← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

الغالب على حديثه الوهم. وقال ابن القطان: هذا حديث شاذ لا يعَرَّج على رواته. انتهى. (ويسجد سجدة واحدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية) يعني أنه يطول صلاة الليل بحيث تكون سجدة واحدة من تلك الركعات الإحدى عشرة بقدر ما يقرأ القارئ خمسين آية (ثم يرفع رأسه) من السجدة، وعند أبي داود "ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل أن يرفع رأسه". وفيه استحباب تطويل السجود في قيام الليل، وقد بوب عليه البخاري "باب طول السجود في قيام الليل"، وفي حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، وفي مسند أحمد من طريق محمد بن عباد، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في صلاة الليل في سجوده: سبحانك لا إله إلا أنت"، ورجاله ثقات. قاله في "الفتح". (فإِذا سكت) بالتاء الفوقية، أي فرغ (المؤذن من صلاة الفجر) أي من أذانها (وتبين له الفجر) أي ظهر وانتشر. قال الطيبي: يدل على أن التبين لم يكن في الأذان، وإلا لما كان لذكر التبين فائدة. (ركع ركعتين) هما سنة الفجر (خفيفتين) فيه أن المستحب تخفيف الركعتين، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه كان يقرأ في الأولى

стр. 4937

منهما الفاتحة، وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: الفاتحة، وقيل هو الله أحد. (ثم اضطجع) أي في بيته للاستراحة من تعب قيام الليل، ليصلي صلاة الصبح بنشاط، أو ليفصل بين الفرض والنفل بالضجعة. وفيه مشروعية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهو على الاستحباب عند الجمهور، وقال ابن حزم بوجوبه، للأمر الوارد به، وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب لعدم مداومته ﷺ ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه (١٧٦٢) إن شاء الله تعالى. تنبيه: اتفق أصحاب الزهري، فرووا هذا الحديث عنه، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، فقالوا: "فإذا تبين له الفجر، وجاءه المؤذن ركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة". وخالفهم في ذلك مالك، فجعله بعد الوتر، فقال: يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن". وزعم محمد بن يحيى الذهلي وغيره أن الصواب رواية الجمهور، ورده ابن عبد البر بأنه لا يدفع ما قاله مالك، لموضعه من الحفظ والإتقان، ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه، وقد قال يحيى بن

стр. 4938

معين: إذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قاله مالك، فهو أثبتهم فيه، وأحفظهم لحديثه، ويحتمل أن يضطجع مرة كذا، ومرة كذا، ولرواية مالك شاهد، وهو حديث ابن عباس أن اضطجاعه كان بعد الوتر، وقبل ركعتي الفجر، فلا ينكر أن يحفظ ذلك مالك في حديث ابن شهاب، وإن لم يتابع عليه. انتهى. قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر هو الأولى من تغليط حافظ متقن، فالجمع مهما أمكن هو المتعين، فيحمل على أنه كان يضطجع أحيانًا بعد الوتر، وأحيانًا بعد ركعتي الفجر، وسيأتي تحقيق هذا في محله إن شاء الله تعالى. (على شقه الأيمن) بكسر الشين: أي جنبه الأيمن، لكونه يحب التيامن في شأنه كله، أو للتشريع، لأن النوم على الأيسر يستلزم استغراق النوم في غيره ﷺ ، بخلافه هو، لأن عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنسبة لنا، وهو نوم الصالحين. قال القسطلاني: لا يقال: حكمته أن لا يستغرق في النوم، لأن القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له، فيستغرق فيه، لأنا نقول: صح أنه ﵊ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم. انتهى. ذكره في "المرعاة" جـ ٤ ص ١٦٦. (حتى يأتيه المؤذن) بلال ﵁ (بالإِقامة) أي بشأنها، ولأبي داود "للإقامة" باللام بدل الباء، والمراد أنه يأتيه مستئذنًا لأن

стр. 4939

يقيم للصلاة، لأنها منوطة بأمر الإمام، و"حتى" غاية للاضطجاع، أي يضطجع إلى أن يأتيه المؤذن. وفيه مشروعية إعلام المؤذن الإمام إذا أراد الإقامة، وهو موضع استدلال المصنف لترجمته، وليس من نوع التثويب البدعي الذي تقدم التحذير عنه، فإن ذاك أن يقوم المؤذن على باب المسجد، أو على محل التأذين، فيرفع صوته، قائلًا: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، أو الصلاة، الصلاة، يا مصلون. فتنبه. (فيخرج معه) يحتمل الرفع، على الاستئناف، أي فهو يخرج مع المؤذن لأداء الصلاة جماعة، والنصب عطفًا على "يأتي". وبالله تعالى التوفيق. (وبعضهم يزيد على بعض في الحديث) أي قال ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب، ويونس، وعمرو بن الحارث، كلهم عن ابن شهاب الزهري، وفي إخبار بعضهم لي زيادة على بعض في الحديث المذكور. وفيه قاعدة مهمة ذكرها أهل الاصطلاح في كتبهم، سأذكرها في المسائل، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 4940

أخرجه هنا (٦٨٥) و"الكبرى" (١٦٤٩) عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، ويونس، وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن ابن شهاب، عن عروة، عنها. وفي (١٣٢٨) عن سليمان بن داود بن حماد بن سعد، عن ابن وهب به. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أما من طريق ابن أبي ذئب، فأخرجه أبو داود في "الصلاة" (٣/ ٣١٧) عن نصر بن عاصم، عن الوليد بن مسلم (٤/ ٣١٧) عن سليمان بن داود المهري، عن ابن وهب، وابن ماجه فيه (١/ ٢٢٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة بن سوار ثلاثتهم عنه به. وأما من طريق يونس فأخرجه مسلم في "الصلاة" (٣/ ١٢٥) عن حرملة بن يحيى، وأبو داود فيه (٤/ ٣١٧) عن سليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب عنه به. وأما من طريق عمرو بن الحارث، فأخرجه مسلم في "الصلاة" (٢/ ١٢٥) عن حرملة بن يحيى، وأبو داود فيه (٤/ ٣١٧) عن سليمان ابن داود المهري، كلاهما عن ابن وهب عنه به. وأخرجه البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، بلفظ "كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى

стр. 4941

يأتيه المنادي للصلاة". وأخرجه مالك في "الموطأ"، وأحمد في "مسنده"، وعبد بن حميد في "مسنده". والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية إعلام الأئمة بالإقامة للصلاة. ومنها: استحباب قيام الليل. ومنها: استحباب تطويل السجود، ومثله الركوع في قيام الليل. ومنها: مشروعية الإيتار بركعة واحدة. ومنها: أن في قوله: "وتبين له الفجر" دليلًا على استحباب التغليس في أذان الفجر، ليتسع الوقت لاستعداد الناس للصلاة. ومنها: استحباب التخفيف في ركعتي الفجر. ومنها: استحباب الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر، وقد اختلف أهل العلم، هل هو خاص بالبيت، أم يشرع في المسجد أيضًا -وهو الراجح- وسنحققه في موضعه إن شاء الله تعالى. والله أعلم. المسألة الخامسة: في قوله: "وبعضهم يزيد على بعض في الحديث" قاعدة مهمة، وذلك أنه إذا سمع بعض حديث من شيخ، وبعضه من آخر، فروى جملته عنهما مبينًا أن بعضه عن أحدهما،

стр. 4942

وبعضه عن الآخر غير مميز لما سمعه من كل شيخ عن الآخر، جاز، ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهمًا، فإن كان كلاهما ثقة احتج به، كحديث عبد الله بن وهب هذا، فإن كلًا من ابن أبي ذئب، ويونس، وعمرو بن الحارث ثقة حجة، وإن كان أحدهما مجروحًا، فلا يحتج بشيء منه، لأنه ما من جزء منه إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح، ويجب ذكرهما حينئذ جميعًا مبينًا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه، ولا يجوز ذكرهما ساكتًا عن ذلك، ولا إسقاط أحدهما مجروحًا كان، أو ثقة. ومن أمثلته أيضًا حديث الإفك في الصحيح من رواية الزهري، حيث قال: حدثني عروة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قال: وكل حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض، فذكر الحديث. انظر تدريب الراوي جـ ٢ ص ١٢٤. وإلى هذه القاعدة أشار السيوطي ﵀ في "ألفيته"، حيث قال: وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ … وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جَمَلْ ذَلِكَ عنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلا … مَيْزٍ أجِزْ وَحَذْفُ بَعْضٍ حُظِلَا مُجَرَّحًا يَكُونُ أوْ مُعَدَّلَا … وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لا نَقْبَلَا والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 4943

٦٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ فَوَصَفَ "أَنَّهُ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى اسْتَثْقَلَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْفُخُ، وَأَتَاهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) بن أعين المصري الفقيه، ثقة، توفي سنة ٢٦٨، وله ٨٦ سنة، من [١١] أخرج له النسائي، تقدم في ١٦٦. ٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، توفي سنة ١٩٩، وله ٦٤ سنة، من كبار [١٠] تقدم في ١٦٦. أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 4944

٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهمي مولاهم المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، توفي سنة ١٧٥، من [٧] أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥. ٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحِيّ، ويقال: السَّكْسَكِيُّ، أبو عبد الرحيم المصري، مولى ابن الصبيغ، ثقة فقيه، توفي سنة ١٣٩، من [٦]. قال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا. وقال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب ابن سفيان: مصري ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال، الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقيل: بل نشأ بها، صدوق، من [٦]. قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كانث ثقة، إن شاء الله. وقال الساجي: صدوق، كان أحمد يقول: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث. وقال العجلي: مصري ثقة. ووثقه ابن خزيمة، والدارقطني، والبيهقي، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم. وقال ابن حزم: ليس بالقوي. وقال الحافظ: ولعله اعتمد على قول الإمام أحمد فيه.

стр. 4945

وقال ابن يونس: ولد بمصر سنة ٧٠، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، قال: ويقال: توفي سنة ١٣٥. وقال غيره: توفي سنة ١٣٣، وقال ابن حبان في الثقات: توفي سنة ١٤٩، وقال مسعود الحارثي: إن اسم أبي هلال والد سعيد هذا مرزوق. أخرج له الجماعة. ٦ - (مخرمة بن سليمان) الأسدي الوالِبِي -بكسر اللام والموحدة- المدني، ثقة، من [٥]. قال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الواقدي: قتلته الحرورية بقُدَيدٍ سنة ١٣٠، وهو ابن ٧٠ سنة. أخرج له الجماعة. ٧ - (كريب مولى ابن عباس) هو ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني، أبو رِشدين، ثقة، توفي سنة ٩٨، من [٣] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٥٣. ٨ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنه، تقدم في ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من ثمانيات المصنف.

стр. 4946

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء. ومنها: أنهم اتفق الأئمة بالرواية لهم، إلا شيخه، فمن أفراده، وشعيبًا، فمن أفراده، ومسلم، وأبي داود. ومنها: أنهما إلى ابن أبي هلال مصريون، والباقون مدنيون. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن مخرمة بن سليمان، أن كريبًا مولى ابن عباس أخبره) أي مخرمة (قال: سألت ابن عباس) ﵄ (قلت: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ بالليل) جملة قلت: تفسير لقوله: سألت (فوصف) ابن عباس (أني) أي النبي ﷺ (صلى إِحدى عشرة ركعة بالوتر) أي مع الوتر. فإن قيل: هذه الرواية تخالف روايات الأكثرين لحديث ابن عباس ﵄، فإن فيها أنه "صلى ثلاث عشرة ركعة". أجيب بأنها لا تخالف لإمكان الجمع بحمل هذه الرواية على غير الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاة الليل، لما في رواية

стр. 4947

أبي داود، وغيره "فصلى ركعتين خفيفتين، قلت: قرأ فيهما بأم القرآن في كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى، حتى صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر". . . الحديث، فتبين أن رواية ثلاث عشرة بعَدِّ هاتين الركعتين، ورواية إحدى عشرة بإسقاطهما. وسيأتي ذكر اختلاف الروايات في حديث ابن عباس، وحديث عائشة ﵃، في صلاته ﷺ في الليل، والجمع بينهما في كتاب قيام الليل إن شاء الله تعالى. (ثم نام، حتى استُثْقِلَ) بالبناء للمفعول: أي حتى غلبته الثَّقْلَة، وهي بفتح، فسكون: النَّعْسَة الغالبة، قال ابن منظور: والثَّقْلَة -بالفتح- نَعْسَة غالبة، والمُسْتَثْقَلُ: الذي أثقله النوم وهي الثَّقْلَةُ. انتهى المراد منه. (فرأيته ينفخ) بضم الفاء، من باب قتل، وفي رواية "وكان إذا نام نفخ" (وأتاه بلال) ولأبي داود "فأتاه" بالفاء (فقال: الصلاة يا رسول الله) بنصب الصلاة بفعل مقدر، أي احضر الصلاة، أو بالرفع مبتدأ حذف خبره، أي الصلاة قريبة القيام، أو فاعلًا لمحذوف، أي حانت الصلاة. وهذا موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى، حيث إن بلالًا ﵁ أعلم النبي ﷺ بالصلاة بعد الأذان، فيشرع إعلام الأئمة عند إرادة الإقامة للصلاة تنبيهًا لهم.

стр. 4948

وروي أن عمر ﵁ أنكر على أبي محذورة دعاءه إياه إلى الصلاة. أخرج ابن المنذر ﵀ بسنده عن مجاهد، قال: لما قدم عمر مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقال: ويحك أمجنون أنت، أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتينا". وقال الأوزاعي: وسئل عن تسليم المؤذن على الأمير؟ فقال: أول من فعله معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز، وإني لأكرهه؛ لأنه مفسدة لقلوبهم، وكان المؤذنون يأتون عمر بن عبد العزيز فيقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حى على الفلاح، الصلاة يرحمك الله. وقال مالك: لم يبلغني أن التسليم كان في الزمان الأول. انتهى. "الأوسط" جـ ٣ ص ٥٧. قال الجامع عفا الله عنه: الحق أن إعلام الإمام بالصلاة عند إرادة الإقامة جائز إذا دعت الحاجة، لأنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤذن كان يعلم النبي ﷺ ، كحديث الباب وغيره. والله أعلم. (فقام) النبي ﷺ (فصلى ركعتين) وفي رواية "ركعتين خفيفتين". وهما ركعتا الفجر.

стр. 4949

(وصلى بالناس) ولأبي داود "ثم صلى بالناس"، أي صلى الصبح جماعة. (ولم يتوضأ) لأن وضوءه لا ينتقض بالنوم، قال في الفتح: فيه دليل على أن النوم ليس حديثًا، بل مظنة الحدثة؛ لأنه ﷺ كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، فلو أحدث لعلم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم، وربما لم يتوضأ. قال الخطابي ﵀: وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه. انتهى. جـ ١ جـ ٢٨٨ - ٢٨٩. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٨٦) و"الكبرى" (١٦٥٠) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد الجمحي، عن سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب عنه. و (١٦٢٠) عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن مخرمة، به. وفي "الكبرى" في "الصلاة" عن قتيبة، عن

стр. 4950

مالك به. وأعاده في "التفسير". أفاده في "تحفة الأشراف" جـ ٥ ص ٢١٠. والله أعلم. (الثالثة) فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في "شمائله"، وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الطهارة" (٣٧) عن إسماعيل بن أبي أويس - وفي أواخر "الصلاة" (٥٢١) عن عبد الله بن يوسف- وفي الوتر (٢/ ٣٩١)، عن القعنبي، وفي "التفسير" (٣/ ٢٠) عن قتيبة و (٣/ ١٨) عن علي بن عبد الله، عن ابن مهدي و (٣/ ١٩) معن بن عيسى -فرقهما- ستتهم عن مالك، عن مخرمة به. وفي "الصلاة" أيضًا (٢٠٩) عن أحمد، عن ابن وهب، عن عمرو، عن عبد ربه بن سعيد، عنه به، زاد فيه: قال عمرو: فحدثت به بكيرًا، فقال: حدثني كريب بذلك. ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن هارون بن سعيد، عن ابن وهب به. وعن محمد بن سلمة عن ابن وهب، عن عياض بن عبد الله و (٥/ ١٣٤) عن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان كلاهما عنه به. وأبو داود فيه (٣٤/ ٣١٧) عن القعنبي به. و (٣١/ ٣١٧) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده به.

стр. 4951

والترمذي في "شمائله" (٥/ ٤١) عن قتيبة به. و (٥/ ٤١) عن إسحاق بن موسى، عن معن به. وابن ماجه فيه (٦/ ٢٢٠) عن أبي بكر بن خلاد، عن معن به. وأخرجه مالك في "الموطأ"، وأحمد، وابن خزيمة، والحميدي. والله أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب عليه المصنف، وهو مشروعية إيذان المؤذن الإمام بالصلاة عند إرادة الإقامة لها. ومنها: ما كان عليه السلف من تتبع أحوال النبي ﷺ ، والسؤال عنها ليتبعوه؛ لأن الهداية في اتباعه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ومنها: استحباب صلاة الليل، ومنها الوتر. ومنها: بيان أنه ﷺ كان إذا نام ينفخ. ومنها: أن نومه ﷺ لا ينتقض به وضوءه؛ لكونه لا ينام قلبه. وبقية مباحث الحديث تأتي في محلها من كتاب قيام الليل، إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4952

٤٢ - إِقَامَةُ المُؤَذِّنِ عِنْدَ خُرُوجِ الإِمَامِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية إقامة المؤذن للصلاة عند خروج الإمام من حجرته، والمراد به حضوره إلى محل الصلاة، والحكمة في ذلك التخفيف على المأمومين، إذ لو قاموا قبل حضور الإمام لطال عليهم الانتظار، وهم وقوف. والله تعالى أعلم. ٦٨٧ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي، أبو عمار المروزي، ثقة، توفي سنة ٢٤٤، من [١٠] تقدم في ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّيناني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت ربما أغرب، توفي سنة ١٩٢، من كبار [٩] تقدم في ١٠٠. ٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري،

стр. 4953

نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٤، من كبار [٧] تقدم في ١٠. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، توفي سنة ١٣٢، من [٥] تقدم في ٢٤. ٥ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، توفي سنة ٩٥، من [٢] تقدم في ٢٤. ٦ - (أبو قتادة) الأنصاري السَّلَمِي واسمه الحارث بن رِبْعِي، وقيل: غير ذلك، صحابي شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، توفي سنة ٥٤ على الأصح، ﵁، تقدم في ٢٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه. ومنها: أنهم ما بين مروزيين، وهما الحسين والفضل، وبصريين، وهما معمر ويحيى، فمعمر بصري يماني، ويحيى يمامي بصري، ومدنيين، وهما أبو قتادة وابنه.

стр. 4954

ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه؛ عبد الله، عن أبي قتادة، ورواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الله. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن أبي قتادة) قال في الفتح: وصرح أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن هشام -يعني الدستوائي- أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، فأمن بذلك تدليس يحيى. انتهى. (عن أبيه) الحارث بن ربعي ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إِذا أقيمت الصلاة) أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة، ونودي بها (فلا تقوموا حتى تروني) أي تبصروني (خرجت) أي من حجرته. ولابن حبان من طريق عبد الرزاق "حتى تروني خرجت إليكم"؛ ولابد فيه من التقدير، أي لا تقوموا حتى تروني خرجت، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا. قاله في عمدة القاري جـ ٥ ص ١٥٣. وقال السندي: لعل النهي عن القيام لانتظار الإمام قائمًا، وأما القيام من مكان إلى آخر لأجل تسوية الصفوف ونحوه فغير منهي عنه. ثم هذا الحديث يدل على جواز الإقامة قبل رؤية الإمام، فإدخاله في هذه الترجمة خفي، فليتأمل، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا خفاء في إدخاله هنا؛ لأن بلالًا

стр. 4955

- ﵁ إنما يشرع في الإقامة إذا رأى النبي ﷺ قد خرج، قبل أن يراه الناس كلهم، فنهاهم النبي ﷺ عن القيام قبل أن يروه كلهم قد خرج، رفقًا بهم لئلا يطول القيام، ويبين هذا المعنى ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ "أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ". قال في الفتح: قال القرطبي: ظاهر الحديث -يعني حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة "أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ " أخرجه مسلم. ويجمع بينهما بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي ﷺ ، فأول ما يراه يشرع في الإقامة، قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم. قال الحافظ: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن شهاب "أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: الله أكبر، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبي ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف". وأما حديث أبي هريرة عند البخاري "أن رسول الله ﷺ خرج، وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف"، ولفظ مسلم "أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي ﷺ ، فأتى، فقام مقامه" الحديث، وعنه في رواية أبي داود "إن الصلاة

стр. 4956

كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبي ﷺ ". فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك، لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره. ولا يرد هذا حديث أنس ﵁: أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع منه نادرًا، أو فعله لبيان الجواز. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٤٢. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٢/ ٦٨٦)، و"الكبرى" (٣٩/ ١٦٥١) عن الحسين ابن حريث، عن الفضل بن موسى، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عنه. و (١٢/ ٧٩٠) و"الكبرى" (١٢/ ٨٦٥) عن علي بن حجر، عن هشيم، عن هشام الدستوائي،

стр. 4957

وحجاج بن أبي عثمان، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، فأخرجه البخاري في "الصلاة" (١٧٣)، عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، قال: كتب إليّ يحيى بن أبي كثير. . . فذكره. و (١٧٤) عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى به. وقال: تابعه علي بن المبارك. و (٣/ ٣٣٤) عن عمرو بن علي، عن أبي قتيبة، عن علي بن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه -لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ - به قال أبو مسعود: كذا في كتاب الفربري، وفي كتاب حماد بن شاكر عن البخاري: "عن عبد الله بن أبي قتادة، أراه عن أبيه". ومسلم فيه (٢/ ٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة و (٢/ ٨٢) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، وعبد الرزاق؛ ثلاثتهم عن معمر، و (٢/ ٨٢) عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن شيبان، و (٢/ ٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية، عن حجاج بن أبي عثمان الصواف؛ ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير به. و (١/ ٨٢) عن محمد بن حاتم، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، عن حجاج الصواف، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (ح ١٢١٣٩) وعبد الله بن أبي قتادة، كلاهما عن أبي قتادة به.

стр. 4958

وأبو داود فيه (١/ ٤٦) عن مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة به. و (٢/ ٤٦) عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى ابن يونس به. وفي المراسيل (١٠/ ١٢) عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد، قال: كنت أنا، وجرير بن حازم عند ثابت البناني، فحدث حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ . . . فذكره، فظن جرير أنما حدث به ثابت، عن أنس. والترمذي فيه (٢٩٨) عن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن معمر به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي. قال الجامع عفا الله عنه: في حديث الباب: أن المؤذن لا يقيم حتى يرى الإمام قد خرج للصلاة، لأن ذلك يؤدي إلى تطويل القيام على الناس انتظارًا له، وربما لا يكون مستعدًا، أو يعرض له عارض في طريقه، فيتأخر عليهم. وسنذكر اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يستحب أن يقوم الناس فيه إذا أقيمت الصلاة في "كتاب الإمامة" (١٢/ ٧٩٠) إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4959

٨ - كتَاب المسَاجِد أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على أحكام المساجد، وهو الكتاب الثامن من المجتبى. وقد تقدم الكلام على الكتاب. وأما المساجد: فهو جمع مسجد، بفتح الجيم، وكسرها. قال ابن منظور ﵀: والمسجد -بفتح الجيم، وكسرها-: الذي يُسجَد عليه. وقال الزجاج: كل موضع يُتَعَبَّدُ فِيه، فهو مسجد -أي بالفتح والكسر- قال: وقد كان حكمه ألا يجيء عَلى مَفْعِلٍ -بكسر العين- ولكنه أحد الحروف التي شذت، فجاءت على مَفْعِلٍ. قال سيبويه: وأما المسجد، فإنهم جعلوه اسمًا للبيت، ولم يأت على فَعَلَ يَفْعُلُ. وقال ابن الأعرابي: مسْجَدٌ -بفتح الجيم-: محراب البيوت، ومُصلَّى الجماعات مَسْجِدٌ -بكسر الجيم-، والمساجد جمعهما. وقال الجوهري: قال الفراء: كل ما كان على فَعَلَ، يَفْعُلُ -بفتح العين في الماضي، وضمها في المضارع- مثل دخل يدخل، فالْمَفْعَل منه بالفتح، اسمًا كان أو مصدرًا، ولا يقع فيه الفرق، مثل دَخَلَ مَدْخَلًا، وهَذَا مَدْخَلُهُ، إلا أحرفًا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك المَسْجِدُ، والمَطْلِعُ، والمشرِقُ، والمسقِط، والمفرِقُ، والمَجْزِرُ، والمَسْكِنُ، والمَرْفِقُ، والمَنْبِتُ، والمنسِكُ، فَجعلوا الكسر علامة

стр. 4960

الاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم، فقد روي مسكَن، ومسكِن، وسمع المسجِد، والمسجَد، والمطلِع، والمطلَع، قال: والفتح في كله جائز، وإن لم نسمعه. انتهى. المقصود. من اللسان جـ ٣ ص ١٩٤٠. والله تعالى أعلم.

стр. 4961

١ - الفَضْلُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفضل الموعود في بناء المساجد. ٦٨٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَنَي مَسْجِدًا، يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق، توفي سنة ٢٥٠، من [١٠] أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥٣٥. ٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب، أبو يُحْمِدَ الحمصي، صدوق كثير التدليس عن "الضعفاء" توفي سنة ١٩٧، من [٨] أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في ٥٩٢. ٣ - (بَحِير) -بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة- ابن سَعْد -بفتح، فسكون (١) - السَّحُولي -بفتح المهملة الأولى، وضم الثانية،

стр. 4962

أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من [٦]. قال أبو طالب، عن أحمد: ليس بالشام أثبت من حَريز، إلا أن يكون بحير. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أيما أصح حديثًا عن خالد بن معدان، ثور، أو بحير؟ فقال: بحير، فقدم بحيرًا عليه. وقال دحيم، وابن سعد، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: شامي ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري في الأدب المفرد والأربعة. ٤ - (خالد بن معدان) بن أبي كُرَيب الكَلاعي، أبو عبد الله الشامي الحِمْصِي، ثقة عابد يرسل كثيرًا، من [٣]. قال يعقوب بن شيبة: لم يلق أبا عبيدة، وهو كلاعي، يُعَدُّ من الطبقة الثالثة، من فقهاء الشام بعد الصحابة. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. ووثقه يعقوب بن شيبة، وابن سعد، وابن خراش، والنسائي. وقال أبو مسهر، عن إسماعيل بن عياش: حدثتنا عبدة بنت خالد بن معدان، وأم الضحاك بنت راشد: أن خالد بن معدان قال: أدركت سبعين من أصحاب النبي ﷺ . وقال بقية، عن بحير: ما رأيت أحدًا ألزم للعلم منه، كان علمه في مصحف له أزرار، وعرى. قال بقية: كان الأوزاعي يعظم خالدًا، فقال لنا: أله عقب؟ فقلنا: له ابنة، فقال: ائتوها، فسلوها عن هدي أبيها، قال: فكان

стр. 4963

ذلك سبب إتياننا عبدة. وقال إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو: رأيت خالد بن معدان إذا كبرت حلقته، قام مخافة الشهرة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: خالد عن أبي ثعلبة الخشني مرسل. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل، عن أبيه: لم يصح سماعه من عبادة بن الصامت، وحديثه عن معاذ مرسل، ربما كان بينهما اثنان، وأدرك أبا هريرة، ولم يذكر سماعًا. وقال أحمد: لم يسمع من أبي الدرداء. وقال أبو زرعة لم يلق عائشة. وقال أبو نعيم في الحلية: لم يلق أبا عبيدة. وقال الإسماعيلي: بينه وبين المقدام بن معدي كرب جبير بن نفير. قال الحافظ: وحديثه عن المقدام في صحيح البخاري. وقال يزيد بن هارون: مات وهو صائم. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه مات سنة ١٠٣، وقال دحيم وغيره: مات سنة ١٠٤، وقال يحيى بن صالح، عن إسماعيل بن عياش: سنة ١٠٥، وقيل عن إسماعيل: سنة ١٠٦، وقال أبو عبيد وخليفة: سنة ١٠٨. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من خيار عباد الله، مات سنة ١٠٤، وقيل سنة ١٠٨، وقيل سنة ١٠٣، أخرج له الجماعة. ٥ - (كَثِيرُ بن مُرَّةَ) الحضرمي الرَّهَاوِي، أبو شجرة، ويقال: أبو القاسم الحمصي، ثقة، من [٢] ووهم من عده في الصحابة. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال النسائي: لا بأس به.

стр. 4964

وقال ابن خراش: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي، وكان قد أدرك سبعين بدريًا. وقال أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي: مررت بعوف بن مالك، فقال: أرجو أن تكون رجلًا صالحًا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدحيم: فمن يكون معهم في طبقتهم، يعني جبير بن نفير، وأبا إدريس؟ فقال: كثير بن مرة. قال البخاري: أدرك عبد الملك، يعني خلافته، وذكره في الأسط في "فصل من مات من السبعين إلى الثمانين". وقال العسكري: أخرجه ابن أبي خيثمة في الصحابة الذين يُعرفون بكناهم، وهو وهم. وقال أبو موسى في ذيل الصحابة: أورده عبدان، وحديثه مرسل، ولم يذكره في الصحابة غيره. أخرج له البخاري في جزء القراءة، والأربعة. ٦ - (عمرو بن عَبَسَةَ) بن عامر بن خالد السلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، ومات بحمص، تقدم في ١٤٧. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله ثقات، غير عمرو، وبقية، فصدوقان، إلا أن

стр. 4965

بقية مطعون بالتدليس عن الضعفاء, وتدليس التسوية، ولذا قال أبو مسهر الغساني: بَقِيَّة، ليست أحاديثه نَقِيَّة، فكن منها على تَقِيَّة. ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي, خالد بن معدان عن كثير بن مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمرو بن عَبَسَة) السلمي ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: من) شرطية مبتدأ، جوابها "بني الله" (بنى مسجدًا) قال في الفتح: التنكير فيه للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير, ووقع في رواية أنس عند الترمذي "صغيرًا، أو كبيرًا "، وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر عن عثمان: "ولو كمَفْحَصِ قَطاة"، وهذه الزيادة أيضًا عند ابن حبان، والبزار من حديث أبي ذر. وعند أبي مسلم الكجي من حديث ابن عباس. وعند الطبراني في الأوسط من حديث أنس وابن عمر. وعند أبي نعيم في الحلية من حديث أبي بكر الصديق، ورواه ابن خزيمة من حديث جابر، بلفظ "كمفحص قطاة، أو أصغر". وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه، لتضع فيه بيضها، وترقد عليه، لا يكفي مقداره للصلاة

стр. 4966

فيه، ويؤيده رواية جابر هذه. وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر. وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يسع الجبهة، فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله: "بني" يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة "من بني لله بيتًا"، أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن. وقوله في رواية عمر "من بني مسجدًا يذكر فيه اسم الله" أخرجه ابن ماجه، وابن حبان. وأخرج النسائي نحوه من حديث عمرو بن عبسة -يعني حديث الباب- فكل ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان المتخذ، لا موضع السجود فقط، لكن لا يمتنع إرادة الآخر مجازًا، إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود. وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم. وللطبراني نحوه من حديث أبي قِرْصَافَة، وإسنادهما حسن. انتهى. فتح

стр. 4967

جـ ١ ص ٦٤٩. (يذكر الله فيه) بالبناء للمفعول، والجملة في موضع التعليل، كأنه قيل: بنى ليذكر الله تعالى فيه، فهذا في معنى ما جاء "يبتغي به وجه الله" ولفظ المصنف في الكبرى "ليذكر الله فيه" بلام التعليل. والمراد به الإخلاص، يعني أنه بناه لذكر الله تعالى لا لغرض آخر. والله أعلم. فائدة: قال ابن الجوزي ﵀: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص. انتهى. وقال الحافظ ﵀: ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص، لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة. وروى أصحاب السنن, وابن خزيمة، والحاكم من حديث عقبة بن عامر، مرفوعًا "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه المحتسب في صنعته، والرامي به، والممد به". فقوله "المحتسب في صنعته" أي من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك، أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع. وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدًا بأن يكتفي بتحويطها من غير بناء، وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه، فوقفه مسجدًا؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو

стр. 4968

المنطبق على استدلال عثمان ﵁؛ لأنه استدل بهذا الحديث على ما وقع منه، من بنائه مسجد رسول الله ﷺ ، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه. انتهى. فتح جـ ١ ص ٦٤٩ - ٦٥٠. قال الجامع: التعميم الذي فهمه عثمان ﵁ هو الذي يظهر لي؛ لأنه من أهل اللسان، ففهمه مقدم، ما لم يعارضه نص. والله أعلم. (بني الله له بيتًا) إنما أظهر الفاعل تعظيمًا لذكر اسمه ، وتلذذًا به. تنبيه: وقع في حديث عثمان ﵁، وغيره "بني الله له مثله". وقد اختلفوا في المراد بالمثل هنا: فقال قوم منهم ابن العربي: يعني مثله في المقدار والمساحة. ويرده "بيتًا أوسع منه"، عند أحمد والطبراني من حديث ابن عمر. وروى أحمد أيضًا من طريق واثلة بن الأسقع، بلفظ "أفضل منه". وقال قوم: مثله في الجودة، والحصانة، وطول البقاء. وهذا يرده أن بناء الجنة لا يخرب، بخلاف بناء المساجد، فلا مماثلة. وقال صاحب المفهم: هذه المثلية ليست على ظاهرها، وإنما يعني أنه يبني له بثوابه بيتًا أشرف وأعظم وأرفع. وقال النووي: يحتمل أن يكون قوله: "مثله" أمرين:

стр. 4969

أحدهما: أن يكون معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا عين رأت، ولا أذن لسمعت، ولا خطر على قلب بشر. والثاني: أن يكون معناه أن فضله على بيوت الجنة، كفضل المسجد على بيوت الدنيا. انتهى. وقال الحافظ: لفظ المثل له استعمالان: أحدهما: الإفراد مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]. والآخر: المطابقة، كقوله تعالي: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة، فيحصل جواب من استشكل تقييده بقوله: مثله، مع أن الحسنة بعشر أمثالها، لاحتمال أن يكون المراد: بنى الله له عشرة أبنية مثله. وأما من أجاب باحتمال أن يكون ﷺ قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ففيه بعد، وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة. قال: ومن الأجوبة المرضية أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مائة. قال الشوكاني: وهذا الذي ارتضاه هو الاحتمال الأول الذي ذكره النووي.

стр. 4970

وقيل: إن المثلية هي أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء، لا من غيره، مع قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا، وسعة الجنة. قال الجامع: هذا القول قريب مما قبله. وقال في المفهم: هذا البيت -والله أعلم- مثل بيت خديجة الذي قال فيه: "إنه من قصب" يرد أنه من قصب الزمرد والياقوت. أفاده في النيل جـ ٢ ص ٢٥٧ - ٢٥٨. قال الجامع عفا الله عنه: أقرب الاحتمالات عندي الأول مما قاله النووي ﵀، فهو بيت مثله تسمية؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وأما وصفه فلا يعلمه إلا الله تعالى. والله أعلم. (في الجنة) متعلق ببنى، أو صفة لبيتًا، وفيه إشارة إلى أن فاعل ذلك يدخل الجنة، إذ المقصود بالبناء له أن يسكنه، وهو لا يسكنه إلا بعد الدخول. قاله في "الفتح". والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث عمرو بن عبسة السلمي ﵁ هذا في سنده بقية، مدلس تدليس التسوية، وقد عنعنه، لكنه صحيح بشواهده، فقد أخرج الشيخان وغيرهما حديث عثمان رضي الله تعالى عنه وغيره،

стр. 4971

وسأذكر ما تيسير من ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ ٤/ ٣٨٦، قال: حدثنا حَيْوَة بن شُرَيْح، ثنا بقية، ثنا بَحِير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجدًا، ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتًا في الجنة، ومن أعتق نفسًا مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة". قال الجامع عفا الله عنه: إن تصريح بقية بالتحديث في رواية أحمد ﵀ هذه لا يصحح حديثه؛ لأنه مطعون بتدليس التسوية، ومن يدلس التسوية لابد أن يصرح من فوقه كلهم بالسماع، وهنا لم يصرحوا. وتدليس التسوية: هو أن يسقط ضعيفًا بين ثقتين، وذلك بأن يذكر شيخه وهو ثقة، ويسقط من فوقه لكونه ضعيفًا، وهو يروي عن ثقة، ثم يأتي بلفظ محتمل لسماع شيخه عن الثقة الثاني، وسمي تدليس تسوية لكون المدلس سَوَّى السند كله بذكر الثقات دون غيرهم، ويسمى أيضًا تجويدًا، لذكر الأجواد فيه دون غيرهم، وهو أشر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، ففيه غرر شديد. وممن اشتهر بفعل ذلك بقية المذكور، فقد قال ابن أبي حاتم في

стр. 4972

العلل: سمعت أبي، وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية: حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر، حديث: "لا تحمدوا إسلام المرء، حتى تعرفوا عقدة رأيه" فقال أبي: هذا الحديث له أمر، قلَّ من يفهمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر. . . وعبيد الله كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية، ونسبه إلى بني أسد، كي لا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق لا يُهْتَدَى له. قال: وكان بقية من أفعل الناس لهذا. انظر التدريب جـ ١ ص ٢٢٤، ٢٢٥. قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث": وَشَرُّهُ التَّجْوِيدُ والتَّسْوِيَةُ … إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ كَمِثْلِ عَنْ وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ … . . . . . . . . . . . والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في هذا الحديث بيان فضل بناء المسجد ابتغاء وجه الله تعالى. وقد وردت أحاديث في الترغيب في بناء المساجد، أورد الحافظ المنذري رحمه الله تعالى منها في الترغيب والترهيب أحاديث: منها: حديث عثمان بن عفان ﵁، أنه قال- عند قول الناس فيه، حين بنى مسجد رسول الله ﷺ : إنكم أكثرتم علي، وإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من بنى مسجدًا -قال بكير: حسبت أنه قال- يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتًا في الجنة"، وفي رواية:

стр. 4973

"بنى الله له مثله في الجنة". رواه الشيخان، وغيرهما. ومنها: حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من بنى لله مسجدًا، قدرَ مَفْحَص قَطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة". رواه البزار، واللفظ له في الصغير, وابن حبان في صحيحه. ومَفْحَص القَطاة -بفتح الميم، والحاء المهملة، بينهما فاء ساكنة-: موضع تحفره القطاة لتبيض فيه. ومنها: حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى لله مسجدًا يُذْكَرُ فيه، بنى الله له بيتًا في الجنة". رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه. ومنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: "من حفر بئر ماء، لم يَشْرَب منه كَبِدٌ حَرَّى، من جن، ولا إنس، ولا طائر، إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى مسجدًا كمفحص قطاة، أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة". رواه ابن خزيمة في صحيحه, وروى ابن ماجه منه ذكر المسجد فقط بإسناد صحيح. ورواه أحمد، والبزار عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، إلا أنهما قالا: "كمفحص قطاة لبيضها". وقوله: حرَّى: فَعْلى، من الحَرِّ: أي عَطشَى. ومنها: حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجدًا صغيرًا أو كبيرًا، بنى الله له بيتًا في الجنة" رواه

стр. 4974

الترمذي، حديث حسن. ومنها: حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من بنى لله مسجدًا، بنى الله له بيتًا في الجنة أوسع منه". رواه أحمد بإسناد لين، وهو حديث حسن. ومنها: ما روي عن بشر بن حيان، قال: "جاء واثلة بن الأسقع ﵁، ونحن نبني مسجدًا، قال: فوقف علينا، فسلم، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من بنى مسجدًا يُصَلَّى فيه، بنى الله له في الجنة أفضل منه" رواه أحمد والطبراني. حديث حسن. ومنها: ما روي عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: من بنى مسجدًا، لا يريد رياء، ولا سمعة، بنى الله له بيتًا في الجنة". رواه الطبراني في الأوسط. حديث حسن. ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته، علمًا علمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله، في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته". رواه ابن ماجه، واللفظ له، وابن خزيمة في صحيحه, والبيهقي، وإسناد ابن ماجه حسن. والله أعلم. انظر صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الألباني حفظه الله تعالى. ص ١٠٩ - ١١١.

стр. 4975

وذكر العلامة العيني ﵀ في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ٢١٢: أن حديث الباب روي عن ثلاثة وعشرين صحابيًا، فأورد أحاديثهم، وأكثرها ضعاف، فلا حاجة لذكرها ها هنا؛ لأن الصحاح كافية وافية. وبالله التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
следующие страницы →