخة الهندية "أبو سليمان" بدل أبي سلمان، وكذا هو في مسند أحمد ج ٣ ص ٤٠٨، وهو تصحيف، والصواب أبو سلمان كما هنا، وهو الذي في كتب الرجال، وعلى الصواب وقع في الكبرى. فتنبه. ٦ - (أبو محذورة) أوس بن مِعْيَر، وقيل غيره، الصحابي الجليل ﵁، تقدم في (٦٢٩). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي محذورة) ﵁، أنه (قال: كنت أؤذن لرسول الله ﷺ ) قال السندي ﵀: ولعله أذن له ﷺ أيام حجة الوداع، أو في وقت آخر. والله أعلم. انتهى. قال الجامع: هذا الذي قاله السندي مبني على أن المراد بقوله: كنت أؤذن … إلخ: الأذان عنده، ولا داعي إلى هذا، بل المراد أنه كان يؤذن لأمر رسول الله ﷺ له بالأذان، وكان يقول في الأذان الأول في الفجر: "الصلاة خير من النوم" مرتين بأمره أيضًا، بدليل ما تقدم (٦٣٣) أنه ﷺ علمه الأذان، ومن جملة ما علمه: قوله في الأولى من

стр. 4672

الصبح "الصلاة خير من النوم" مرتين. وأمره أن يذهب فيؤذن عند البيت الحرام، فكان يؤذن لأجل أمر رسول الله ﷺ له بذلك، فاللام للتعليل، كما في قول الشاعر [من الطويل]: وَإِنِّي لَتَعْرونِي لِذِكْرَاكَ هِزَّةٌ … كَمَا انْتَفَضَ الْعُصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطرُ وفيه حذف مضاف، أي لأجل أمر رسول الله ﷺ . ثم وجدت في مسند أحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي ما هو أصرح من هذا، ونصه: قال: "كنت أؤذن في زمن النبي ﷺ ، في صلاة الصبح، فإذا قلت: حي على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم … الحديث". فتبين أنه لايريد الأذان بين يديه، بل الأذان الصادر عن أمره ﷺ ، والله أعلم. (وكنت أقول) أي بأمره، كما تقدم (في أذان الفجر) متعلق بأقول (الأول) بالجر، صفة للأذان، والمراد به الأذان الذي قبل الفجر، بدليل ما تقدم له من قوله: فعلمني كما تؤذنون الآن، فذكر صفة الأذان، وفيه قوله: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح، ثم قال: وعلمني الإقامة … " إلى آخر كلامه. وفيه أن التثويب يكون في الأذان الأول الذي يكون قبل طلوع الفجر، لا الثاني الذي يكون بعده. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 4673

٦٤٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَلَيْسَ بِأَبِي جَعْفَرٍ الْفَرَّاءِ. رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (عمرو بن علي) الفَلاسُ الصَّيْرَفِي، أبو حفص البصري، ثقة، حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصري، ثقة، متقن، حافظ، إمام، قدوة، توفي سنة ١٩٨ عن ٧٨ سنة، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان، أبو سعيد العنبري مولاهم البصري، ثقة، ثبت، حافظ، توفي سنة ١٩٨ عن ٧٣ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٤ - (سفيان) الثوري، تقدم في السند السابق. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قوله: بهذ الإِسناد) إشارة إلى الإسناد الذي قبله، وهو

стр. 4674

سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة ﵁. (وقوله: نحوه) أي نحو الحديث الماضي، وقد أخرج أحمد في مسنده رواية عبد الرحمن بن مهدي، ولفظها: عن أبي محذورة، قال: كنت أؤذن في زمن النبي ﷺ في صلاة الصبح، فإذا قلت: حي على الفلاح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الأذان الأول. (فائدة) الفرق بين قولهم: مثله، وقولهم: نحوه، بعد ذكر حديثِ بإسناد، ثم إتباعه بإسناد آخر: أن مثله لا يطلق إلا إذا اتحد الحديثان لفظًا، بخلاف "نحوه" فإنه يطلق إذا اتحدا معنى. قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري رحمه الله تعالى: يلزم الحديثي من الإتقان أن يفرق بين "مثله"، "ونحوه"، فلا يحل أن يقول: مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل "نحوه"، إذا كان بمعناه. انظر التقريب مع التدريب جـ ٢ ص ١٢٠. وإلى ذلك أشار السيوطي ﵀ في ألفية الحديث، حيث قال: الْحَاكِمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى … وَمِثْلَهُ بِاللَّفْظ فَرْقٌ يُعْنىَ (وقولى: قال أبو عبد الرحمن إِلخ) هكذا نسخ المجتبى، والذي في الكبرى جـ ١ ص ٥٠٣، قال عبد الرحمن بن مهدي: وليس بأبي جعفر

стр. 4675

الفراء. وهكذا في المسند جـ ٣ ص ٤٥٨ قال عبد الرحمن: ليس هو الفراء. قال الجامع: الظاهر أنّ ما في المجتبى خطأ من بعض النساخ، فليس هذا الكلام للمصنف، وإنما هو لعبد الرحمن بن مهدي، وإن كان لا يستبعد أن يكون رأي المصنف موافقًا لرأي ابن مهدي، إلا أن ما في الكبرى يرجح الأول، ومما يدل لكونه من بعض النساخ أيضًا أن الحافظ المزي نقل هذا الكلام من المجتبى، وقال: قال عبد الرحمن: وليس بأبي جعفر الفراء. والحاصل أن ما في نسخ المجتبى خطأ، وأن الصواب عبد الرحمن، وهو ابن مهدي. والله أعلم. ثم إن هذا الذي قاله ابن مهدي خالفه غيره، فقالوا: إنه أبو جعفر الفرَّاء؛ قال الحافظ المزي ﵀: كذا قال عبد الرحمن بن مهدي. وقد رواه إسماعيل بن عمرو البجلي، عن سفيان الثوري، عن أبي جعفر الفراء، وكذا قال غير واحد: إن أبا جعفر الذي يروي عن أبي سلمان هو الفراء. انتهى تحفة جـ ٩ ص ٢٨٦ - ٢٨٧. وتقدم عن "تت": وذكر مسلم، وغير واحد أن أبا جعفر الذي يروي عن أبي سلمان، وعنه الثوري أنه أبو جعفر الفراء، فالله أعلم. انتهى. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 4676

مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث أبي محذورة رضي الله تعالى عنه من هذا الوجه من أفراد المصنف، وفي سنده أبو جعفر وشيخه، وقد تقدم الكلام فيهما، لكن الحديث يشهد له ما تقدم (٦٣٣)، فهو صحيح. الثانية: من فوائد الحديث مشروعية التثويب بالمعنى السابق في أذان الفجر، وهو الذي بوب له المصنف ﵀. وقد اختلف أهل العلم في التثويب في الفجر، فقالت به طائفة، وممن قال بهذا -كما ذكره ابن المنذر- ابن عمر، والحسن البصري، وابن سيرين، والزهري، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وزاد ابن قدامة الأوزاعي. قال ابن المنذر: وقد كان الشافعي يقول به، إذ هو بالعراق، قال: وهو من الظاهر المعمول به في مسجد الله، ومسجد رسول الله ﷺ ، وحكى عنه البويطي أنه كان يقول به، وقال في كتاب الصلاة: ولا أحب التثويب في الصبح، ولا في غير هذا، لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي ﷺ أنه أمره بالتثويب، فأكره الزيادة في الأذان، وأكره التثويب بعده. قال أبو بكر: وما هذا إلا سهوًا منه ونسيانًا، حيث كتب هذه

стр. 4677

المسألة لأنه حكى ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، ورَوَى ذلك عن علي. قال أبو بكر: وخالف النعمان كل ما ذكرناه، فحكى يعقوب عنه في الجامع الصغير أنه قال: التثويب الذي يثوب الناس في صبح الفجر بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، وكان كره التثويب في العشاء، وفي سائر الصلوات. قال أبو بكر: فخالف ما قد ثبتت به الإخبار عن مؤذن رسول الله ﷺ بلال، وأبي محذورة، ثم جاء عن ابن عمر، وأنس ابن مالك، وما عليه أهل الحرمين من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، يتوارثونه قرنًا عن قرن، يعملون به في كل زمان، ظاهرًا في أذان الفجر في كل يوم، ثم لم يرض خلافه ما ذكرناه حتى استحسن بدعة محدثة، لم ترو عن أحد من مؤذني رسول الله ﷺ ولا عمل به في عهد أحد من أصحابه. وفي كتاب ابن الحسن: كان التثويب بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، فأحدث الناس هذا التثويب، وهو حسن. قال أبو بكر: وقد ثبتت الإخبار عن مؤذني رسول الله ﷺ عمن ذكرنا من أصحابه أن التثويب كان في نفس الأذان قبل الفراغ منه، فكان ما قاله: إن التثويب الأول كان بعد الأذان محالًا، لا معنى له، ثم مع ذلك هو خلاف ما عليه أهل الحجاز والشام ومصر، وخلاف

стр. 4678

قول سفيان الثوري، ثم استحسن، وأقر أنه محدث، وكل محدث بدعة. قال أبو بكر: وبالأخبار التي رويناها عن بلال وأبي محذورة، نقول. ولا أري التثويب إلا في أذان الفجر خاصة، يقول بعد قوله: حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين. انتهى كلام ابن المنذر. انظر الأوسط جـ ٣ ص ٢١ - ٢٤. قال الجامع: هذا الذي قاله ابن المنذر من ثبوت التثويب بالمعنى المذكور في الفجر خاصة هو الحق، لصحة دليله، وأما التثويب الذي أحدثه الناس سواء كان في الفجر، أو في غيره بجميع أصنافه فإنه لا يجوز العمل به، لكونه بدعة منكرة. قال النووي رحمه الله تعالى: يكره التثويب في غير الصبح، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وحكى الشيخ أبو حامد، وصاحب الحاوي، والمحاملي، وغيرهم عن النخعي أنه كان يقول: التثويب سنة في كل الصلوات، كالصبح. وحكى القاضي أبو الطيب عن الحسن ابن صالح أنه مستحب في أذان العشاء أيضًا، لأن بعض الناس قد ينام عنها. دليلنا حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري، ومسلم، ورُويَ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى التابعي، عن بلال ﵁،

стр. 4679

قال: قال رسول الله ﷺ : لا تُثوِّبَنَّ في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر". رواه الترمذي، وضعف إسناده، وهو مع ضعف إسناده مرسل، لأن ابن أبي ليلى لم يسمع بلالًا. وعن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر، أو العصر، فقال: اخرج بنا، فإن هذه بدعة، رواه أبو داود، وليس إسناده بقوي، والمعتمد حديث عائشة ﵂. انتهى المجموع جـ ٣ ص ٩٧ - ٩٨. تنبيه: قال النووي ﵀: يكره أن يقال في الأذان حي على خير العمل، لأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، وروى البيهقي فيه شيئًا موقوفًا على ابن عمر، وعلي بن الحسين ﵃، قال البيهقي ﵀: لم تثبت هذه اللفظة عن النبي ﷺ ، فنحن نكره الزيادة في الأذان، والله أعلم. انتهى "المجموع" أيضًا جـ ٣ ص ٩٨. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4680

١٦ - آخرُ الأذان أي هذا باب ذكر الأحاديث التي فيها بيان آخر الأذان، وإنما عقد المصنف رحمه الله تعالى هذا الباب تنبيهًا على ضبط آخر الأذان، لئلا يزاد عليه، كما شاهدنا من ابتداع بعض الجهلة في بعض البلدان، أن المؤذن إذا فرغ من الأذان يزيد عليه بعض الأذكار من الصلاة على النبي ﷺ والدعوات، رافعًا صوته، حتى يتوهم من لا علم عنده بالسنة أن ذلك جزء من الأذان، وهو من البدع المردودة، فنبه المصنف ﵀ على مثل هذا بذكر باب فيه بيان آخر الأذان المشروع. وسيأتي عن السندي ﵀ توجيه آخر لضبطهم آخر الأذان، إن شاء الله تعالى. ٦٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: آخِرُ الأَذَانِ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن مَعْدَانَ بْن عيسى) بن معدان، أبو عبد الله الحَرَّانِيُّ، ثقة، من [١٢].

стр. 4681

وثقه النسائي، ومسلمة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في ذي الحجة سنة ٢٥٢، وقال أبو عروبة: مات سنة ٢٦٠، انفرد به المصنف. ٢ - (الحسن بن أعين) هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب إلى جده، أبو علي القرشي مولى أم عبد الملك بن مروان، الحَرَّاني، صدوق، توفي سنة ٢١٠، من [٩]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، قال أبو حاتم: أدركته، ولم أكتب عنه، وذكره ابن حبان في الثقات. ٣ - (زهير بن معاوية) بن حُديْج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة، ثبت، توفي سنة ١٧٢ وقيل: غير ذلك، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، ثقة، حافظ، ورع، عارف بالقراءة، لكنه يدلس، توفي سنة ١٤٧ أو بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٥ - (إِبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الفقيه، الكوفي، ثقة، توفي سنة ٩٦، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٦ - (الأسود) بن يزيد بن بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة، مكثر، فقيه، مخضرم، توفي سنة ٧٤

стр. 4682

أو ٧٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٧ - (بلال) بن رباح الحبشي، المؤذن، الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٩٦ - ١٢٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا على الإخراج لهم، إلا شيخه، فانفرد هو به، والحسن بن أعين، فانفرد هو به، والبخاري، ومسلم. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش، وإبراهيم، والأسود. والله أعلم. شرح الحديث (عن بلال) بن رباح رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: آخر الأذان الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إِلا الله) قال السندي ﵀: كأنهم ضبطوه، لئلا يتوهم تربيع التكبير بالقياس على الأول، أو تثنية كلمة التوحيد بالقياس على غالب الكلمات، ولعل إفراد كلمة التوحيد في الأذان لموافقة معنى التوحيد، والله أعلم. انتهى. تنبيه: حديث بلال ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف

стр. 4683

رحمه الله، أخرجه هنا (٦٤٩، ٦٥٠، ٦٥١) وفي الكبرى (١٦١٣، ١٦١٤، ١٦١٥). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: كَانَ آخِرُ أَذَانِ بِلَالٍ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد) بن نصر المروزي، تقدم في الباب السابق. ٢ - (عبد الله) بن المبارك، تقدم أيضًا في الباب السابق. ٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب السلمي الكوفي، ثقة، ثبت، كان لا يدلس، ولا يروي إلا عن ثقة، من طبقة الأعمش، توفي سنة ١٣٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. والباقون تقدموا في السند السابق. وكذا شرح الحديث واضح. وبالله التوفيق. تنبيه: من القواعد المهمة أن الراوي إذا روى حديثًا في قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه، بأن حَكَى قصةً وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صاحبي أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَمْ أنه شاهدها، وأنه لم يدرك تلك الواقعة

стр. 4684

فهو مرسل صحابي، وإن كان تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصل وكذا إن لم يدرك وقوعها ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة. وقد حَكَى اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك ابنُ المَوّاق، ورَوى الخطيبُ في الكفاية بسنده عن أبي داود، قال: سمعت أحمد، قيل له: إن رجلًا قال: قال عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة عن عائشة: سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء. قال الحافظ العراقي: إنما فرق أحمد بين اللفظين، لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلة، وأما اللفظ الثاني، فأسند ذلك إليها، فكانت متصلة. انتهى. انظر التدريب جـ ١ ص ٢١٨. وإلى هذه القاعدة أشار السيوطي ﵀ في ألفيته، فقال: وَكُلُّ مَنْ أدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ، وَغْيْرُهُ قَطْعًا حَوى قال الجامع: فعلى هذا قول الأسود في هذا الحديث: كان آخر أذان بلال إلخ صورته صورة الانقطاع؛ لكونه لم يشاهد أذان بلال، لأنه لم يكن يؤذن في زمان التابعين، لكن الرواية الأولى تبين أنه متصل، حيث قال فيها: عن بلال: كان آخر الأذان، إلخ، ولم يطعن بالتدليس، فافهم هذه القاعدة، فإنها تنفعك في كثير من الأسانيد،

стр. 4685

وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، مِثْلَ ذَلِكَ. رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدموا في السندين السابقين. وقد تقدم في الباب السابق البحث في الفرق بين قولهم: مثل ذلك، وقولهم: نحو ذلك، فارجع إليه تستفد. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥٢ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ آخِرَ الأَذَانِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدموا قريبًا، إلا: ١ - (يونس بن أبي إِسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا من [٥]. قال عمرو بن علي، عن ابن مهدي: لم يكن به بأس، قال:

стр. 4686

وحدث عنه يحيى، وعبد الرحمن. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه عن يحيى بن سعيد: كان يونس يقول: ثنا أبو إسحاق، سمعت عدي ابن حاتم حديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، وقال يحيى بن سعيد: وحدثنا سفيان وشعبة، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مغفل عن عدي ابن حاتم بهذا. وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني: سمعت يحيى، وذكر يونس بن أبي إسحاق، فقال: كانت فيه غفلة شديدة، وكانت فيه سَجِيَّةً (١)، وقال بندار، عن سَلْم بن قتيبة: قدمت من الكوفة، فقال لي شعبة: من لقيت؟ قلت: فلان وفلان ويونس بن أبي إسحاق، قال: ما حدثك؟ فأخبرته، وقلت: ثنا بكر بن ماعز، فسكت ساعة، ثم قال: فلم يقل لك: حدثنا عبد الله بن مسعود؟ وقال الأثرم: سمعت أحمد يضعف حديث يونس عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إلى منه. وقال أبو طالب عن أحمد في حديثه زيادة على حديث الناس. قلت: يقولون: إنه سمع في الكتب، فهي أتم، قال: إسرائيل ابنه قد سمع وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل يونس.

стр. 4687

وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه مضطرب، وقال أيضًا: سألت أبي عن عيسى بن يونس؟ فقال: عن مثل عيسى تسأل؟ قلت: فأبوه يونس؟ قال: كذا وكذا. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. قلت: فيونس أو إسرائيل، مَنْ أحب إليك؟ قال: كلٌّ ثقة. وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن شاهين في الثقات عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، إلا أنه لا يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الساجي: صدوق، كان يقدم عثمان على علي، وضعفه بعضهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما وَهِمَ فِي روايته. وقال العجلي: جائز الحديث. وقال ابن عدي: له أحاديث حِسَان، وَرَوَى عنه الناسُ، وحديث أهل الكوفة عامته تدور على ذلك البيت. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ١٥٧، وكذا قال ابن سعد وغيره في تاريخ وفاته. وزاد ابن سعد: وكانت له سنن عالية، وروى عن عامة رجال أبيه، وكان ثقة، إن شاء الله تعالى. وقال ابن المديني: مات سنة ١٥٢، ويقال سنة ١٥٩، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ١٥٨، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون. ٢ - (مُحارِب بن دِثَار) بن كُرْدُوس بن قِرْوَاش بن جعوانة بن سَلَمَة بن صخر بن ثعلبة بن سدوس السدوسي، أبو دثار، ويقال:

стр. 4688

أبو مطرف، ويقال: أبو كردوس، ويقال: أبو النضر الكوفي القاضي، قيل: إنه ذُهْلِيّ، ثقة إمام زاهد، من [٤]. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، والنسائي: ثقة، وزاد أبو حاتم: صدوق، وزاد أبو زرعة: مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه: كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سوَّدوه: الحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والبيان، والتواضع، ولا يَكْمُلْن في الإسلام إلا بالعَفَاف. وقد كَمُلْنَ في هذا الرجل، يعني محارب بن دثار. قال ابن سعد وغيره: مات في ولاية خالد بن عبد الله، وقال ابن قانع: مات سنة ١١٦، وقال خليفة: مات آخر ولاية خالد، وعُزِلَ خالد سنة ٢٠، وقال الثوري: ما يُخَيَّلُ إلى أني رأيت زاهدًا أفضل من محارب. وقال ابن سعد: كان من المرجئة الأولى الذين يرجئون عليًا وعثمان، ولا يشهدون فيهما بشيء، وله أحاديث، ولا يحتجون به. وقال عبد الله بن إدريس عن أبيه: رأيت الحَكَم وحمّادًا في مجلس قضاء محارب. قال الذهبي: وفي إدراك ابن عيينة له نظر، فلعله أرسل عنه شيئًا، وهو حجة مطلقًا. وقال ابن حبان: كان من أفرس الناس. وقال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة. وقال يعقوب بن سفيان والدارقطني: ثقة. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.

стр. 4689

تنبيه: حديث أبي محذورة هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٦٥٢)، وفي "الكبرى" (١٦١٦) بهذا السند، والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4690

١٧ - الأذَانُ فِي التَّخَلَّفِ عَنْ شُهُودِ الجَمَاعَة فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الأذان في جواز التخلف عن حضور صلاة الجماعة في الليلة التي ينزل فيها المطر، وكذا كل ما أشبه ذلك كالبرد والثلج، رِفْقًا بالمصلين. ٦٥٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، يَقُولُ: أَنْبَأَنَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فِي السَّفَرِ، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البَغْلاني، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة، ثبت، حجة، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الجُمَحِيّ مولاهم الأثرم المكي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، تقدم في ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (عمرو بن أوس) بن أبي أوس، واسمه حُذَيفة الثقفي

стр. 4691

الطائفي، تابعي كبير، من [٢]، ووهم مَنْ ذكره في الصحابة. قال عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي: قال أبو هريرة: تسألوني، وفيكم عمرو بن أوس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: مات قبل سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم: قبل سعيد بن جبير، سنة ٩٠، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين. وذكره ابن منده، وغيره في معرفة الصحابة، وأوردوا من حديثه حديثًا وقع في إسناده وَهَمٌ أوجب أن يكون لعمرو بن أوس صحبة، وهو من رواية الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عمرو بن أوس عن أبيه، قال: قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، كذا رواه الوليد، ورواه جماعة من الثقات عن الطائفي عن عثمان، وهو ابن عبد الله بن أوس، عن أبيه، به. ورواه وكيع وغير واحد عن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده، أوس بن أبي أوس به، وهو الصواب. أخرج له الجماعة. ٥ - (رجل من ثقيف) صحابي رضي الله تعالى عنه، لم يعرف اسمه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن رجل من ثقيف: أنه سمع منادي) أي مؤذن (النبي ﷺ - يعني في ليلة مطيرة) أي ذات مطر. وقال الكرماني: فعيلة،

стр. 4692

بمعنى الماطرة، وإسناد المطر إلى الليلة مجاز، إذ الليل ظرف له، لا فاعل، وللعلماء في أنبَتَ الربيعُ البَقْلَ أقوال أربعة: مجاز في الإسناد، أو في أنبت، أو في الربيع، وسماه السَّكَّاكِيّ استعارةً بالكناية، أو المجموعُ مجاز عن المقصود، وذكر الإمام الرازي أنه من المجاز العقلي. فإن قلت: لِمَ لا تجعلها فَعِيلةً بمعنى المفعول، أي ممطور فيها، وحذف الجار والمجرور؟ قلت: لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا تدخل تاء التأنيث فيها عند ذكر موصوفها معها. انتهى كلام الكرماني منقولًا من زهر الربى جـ ٢ ص ١٥ - ١٧. (في السفر) حال من الفاعل، أو المفعول، أي حال كونه كائنًا في السفر. (يقول) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أي سمعه حال كونه قائلًا (حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم) جمع رَحْلٍ -بفتح، فسكون- قال الفيومي ﵀: ورَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر، لأنها مأواه، وقال أيضًا: والرَّحْلُ: كل شيء، يُعَدُّ للرَّحِيل من وِعَاءٍ للمتاع، ومَرْكَبٍ للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرْحُلٌ، ورِحَالٌ، مثل فَلْسٍ، وَسِهَام، ورَحَلْتُ البعير، رَحْلًا، من باب نَفَعَ: شددت عليه رحله. انتهَى بتقديم وتأخير واختصار. والأمر هنا للإباحة، فقوله: "حي على الصلاة" نداء بالحضور لمن

стр. 4693

يريد ذلك، وقوله: "صلوا في رحالكم": إذن في ترك الحضور إليها لمن يشق عليه، فلا تنافي بين مؤداهما. أفاده السندي. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث رجل من ثقيف رضي الله تعالى عنه صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٦٥٣)، وفي "الكبرى" (١٦١٧) بهذا السند. الثانية: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف، وهو مشروعية الأذان في جواز التخلف عن شهود صلاة الجماعة إذا نزل المطر ليلًا. ومنها: زيادة: صلوا في رحالكم "في ألفاظ الأذان". ومنها: أن المطر من الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ".

стр. 4694

رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد، المتقدم في السند الماضي. ٢ - (مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر، الأصبحي، أبو عبد الله المدني الإمام، ثقة، ثبت، حجة، توفي سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (نافع) العدوي، مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة، ثبت، فقيه مشهور، توفي سنة ١١٧، أو بعد ذلك، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وتقدم أنه أعلى ما وقع له، وهو -٣٣ - من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا، على ما نقل الإمام البخاري رحمه الله تعالى، رَوَى الخطيبُ في الكفاية عن يحيى بن بكر أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زَعْزَعَةٍ، عن زَوْبَعَةٍ (١)

стр. 4695

إنما تَرْفَعُ السترَ، فتنظر إلى النبي ﷺ والصحابة، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انظر التدريب جـ ١ ص ٧٨. ومنها: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة، رَوَى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن نافع أن) عبد الله (بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أذن بالصلاة) قال السندي ﵀: الظاهر أنه أتم الأذان، وقال بعد الفراغ منه "ألا صَلُّوا"، ويحتمل أنه قال ذلك بعد "حي على الفلاح"، وعلى الأول، يقال: كان هذا القول أحيانًا في الوسط، وأحيانًا بعد الفراغ. انتهى. قال الجامع: رواية البخاري ترد الاحتمال الثاني، ونصها: أذَّنَ ابنُ عمر في ليلة باردة بضَجْنَانَ، ثم قال: "صلوا في رحالكم"، فأخبَرنا أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال … الحديث". قال في الفتح: قوله ثم يقول على إثره، صريح في أن القول المذكور كان بعد الفراغ. وقال القرطبي: لَمَّا ذَكر رواية مسلم بلفظ "يقول في آخر ندائه" يحتمل أن يكون المراد في آخره قُبَيل الفراغ منه، جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس. انتهى.
следующие страницы →