← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الطائفي، تابعي كبير، من [٢]، ووهم مَنْ ذكره في الصحابة. قال عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي: قال أبو هريرة: تسألوني، وفيكم عمرو بن أوس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: مات قبل سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم: قبل سعيد بن جبير، سنة ٩٠، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين. وذكره ابن منده، وغيره في معرفة الصحابة، وأوردوا من حديثه حديثًا وقع في إسناده وَهَمٌ أوجب أن يكون لعمرو بن أوس صحبة، وهو من رواية الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عمرو بن أوس عن أبيه، قال: قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، كذا رواه الوليد، ورواه جماعة من الثقات عن الطائفي عن عثمان، وهو ابن عبد الله بن أوس، عن أبيه، به. ورواه وكيع وغير واحد عن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده، أوس بن أبي أوس به، وهو الصواب. أخرج له الجماعة. ٥ - (رجل من ثقيف) صحابي رضي الله تعالى عنه، لم يعرف اسمه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن رجل من ثقيف: أنه سمع منادي) أي مؤذن (النبي ﷺ - يعني في ليلة مطيرة) أي ذات مطر. وقال الكرماني: فعيلة،

стр. 4692

بمعنى الماطرة، وإسناد المطر إلى الليلة مجاز، إذ الليل ظرف له، لا فاعل، وللعلماء في أنبَتَ الربيعُ البَقْلَ أقوال أربعة: مجاز في الإسناد، أو في أنبت، أو في الربيع، وسماه السَّكَّاكِيّ استعارةً بالكناية، أو المجموعُ مجاز عن المقصود، وذكر الإمام الرازي أنه من المجاز العقلي. فإن قلت: لِمَ لا تجعلها فَعِيلةً بمعنى المفعول، أي ممطور فيها، وحذف الجار والمجرور؟ قلت: لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا تدخل تاء التأنيث فيها عند ذكر موصوفها معها. انتهى كلام الكرماني منقولًا من زهر الربى جـ ٢ ص ١٥ - ١٧. (في السفر) حال من الفاعل، أو المفعول، أي حال كونه كائنًا في السفر. (يقول) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أي سمعه حال كونه قائلًا (حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم) جمع رَحْلٍ -بفتح، فسكون- قال الفيومي ﵀: ورَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر، لأنها مأواه، وقال أيضًا: والرَّحْلُ: كل شيء، يُعَدُّ للرَّحِيل من وِعَاءٍ للمتاع، ومَرْكَبٍ للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرْحُلٌ، ورِحَالٌ، مثل فَلْسٍ، وَسِهَام، ورَحَلْتُ البعير، رَحْلًا، من باب نَفَعَ: شددت عليه رحله. انتهَى بتقديم وتأخير واختصار. والأمر هنا للإباحة، فقوله: "حي على الصلاة" نداء بالحضور لمن

стр. 4693

يريد ذلك، وقوله: "صلوا في رحالكم": إذن في ترك الحضور إليها لمن يشق عليه، فلا تنافي بين مؤداهما. أفاده السندي. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث رجل من ثقيف رضي الله تعالى عنه صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٦٥٣)، وفي "الكبرى" (١٦١٧) بهذا السند. الثانية: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف، وهو مشروعية الأذان في جواز التخلف عن شهود صلاة الجماعة إذا نزل المطر ليلًا. ومنها: زيادة: صلوا في رحالكم "في ألفاظ الأذان". ومنها: أن المطر من الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ".

стр. 4694

رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد، المتقدم في السند الماضي. ٢ - (مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر، الأصبحي، أبو عبد الله المدني الإمام، ثقة، ثبت، حجة، توفي سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (نافع) العدوي، مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة، ثبت، فقيه مشهور، توفي سنة ١١٧، أو بعد ذلك، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وتقدم أنه أعلى ما وقع له، وهو -٣٣ - من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا، على ما نقل الإمام البخاري رحمه الله تعالى، رَوَى الخطيبُ في الكفاية عن يحيى بن بكر أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زَعْزَعَةٍ، عن زَوْبَعَةٍ (١)

стр. 4695

إنما تَرْفَعُ السترَ، فتنظر إلى النبي ﷺ والصحابة، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انظر التدريب جـ ١ ص ٧٨. ومنها: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة، رَوَى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن نافع أن) عبد الله (بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أذن بالصلاة) قال السندي ﵀: الظاهر أنه أتم الأذان، وقال بعد الفراغ منه "ألا صَلُّوا"، ويحتمل أنه قال ذلك بعد "حي على الفلاح"، وعلى الأول، يقال: كان هذا القول أحيانًا في الوسط، وأحيانًا بعد الفراغ. انتهى. قال الجامع: رواية البخاري ترد الاحتمال الثاني، ونصها: أذَّنَ ابنُ عمر في ليلة باردة بضَجْنَانَ، ثم قال: "صلوا في رحالكم"، فأخبَرنا أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال … الحديث". قال في الفتح: قوله ثم يقول على إثره، صريح في أن القول المذكور كان بعد الفراغ. وقال القرطبي: لَمَّا ذَكر رواية مسلم بلفظ "يقول في آخر ندائه" يحتمل أن يكون المراد في آخره قُبَيل الفراغ منه، جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس. انتهى.

стр. 4696

وحديث ابن عباس ﵄ الذي أشار إليه هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما، ولفظه عند البخاري في الأذان عن عبد الله بن الحارث، قال: خطبنا ابنُ عباس في يوم رَدغٍ، فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة، فأمره أن ينادي: الصلاةُ في الرحال، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال: فعل هذا من هو خير مني، وإنها عَزْمة. انظر الصحيح بنسخة الفتح جـ ٢ ص ١١٦. وبَوَّبَ ابنُ خزيمة، وتبعه ابن حبان، ثم المحب الطبري "حَذْفُ حي على الصلاة في يوم المطر"، نظرًا إلى المعنى، لأن معنى "حي على الصلاة": هَلُمُّوا إلى الصلاة، ومعنى "الصلاة في الرحال": تأخروا عن المجيء إليها، فلا يتناسب سبب إيراد اللفظين معًا، لأن أحدهما نقيض الآخر. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى "الصلاة في الرحال" رخصة لمن أراد أن يترخص ومعنى هلموا إلى الصلاة نَدْب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم، قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فمُطِرْنَا، فقال: لِيُصَلِّ من شاء منكم في رَحْلِهِ". (في ليلة ذات بَرْد، وريح) وفي رواية البخاري: أذَّنَ ابنُ عمر في ليلة باردة بضَجْنَان، وهو بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم بعدها

стр. 4697

نون: جبل بينه وبين مكة خمسة عشر ميلًا، وبينه وبين وادي مريسعة أميال. كما قاله الزمخشري، وقيل فيه غير ذلك. انظر الفتح جـ ٢ ص ١٣٣. (فقال: ألا صلوا في الرحال، فإِن رسول الله ﷺ ) الفاء تعليلية، أي لأن رسول الله ﷺ (كان يأمر المؤذن إِذا كانت ليلة) بالرفع فاعل كان، وهي تامة لا تحتاج إلى خبر، كما قال الحَرِيريّ في مُلْحَتِهِ: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلسْتُ تَحْتاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ ويحتمل أن تكون ناقصة، حذف اسمها، وليلةً بالنصب خبرها، أي إن كانت الليلةُ ليلةً (باردة، ذات مطر) أي صاحبة مطر. وفي رواية البخاري "في الليلة الباردة أو المطيرة". قال في الفتح: وقوله: "أو": للتنويع لا للشك، وفي صحيح أبي عوانة "ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح"، ودل ذلك على أن كلًا من الثلاثة عذر في التأخِر عن الجماعة. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق، عن نافع في هذا الحديث "في الليلة المطيرة، والغداة الْقُرَّة"، وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المَلِيح، عن أبيه "أنهم مُطِرُوا يومًا، فرَخَّص لهم".

стр. 4698

قال الحافظ ﵀: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحًا، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وَجْهًا. انتهى فتح جـ ٢ ص ١٣٤. (يقول) فعل مضارع مرفوع، صلة لـ "أن" مقدرة، وحذف "أن" ورفعُ الفعل قياس على الراجح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، برفع "يُرِي"، و"أعْبُدُ"، وأن وصلتها مجرور بحرف جر مقدرٍ قياسًا، أي بالقول، وهو متعلق بيأمر. وقال السندي: (يقول) أي بأن يقول، أو "يقول" تفسير ليأمر، وقيل: مقدر في الكلام بعده. انتهى. قال الجامع: قوله "تفسير ليأمر" هذا غير صحيح كما لا يخفى، وقوله: وقيل: مقدر إلخ لم يظهر لي وجهه. والله أعلم. وقوله: (ألا صلوا في الرحال) مقول القول، أي كان يأمر المؤذن أن يقول في الأذان: ألا صلوا في الرحال. والرحال -بالكسر- جمع رَحْلٍ، وهو مسكن الرجل، وما فيه من أثاثه. وتقدم الكلام عليه. قال النووي ﵀: في حديث ابن عباس المتقدم عند شرح قوله: فلما بلغ المؤذن "حي على الصلاة"، فأمره أن ينادي "الصلاة

стр. 4699

في الرحال" قال: فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان. وفي حديث ابن عمر -يعني حديث الباب- أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نص عليه الشافعي، لكن بعده أحسن ليتم نظم الأذان. قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس. انتهى. قال الحافظ: وكلامه يدل على أنها تزداد مطلقًا إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من "حي على الصلاة". وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه. وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر وأخرجه عبد الرزاق، وغيره بإسناد صحيح، عن نعيم بن النحام، قال: "أذن مؤذن النبي ﷺ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج. فلما قال الصلاة خير من النوم، قالها". انتهى فتح ٢ ص ١١٧. قال الجامع عفا الله عنه: قد حصل مما تقدم من حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس ﵃ أن المؤذن غير في قوله ألا صلوا في الرحال" بين قولها أثناء الأذان وقولها بعد الأذان، ويدل حديث ابن عباس على أن يقولها بدل "حي على الصلاة". ففي رواية ابن علية كما في الفتح "إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة". والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته:

стр. 4700

حديث ابن عمر ﵄ من طريق مالك متفق عليه. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٥٤)، وفي "الكبرى" (١٦١٨) عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه. والله أعلم. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، ثلاثتهم عن مالك به. وأخرجه مالك في "الموطأ"، وأحمد، والحميدي، وعبد بن حميد، في مسانيدهم، وابن خزيمة في "صحيحه". والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4701

١٨ - الأذَانُ لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي وَقْتِ الأولَى مِنْهُمَا أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الصلاة الأولى، وهو المسمى بجمع التقديم، وهو مُجمَع عليه في عرفة، واختلف في غيرها من الأسفار، والصحيح أنه مشروع، كما تقدم البحث عنه مُستَوفًى. في كتاب الصلاة. وموضع الاستدلال من الحديث واضح، من حيث إنه ﷺ جَمعَ بَين الظهر والعصر جَمْع تقديم في وقت الظهر بأذان وإقامة. ٦٥٥ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى بَطْنِ الْوَادِي خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.

стр. 4702

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إِبراهيم بن هارون) البَلْخِيُّ العابد، صدوق، من [١١]، أخرج له الترمذي في شمائله والنسائي، تقدم في ٦٠٤٠. ٢ - (حاتم بن إِسماعيل) أبو إسماعيل الحارثي، مولاهم الكوفي، ثم المدني، صدوق يهم، صحيح الكتاب، توفي سنة ١٨٦ أو ١٨٧، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٠٤. ٣ - (جعفر بن محمد) الصادق الهاشمي، أبو عبد الله المدني، صدوق، فقيه، إمام، توفي سنة ١٤٨، من [٦]، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٢٣/ ١٨٢. ٤ - (محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، المدني، ثقة، فاضل، توفي سنة بضع عشرة ومائة، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٨/ ٩٥. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَميّ الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. وهذا الحديث أخرجه مسلم بطوله من حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ ، وأخرجه المصنف مختصرًا، وقد مضى مشروحًا برقم ٦٠٤، فلا حاجة إلى إعادته، وستأتي بقية مباحثه مُسْتَوفاة في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

стр. 4703

قوله: القُبَّة: بضم القاف، وتشديد الموحدة: بيت صغير مستدير، من الخيام، وهو من بيوت العرب، جمعه قُبَبٌ، بضم، ففتح، وقِبَاب. وقوله: ضُرِبَتْ: أي نُصِبَتْ. وقوله: بنمرة -بفتح فكسر- على الأشهر: موضع بقرب عرفة، وليس منها. قوله: القَصْواء -كحمراء: اسم ناقة النبي ﷺ ، والقصواء في الأصل هي التي قُطِعَ طرف أذنها، وليست ناقة النبي ﷺ قصواء، بل هو لقبها على المشهور. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4704

١٩ - الأذان لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بَعْدَ ذَهَابِ وَقْتِ الأولَى مِنْهُمَا أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الصلاة الأولى منهما، وهو المسمى بجمع التأخير؛ وهو مجمع عليه في مزدلفة، وجائز على الراجح، وهو قول الجمهور في السفر، وموضع الاستدلال من الحديثين واضح. ٦٥٦ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. رجال هذا الإسناد: خمسة كلهم تقدموا في السند الماضي. تنبيه: حديث جابر ﵁ هذا طرف من حديثه الطويل في صفة

стр. 4705

حجة النبي ﷺ ، أخرجه مسلم بطوله. وأخرجه المصنف هنا (٦٥٦)، وفي الكبرى (١٦٢٠) بهذا السند. وقوله: "دفع": أي نزل من عرفة، وأصله دَفْعُ مَطِيِّهِ للنزول، ثم اشتهر في النزول. قاله السندي. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا مَعَهُ بِجَمْعٍ، فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: هَكَذَا صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة، حافظ، توفي سنة ٢٤٤، من صغار [٩]، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الكوفي القاضي بواسط، ثم الكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع،

стр. 4706

توفي سنة ١٧٧ أو ١٧٨، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٥/ ٢٩. ٣ - (سلمة بن كُهَيلٍ) الحضرمي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٥/ ٣١٢. ٤ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة، ثبت فقيه، توفي سنة ٩٥، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم ٤٣٦. ٥ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. تنبيه: حديث ابن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم، وقال الشيخ الألباني: صحيح، دون قوله: ثم قال: الصلاة، والمحفوظ: ثم أقام الصلاة. انتهى. قال الجامع: بل الرواية صحيحة، ومعنى قوله: ثم قال الصلاة، أي قال: احضروا الصلاة بألفاظ الإقامة المعروفة لا أنه قال: الصلاة بهذا اللفظ، وقد أوضحت هذا المعنى رواية ابن ماجه، ففي رقم (٣٠٢١) عن مُحْرِزِ بن سَلَمَةَ العَدَنِي، عن عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ صلى المغرب بالمزدلفة، فلما أنخنا، قال: "الصلاة بإقامة". فلا داعي لدعوى الشذوذ. والله أعلم.

стр. 4707

وموضع الاستدلال هنا واضح من حيث إنه جمع بين الصلاتين بأذان في وقت الثانية. وقوله: "قال: كنا معه" فاعل "قال" ضمير يعود إلى سعيد، والضمير في "معه" لابن عمر ﵄. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4708

٢٠ - الإِقَامَةُ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَينِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الإقامة لكل صلاة لمن جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة. ٦٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةِ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَحَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة، ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري، ثقة، ثبت، حجة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة، ثبت، حجة، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (الحكم) بن عتيبة أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة، ثبت،

стр. 4709

فقيه، ربما دلس، توفي سنة ١١٣ أو بعدها، من [٥]، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. والباقون تقدموا في السند السابق. والله أعلم. تنبيه: حديث ابن عمر ﵄ صحيح، وقوله: بإقامة واحدة، أي لكل صلاة، بدليل الرواية الآتية: أنه صلى كل واحدة منهما بإقامة، فلا داعي لدعوى الشذوذ. والله أعلم. وموضع الاستدلال واضح، حيث إنه جمع بين الصلاتين بالإقامة على المعنى الذي ذكرته آنفًا، فتنبه. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٥٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصري، ثقة،

стр. 4710

حافظ، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة، ثبت، حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الكوفي، ثقة، ثبت، من [٤]، تقدم في ٤٧١. ٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة، عابد، اختلط، من [٣]، تقدم ٣٨/ ٤٢. والباقيان تقدما في السند الماضي. وكذا الحديث. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٦٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ، صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ قَبْلَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا بَعْدُ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، ثقة، حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.

стр. 4711

٢ - (وكيع) بن الجراح الرُّؤَاسِي الكوفي، ثقة، حافظ، عابد، من كبار [٩]، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس ابن عَبْدِ وَدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، أبوالحارث المدني، ثقة، فقيه، فاضل، من [٧]. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان ابن أبي ذئب يُشَبَّهُ بسعيد ابن المسيب، قيل لأحمد: خلف مثله ببلاده؟ قال: لا ولا بغيرها، قال: وسمعت أحمد يقول: ابن أبي ذئب كان يعد صدوقًا، أفضل من مالك، إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن حدث. وقال البغوي عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، يأمر بالمعروف، وكان يشبه بسعيد. وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة إلا عبد الكريم أبا أمية. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح، يقول: شيوخ ابن أبي ذئب كلهم ثقات، إلا البياضي. وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثقة، صدوق، غير أن روايته عن الزهري خاصة تكلم فيها بعضهم بالاضطراب، قال: وسمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي

стр. 4712

ذئب، وعبد الله بن جعفر المخرمي، فقدم أحمد المَخْرَمِيّ على ابن أبي ذئب، فقال يحيى: المَخْرَمِيّ شيخ، وأيش روى من الحديث، وأطرى ابن أبي ذئب، وقدمه تقديمًا كثيرًا، قال: فقلت لعلي بعدُ: أيهما أحب إليك؟ قال: ابن أبي ذئب، قال: وسألت عليًا عن سماعه من الزهري؟ فقال: هو عرض، قلت: وإن كان عرضًا، كيف هو؟ قال: مقارب. وقال يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي: ما فاتني أحد فأسفت عليه ما أسفت على الليث، وابن أبي ذئب. وقال النسائي: ثقة. وقال أحمد بن علي الأبَّار: سألت مصعبًا الزبيري عن ابن أبي ذئب، وقلت له: حدثوني عن أبي عاصم أنه كان قدريًا؟ فقال: معاذ الله، إنما كان في زمن المهدي قد أخذوا أهل القدر، فجاء قوم فجلسوا إليه، فاعتصموا به فقال قوم: إنما جلسوا إليه لأنه يرى القدر. وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأفضلهم، وكانوا يرمونه بالقدر، وما كان قدريًا، لقد كان يتقي قولهم، ويعيبه، ولكنه كان رجلًا كريمًا، يجلس إليه كل أحد، وكان يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، وأخبرني أخوه أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان شديد الحال، وكان من رجال الناس صَرَامَة وقولًا بالحق، وكان يحفظ حديثه، لم يكن له كتاب. وقال يعقوب بن سفيان: قيل لأحمد: من أعلم، مالك، أو ابن أبي ذئب؟ قال: ابن أبي ذئب أصلح في بدنه

стр. 4713

وأورع، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يَهَبْهُ (١) أن قال له الحق، قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر؛ قيل له: ما تقول في حديثه؟ قال: كان ثقة، صدوقًا، رجلًا صالحًا، ورعًا. وقال المفضل الغلابي، عن ابن معين: ابن أبي ذئب أثبت من ابن عجلان في سعيد المقبري. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن أبي ذئب ما حاله في الزهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة. وقال جعفر بن أبي عثمان، عن ابن معين: لم يسمع ابن أبي ذئب من الزهري -يعني أنه عرض- وقال علي، عن يحيى بن سعيد: كان عسرًا. وقال الواقدي وغيره: ولد سنة ٨٠ عام الجُحافِ (٢) وقال إبراهيم ابن المنذر، عن ابن أبي فديك: مات سنة ١٥٨، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة ١٥٩. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: دخل ابنُ أبي ذئب على عبد الصمد بن علي فكلمه في شيء، فقال له: إني لأحسبك مرائيًا، قال: فأخذ عودًا من الأرض، وقال: مَن أرَائي، فوالله للناس عندي

стр. 4714

أهون من هذا. قال: وكان ابن أبي ذئب يفتي بالمدينة، وكان عالمًا ثقة فقيهًا ورعًا عابدًا فاضلًا، وكان يرمى بالقدر. وقال ابن حبان في الثقات: كان من فقهاء أهل المدينة، وعُبَّادِهمْ، وكان من أقول أهل زمانه للحق، وَعَظَ المهديَّ، فقال له: أما إنك أصدق القوم، وكان مع هذا يَرَى القدرَ، وكان مالك يهجره من أجله. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي سمع ابنُ أبي ذئب من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه، قلت: إنهم يقولون لم يسمع منه، قال: قد سمع من الزهري. وقال عمرو بن علي الفلاس: ابن أبي ذئب في الزهري أحب إلى من كل شامي. وقال النسائي في الكنى: أنا معاوية، سمعت يحيى بن معين، يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى حديث ابن أبي ذئب، وابن جريج عن الزهري ولا يقبله. وقال الخليلي: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه، من أئمة أهل المدينة حديثه مخرج في الصحيح إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء، وقد بَيَّنَ ابنُ أخي الزهري كيفية أخذ ابن أبي ذئب عن عمه، قال: إنه سأل عن شيء، فأجابه، فرد عليه، فتقاولا، فحلف الزهري أن لا يحدثه، ثم نَدِمَ ابنُ أبي ذئب، فسأل الزهري أن يكتب له أحاديث من حديثه، فكتب له، فكان يحدث بها. أخرج له الجماعة. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر القرشي المدني، من

стр. 4715

[٤]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني الفقيه، ثقة، ثبت، من [٣]، تقدم في ٤٩٠. ٦ - (عبد الله بن عمر) تقدم في السند السابق. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ جمع بينهما) أي بين المغرب والعشاء (بالمزدلفة، صلى) وقوله صلى: جملة مُبَيِّنَة معنى قوله "جمع" (كل واحدةٍ منهما) بنصب "كل" مفعولا لصلى (بإِقامةٍ) أي مع الأذان للأولى منهما، لأن أكثر الروايات صرحت بذلك. وقال السندي: ظاهره تعدد الإقامة، وما سبق يدل على حِدَتِهَا، فلا يخلو الحديث عن نوع اضطراب. انتهى. قال الجامع: لا اضطراب فيه، بل هذه الرواية تُبَيِّن أنه أراد بقوله "بإقامة واحدة" في الرواية السابقة الإقامة لكل واحدة منهما. فتنبه. (ولم يتطوع) أي لم يصل النافلة (قبل واحدة منهما، ولا بعد) بالبناء على الضم، لقطعه عن الإضافة ونية معناها، أي بعد واحدة منهما. ولفظه في الكبرى "ولم يتطوع قبل واحدة منهما، ولا بعدها".

стр. 4716

وفيه أن السنة أن لا يتطوع قبل الصلاتين ولا بعدهما في الجمع في المزدلفة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ من طريق ابن أبي ذئب أخرجه البخاري. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٦٠)، وفي "الكبرى" (١٦٢٤) عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عنه، وفي الحج (٣٠٢٨) عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب به. والله تعالى أعلم. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الحج" عن آدم ابن أبي إياس، وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن شَبَابَةَ بن سَوَّار، وعن مَخْلَد بنِ خالد، عن عثمان بن عُمَرَ، أربعتهم عن ابن أبي ذئب به. والله أعلم. الرابعة: أنه اختَلَفَ أهلُ العلم في الأذان والإقامة للمغرب والعشاء في مزدلفة، لاختلاف الآثار في ذلك، إذ بعضها يدل على

стр. 4717

الأذان والإقامة للأولى، والإقامة فقط للثانية، كما في حديث جابر ﵁ السابق (٦٥٦) وبعضها يدل على الإقامة لكل منهما، كما في حديث ابن عمر ﵄ هذا، وحديث أسامة بن زيد ﵄ كما في الصحيحين وغيرهما، وبعضها يدل على الاكتفاء بإقامة واحدة لهما، كما في حديث ابن عمر ﵄ السابق (٦٥٨، ٦٥٩). وبعضها يدل على الأذان والإقامة لكل واحدة منهما، كما في حديث ابن مسعود ﵄ موقوفًا عليه، وعليه بَوَّبَ البخاري ﵀ في الحج، فقال: باب من أذن، وأقام لكل واحدة منهما "قال: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: "حج عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر رجلًا فأذن، وأقام … الحديث. قال في "الفتح": وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويًا عن النبي ﷺ ، ولو ثبت عنه لقلت به. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر، محمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت، فهكذا نصنع.

стр. 4718

قال ابن حزم: وقد رُوِيَ عن عمر من فعله. قال الحافظ أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأذَّنَ لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر، لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم يتأت له في حق ابن مسعود، لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاري. ورَوَى ابنُ عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك، حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين، مع كونه موقوفًا، ومع كونه لم يروه، ويترك ما رَوَى عن أهل المدينة، وهو مرفوع. قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين، حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحدًا. قال الحافظ ﵀: الجواب عن ذلك أن مالكًا اعتمد على صنيع عمر في ذلك، وإن كان لم يروه في الموطأ، واختار الطحاوي ما جاء عن جابر -يعني في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون، وابن حزم، وقواه الطحاوي بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.

стр. 4719

وقال الشافعي في الجديد، والثوري، وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة ﵁، حيث قال: "فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يحلوا حتى أقام العشاء"، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد. انتهى فتح الباري جـ ٣ ص ٦١٣ - ٦١٤. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول من قال: يصلي الأولى بالأذان والإقامة، والثانية بالإقامة فقط، لحديث جابر رضي الله تعالى عنه، وهو مرفوع صريح في ذلك، وما عداه إما موقوف، كحديث عمر وابن مسعود ﵄، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فيؤول بأنه صلى الأولى بالإقامة مع الأذان، والثانية بالإقامة فقط. وإنما أولنا بذلك، لأنه لا يمكن أن يحمل على تعدد الواقعة، إذ حجته ﷺ واحدة، فتعين الجمع بين الروايات، وحديث جابر صريح مُفسَّر، فوجب حمل غيره عليه. وسيأتي زيادة تحقيق في المسألة في الحج إن شاء الله تعالى، والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4720

٢١ - الأذَانُ لِلْفَائِتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان لأجل قضَاء الفائت من الصلوات، والمراد جنس الفائت، فيشمل الواحد وما زاد عليه. وعبارة الكبرى "للفوائت في الصلوات" بصيغة الجمع، وهي أوضح. والمراد الأذان مع الإقامة لكل واحدة من الصلوات الفائتة. تنبيه: حديث أبي سعيد هذا النسخُ فيه مختلفة، ففي أكثر نسخ "المجتبى" ذكر الإقامة للظهر والعصر، والأذان للمغرب، وفي بعضها ذكر الأذان للظهر، كما أشار إليه في هامش الهندية جـ ١ ص ١٠٧، وفي بعضها ذكر الأذان للعصر بدلًا من الإقامة، كما عزاه لإحدى نسخ النظامية في هامش تحقيق مكتب تحقيق التراث الإسلامي، ص ٣٤٥ والذي في الكبرى فأذن للظهر، فصلاها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها في وقتها "بإسقاط العصر". والظاهر أن الرواية الصحيحة عند المصنف إثبات الأذان في الكل، ولذلك استدل به على مشروعية الأذان لكل فائتة من الفوائت، ولا سيما ترجمة نسخة الكبرى، فإنها واضحة في هذا، حيث قال فيها "الأذان للفوائت من الصلوات"، ثم أورد الحديث بذكر الأذان

стр. 4721

للظهر والمغرب. والحديث أخرجه أحمد جـ ٣ ص ٢٥ من الوجه الذي أخرجه المصنف، وفي ص ٤٩ عن عبد الملك بن عمرو وحجاج كلاهما عن ابن أبي ذئب به، وفي ص ٦٧، عن يزيد وحجاج، كلاهما عن ابن أبي ذئب به، وكلها بلفظ "أقام" وليس فيها "أذن"، وزاد في ص ٦٧، "ثم أقام العشاء فصلاها كذلك" … وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم ٢٢٣١، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ "فأقام لكل صلاة إقامة" … وأخرجه البيهقي جـ ١ ص ٤٠٢، من طريق بشر بن عمر الزهراني، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ "فأقام" وزاد العشاء أيضًا. قال الجامع: الذي يظهر لي أن المحفوظ من حديث أبي سعيد لفظ الإقامة لا الأذان، فإن كان محفوظًا بلفظ الأذان، كما هو ظاهر عمل المصنف، فالاستدلال به واضح، وإلا فليس في الحديث دليل على ما ترجم له. فتنبه. والله أعلم. ٦٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَغَلَنَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ،

стр. 4722

فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالاً، فَأَقَامَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس السابق في الباب الماضي. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان السابق فيه أيضًا. ٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني السابق فيه أيضًا. ٤ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبو سَعْدٍ المدني، ثقة، من [٣]، تغير قبل موته بأربع سنين، توفي في حدود سنة ١٢٠، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها، تقدم في ٩٥/ ١١٧. ٥ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري، ثقة، توفي سنة ١١٢ وله ٧٧ سنة، من [٣]، تقدم في ٣٢٦. ٦ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الصحابي ابن

стр. 4723

الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم في ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرجوا لهم، إلا عبد الرحمن ابن أبي سعيد فعلق عنه البخاري، وأخرج له الباقون. ومنها: أن فيه رواية الأقران، فسعيد وعبد الرحمن من طبقة واحدة، ورواية الابن عن أبيه. ومنها: أن أبا سعيد الخدري أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه) سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵄ أنه (قال: شغلنا المشركون) شغل من باب نفع، ولا يقال: أشغله بالألف، إلا على لغة قليلة أو رديئة، والمشركون مرفوع على الفاعلية (يوم الخندق) أي يوم اشتغالهم بحفر الخندق، لأجل تحزب الأعداء عليهم. وغزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب، كانت في شوال، أو في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة، وسببها أنه لما جلا بنو النضير

стр. 4724

خرج نفر من وجوههم إلى مكة، منهم سلام بن مِشْكَم وابن أبي الحُقيقِ وابن أخطب وغيرهم من اليهود، فأتوا قريشًا ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وعاهدوهم على قتاله، وقالوا: نكون معكم عليه حتى نستأصله، ونَشَّطُوا قريشًا بزعمهم أن دينهم خير من دين محمد ﷺ ؛ لما أقسم عليهم أبو سفيان، أيُّ الدين خير؟ فاجتمعوا ثم جاءوا غطفان فكلموهم ووعدوهم بنصف تمر خيبر كل عام، فخرجت قريش في أربعة آلاف وعقدت اللواء بدار الندوة وحمله عثمان بن طلحة ومعه ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير يقودهم أبو سفيان، ووافقهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد، وغطفان في فزارة، فأوعبت وهم ألف، يقودهم عيينة بن حِصنْ، وأشجع، وهم أربعمائة، يقودهم مسعود بن رُخَيْلَة، وبنو مرة وهم أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم، فكانوا عشرة آلاف، وهم ثلاث عساكر، وعِنَاجُ الأمرِ- أي مِلاكُهُ لأبي سفيان، فبلغ رسول الله ﷺ ، فندب المسلمين وشاوروهم، فأشار سلمان بالخندق، ولم يكن شأن العرب، بل من مكائد الفرس، فعسكر بهم رسول الله ﷺ إلى سَفْحِ سَلْعٍ، وكانوا ثلاثة آلاف، ثم خندق على المدينة وعمل فيه بيده بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعًا وعشرين. فهزم الله الأحزاب وحده، ونصر

стр. 4725

عبده، وأقام النبي ﷺ بالخندق أربعة أو خمسة عشر يومًا، ورجع إلى المدينة لسبع بقين من ذي القعدة. انظر تفاصيل القصة في سيرة ابن هشام جـ ٣ ص ١٦٥ - ١٨٣. وشرح ألفية السيرة العراقية ص ١٨١ - ١٨٦. (عن) أداء (صلاة الظهر) أي والعصر، ففيه حذف الواو مع ما عطفت، بدليل ما بعده (حتى غربت الشمس) وفي رواية لأحمد "حتى ذهب هُوِيٌّ من الليل" (وذلك) أي الشغل المذكور (قبل أن ينزل) بالبناء للفاعل (في القتال) أي في شأن القتال (ما نزل) "ما" اسم موصول في محل الرفع فاعل ينزل، أي من صلاة الخوف. ففي رواية أحمد جـ ٣ ص ٤٩ "وذلكم قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف، ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ". يعني أن فوت الصلوات إنما كان لعدم مشروعية صلاة الخوف، وفيه أنه بعد نزول آية الخوف لا يجوز تأخيرها، لإمكان أدائها بالكيفية المشروعة (فأنزل الله ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]) بما أرسله من الريح والجنود، كما قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩]. (فأمر رسول الله ﷺ بلالًا) أي بعد غروب الشمس، وذهاب وقت المغرب (فأقام لصلاة الظهر) وأشار في هامش الهندية أن في

стр. 4726

بعض النسخ "فأذن" ومثله في "الكبرى" ومنه يؤخذ حكم الباب، إذ يدل على أنه أذن، وأقام لكل واحدة من الفوائت (فصلاها كما كان يصليها لوقتها) باللام، وهي بمعنى "في"، وفي بعض النسخ "في وقتها" بفي. ولأحمد "فصلاها وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها". يعني أنه صلى الظهر بالصفة التي كان يصليها في وقتها المعتاد، من الإتيان بواجباتها ومستحباتها وأدائها جماعة والإسرار بقرائتها، ومن كونه لم يزد عليها شيئًا من سجدتي السهو. (ثم أقام للعصر) أي بعد الأذان، وفي بعض النسخ "ثم أذن العصر" بدلًا من "أقام للعصر" (فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها) وهذا يدل على أنه قضى الصلوات في وقت العشاء، فيكون معنى قوله: "حتى غربت الشمس" أي حتى جاء الليل، وذلك بعد دخول وقت العشاء، بدليل ما هنا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته جـ ٣ ص ٣٨٧،

стр. 4727

أخرجه هنا (٦٦١) وفي الكبرى (١٦٢٥) بهذا السند. وأخرجه أحمد جـ ٣ ص ٢٥، ٤٩، ٦٧، وأبو داود الطيالسي برقم (٢٢٣١) والبيهقي جـ ١ ص ٤٠٢، ٤٠٣ وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، كما ذكره الحافظ في التلخيص جـ ١ ص ١٩٤، ١٩٥. الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الأذان والإقامة لكل واحدة من الفوائت إن كان الأذان محفوظًا. ومنها: مشروعية الترتيب في قضاء ما فات من الصلوات، لأنه ﷺ رتبها كما وجبت، وقد تقدم ذكر مذاهب العلماء في ذلك، وترجيح القول بوجوب الترتيب بدليله في كتاب الصلاة، في الباب (٥٥)، فارجع إليه تستفد. ومنها: أن صفة قضاء الصلاة الفائتة لا يختلف عن الصلاة المؤداة في الوقت، فتصلى كما كانت تصلى في وقتها. الثالثة: في مذاهب العلماء في الأذان والإقامة للصلاة الفائتة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى، في كتابه الأوسط جـ ٣ ص ٣١: " ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها" ثم أخرج بسنده عن الحسن، عن عمران بن حصين رضي الله

стр. 4728

عنه، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، أو قال في سرية، فلما كان آخر السحر عرَّسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يَثِبُ فَزِعًا دَهِشًا، فلما استيقظنا أمرنا، فارتحلنا، ثم سِرْنَا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا، فقضَى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالًا، فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره، فأقام، فصلى الغداة. قال الجامع: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه مطولًا جـ ٥ ص ١٩٢ بشرح النووي. قال أبو بكر: فقد سَنَّ رسولُ الله ﷺ للصلاة الفائتة إذا نام عنها المرء أن يُؤَذَّنَ لهَا ويقام، وقد روي في أذان من قد فاتته الصلاة بعذر خبران، ثم أخرج بسنده حديث أبي عبيدة، عن أبيه الآتي في الباب التالي، وفيه "فأمر بلالًا، فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر … الحديث. ثم قال: وممن مال إلى القول بهذا الحديث: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي في رجل نسي صلاة فأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة. ثم أخرج بسنده حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الباب. ثم قال: وممن قال بهذا الحديث مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وقال الشافعي: إذا جمع بين الصلاتين، وقد ذهب وقت الأولى منهما أقام لكل واحدة منهما بلا أذان، وكذلك كل صلاة صلاها في غير

стр. 4729

وقتها كما وصفت. قال ابن المنذر ﵀: هذا -يعني ما قاله الشافعي- منه غلط، لأن النبي ﷺ قد سن للجامع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما جمع بينهما، أم في وقت الآخرة أن يؤذن للأولى من الصلاة ويقيم فيصليها، ثم يقيم للآخرة فيصليها، كذلك فعل بعرفة في حجته حين جمع بين الظهر والعصر، وبمزدلفة لمَّا جمع بين المغرب والعشاء، ثابت ذلك منه، وقد ذكرت إسناده في غير هذا الموضع، فأما حديث أبي عبيدة عن أبيه فغير ثابت؛ لأنه لم يلقه ولم يسمع منه، وقد ثبت حديث عمران بن حصين. فالسنة لمن فاتته صلوات أن يؤذن للصلاة الأولى منهن، ويقيم، فيصليها، ثم يقيم لما بعدها من الصلوات، لكل صلاة إقامة، والزيادة في الأخبار إذا ثبتت يجب استعمالها، إذ الزيادة في الخبر في معنى حديث تفرد به الراوي، فكما يجب قبول ما ينفرد به الثقة من الإخبار، فكذلك يجب قبول الزيادة منه. والله أعلم. انتهى. الأوسط جـ ٣ ص ٣١ - ٣٤. قال الجامع عفا الله عنه: ما نقله ابن المنذر عن الشافعي هو مذهبه الجديد، والقديم أنه يؤذن للفائتة، وهو المختار عند كثير من أصحابه. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٨١. والحاصل أن ما رجحه الإمام ابن المنذر ﵀ هو الراجح

стр. 4730

عندي، لقوة دليله، وخلافه ليس له حجة يعتمد عليها. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
следующие страницы →