Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا من رواية عمرو بن عامر عنه، أخرجه البخاري. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٩/ ٦٨٦)، والكبرى (٣٦/ ١٦٤٦)، عن إسحاق ابن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن قبيصة، عن سفيان- وعن بندار، عن غندر، عن شعبة، قال البخاري: وقال عثمان بن جبلة،
وأبو داود، كلاهما عن شعبة عن عمرو بن عامر عنه.
وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٠)، والدارمي رقم (١٤٤٨)، وابن خزيمة رقم (١٢٨٨)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٢٩) من رواية أبي فزارة راشد ابن كيسان، قال: سألت أنسًا عن الركعتين قبل المغرب؟ قال: "كنا نبتدرهما على عهد رسول الله ﷺ ". قال شعبة: ثم قال بعد، وسألته غير مرة؟ فقال: "كنا نبتدرهما" ولم يقل على عهد رسول الله ﷺ .
وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٢)، وابن ماجه (١١٦٣) من رواية علي بن زيد بن جُدعان قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: "إن كان المؤذن
стр. 4902
ليؤذن على عهد رسول الله ﷺ ، فيُرَى أنها الإقامة، من كثرة من يقوم، فيصلي الركعتين قبل المغرب".
وأخرجه أحمد (٣/ ١٩٩) من رواية موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: "كان إذا قام المؤذن، فأذن صلاة المغرب في مسجد بالمدينة قام من شاء، فصلى، حتى تقام الصلاة، ومن شاء ركع ركعتين، ثم قعد، وذلك بعَيْنَي النبي ﷺ ".
وأخرجه مسلم (٢/ ٢١٢) من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: "كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فيركعون ركعتين، ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما".
وأخرجه (٢/ ٢١١) من رواية المختار بن فلفل، قال: سألت أنس ابن مالك عن التطوع بعد العصر؟ فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهانا.
وأخرجه عبد بن حميد رقم (١٣٣٢) من رواية ثابت، قال: سمعت أنسًا يقول: "كان رسول الله ﷺ يخرج علينا بعد غروب الشمس، وقبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا
стр. 4903
يأمرنا". والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان حديث "إن عند كل أذانين ركعتين، ماخلا صلاة المغرب".
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀ في "سننه": حدثنا علي ابن محمد المصري، ثنا الحسن بن غليب، نا عبد الغفار بن داود، نا حيان بن عبيد الله، نا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عند كل أذانين ركعتين، ماخلا صلاة المغرب".
قال: ونا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حيان بن عبيد الله العدوي، قال: كنا جلوسًا عند عبد الله ابن بريدة، فأذّن مؤذن صلاة الظهر، فلما سمع الأذان قال: قوموا فصلوا ركعتين قبل الإقامة، فإن أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "عند كل أذانين ركعتان قبل الإقامة، ماخلا أذان المغرب"، قال ابن بريدة: "لقد أدركت عبد الله بن عمر يصلي تينك الركعتين عند المغرب، لا يدعهما على حال، قال: فقمنا فصلينا الركعتين قبل الإقامة، ثم انتظرنا حتى خرج الإمام، فصلينا معه المكتوبة".
خالفه حسين المعلم، وسعيد الجريري، وكهمس بن الحسن، وكلهم ثقات، وحيان بن عبيد الله ليس بقوي. والله أعلم. انتهى. سنن الدارقطني جـ ١ جـ ٢٦٤، ٢٦٥.
وكتب العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في
стр. 4904
"التعليق المغني" ما نصه: والحديث أخرجه البيهقي في سننه، ورواه البزار في مسنده، وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن
عبيد الله، وهو رجل مشهور، من أهل البصرة، لا بأس به، وقال البيهقي في المعرفة: أخطأ فيه حيان بن عبيد الله في الإسناد والمتن
جميعًا.
أما السند، فأخرجاه في الصحيح عن سعيد الجريري، وكهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي ﷺ ، قال: "بين كل أذانين صلاة" قال في الثالثة: "لمن شاء".
وأما المتن، فكيف يكون صحيحًا، وفي رواية ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين. وفي رواية حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين"، وقال في الثالثة "لمن شاء" خشية أن يتخذها الناس سنة. رواه البخاري في صحيحه. انتهى.
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا. انتهى.
وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: قال البزار بعد تخريجه: لا نعلم رواه إلا حيان، وهو بصري مشهور، ليس به بأس، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: لكنه اختلط، وذكره ابن عدي في الضعفاء.
стр. 4905
انتهى.
وحيان هذا غير الذي كذبه الفلاس؛ ذاك حيان بن عبد الله -بالتكبير- أبو جبلة الدارمي، وهذا حيان بن عبيد الله -بالتصغير- أبو زهير البصري، ذكرهما في الميزان، وقال في ترجمة البصري: قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط. وكذا قال في اللسان. وزاد في ترجمة البصري: وقال أبو حاتم: صدوق. وقال إسحاق بن راهويه: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حزم: مجهول، فلم يصب. انتهى.
وفي صحيح البخاري من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل: أن رسول الله ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة". انظر التعليق المغني على الدارقطني جـ ١ ص ٢٦٤ - ٢٦٦.
وقال البيهقي في سننه بعد أن أخرج حديث كهمس، عن عبد الله ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل: رواه حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، فأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لم يتابع عليها، ثم أخرجه بسنده، ثم أخرج بسنده عن ابن خزيمة، أنه قال على إثر هذا الحديث: حيان بن عبيد الله هذا قد أخطأ في الإسناد، لأن كهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريري، وعبد المؤمن العتكي رووا الخبر عن ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، لا عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذي كان الشافعي ﵀ يقول: أخذ طريق المَجَرَّةِ، فهذا
стр. 4906
الشيخ لما رأى أخبار ابن بريدة عن أبيه توهم أن هذا الخبر هو أيضًا عن أبيه، ولعله لما رأى العامة لا تصلي قبل المغرب توهم أنه لا يصلى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر، وازداد علمًا بأن هذه الرواية خطأ أن ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة قد سمع من أبيه، عن النبي ﷺ هذا الاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد الله في الخبر "ماخلا صلاة المغرب" لم يكن يخالف خبر النبي ﷺ ، ثم ساق خبر ابن المبارك بسنده. انظر "السنن الكبرى" جـ ٢ ص ٤٧٤ - ٤٧٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين من مجموع ما تقدم أن زيادة الاستثناء "ماخلا صلاة المغرب" لا تصح، لأنها زيادة منكرة، لمخالفة حيان بن عبيد الله للثقات فيها، فهو وإن قال فيه أبو حاتم: صدوق، وقال ابن راهويه: رجل صدق، وقال البزار: ليس به بأس، إلا أن جرحه يقدم، لكونه مفسرًا، فقد قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وقال: الدارقطني: ليس بقوي، وذكره ابن عدي في الضعفاء، ومن المقرر عند المحدثين أن الجرح المفسر مقدم على التعديل على الراجح، بل رجح بعضهم تقديم الجرح مطلقًا، قال الحافظ السيوطي ﵀ في منظومة الأثر:
وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلوْ عَدَّله … أكْثَرُ فِي الأقْوَى فَإِنْ فَصَّلَهُ
فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ أوْ نَفَاهُ … بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ
стр. 4907
وبهذا تعلم ضعف ما قاله ابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكر من وثقه: فهذه زيادة من ثقة، فيحمل على أن لابن بريدة فيه سندين، سمعه من ابن مغفل بغير تلك الزيادة، وسمعه من أبيه بالزيادة. انتهى. جـ ٢ ص ٤٧٦.
فإن هذا ليس من تحقيق المحدثين، بل من الواجب عليه أن يذكر قول من ضعفه، ثم يعمل بمقتضى ما قاله المحدثون، من تقديم الجرح
أو التعديل. فتبصر. والله أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان مذاهب أهل العلم في الصلاة قبل المغرب:
قال الإمام الترمذي ﵀ في "جامعه": وقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في الصلاة قبل المغرب، فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ : أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين، بين الأذان والإقامة. وقال أحمد وإسحاق: إن صلاهما فحسن، وهذا عندهما على الاستحباب. انتهى.
وقال في "الفتح": وقال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس ﵁: أن الركعتين بعد المغرب، وقبل صلاة المغرب كان أمرًا أقر النبي ﷺ أصحابه عليه، وعملوا به، حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب، وكأن أصله قوله ﷺ : "بين كل أذانين
стр. 4908
صلاة".
وأما كونه ﷺ لم يصلهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب.
وإلى استحبابهما ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث.
وروي عن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهد النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما.
وهو قول مالك، والشافعي وادعى بعض المالكية نسخهما، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر، حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبين لهم في ذلك وقت الجواز، ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها.
وتعقب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها.
والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه. ورواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه. والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطع، ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ، ولا الكراهة.
وقد أخرج البخاري في أبواب التطوع عن مرثد بن عبد الله اليزني،
стр. 4909
قال: "أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم -يعني الجيشاني- يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال: عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، قلت: فما يمنعك الآن، قال: الشغل". فلعل غيره أيضًا منعه الشغل.
وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأُبَيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم: أنهم كانوا يواظبون عليهما.
وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة، ولم يفعلها أحد بعدهم. فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من
الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب.
ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن عقيل، والأعرج، وعامر بن عبد الله ابن الزبير، وعراك بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما؟ فقال: حسنتين -والله- لمن أراد الله بهما.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين.
وعن مالك قول آخر باستحبابهما.
وعند الشافعية وجه رجحه النووي، ومن تبعه، وقال في شرح
стр. 4910
مسلم: قول من قال: إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما زمن يسير، لا
تتأخر به الصلاة عن أول وقتها.
قال الحافظ ﵀: ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر.
قيل: والحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر.
واستدل بحديث أنس على امتداد وقت المغرب، وليس بواضح. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٢٨.
قال الجامع عفا الله عنه: ثم بدا لي أن أنقل ما ذكره محمد بن نصر بتمامه من مختصره للعلامة أحمد بن علي المَقْرِيزي رحمهما الله
تعالى إتمامًا للفائدة، حيث إن المسألة مهمة جدًا، فلابد من تحقيق ما ثبت عن السلف ﵏ فيها.
قال ﵀:
باب الركعتين قبل المغرب
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأجمع أهل العلم على أن الشمس إذا غربت فقد دخل الليل، وحل فطر
стр. 4911
الصائم، وجاء الخبر عن النبي ﷺ بأنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس فقد حلت الصلاة، والصلاة في جميع الأوقات مندوب إليها، مرغب فيها، إلا الأوقات التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها، فإن الصلاة في الليل من أوله إلى آخره مباح مندوب إليه، لم ينه عن الصلاة في شيء من ساعاته، فكل صلاة بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهي من صلاة الليل، والفضائل التي جاءت لصلاة الليل مشتملة على صلاة الليل كله، وإن كانت الصلاة في بعض أوقاته أفضل منها في بعضٍ.
وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون قبل المغرب ركعتين.
وثبت عن النبي ﷺ أنه أذن في ذلك لمن أراد أن يصلي، وفعل على عهده بحضرته، فلم ينه عنه.
حدثنا وهب بن بقية، أخبرني خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل المزني ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء".
حدثنا محمد بن عبيد، ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني. قال: كتبته، فنسيته، لا أدري عبد الله بن معقل، أو مغفل ﵁، قال: قال
стр. 4912
رسول الله ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، لمن شاء" خشية أن يتخذها الناس سنة.
حدثنا إسحاق، أخبرنا سويد بن عبد العزيز، ثنا ثابت بن عجلان، عن سليم بن عامر، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها سجدتان" قال محمد بن نصر: يعني ركعتين.
حدثنا إسحاق، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: "كان المؤذن يؤذن على عهد رسول الله ﷺ لصلاة المغرب، فيبتدر لُباب أصحاب رسول الله ﷺ السواريَ، يصلون الركعتين قبل المغرب، حتى يخرج رسول الله ﷺ ، وهم يصلون".
زاد محمد بن يحيى: قال: وكان بين الأذان والإقامة يسير.
وعن المختار بن فلفل، قال: سألت أنس بن مالك ﵁، قلت: هل من صلاة بعد العصر؟ قال: لا، حتى تغيب الشمس. قلت: فإذا غابت؟ قال: ركعتين. قلت: قبل الصلاة؟ قال: نعم. قلت: هل رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: فهل رآكم تصلونهما؟ قال: نعم. قلت: "أكان أمركم بهما؟ قال: لا، ولا نهانا عنهما، كان إذا أذن المؤذن قام أحدنا فصلى ركعتين".
стр. 4913
وعن ثابت، عن أنس: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، يصلون الركعتين قبل المغرب".
وعن ثابت، عن أنس: "كان رسول الله ﷺ يخرج إلينا بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا يأمرنا".
وفي رواية: "إن كان المؤذن ليؤذن، فيتبادر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ السواري، فيصلون ركعتين، فما يعاب ذلك عليهم".
وفي أخرى "كنا بالمدينة إذا أذن بالمغرب ابتدر القوم السواري، يصلون الركعتين، حتى إن الغريب ليدخل المسجد فيُرَى إن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما".
وفي أخرى: "ثم إذا صليت العصر، فلا تصل حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس، فصل ركعتين، فإن أصحاب رسول الله ﷺ كذلك كانوا يفعلون".
وعن أبي الخير: رأيت أبا تميم الجيشاني يركع الركعتين حين يسمع أذان المغرب، فأتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت له: ألا أعجبك من أبي تميم الجيشاني -عبد الله بن مالك- يركع ركعتين قبل المغرب، وأنا أريد أن أغمصه، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل.
стр. 4914
وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: كنا نركعهما، إذا زاحمنا، يعني بين الأذان والإقامة في المغرب.
وعن زِرّ: قدمت المدينة، فلزمت عبد الرحمن بن عوف، وأُبَيَّ ابن كعب، فكانا يصليان قبل صلاة المغرب، لا يدعان ذلك.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد ﷺ ، وهم يصلون عند كل تأذين.
وعن رغبان مولى حبيب بن مسلمة، قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يَهُبُّونَ إليهما، كما يَهُبُّونَ إلى المكتوبة، يعني الركعتين قبل المغرب. وعن راشد بن يسار: أشهد على خمسة ممن بايع تحت الشجرة أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب.
وعن يحيى بن أيوب: حدثني ابن طاوس، عن أبيه طاوس: أن أبا أيوب الأنصاري صلى مع أبي بكر ﵁ بعد غروب الشمس قبل الصلاة، ثم لم يصل مع عمر ﵁، ثم صلى مع عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فقال: إني صليت مع النبي ﷺ ، ثم صليت مع أبي بكر، وفَرِقْتُ من عمر، فلم أصل معه، وصليت مع عثمان، إنه لين.
قال محمد بن نصر: وهذا عندي، وهَم، إنما الحديث في الركعتين بعد العصر، لا في الركعتين قبل المغرب، لأن المعروف عن عمر أنه كان ينكر ركعتين بعد العصر، ويضرب عليهما، فأما الركعتان قبل المغرب فلا، وقد رواه معمر، عن ابن طاوس على ما قلنا، وهو
стр. 4915
أحفظ من يحيى بن أيوب، وأثبت.
وعن خالد بن معدان: أنه كان يركع ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، لم يدعهما حتى لقي الله، وكان يقول: إن أبا الدرداء كان يركعهما، ويقول: لا أدعهما، وإن ضربت بالسياط.
وقال عبد الله بن عمرو الثقفي: رأيت جابر بن عبد الله يصلي ركعتين قبل المغرب.
وعن يحيى بن سعيد، أنه صحب أنس بن مالك إلى الشام، فلم يكن يترك ركعتين عند كل أذان.
وسئل سعيد بن المسيب، عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت فقيهًا يصليهما، ليس سعد بن مالك، وفي رواية: كان المهاجرون لا يركعون الركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما.
وعن مجاهدة قالت الأنصار: لا نسمع أذانًا إلا قمنا فصلينا.
وعن الحسن بن محمد بن الحنفية، أنه كان يقول: إن عند كل أذان ركعتين.
وسئل قتادة عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: كان أبو برزة ﵁ يصليهما.
وسأل رجل ابن عمر، فقال: ممن أنت؟ قال من أهل الكوفة،
стр. 4916
قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحى، فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب، فقال ابن عمر: كنا نُحَدَّث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان.
وعن ابن عباس، صلاة الأوابين ما بين الأذان وإقامة المغرب.
وعن سويد بن غفلة: كنا نصلي الركعتين قبل المغرب، وهي بدعة ابتدعناها في إمرة عثمان، وعن عبد الله بن بريدة: كان يقال: ثلاثُ صلوات، صلاة الأوابين، وصلاة المنيبين، وصلاة التوابين؛ صلاة الأوابين ركعتان قبل صلاة الصبح، وصلاة المنيبين صلاة الضحى، وصلاة التوابين ركعتان قبل المغرب.
وكان عبد الله بن بريدة، ويحيى بن عقيل يصليان قبل المغرب ركعتين.
وعن الحكم: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي قبل المغرب ركعتين. وسئل الحسن عنهما؟ فقال: حسنتين -والله- جميلتين لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن يركع ركعتين. وكان الأعرج، وعامر بن عبد الله بن الزبير يركعهما.
وأوصى أنس بن مالك وُلْدَهُ أن لا يَدَعُوهما.
وعن مكحول: على المؤذن أن يركع ركعتين على إثر التأذين.
стр. 4917
وعن الحكم بن الصلت: رأيت عراك بن مالك إذا أذن المؤذن بالمغرب قام، فصلى سجدتين قبل الصلاة. وعن السكن بن حكيم: رأيت عِلْبَاء بن أحمر اليشكري إذا غربت الشمس قام فصلى ركعتين قبل المغرب.
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: إن كان المؤذن ليؤذن بالمغرب، ثم تقرع المجالس من الرجال، يقومون يصلونهما.
وعن الفضل بن الحسن: أنه كان يقول: الركعتان اللتان تصليان بين يدي المغرب صلاة الأوابين.
وقال أحمد بن حنبل: في الركعتين قبل المغرب أحاديث جياد، أو قال: صحاح عن النبي ﷺ ، وأصحابه، وذكر حديث النبي ﷺ ، فقال: إلا أنه قال: لمن شاء، فمن شاء صلى. قيل له: قبل الأذان، أم بين الأذان والإقامة؟ فقال: بين الأذان والإقامة، ثم قال: وإن صلى إذا غربت الشمس، وحلت الصلاة، أي فهو جائز، قال: هذا شيء ينكره الناس، وتبسم كالمتعجب ممن ينكر ذلك، وسئل عنهما؟ فقال: أنا لا أفعله، وإن فعله رجل لم يكن به بأس.
ذكر من لم يركعهما
عن النخعي، قال: كان بالكوفة من خيار أصحاب النبي ﷺ علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو مسعود، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، فأخبرني من رمقهم
стр. 4918
كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصليهما قبل المغرب.
وفي رواية: إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا لا يصلون الركعتين قبل المغرب.
وقيل لإبراهيم: إن ابن أبي الهذيل كان يصلي قبل المغرب ركعتين، فقال: إن ذاك لا يعلم.
قال محمد بن نصر: ليس في حكايته هذا الذي روي عن إبراهيم أنه رمقهم، فلم يرهم يصلونهما دليل على كراهتهم لهما، إنما تركوهما لأن تركهما كان مباحًا، ألا ترى أن النبي ﷺ نفسه لم يرو عنه أنه ركعهما، غير أنه رغب فيهما، وكان ترغيبه فيهما أكثر من فعله لو فعلهما من غير أن يرغب فيهما، وقد يجوز أن يكون أولئك الذين حكى عنهم من حكى أنه رمقهم، فلم يرهم يصلونهما قد صلوهما في غير الوقت الذي رمقهم هذا.
ويجوز أن يكون النبي ﷺ قد ركعهما في بيته حيث لم يره الناس، لأن أكثر تطوعه كان في منزله. وكذلك الذين رمقوا بعد النبي ﷺ يجوز أن يكونوا قد صلوا في بيوتهم، ولذلك لم يرهم الذي رمقهم يصلونهما، فإن كثيرًا من العلماء كانوا لا يتطوعون في المسجد.
عن زيد بن وهب، قال: لما أذن المؤذن للمغرب قام رجل، فصلى ركعتين، وجعل يلتفت في صلاته، فعلاه عمر بالدرة، فلما قضى
الصلاة، قال: يا أمير المؤمنين، نعم ما كسوت، قال: رأيتك تتلفت
стр. 4919
في صلاتك، ولم يعب الركعتين.
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، ثني أبي، ثنا حسين، عن ابن بريدة: أن عبد الله المزني حدثه أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، ثم قال عند الثالثة: "لمن شاء"، خاف أن يحسبها الناس سنة.
قال العلامة أحمد بن علي المقريزي في مختصر قيام الليل: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، فإن عبد الوارث بن عبد الصمد احتج به مسلم، والباقون احتج بهم الجماعة.
وقد صح في ابن حبان حديث آخر أن النبي ﷺ صلى ركعتين قبل المغرب. انتهى. "مختصر قيام الليل" ص٢٩ - ٣٢.
تنبيهات:
الأول: وقع في سند محمد بن نصر سقط، وهو قول عبد الصمد: حدثني أبي، ونص "صحيح ابن حبان" جـ ٣ ص ٥٩: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبي، حدثني أبي، حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، أن عبد الله المزني، حدثه "أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين"، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين" ثم قال عند الثالثة: "لمن شاء" خاف أن يحسبها الناس سنة.
стр. 4920
الثاني: وقع في نسخة "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" نقص، وهو قوله: "ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين"، فألحقه المحقق من الأصل: "الأنواع والتقاسيم"، كما ذكر في تعليقه. جزاه الله خيرًا على ذلك.
الثالث: في قول المقريزي: وقد صح في ابن حبان حديث آخر نظر، فان الحديث هو الحديث الذي أخرجه محمد بن نصر، وليس
حديثًا آخر، كما ذكرته الآن، فتبصر.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب من يقول باستحباب الركعتين قبل صلاة المغرب، لما سمعت من الأدلة الصحيحة الصريحة، وأما ما ادعاه بعضهم من النسخ لها فباطل، وأما ما نقل من كراهة بعض السلف لها فيحمل على أنه لم يصل إليهم الخبر الصحيح، أو تأولوه، وليس قول أحد، ولا فعله حجة، إلا رسول الله ﷺ الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
جعلنا الله وإياكم ممن يأخذ بهديه ﷺ ظاهرًا وباطنًا بمنه وكرمه، آمين.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4921
٤٠ - التَّشْدِيدُ فِي الخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ بَعْدَ الأذَانِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على تشديد الوعيد في الخروج من المسجد بعد الأذان قبل الصلاة. وموضع الاستدلال قوله: "فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، لأن من عصاه يدخل النار، فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى؟، قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". والله تعالى أعلم.
٦٨٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ حَتَّى قَطَعَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الجوَّاز المكي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة، من [٨] تقدم في ١.
стр. 4922
٣ - (عمر بن سعيد) بن مسروق الثوري، أخو سفيان، ثقة، من [٦].
روى عن أبيه، والأعمش، وعمار الدَّهَبِي، وأشعث بن أبي الشعثاء، وزياد بن فياض، وغيرهم، وعنه أخوه مبارك بن سعيد، وابنه حفص بن عمر، وابن عيينة، وعمرو بن أبي قيس، وإبراهيم بن طهمان، وأبو بكر بن عياش. قال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. ووثقه الدارقطني. أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف.
٤ - (أشعث بن أبي الشعثاء) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، ثقة، من [٦] تقدم في ١١٢.
٥ - (أبو الشعثاء) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم في ١١٢.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أن الأئمة اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فمن أفراده، وعمر ابن سعيد، فممن انفرد به هو، ومسلم، وأبو داود.
стр. 4923
ومنها: أنهم كوفيون، إلا شيخه، فمكي، وأبا هريرة، فمدني.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي الشعثاء) سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي، أنه (قال: رأيت أبا هريرة) ﵁، ولفظ أبي داود "كنا مع أبي هريرة في المسجد" (ومر رجل في المسجد) جملة في محل نصب على الحال، بتقدير "قد" عند البصريين، أي والحال أنه قد مر رجل في المسجد (بعد النداء) أي الأذان، ولفظ أبي داود "فخرج رجل حين أذن المؤذن بالعصر" (حتى قطعه) أي قطع المسجد بالمشي حتى جاوزه، والمراد أنه خرج منه. وفي رواية ابن ماجه: "فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره" (فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) هو مقابل لمحذوف، لأن "أمَّا" هذه كما قال الطيبي للتفصيل، فتقتضي شيئين أو أكثر، فيكون التقدير: أما من ثبت في المسجد حتى صلى، فقد أطاع أبا القاسم ﷺ ، وأما هذا فقد عصى.
قال الجامع: وقد تأتي "أما" لغير تفصيل أصلًا، فلا تحتاج إلى تقدير، كما بينه ابن هشام الأنصاري في مغنيه جـ ١ ص ٥٤ بحاشية
стр. 4924
الأمير، وعلى هذا فلا حاجة هنا لتقدير شيء.
والظاهر أن أبا هريرة ﵁ علم أن الرجل خرج بدون ضرورة مبيحة للخروج، كحاجة الوضوء مثلًا، فلذا جزم بعصيانه.
ثم إن ظاهر الحديث يدل على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، لأنه -وإن كان موقوفًا- لكنه في حكم المرفوع، إذ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسائل إن شاء الله تعالى.
بل قد جاء ما يدل على رفعه صريحًا، فقد أخرج الحديث أحمد من طريق المسعودي وشريك، كلاهما عن أشعث عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد: في حديث شريك، ثم قال: أمرنا رسول الله ﷺ : "إذا كنتم في المسجد، فنودي بالصلاة، فلا يخرج أحدكم حتى يصلي" وكذا ورد التصريح عند الطبراني في الأوسط من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله: "لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق".
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح.
وقوله: "مسجدي هذا" ليس للاحتراز عن غيره، كما يدل عليه ما أخرجه ابن ماجه بسنده إلى عثمان ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق".
стр. 4925
وفي سنده عبد الجبار بن عمر الأيلي الأموي ضعيف، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك، لكن يشهد له ما تقدم من حديث الطبراني، ويشهد له أيضًا ما روى أبو داود في مراسله، والبيهقي جـ ٣ ص ٥٦ عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ قال: "لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء، إلا منافق، إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع".
ومراسيل سعيد بن المسيب قال أحمد: صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. وقال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن. أفاده في المرعاة جـ ٣ ص ٥٢٢ - ٥٢٣.
وقد صحح الشيخ الألباني حديث عثمان. انظر "صحيح ابن ماجه" جـ ١ ص ١٢٣.
والحاصل أن قول أبي هريرة: "فقد عصى أبا القاسم ﷺ " قد ثبت كونه مرفوعًا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٨٣)، و"الكبرى" (١٦٤٧) عن محمد بن منصور
стр. 4926
المكي، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عنه. وفي (٦٨٤) و"الكبرى" (١٦٤٨) عن أحمد ابن عثمان بن حكيم، عن جعفر بن عون، عن أبي عميس، عن أبي صخرة، عن أبي الشعثاء، عنه. والله أعلم.
الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء، به. وعن أبي عمر المكي عن ابن عيينة، به.
وأبو داود فيه عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن إبراهيم بن المهاجر به.
والترمذي فيه عن هناد، عن وكيع، عن الثوري، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
وأخرجه أبو عوانة (٢/ ٨)، والدارمي (١/ ٢٧٤)، وأحمد (٢/ ٤١٠، ٤١٦، ٤٧١). انظر "إرواء الغليل" جـ ١ جـ ٢٦٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في الخروج من المسجد بعد الأذان:
دل حديث الباب على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، وهذا
стр. 4927
لمن لا عذر له، للأحاديث التي ذكرناها.
قال الإمام الترمذي ﵀ بعد ذكر الحديث ما نصه: وعلى هذا العملُ عند أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، ومَنْ بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد إلا من عذر، أن يكون على غير وضوء، أو أمر لابد منه، ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. انتهى.
وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يقال: لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه، إلا منافق.
قال الحافظ أبو عمر ﵀ في التمهيد: وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي، ولا يمكن إلا توقيفًا، وقد روي معناه مسندًا عن النبي ﷺ ، فلذلك أدخلناه. ثم أخرج بأسانيده حديث أبي هريرة المذكور في الباب، ثم قال: قال أبو عمر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة، وكذلك إذا كان قد صلى وحده، إلا لما لا يعاد من الصلوات، فإذا كان ما ذكرنا فلا يحل له الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء، وينوي الرجوع.
واختلفوا فيمن صلى في جماعة، ثم أذن المؤذن وهو في المسجد لتلك الصلاة.
وقد كره جماعة من العلماء خروج الرجل من المسجد بعد الأذان، إلا للوضوء لتلك الصلاة بنية الرجوع إليها، وسواء صلى وحده، أو
стр. 4928
في جماعة، أو جماعات، وكذلك كرهوا قعوده في المسجد، والناس يصلون، لئلا يتشبه بمن ليس على دين الإسلام، وسواء صلى أو لم يصل.
والذي عليه مذهب مالك: أنه لا بأس بخروجه من المسجد إذا كان قد صلى تلك الصلاة في جماعة، وعلى ذلك أكثر القائلين بقوله، إلا أنهم يكرهون قعوده مع المصلين بلا صلاة، ويستحبون له الخروج والبعد عنهم.
قال مالك: دخل أعرابي المسجد، وأذن المؤذن، فقام يحُلُّ عِقَال ناقته ليخرج، فنهاه سعيد بن المسيب، فلم ينته، فما سارت به غير يسير حتى وقعت به، فأصيب في جسده، فقال سعيد: قد بلغنا أنه من خرج بين الأذان والإقامة لغير وضوء، فإنه يصاب. انتهى. تمهيد جـ ٢٤ ص ٢١٢ - ٢١٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه يحرم الخروج بعد الأذان حتى يصلي تلك الصلاة، للأدلة الصحيحة المذكورة، وأما أصحاب الأعذار، وكذا من أراد الرجوع فلا يحرم عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآية، ولما تقدم من الأحاديث التي فيها استثناء أصحاب الأعذار. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٨٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَخْرَةَ،
стр. 4929
عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي، أبو عبد الله الكوفي ثقة، من [١١] تقدم في ٢٥٢.
٢ - (جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي، أبو عون الكوفي، صدوق، من [٩].
قال أحمد: رجل صالح، ليس به بأس. وقال أبو أحمد الفراء: قال لي أحمد: عليك بجعفر بن عون. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان، وابن شاهين في الثقات، وقال ابن قانع في الوفيات: كان ثقة. قال البخاري: مات سنة ٢٠٦، وقال أبو داود: سنة ٢٠٧، قيل: مات وهو ابن ٨٧ سنة، وقيل: ٩٧ سنة، أخرج له الجماعة.
٣ - (أبو العميس) -مصغرًا- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله ابن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي، ثقة، من [٧].
قال علي بن المديني: له نحو أربعين حديثًا. وقال أحمد، وابن
стр. 4930
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة أخرج له الجماعة.
٤ - (أبو صخرة) جامع بن شداد المحاربي الكوفي، ثقة، من [٥] تقدم في ١٤٥.
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا الحديث مضى شرحه، والمسائل المتعلقة به، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. وبالله تعالى التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4931
٤١ - إِيذَان الْمُؤَذِّنِينَ الأئِمَّةَ بِالصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية إعلام المؤذنين الأئمة بالصلاة عند إرادة الإقامة.
٦٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، وَيُونُسُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ بِالإِقَامَةِ، فَيَخْرُجُ مَعَهُ".
وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ.
стр. 4932
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة، من [١٠] تقدم في ٣٩.
٢ - (ابن وهب) هو عبد الله أبو محمد المصري، ثقة حافظ، من [٩] تقدم في ٩.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل،
من [٧] تقدم في ٦٨١.
٤ - (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد، ثقة يهم، من كبار [٧] تقدم في ٩.
٥ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري أبو أيوب، ثقة حافظ من [٧] تقدم في ٧٩.
٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، أبو بكر المدني، ثقة ثبت حجة، من [٤] تقدم في ١.
٧ - (عروة) بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدني الفقيه، ثقة ثبت، من [٣] تقدم في ٤٤.
٨ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
стр. 4933
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات نبلاء.
ومنها: أن الأئمة اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري والترمذي.
ومنها: أنهم إلى عمرو بن الحارث مصريون، فيونس وإن كان أيليًا إلا أنه توفي بصعيد مصر، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ ابن شهاب عن عروة، ورواية الراوي عن خالته، عروة عن عائشة.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين ﵂، أنها (قالت: كان النبي ﷺ يصلي) هذا بظاهره يشمل ما إذا كان بعد النوم أو قبله (فيما بين أن يفرغ) -بضم الراء- يقال: فَرَغ يفرُغ فُرُوغًا، من باب قعد، وفَرِغَ يَفْرَغُ من باب تَعِب لغة لبني تميم، والاسم الفراغ. قاله في "المصباح".
стр. 4934
و "ما" موصولة، والظرف صلتها، والجار والمجرور متعلق بيصلي: أي يصلي في الوقت الذي بين أن ينتهي (من صلاة العشاء إِلى) طلوع (الفجر) وعند أبي داود "إلى أن يتصدع الفجر" أي ينشق (إِحدى عشرة ركعة) بسكون الشين، ويجوز كسرها.
وهذا محمول على غالب أحواله، قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: "إحدى عشرة ركعة"، وقد جاء "ثلاث عشرة ركعة"، فيحمل على أن هذا كان أحيانًا، أو لعله مبني على عَدِّ الركعتين الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاة الليل من صلاة الليل أحيانًا، وتركه أخرى، وعلى كل تقدير فهذه الهيئة لصلاة الليل لابد من حملها على أنها كانت أحيانًا، وإلا فقد جاءت هيئات أخرى في قيام الليل. انتهى.
(يسلم بين كل ركعتين) ولأبي داود "يسلم من كل ثنتين"، وفيه أن الأفضل في صلاة الليل أن يسلم من كل ثنتين، وهو معنى قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى".
(ويوتر بواحدة) فيه أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الحق.
وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة أصلًا.
قال النووي: والأحاديث الصحيحة ترد عليه.
стр. 4935
وقال الحافظ ما حاصله: كثير من الأحاديث ظاهر في الفصل -يعني فصل ركعة الوتر عما قبلها- كحديث عائشة "يسلم من كل ركعتين"، فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع، وحمل الطحاوي هذا، ومُثُلَهُ على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة، ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل، أو الفصل، وصرح كثير منهم أن الفصل يقطعهما عن أن يكونا من جملة الوتر، ومن خالفهم يقول: إنهما منه بالنية. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٥٦٣ - ٥٦٤.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن سليمان بن قبيطة، حدثنا عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد: "أن رسول الله ﷺ نهى عن البتيراء، أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها".
قال: هو عثمان بن محمد بن أبي ربيعة بن عبد الرحمن، قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم. انتهى. تمهيد جـ ١٣ جـ ٢٥٤.
وقال الذهبي في الميزان جـ ٣ ص ٥٣: قال عبد الحق في أحكامه:
стр. 4936
الغالب على حديثه الوهم. وقال ابن القطان: هذا حديث شاذ لا يعَرَّج على رواته. انتهى.
(ويسجد سجدة واحدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية) يعني أنه يطول صلاة الليل بحيث تكون سجدة واحدة من تلك الركعات الإحدى عشرة بقدر ما يقرأ القارئ خمسين آية (ثم يرفع رأسه) من السجدة، وعند أبي داود "ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل أن يرفع رأسه".
وفيه استحباب تطويل السجود في قيام الليل، وقد بوب عليه البخاري "باب طول السجود في قيام الليل"، وفي حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، وفي مسند أحمد من طريق محمد بن عباد، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في صلاة الليل في سجوده: سبحانك لا إله إلا أنت"، ورجاله ثقات. قاله في "الفتح".
(فإِذا سكت) بالتاء الفوقية، أي فرغ (المؤذن من صلاة الفجر) أي من أذانها (وتبين له الفجر) أي ظهر وانتشر. قال الطيبي: يدل على أن التبين لم يكن في الأذان، وإلا لما كان لذكر التبين فائدة. (ركع ركعتين) هما سنة الفجر (خفيفتين) فيه أن المستحب تخفيف الركعتين، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه كان يقرأ في الأولى
стр. 4937
منهما الفاتحة، وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: الفاتحة، وقيل هو الله أحد.
(ثم اضطجع) أي في بيته للاستراحة من تعب قيام الليل، ليصلي صلاة الصبح بنشاط، أو ليفصل بين الفرض والنفل بالضجعة.
وفيه مشروعية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهو على الاستحباب عند الجمهور، وقال ابن حزم بوجوبه، للأمر الوارد به، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب لعدم مداومته ﷺ ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه (١٧٦٢) إن شاء الله تعالى.
تنبيه:
اتفق أصحاب الزهري، فرووا هذا الحديث عنه، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، فقالوا: "فإذا تبين له الفجر، وجاءه المؤذن ركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة".
وخالفهم في ذلك مالك، فجعله بعد الوتر، فقال: يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن".
وزعم محمد بن يحيى الذهلي وغيره أن الصواب رواية الجمهور، ورده ابن عبد البر بأنه لا يدفع ما قاله مالك، لموضعه من الحفظ والإتقان، ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه، وقد قال يحيى بن
стр. 4938
معين: إذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قاله مالك، فهو أثبتهم فيه، وأحفظهم لحديثه، ويحتمل أن يضطجع مرة كذا، ومرة كذا، ولرواية مالك شاهد، وهو حديث ابن عباس أن اضطجاعه كان بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، فلا ينكر أن يحفظ ذلك مالك في حديث ابن شهاب، وإن لم يتابع عليه. انتهى.
قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر هو الأولى من تغليط حافظ متقن، فالجمع مهما أمكن هو المتعين، فيحمل على أنه كان يضطجع أحيانًا بعد الوتر، وأحيانًا بعد ركعتي الفجر، وسيأتي تحقيق هذا في محله إن شاء الله تعالى.
(على شقه الأيمن) بكسر الشين: أي جنبه الأيمن، لكونه يحب التيامن في شأنه كله، أو للتشريع، لأن النوم على الأيسر يستلزم استغراق النوم في غيره ﷺ ، بخلافه هو، لأن عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنسبة لنا، وهو نوم الصالحين.
قال القسطلاني: لا يقال: حكمته أن لا يستغرق في النوم، لأن القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له، فيستغرق فيه، لأنا نقول: صح أنه ﵊ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم. انتهى. ذكره في "المرعاة" جـ ٤ ص ١٦٦.
(حتى يأتيه المؤذن) بلال ﵁ (بالإِقامة) أي بشأنها، ولأبي داود "للإقامة" باللام بدل الباء، والمراد أنه يأتيه مستئذنًا لأن
стр. 4939
يقيم للصلاة، لأنها منوطة بأمر الإمام، و"حتى" غاية للاضطجاع، أي يضطجع إلى أن يأتيه المؤذن. وفيه مشروعية إعلام المؤذن الإمام إذا أراد الإقامة، وهو موضع استدلال المصنف لترجمته، وليس من نوع التثويب البدعي الذي تقدم التحذير عنه، فإن ذاك أن يقوم المؤذن على باب المسجد، أو على محل التأذين، فيرفع صوته، قائلًا: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، أو الصلاة، الصلاة، يا مصلون. فتنبه.
(فيخرج معه) يحتمل الرفع، على الاستئناف، أي فهو يخرج مع المؤذن لأداء الصلاة جماعة، والنصب عطفًا على "يأتي". وبالله
تعالى التوفيق.
(وبعضهم يزيد على بعض في الحديث) أي قال ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب، ويونس، وعمرو بن الحارث، كلهم عن ابن شهاب الزهري، وفي إخبار بعضهم لي زيادة على بعض في الحديث المذكور. وفيه قاعدة مهمة ذكرها أهل الاصطلاح في كتبهم، سأذكرها في المسائل، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 4940
أخرجه هنا (٦٨٥) و"الكبرى" (١٦٤٩) عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، ويونس، وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن ابن شهاب، عن عروة، عنها. وفي (١٣٢٨) عن سليمان بن داود بن حماد بن سعد، عن ابن وهب به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما من طريق ابن أبي ذئب، فأخرجه أبو داود في "الصلاة" (٣/ ٣١٧) عن نصر بن عاصم، عن الوليد بن مسلم (٤/ ٣١٧) عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، وابن ماجه فيه (١/ ٢٢٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة بن سوار ثلاثتهم عنه به.
وأما من طريق يونس فأخرجه مسلم في "الصلاة" (٣/ ١٢٥) عن حرملة بن يحيى، وأبو داود فيه (٤/ ٣١٧) عن سليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب عنه به.
وأما من طريق عمرو بن الحارث، فأخرجه مسلم في "الصلاة" (٢/ ١٢٥) عن حرملة بن يحيى، وأبو داود فيه (٤/ ٣١٧) عن سليمان ابن داود المهري، كلاهما عن ابن وهب عنه به.
وأخرجه البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، بلفظ "كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى
следующие страницы →