← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وفيه رواية الابن عن أبيه. وفيه أن سعدًا ممن أسلم قديمًا، ففي صحيح البخاري عنه، أنه قال: لقد مكثت سبعة أيام، وإني ثلث الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم، وهاجر إلى المدينة قبله ﷺ ، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان مجاب الدعوة، فقد روى الترمذي بسنده عنه: أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" فكان لا يدعو إلا استجيب له. وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، ﵁. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سعد بن أبي وقاص) رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله ﷺ ) أنه (قال: من) شرطية مبتدأ (قال حين يسمع المؤذن) أي يسمع قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، فقوله: وأنا أشهد عطف على قول المؤذن، أي وأنا أشهد كما تشهد. قاله السندي. وقال في المنهل: ظاهره يدل على أنه يقول هذا الذكر حال الأذان عقب سماعه الشهادتين، ويحتمل أنه يقوله بعد تمام الأذان، إذ لو قال ذلك حال الأذان لفاته إجابة المؤذن في بعض كلمات الأذان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأولى، لدلالة العطف عليه، كما أشار إليه السندي، إذ قوله: وأنا أشهد عطف على

стр. 4867

شهادة المؤذن، فيقتضي كونه حال الأذان. والله أعلم. (وأنا أشهد أن لا إِله إِلا الله، وحده) أي حال كونه منفردًا في ألوهيته (لا شريك لي) في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (و) أشهد (أن محمدًا عبده ورسوله) الإضافة فيهما للاختصاص، والمراد بهما الفرد الكامل في الوصف بهما، وفيه الإشارة إلى الرد على اليهود والنصارى، حيث يعتقدون ألوهية بعض الأنبياء. (رضيت بالله) بفتح الراء، وكسر الضاد، يقال: رضيت الشيء، ورضيت به، رِضًا: اخترته، وارتضيته مثله. قاله في المصباح (ربًّا) منصوب على التمييز، أي بربوبيته، وبجميع قضائه، وقدره، فإن الرضا بالقضاء باب الله الأعظم، وقيل: حال، أي مربيًا، ومالكًا، وسيدًا، ومصلحًا، قاله في المرقاة. (و) رضيت (بمحمد) ﷺ (رسولًا) أي بجميع ما أرسل به، وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية، وغيرها. وإعرابه كإعراب "ربًا". (و) رضيت (بالإِسلام) أي بجميع أحكام الإسلام، من الأوامر، والنواهي، وغيرهما (دينًا) أي اعتقادًا، أو انقيادًا، وإعرابه كسابقيه. وقال ابن الملك: جملة رضيت: استئنافية، -يعني استئنافًا بيانيًا- كأنه قيل: ما سبب شهادتك؟ فقال: رضيت بالله. . . إلخ. (غفر له ذنبه) أي من الصغائر على ما قيل، وهو جواب "من" الشرطية في قوله: "من قال حين يسمع النداء"، وهو الخبر، على

стр. 4868

الأصح، وهو يحتمل أن يكون إخبارًا، وأن يكون دعاء. قاله ابن الملك. والأول هو المعوَّل عليه. قاله في "المرقاة" جـ ٢ ص ٣٥٥. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ هذا أخرجه مسلم. الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٧٩)، و"عمل اليوم والليلة" (٧٣)، و"الكبرى" (١٦٤٣) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن الحُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عنه. والله أعلم. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فأخرجه مسلم (٢/ ٤) عن محمد بن رمح، وقتيبة، كلاهما عن الليث به. وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠) عن قتيبة به. وابن ماجه (٧٢١) عن محمد ابن رمح به. وأخرجه أحمد (١/ ١٨١) عن يونس بن محمد، وقتيبة، كلاهما عن الليث به. وأخرجه عبد بن حُميد عن وهب جرير، عن الليث به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ،

стр. 4869

قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ، وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلاَّ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٤٧. ٢ - (عمرو بن عَيَّاش) الألْهَاني الحمصي، ثقة ثبت، توفي سنة ٢١٩، من [٩] تقدم في ١٨٥. ٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، توفي سنة ١٦٢ أو بعدها، من [٧] تقدم في ٨٥. ٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، ثقة فاضل، من [٣] تقدم في ١٣٨. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄، تقدم في ٣٥. والله تعالى أعلم.

стр. 4870

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات. ومنها: أنهم ما بين نسائي، وهو شيخه، وحمصيين، وهما علي، وشعيب، ومدنيين، وهما محمد، وجابر. ومنها: أن الأئمة اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فقد انفرد هو به، وعلي بن عياش، فلم يخرج له مسلم. ومنها: ما قاله الحافظ في الفتح: إن علي بن عياش من كبار شيوخ البخاري، ولم يلقه من الأئمة الستة غيره، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في مسنده عنه، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه على أحمد عنه، وأخرجه الإسماعيلي من طريقه. ومنها: أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن محمد بن المنكدر) ذكر الترمذي أن شعيبًا تفرد به عن ابن المنكدر، فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر، أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير، عن جابر، نحوه، ووقع في زوائد الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ١١٢.

стр. 4871

(عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من قال حين يسمع النداء) أي الأذان، فاللام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير: من قال حين يسمع نداء المؤذن. وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم، بلفظ "قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة"، وتقدم للمصنف نحوه (٦٧٨) ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان. واستدل الطحاوي بظاهر حديث جابر على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول، بل لو اقتصر على الذكر المذكور كفاه. وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ. واستدل به ابن بزيزة على عدم وجوب ذلك، لظاهر إيراده، لكن لفظ الأمر في رواية مسلم قد يتمسك به من يدعي الوجوب، وبه قالت الحنفية، وابن وهب من المالكية، وخالف الطحاوي أصحابه، فوافق الجمهور. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ١١٢. قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ترجيح قول من قال بالوجوب، لظاهر الأمر، مع عدم صارف له. فتنبه. والله أعلم. (اللهم) أي يا الله، والميم عوض عن حرف النداء، فلذا لا يجمع بينهما، فلا يقال: يا اللهم، إلا في الضرورة، كما قال ابن

стр. 4872

مالك: وَالأكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ ياَ اللَّهُمَّ فِي قرِيضِ (رب) منصوب على النداء، أو على المدح، أو على الاختصاص ويحتمل الرفع -إن صحت الرواية- على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت رب، والرب المربي المصلح للشأن، وقال الزمخشري: رَبَّهُ، يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ، ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة، كما في الوصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: رب الدار، ونحوه. قاله في "عمدة القاري" جـ ٥ ص ١٢٢. (هذه الدعوة) بفتح الدال، وفي المحكم: الدَّعوة، والدِّعوة- بالفتح، والكسر، والمَدْعَاة،: ما دعوت إليه، وخص اللحياني بالمفتوحة الدعاء إلى الوليمة، قال العيني: قالوا: الدَّعوة -بالفتح- في الطعام، والدِّعوة- بالكسر في النسب، والدُّعوة -بالضم- في الحرب. والمراد بالدعوة هنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى. انتهى. "عمدة القاري" جـ ٥ ص ١٢٢. زاد البيهقي من طريق محمد بن عوف الطائي، عن علي بن عياش "اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة"، وزاد في آخره "إنك لا تخلف الميعاد"، وهي زيادة ثقة مقبولة، لا كما قال بعضهم: إنها شاذة مردودة، وسيأتي تمام البحث عنها في المسائل إن شاء الله تعالى.

стр. 4873

والمراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد: تامة، لأن الشركة نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير، ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمُعَرَّضٌ للفساد. وقال ابن التين: وصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول، وهو "لا إله إلا الله". قاله في الفتح. وقال السندي: ومعنى رب هذه الدعوة: أنه صاحبها، أو المتمم لها، والزائد في أهلها، والمثيب عليها أحسن الثواب، والآمر بها، ونحو ذلك. انتهى. (والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا يغيرها ملة، ولا ينسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض. انتهى. عمدة جـ ٢ ص ١٢٢، وفي الزهر: أي التي ستقوم، أي تقام وتُحْضَر. وقال الطيبي: من أوله إلى قوله: "محمد رسول الله" هي الدعوة التامة، والحيعلة هي الصلاة القائمة في قوله: "يقيمون الصلاة"، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة الدائمة، من قام على الشيء: إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: "والصلاة القائمة" بيان للدعوة التامة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ١١٢ - ١١٣.

стр. 4874

(آت) أي أعط، وهو أمر من الإيتاء، وهو الإعطاء (محمدًا الوسيلة) "محمدًا" مفعول أول لآت، والوسيلة مفعوله الثاني. وهي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت، أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، وقد تقدم ذلك في حديث عبد الله بن عمرو (٦٧٨) بلفظ: "فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله" الحديث، ونحوه للبزار عن أبي هريرة، ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة التي يتوسل بها. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ١١٣. وتقدم هناك مزيد بسط لتصريف الوسيلة، ومعناها، فارجع إليه تزدد علمًا. (والفضيلة) بفتح، فكسر، كالفَضْل: خلاف النَّقِيصَة، والنَّقْصِ. أفاده في المصباح. والمراد به هنا المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة. قاله في الفتح. تنبيه: زاد بعضهم في هذا الحديث بعد قوله: "والفضيلة"، قوله: "والدرجة الرفيعة". قال الحافظ في التلخيص: وليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة، وزاد الرافعي في المحرر في آخره: يا أرحم الراحمين، وليست أيضًا في شيء من طرقه. انتهى. جـ ١ ص ٢١٠.

стр. 4875

(وابعثه المقام المحمود) أي يُحْمَدُ القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. ورواية المصنف المقام المحمود، بالتعريف، وكذا في صحيحي ابن خزيمة، وابن حبان، والطحاوي، والطبراني في الدعاء، والبيهقي. قال الحافظ: وفيه تعقب على من أنكر ذلك، كالنووي. ووقع في رواية البخاري وغيره "مقامًا محمودًا" بالتنكير. قيل: نكر لموافقة لفظ القرآن، وقيل: لأنه أفخم، وأجزل، كأنه قيل: مقامًا أى مقامًا محمودًا بكل لسان. تنبيه: في نصب "مقامًا" أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوب على الظرف، أي ابعثه في مقام. الثاني: أن ينتصب بمعنى "ابعثه" لأنه في معنى "أقمه"، يقال: أُقِيمَ من قبره، وبُعِثَ منه، بمعنىً، فهو كقعدت جلوسًا. الثالث: أنه منصوب على الحال على حذف مضاف، أي ذا مقام. الرابع: أنه مصدر مؤكد، ونصبه مقدر، أي فأقمه مقامًا. ذكر هذه الأوجه كلها العلامة السَّمين الحلبي في كتابه الدر المصون في التفسير، عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، جـ ٤ ص ٤١٤ - ٤١٥.

стр. 4876

قال الجامع عفا الله عنه: كل هذه الأوجه جائزة في رواية المصنف بالتعريف، إلا النصب على الحال، ففيه خلاف بين النحاة، انظر تفاصيل المسألة في شرح قول ابن مالك: وَالحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعنىً كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ (الذي وعدته) صفة بعد صفة للمقام، ويجوز نصبه بتقدير أمدح، أو أعني، ورفعه، بتقدير هو. وزاد في رواية البيهقي "إنك لا تخلف الميعاد"، وهي زيادة شاذّة، سيأتي الكلام عليها. قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وأطلق عليه الوعد، لأن عسى من الله واقع، كما صح عن ابن عيينة، وغيره. قال ابن الجوزي ﵀: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، وقيل: على الكرسي. وحَكَى كُلًا من القولين عن جماعة. قال في "الفتح": وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول، لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة، كما هو مشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة، أو الفضيلة. ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعًا "يبعث الله الناس، فيكسوني ربي

стр. 4877

حلة خضراء، فأقول: ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود". ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث "حلت له شفاعتي" بأن الأمر المطلوب له الشفاعة. والله أعلم. انتهى فتح جـ ٢ ص ١١٣ - ١١٤. وذكر العلامة القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]: ما حاصله: اخْتُلِفَ في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول: وهو أصحها: الشفاعة للناس يوم القيامة؛ قاله حذيفة بن اليمان، وابن عمر ﵃. وفي "صحيح البخاري" عن ابن عمر، قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا -أي جماعة- كل أمة تتبع نبيها، تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفي "صحيح مسلم" عن أنس، قال: حدثنا محمد ﷺ ، قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون له: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم ﵇، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست

стр. 4878

لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ ، فأوتى، فأقول: أنا لها"، وذكر الحديث. وذكر الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وسئل عنها؟ قال: "هي الشفاعة". قال: هذا حديث حسن صحيح. القول الثاني: أن المقام المحمود: إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. قال القرطبي: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول؛ فإنه يكون بيده لواء الحمد، ويشفع. روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي". وهو حديث صحيح. القول الثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمدًا ﷺ معه على الكرسي؛ وروت في ذلك حديثًا، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى، وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله (١). وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا

стр. 4879

الحديث فهو عندنا متهم، مازال أهل العلم يتحدثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله؟. قال أبو عمر: ومجاهد وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن، فإنَّ له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا، والثاني: في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: تنتظر الثواب؛ ليس من النظر. وروي عن مجاهد أيضًا في هذه الآية قال: يجلسه على العرش. وهذا تأويله غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلها، والعرشَ قائمًا بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهارًا لقدرته وحكمته، وليُعرَف وجودُه وتوحيده، وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشًا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسًا، أو كان العرش له مكانًا، قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقْعَدَ محمدًا على العرش، أو على الأرض؛ لأن استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال، وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف، وليس إقعاده محمدًا ﷺ على العرش موجبًا له صفة الربوبية، أو مخرجًا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله، وتشريف له على خلقه.

стр. 4880

وأما قوله في الأخبار "معه" فهو بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] و ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ونحو ذلك، كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان. القول الرابع: إخراجه من النار بشفاعته من يخرج؛ قاله جابر ابن عبد الله، وأنس بن مالك ﵃. أخرج مسلم في الصحيح عن يزيد الفَقِير، قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة، فهذا جابر بن عبد الله ﵄ يحدث الناس أو القوم إلى سارية عن رسول الله ﷺ ، قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم، فقال: هل سمعت بمقام محمد ﷺ ، يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ الذي يخرج الله به من يخرج. وذكر الحديث. وفي "صحيح البخاري" من حديث أنس ﵁، عن

стр. 4881

النبي ﷺ ، وفيه: وقد سمعته يقول: "فأخرجهم، وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن" أي وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: هو المقام المحمود الذي وُعِدَه نبيكم ﷺ . انتهى من "تفسير القرطبي" جـ ١٠ ص ٣١١ - ٣١٢، بزيادة من تذكرته ص ٢٨٥ - ٢٨٦. قال الجامع عفا الله عنه: القول الراجح عندي تفسير المقام المحمود بالشفاعة، كما صححه القرطبي، وقبله ابن جرير الطبري، لصحته مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ ، حيث سئل عن معنى الآية، فقال: "هي الشفاعة" كما تقدم في رواية الترمذي، وأما ما نقل عن مجاهد وغيره من أنه يجلسه على العرش أو الكرسي، وإن كان معناه لا يستبعد، كما ذكره ابن جرير والقرطبي، فالشأن في صفته، فإن صح مرفوعًا فذاك، وإلا فلا ينبغي حمل معنى الآية عليه. والله أعلم. (إِلا حلت له شفاعتي يوم القيامة) أي وجبت له، كما في رواية الطحاوي، أو استحقها، واللام بمعنى "على" ويؤيده رواية مسلم "حلت عليه". وتقدم الكلام بأتم من هذا في الباب السابق، فارجع إليه تزدد علمًا.

стр. 4882

تنبيه: رواية المصنف، وأبي داود، والترمذي "إلا حلت له" بإثبات "إلا"، ورواية البخاري، وهي التي في "الكبرى" للمصنف بدونها، وهي واضحة. وأما روايتهم ففيها إشكال؛ لأن أول الكلام "من قال" وهو شرطية، و"حلت" جوابها، ولا يقترن جزاء الشرط بإلا. والجواب عن هذا الإشكال أن يحمل الكلام على معنى الاستفهام الإنكاري، فتكون "من" في قوله "من قال" استفهامية للإنكار، فيرجع إلى النفي، و"قال" بمعنى يقول، أي ما من أحد يقول ذلك إلا حلت له شفاعتي، ومثله قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وأمثاله كثيرة. انظر شرح السيوطي والسندي في هذا المحل جـ ٢ ص ٢٨. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 4883

أخرجه هنا (٦٨٠) و"الكبرى" (١٦٤٤) و"عمل اليوم والليلة" (٤٦) عن أبي سعيد، عمرو بن منصور النسائي، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الصلاة" ١٥٩، وفي "التفسير" عن علي بن عياش الحمصي، به. وأبو داود في "الصلاة" عن أحمد بن حنبل، عن علي بن عياش به. والترمذي فيه عن محمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن يعقوب الجُوزَجانِي، وابن ماجه فيه عن محمد بن يحيى، والعباس بن الوليد الخلال، ومحمد بن أبي الحسين السِّمْنَانِي- كلهم عن علي بن عياش به. وأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٤) عن علي بن عياش به، وابن خزيمة رقم (٤٢٠) عن موسى بن سهل الرملي، عن علي بن عياش به. انظر "تحفة الأشراف" جـ ٢ ص ٣٦٧، و"الجامع المسند" جـ ٣ ص ٤٦٢ - ٤٦٣. المسألة الرابعة: قد تقدم الإشارة إلى زيادة رواية البيهقي ﵀، ودونك نصه في السنن الكبرى جـ ١ ص ٤١٠، قال ﵀: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو نصر أحمد بن علي بن أحمد الفامي،

стр. 4884

قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عوف، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد، حلت له شفاعتي". فهذه الرواية فيها زيادة "اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة" في أوله، و"إنك لا تخلف الميعاد" في آخره، والظاهر أنها زيادة شاذَّة، لمخالفة محمد بن عوف الجماعة الذين روو الحديث عن علي بن عياش كما قدمنا بيانهم في المسألة الثالثة. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في بيان بعض بدع الأذان: اعلم أن البدع في هذا الباب كثيرة، وقد ألف بعض الأفاضل من أهل عصرنا كتابًا في الأذان فأجاد، وتكلم فيه عن كثير من بدع الأذان والإقامة، وما يتعلق بهما، فأفاد، شكر الله سعيه. فمنها: زيادة محمد رسول الله ﷺ في آخر الإجابة، فإنه مخالف لحديث "فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي"، فالسنة أن يقول مثل قول المؤذن، ثم يصلي، ثم يدعو بالوسيلة، ولا يقول: لا

стр. 4885

إله إلا الله، محمد رسول الله لعدم ورده في السنة. ومنها: زيادة سيدنا وحبيبنا، ونحو ذلك في تشهد الأذان والإقامة، فليس له أصل في السنة. ومنها: التمطيط والتغني بالأذان، بحيث يؤدي إلى تغيير بعض الكلمات بالزيادة أو النقصان، أو المد في غير محله، أو إبدال حرف بحرف آخر. ومنها: الأذان جماعة، كما يقع في بعض البلدان، قيل: أول من أحدثه هشام بن عبد الملك. ومنها: رفع المؤذن صوته بالصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان. ومنها: التثويب بين الأذان والإقامة، بأن يعود المؤذن، فيقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أو الصلاة الصلاة، وقد تقدم استحسان بعض العلماء له، ولكن ليس عليه دليل. ومنها: زيادة حي على خير العمل مرتين، فليس فيه حديث مرفوع صحيح، بل من فعل ابن عمر، وعلي بن الحسين زين العابدين، والحجة فيما ثبت عن النبي ﷺ ، لا عن غيره. ومنها: قولهم قبل الإقامة اللهم صل على محمد، ونحو ذلك. ومنها: التسبيحات والأذكار والدعوات برفع الصوت قبل

стр. 4886

الفجر. ومنها: قراءة المؤذن يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر آية ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية، ثم حديث "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت" فإن هذا ونحوه من المحدثات المنكرة. ومنها: ترك إجابة المؤذن، والتشاغل بغيره. ومنها: زيادة والدرجة الرفيعة، أو العالية، أو برحمتك يا أرحم الراحمين، ونحو ذلك في الدعاء بالوسيلة. ومنها: قولهم: اللهم اجعلنا مفلحين عند قول المؤذن: حي على الفلاح، ففيه حديث لا يثبت، بل حكم عليه بعضهم بأنه موضوع. ومنها: قولهم عند سماع تكبيرة الأذان: الله أعظم، والعزة لله، أو الله أكبر على كل من ظلمنا، أو نحو ذلك. ومنها: تقبيل ظفري الإبهام، ومسح العينين بهما قائلًا قرّت بك عيني يا رسول الله، أو نحو ذلك، معتقدًا بأن فاعله لا يرمد، فلا أصل له، وما يروى فيه فهو موضوع. ومنها: قولهم عند سماع الأذان: مرحبًا بالصلاة أهلًا، مرحبًا بالقائل عدلًا، إلخ، فيما يروى فيه عن علي فهو موضوع.

стр. 4887

ومنها: قولهم بعد انتهاء الأذان: اللهم صل أفضل صلواتك على أسعد مخلوقاتك، إلخ. ومنها: قولهم عند إجابة الأذان، أو الإقامة: نعم لا إله إلا الله. ومنها: قولهم: أقامها الله وأدامها عند سماع قد قامت الصلاة، وبعضهم يزيد: واجعلني من صالحي أهلها، أو نحو ذلك، فكل هذا ونحوه لا أصل له في السنة الصحيحة. وبالجملة، فالبدع في هذا الباب أكثر من أن تحصر، ومما يزيد الأمر صعوبة أن هذه المبتدعات ونحوها توجد في كتب بعض أهل العلم من الفقهاء ونحوهم، فيتلقاها العوام بالقبول، حتى لو ذَكَّرْتَهُ بكونها بدعة قال: إنها توجد في كتب مذهبنا، فلا يتراجع عنها. فالله المستعان على من أمات السنة، وأَحْيَى البدعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالواجب على المسلم الحريص على دينه أن يبحث عما صح عن رسول الله ﷺ من القول، والفعل، مما أثبته أهل النقل بالأسانيد الصحيحة، فيتمسك به، ويعض عليه بناجذيه حتى يموت، فإن الخير كله فيه. فماذا بعد الحق إلا الضلال، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، ويجنبنا البدع ما ظهر منها وما بطن، إنه بعباده رءوف رحيم.

стр. 4888

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4889

٣٩ - الصَّلاةُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية الصلاة بين الأذان والإقامة. وأراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الإشارة إلى أنه لا ينبغي الوصل بين الأذان والإقامة، بل لابد من الفصل، لأن المقصود من تشريع الأذان تنبيه الناس ليجتمعوا لأداء الصلاة جماعة، فإذا لم يفصل بينهما فات المطلوب، لأن كثيرًا من الناس لا يتهيأون للصلاة قبل الوقت، ولا سيما أصحاب الأشغال، فنبه المصنف على أن الفصل يكون بما ثبت عن النبي ﷺ من الصلاة بينهما. وإنما عدل عن إيراد ما روي من صريح الأمر بذلك إلى ما ذكره لعدم صحة شيء منه. فقد أخرج الترمذي، والحاكم بإسناد ضعيف، من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال لبلال: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته". قال الحافظ ﵀: وله شاهد من حديث أبي هريرة، ومن حديث سلمان، أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبَيّ بن كعب، أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وكلها واهية.

стр. 4890

وقد ترجم البخاري ﵀ في الصحيح بقوله: "باب كم بين الأذان والإقامة". قال الحافظ: ولعله أشار بذلك إلى ما روي عن جابر، فذكر ما تقدم، ثم قال: فكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت. وقال ابن بطال: لا حدّ لذلك غير تمكن دخول الوقت، واجتماع المصلين، ولم يختلف العلماء في التطوع بين الأذان والإقامة، إلا في المغرب، كما سيأتي. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ١٢٦. والله تعالى أعلم. ٦٨١ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ كَهْمَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنين، توفي سنة ٢٤١، من [١٠] تقدم في ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩] تقدم في (٤/ ٤). ٣ - (كهمس) بن الحسن التميمي، أبو الحسن البصري، ثقة،

стр. 4891

توفي سنة ١٤٩، من [٥]. قال النسائي في السنن الكبرى: هو ابن الحسن البصريُّ، ثقة، انتهى. جـ ١ ص ٥١١. وفي "تت" قال أبو طالب عن أحمد: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ١٤٩، وقال ابن سعد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. وقال الساجي: صدوق يهم، ونقل أن ابن معين ضعفه، وتبعه الأزدي في نقل ذلك. أخرج له الجماعة. انتهى جـ ٨ ص ٤٥٠ - ٤٥١. ٤ - (عبد الله بن بريدة) بن الحُصَيْبِ الأسلمي، أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة، توفي سنة ١٠٥ وقيل: بل سنة ١١٥ وله ١٠٠ سنة، من [٣] أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٩٣. ٥ - (عبد الله بن مُغَفَّل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، توفي سنة ٥٧، وقيل: بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فأخرج

стр. 4892

له هو والشيخان فقط. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، كهمس عن ابن بريدة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن مغفل) المزني ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : بين كل أذانين) أي الأذان والإقامة، ولا يصح حمله على ظاهره، لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير، لقوله: "لمن شاء". قاله في الفتح. قال الجامع عفا الله عنه: إطلاق الأذان على الإقامة صحيح، لأن الأذان إعلام بدخول الوقت، وهي إعلام بحضور فعل الصلاة، ولذا قدمنا أن الراجح أن قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" يشمل المقيم، فمن سمعه يقول مثل ما يقول. وقيل: هذا من باب التغليب، كقولهم: القمرين للشمس والقمر، وهو الذي توارد عليه الشراح، كما قال في الفتح. لكن الأول هو الأولى. (صلاة) مبتدأ، خبره الظرف قبله. أي وقت صلاة، أو المراد صلاة نافلة، أو نكرت لكونها تتناول كل عدد نواه المصلي من النافلة كركعتين، أو أربع، أو أكثر، ويحتمل أن يكون المراد به الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة، لأن منتظر الصلاة في صلاة. قاله الزين ابن المنير. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ١٢٧.

стр. 4893

وقال في النهاية: يريد بها السنن الرواتب التي تصلى بين الأذان والإقامة. انتهى. زهر. جـ ٢ ص ٢٨ - ٢٩. (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة) قال ابن الملك كرره تأكيدًا للحث على النوافل بينهما. وقال المظهر: إنما حرض ﵇ أمته على صلاة النفل بين الأذانين، لأن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة أكثر. قال القاري: وللمبادرة إلى العبادة، والمسارعة إلى الطاعة، وللفرق بين المخلص والمنافق، وليتهيأ لأداء الفرض على وجه الكمال. والحاصل أنه يسن أن يصلي بين الأذان والإقامة. وكره أبو حنيفة النفل قبل المغرب، لحديث بريدة الأسلمي، أن رسول الله ﷺ قال: "إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا صلاة المغرب" كذا ذكره بعض علمائنا. انتهى. "مرقاة" جـ ٢ ص ٣٥٦. قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور رواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننيهما عن حيان بن عبد الله العدوي، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب"، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا. قال العيني: الحديث رواه البزار في مسنده، فقال: لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن

стр. 4894

عبد الله، وهو رجل مشهور من أهل البصرة، لا بأس به. انتهى. عمدة جـ ٥ ص ١٣٨. قال الجامع: سيأتي الجواب عما قاله العيني في المسائل الآتية في الحديث التالي إن شاء الله تعالى. (لمن شاء) أي لمن أراد أن يصلي، وفيه بيان أن قوله: "بين كل أذانين صلاة" على التخيير، لا على الإيجاب. ولفظ البخاري "بين كل أذانين صلاة،- ثلاثًا لمن شاء"، وفي لفظ "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة"، ثم قال في الثالثة "لمن شاء". قال الحافظ ﵀: وهذا يبين أنه لم يقل "لمن شاء" إلا في المرة الثالثة، بخلاف ما يشعر به ظاهر الرواية الأولى من أنه قيد كل مرة بقوله: "لمن شاء". ولمسلم والإسماعيلي "قال في الرابعة: لمن شاء". وكأن المراد بالرابعة في هذه الرواية المرة الرابعة، أي اقتصر فيها على قوله "لمن شاء"، فأطلق عليها بعضهم رابعة باعتبار مطلق القول، وبهذا توافق رواية البخاري، وقد تقدم في العلم حديث أنس أنه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، وكأنه قال: بعد الثلاث "لمن شاء" ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب.

стр. 4895

وقال ابن الجوزي: فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن لها، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ١٢٧. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مغَفَّل رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٣٩/ ٦٨١)، وفي "الكبرى" (٣٦/ ١٦٤٥)، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الصلاة" (١٦٧) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن كهمس، به، و (١٦٥/ ١) عن إسحاق بن شاهين الواسطي، عن خالد بن عبد الله، عن سعيد الجريري، عن ابن بريدة به. ومسلم فيه (١٦٣/ ١) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع، كلاهما عن كهمس به. و (١٦٣/ ١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن الجريري به.

стр. 4896

وأبو داود فيه (٣٠١/ ٣) عن النفيلي، عن إسماعيل بن علية، عن الجريري به. والترمذي فيه (٢٢) عن هناد، عن وكيع، به. وقال: حسن صحيح. وابن ماجه فيه (١٤٩/ ١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، ووكيع به. وأخرجه أحمد (٤/ ٨٦)، و (٥/ ٥٤)، و (٥/ ٥٥). وابن خزيمة (١٢٨٧)، والدارمي (١٤٤٧). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٨٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، يُصَلُّونَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُمْ كَذَلِكَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة، من [١٠] تقدم في ٢.

стр. 4897

٢ - (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَدي البصري، ثقة، من [٩] تقدم في ٣٢٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، الإمام الحجة الثبت، من [٧] تقدم في ٢٦. تنبيه: قال الحافظ المزي ﵀ عند ذكر من أخرج حديث أنس هذا، في ترجمة عمرو بن عامر الأنصاري ما نصه: أخرجه النسائي في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر، عن سفيان عنه نحوه، وفي نسخة: عن شعبة بدل سفيان. انتهى. تحفة جـ ١ ص ٢٩٣. قال الجامع: النسخ التي بين يدي من المجتبى، والسنن الكبرى كلها شعبة، ولم أر نسخة فيها سفيان، فالله أعلم. ٤ - (عمرو بن عامر الأنصاري) الكوفي، ثقة، من [٥]. روى عن أنس بن مالك، وعنه أبو الزناد، وشعبة، والثوري، ومسعر، وشريك، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة. ٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦. والله تعالى أعلم.

стр. 4898

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه، وأنهم بصريون إلا شيخه فمروزي، ثم نيسابوري، وعمرو بن عامر، فكوفي، وفيه أنس أحد المكثرين، روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: كان المؤذن إِذا أذن) وفي رواية الإسماعيلي "إذا أخذ في أذان المغرب" (قام ناس) في بعض النسخ "قام الناس" بالتعريف، وفي الكبرى "فيبتدر لُبَاب أصحاب رسول الله ﷺ " وفي رواية للبخاري من رواية سفيان، عن عمرو بن عامر عن أنس "لقد رأيت كبار أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري" (فيبتدرون) أي يستبقون (السواري) جمع سارية، وهي الأسطوانة، وكأن غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم، لكونهم يصلون فُرَادَى. قاله في "الفتح". (يصلون) جملة في محل نصب على الحال (حتى يخرج النبي ﷺ ) أي من حجرته لصلاة المغرب (وهم كذلك) جملة في محل نصب على الحال أيضًا، أي والحال أنهم في تلك الحال. وزاد مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: "فيجيء

стр. 4899

الغريب، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما". (يصلون قبل المغرب) وفي بعض النسخ "ويصلون" بالواو، وللبخاري "يصلون الركعتين قبل المغرب" وهذه الجملة مؤكدة لجملة "يصلون" الأولي. (ولم يكن بين الأذان والإِقامة شيء) التنوين فيه للتكثير، أي لم يكن بين الأذان والإقامة شيء كثير من الزمن. وقال البخاري تعليقًا: قال عثمان بن جبلة، وأبو داود، عن شعبة: "لم يكن بينهما إلا قليل". وبالتقرير الذي ذكرناه يندفع -كما قال الحافظ- قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبينة لها، ونفي الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرج المعلقة الإسماعيلي موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة بلفظ "وكان بين الأذان والإقامة قريب"، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه. وقال ابن المنير: يجمع بين الروايتين يحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة. وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دل قوله: "ولم يكن بينهما شيء" على أن عموم قوله: "بين كل أذانين صلاة" مخصوص بغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله، عن عبد الله

стр. 4900

ابن بريدة، عن أبيه مثل الحديث الأول، وزاد في آخره "إلا المغرب" انتهى. قال الحافظ ﵀: وفي قوله: "ويفرغون مع فراغه" نظر؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان -وهو بفتح المهملة، والتحتانية- فشاذة، لأنه، وإن كان صدوقًا عند البزار، وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه. وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيلي: وكان بريدة يصلي ركعتين قبل المغرب، فلو كان الاستثناء محفوظًا لم يخالف بريدة روايته، وقد نقل ابن الجوزي في الموضوعات عن الفلاس أنه كذب حيانًا المذكور. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٢٧، ١٢٨. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة تحقيق القول في رواية حيان بن عبيد الله المذكورة، وأن حيان الذي كذبه الفلاس ليس هو، بل هو حيان بن عبد الله، أبو جبلة الدارمي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته:

стр. 4901

حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا من رواية عمرو بن عامر عنه، أخرجه البخاري. والله أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٣٩/ ٦٨٦)، والكبرى (٣٦/ ١٦٤٦)، عن إسحاق ابن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "الصلاة" عن قبيصة، عن سفيان- وعن بندار، عن غندر، عن شعبة، قال البخاري: وقال عثمان بن جبلة، وأبو داود، كلاهما عن شعبة عن عمرو بن عامر عنه. وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٠)، والدارمي رقم (١٤٤٨)، وابن خزيمة رقم (١٢٨٨)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٢٩) من رواية أبي فزارة راشد ابن كيسان، قال: سألت أنسًا عن الركعتين قبل المغرب؟ قال: "كنا نبتدرهما على عهد رسول الله ﷺ ". قال شعبة: ثم قال بعد، وسألته غير مرة؟ فقال: "كنا نبتدرهما" ولم يقل على عهد رسول الله ﷺ . وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٢)، وابن ماجه (١١٦٣) من رواية علي بن زيد بن جُدعان قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: "إن كان المؤذن

стр. 4902

ليؤذن على عهد رسول الله ﷺ ، فيُرَى أنها الإقامة، من كثرة من يقوم، فيصلي الركعتين قبل المغرب". وأخرجه أحمد (٣/ ١٩٩) من رواية موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: "كان إذا قام المؤذن، فأذن صلاة المغرب في مسجد بالمدينة قام من شاء، فصلى، حتى تقام الصلاة، ومن شاء ركع ركعتين، ثم قعد، وذلك بعَيْنَي النبي ﷺ ". وأخرجه مسلم (٢/ ٢١٢) من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: "كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فيركعون ركعتين، ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما". وأخرجه (٢/ ٢١١) من رواية المختار بن فلفل، قال: سألت أنس ابن مالك عن التطوع بعد العصر؟ فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهانا. وأخرجه عبد بن حميد رقم (١٣٣٢) من رواية ثابت، قال: سمعت أنسًا يقول: "كان رسول الله ﷺ يخرج علينا بعد غروب الشمس، وقبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا

стр. 4903

يأمرنا". والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في بيان حديث "إن عند كل أذانين ركعتين، ماخلا صلاة المغرب". قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀ في "سننه": حدثنا علي ابن محمد المصري، ثنا الحسن بن غليب، نا عبد الغفار بن داود، نا حيان بن عبيد الله، نا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عند كل أذانين ركعتين، ماخلا صلاة المغرب". قال: ونا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حيان بن عبيد الله العدوي، قال: كنا جلوسًا عند عبد الله ابن بريدة، فأذّن مؤذن صلاة الظهر، فلما سمع الأذان قال: قوموا فصلوا ركعتين قبل الإقامة، فإن أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "عند كل أذانين ركعتان قبل الإقامة، ماخلا أذان المغرب"، قال ابن بريدة: "لقد أدركت عبد الله بن عمر يصلي تينك الركعتين عند المغرب، لا يدعهما على حال، قال: فقمنا فصلينا الركعتين قبل الإقامة، ثم انتظرنا حتى خرج الإمام، فصلينا معه المكتوبة". خالفه حسين المعلم، وسعيد الجريري، وكهمس بن الحسن، وكلهم ثقات، وحيان بن عبيد الله ليس بقوي. والله أعلم. انتهى. سنن الدارقطني جـ ١ جـ ٢٦٤، ٢٦٥. وكتب العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في

стр. 4904

"التعليق المغني" ما نصه: والحديث أخرجه البيهقي في سننه، ورواه البزار في مسنده، وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور، من أهل البصرة، لا بأس به، وقال البيهقي في المعرفة: أخطأ فيه حيان بن عبيد الله في الإسناد والمتن جميعًا. أما السند، فأخرجاه في الصحيح عن سعيد الجريري، وكهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي ﷺ ، قال: "بين كل أذانين صلاة" قال في الثالثة: "لمن شاء". وأما المتن، فكيف يكون صحيحًا، وفي رواية ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين. وفي رواية حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين"، وقال في الثالثة "لمن شاء" خشية أن يتخذها الناس سنة. رواه البخاري في صحيحه. انتهى. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا. انتهى. وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: قال البزار بعد تخريجه: لا نعلم رواه إلا حيان، وهو بصري مشهور، ليس به بأس، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: لكنه اختلط، وذكره ابن عدي في الضعفاء.

стр. 4905

انتهى. وحيان هذا غير الذي كذبه الفلاس؛ ذاك حيان بن عبد الله -بالتكبير- أبو جبلة الدارمي، وهذا حيان بن عبيد الله -بالتصغير- أبو زهير البصري، ذكرهما في الميزان، وقال في ترجمة البصري: قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط. وكذا قال في اللسان. وزاد في ترجمة البصري: وقال أبو حاتم: صدوق. وقال إسحاق بن راهويه: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حزم: مجهول، فلم يصب. انتهى. وفي صحيح البخاري من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل: أن رسول الله ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة". انظر التعليق المغني على الدارقطني جـ ١ ص ٢٦٤ - ٢٦٦. وقال البيهقي في سننه بعد أن أخرج حديث كهمس، عن عبد الله ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل: رواه حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، فأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لم يتابع عليها، ثم أخرجه بسنده، ثم أخرج بسنده عن ابن خزيمة، أنه قال على إثر هذا الحديث: حيان بن عبيد الله هذا قد أخطأ في الإسناد، لأن كهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريري، وعبد المؤمن العتكي رووا الخبر عن ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، لا عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذي كان الشافعي ﵀ يقول: أخذ طريق المَجَرَّةِ، فهذا
следующие страницы →