بل قالوا: إن ما أصله الجنس يستعمل في الجمع أيضا فلا إشكال فيه، بخلاف العيدان بالكسر جمع عُود، وأجاب بعضهم على تقدير الكسر بأنه جمع اعتبارا للأجزاء، فارتفع الأشكال على الوجهين اهـ جـ ١/ ص ٣٢.
قال العلامة: ابن القيم وكان يسمى يعني القدح الصادر نقله المناوي.
"يبول فيه" أي في ذلك العَيدان ذكّره باعتبار الإناء، أو لأنه اسم جنس يجوز فيه الوجهان.
"ويضعه تحت السرير" جمعه سُرُر مأخوذ من السرور؛ لأنه في الغالب لأولي النعمة. قاله الراغب، وجَعْلُه تحت السرير ليقرب تناوله، وفي رواية أبي داود تقييده بالليل، قال في المنهل: ويفهم من التقييد بالليل أن البول نهارا غير مشروع في القدح إلا لضرورة لأن الليل محل الأعذار غالبا.
وإنما اتخذ النبي ﷺ قدحا للبول رفقا بنفسه وتعليما للأمة، قال المناوي: والظاهر كما قال العراقي أن هذا كان قبل اتخاذ الكنف في البيوت فإنه لا يمكنه التباعد بالليل للمشقة، أما بعد اتخاذها فكان يقضي حاجته فيه ليلا ونهارا. اهـ. وفيه نظر؛ لأن الليل محل مشقة غالبا، فالأولى إبقاء الحديث على إطلاقه، فيجوز اتخاذ إناء للبول فيه ليلا ولو مع وجود الكنيف اهـ. عبارة المنهل جـ ١/ ص ٩٦.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته حديث أميمة ﵂ حديث حسن.
قال العلامة المناوي ما نصه: قال عبد الحق عن الدارقطني: هذا الحديث ملحق بالصحيح جار مُجرَى مصححات الشيخين، وتعقبه ابن القطان بأن الدارقطني لم يقض فيه بصحة ولا ضعف والخبر متوقف الصحة على
стр. 527
العلم بحال الراوية، فإن ثبتت ثقتها صحت روايتها وهي لم تثبت انتهى. وفي اقتفاء السنن: هذا الحديث لم يضعفوه، وهو ضعيف، ففيه حكيمة، وفيها جهالة، فإنه لم يرو عنها إلا ابن جريج، ولم يذكرها ابن حبان في الثقات. انتهى. ونوزع بما فيه طول، والتوسط ما جزم به النووي من أنه حسن. اهـ فيض القدير جـ ٥/ ص ١٧٨.
وقال في المنهل العذب: والحديث ضعيف؛ لأن فيه حكيمة، وفيها جهالة، لكنه تقوى بطرق أخرى، ولذا حسنه النووي، والحافظ ابن حجر، والمناوي في شرحه الكبير، وصححه الحاكم في مستدركه، وذكره ابن حبان في صحيحه. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٩٧ بتصرف يسير. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري.
قال الجامع: سنذكر الطرق التي أشار إليها صاحب المنهل، إن شاء الله تعالى.
"المسألة الثانية": في بيان موضعه عند المصنف، ومن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢٨/ ٣٢، وفي الكبرى -٣٤ - عن أيوب بن محمَّد الوزان، عن حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أمها.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن عيسى، عن حجاج بن محمَّد به، وأخرجه الحاكم وابن حبان، والبيهقي.
"المسألة الثالثة": قال الحافظ السيوطي ﵀: هذا يعني حديث الباب مختصر وقد أتمه ابن عبد البر في الاستيعاب فقال: "فبال ليلة فوضع تحت سريره فجاء، فهذا القدح ليس فيه شيء، فسأل المرأة -يقال لها: بركة، كانت تخدم أم حبيبة، جاءت معها من الحبشة- فقال: أين البول الذي كان في هذا القدح؟ فقالت: شربته يا رسول الله" قال الحاكم في المستدرك هذه سنة غريبة اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٢.
стр. 528
"المسأله الرابعة" قدمنا أن حديث الباب فيه مقال لكنه تقوي بطرق أخري ووعدنا أن نذكرها، فنقول:
أخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أم أيمن، قالت: "قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة، فشريت ما فيها، وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي ﷺ قال: يا أم أيمن قومي، فأهريقي ما في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: أما والله إنه لا تُبْجَعَنَّ بَطْنُك أبدًا" "وتبجعن بالموحدة" ورواه أبو أحمد العسكري بلفظ "ولن تشتكي بطنك".
وأبو مالك ضعيف، ونبيح لم يدرك أم أيمن.
وله طريق أخرى رواها عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرت "أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها: بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة: أين البول الذي كان في القدح؛ قالت: شربته، قال: صحة يا أم يوسف -وكانت تكني أم يوسف- فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه" كذا في التلخيص الحبير، وفيه وصحح ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين، وهو واضح من اختلاف السياق، ووضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن مولاته اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٣١.
"المسألة الخامسة": أنه ورد حديث يعارض حديث الباب، وهو ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند جيد كما قاله العراقي عن عبد الله بن
стр. 529
يزيد عن النبي ﷺ قال "لا ينقع البول في طست في البيت فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع" وما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر قال "لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول".
والجواب: أن المراد به طول مكثه لأنه يقال نقع الماء في منقعه نقْعًا من باب نَفَعَ: طال مكثه قاله في المصباح.
فبان أن المراد طول مكثه، وما في الإناء لا يطول مكثه بل تريقه الخدم عن قريب، ثم يعاد تحت السرير، لما يحدث أفاده المناوي، وقال مغلطاي: يحتمل أن يكون أراد كثرة النجاسة في البيت بخلاف القدح فإنه لا يحصل به نجاسة لمكان آخر. اهـ زهر، ويحمل الحديث الثاني عليه، أي بيتا فيه منتقع.
فإن قلت: يعارضه ما أخرجه أبو يعلى في مسنده، وابن أبي حاتم في العلل والعقيلي في الضعفاء، وابن عدى في الكامل، وابن السني، وأبو نعيم معا في الطب، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه في تفسيره، والرامهرمزي في الأمثال، والمستغفري في الطب النبوي، وعثمان الدارمي في الأطعمة، عن علي ﵁ "أن النبي ﷺ قال أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة كرم على الله تعالى من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّدَ الرُّطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر" ووجه المعارضة أن اتخاذ القدح منها للبول ينافي الإكرام.
قلت: يجاب عن هذا بأن طرق الحديث كلها ضعيفة حتى أورده ابن الجوزي في الموضوعات.
وحكم العلامة ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة بوضعه، فلا يعارض حديث الباب، فلا يحتاج إلى طلب محامل،
стр. 530
وتأويلات؛ لأن طلب ذلك إذا كان الحديث ثابتا. فتنبه.
وعلى فرض صحته فاتخاذ القدح لا ينافي الإكرام، إذ المراد بالإكرام سقيها، وتلقيحها، ونحو ذلك، فإذا انفصلت واتخذت قدحا زال اسم النخلة عنها، أفادة العلامة المناوي في الفيض.
"المسألة السادسة": في هذا الحديث:
جواز إعداد الآنية، واتخاذها للبول فيها بالليل في البيوت بلا كراهة حيث لم يطل مكثه فيه كما قررناه آنفا.
وفيه: بول الرجل بقرب أهل بيته للحاجة.
وفيه: جواز اتخاذ السرير، وأنه لا ينافي التواضع لمسيس الحاجة.
فائدة: قال ابن قتيبة كان سريره ﷺ خشبات مشدودة بالليف، بيعت في زمن بني أمية فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم. نقله المناوي في فيض القدير، جـ ٥/ ص ١٧٨.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 531
٢٩ - البول في الطست
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز البول في الطست للحاجة.
والطست: قال ابن قتيبة أصلها طَسَّ فأبدل من أحد المضعفين تاء، لثقل اجتماع المثلين؛ لأنه يقال في الجمع طسَاس، مثل سهم وسهام، وفي التصغير طُسَيْسَة وجمعت أيضا على طُسوس باعتبار الأصل، وعلى طسوت باعتبار اللفظ، قال ابن الأنباري: قال الفراء: كلام العرب طسة، وقد يقال: طس بغير هاء، وهي مؤنثة، وطيىء تقول: طست، كما قالوا في لص لصت، ونقل عن بعضهم التذكير، والتأنيث، فيقال: هو الطسّة والطست، وهي الطسّة، والطست، وقال الزجاج: التأنيث أكثر كلام العرب، وجمعها طَسَّات على لفظها، وقال السجستاني: هى أعجمية معربة، ولهذا قال الأزهري: هى دخيلة في كلام العرب، لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية. اهـ المصباح المنير.
وقال في القاموس وحكى بالشين المعجمة اهـ.
٣٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا، فَانْخَنَثَتْ نَفْسُهُ وَمَا أَشْعُرُ فَإِلَى مَنْ أَوْصَى؟.
قَالَ الشَّيْخُ: أَزْهَرُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ.
стр. 532
رجال الإسناد: ستة
١ - "عمرو بن علي" الفلاس أحد شيوخ الستة البصري ثقة ثبت [١٠]، تقدم. في ٤/ ٤.
٢ - "أزهر" بن سعد الباهلي مولاهم أبو بكر السمان البصري عن سليمان التيمي، ويونس، وابن عون. وعنه ابن المديني، وإسحاق، وبندار، والذهلي. وثقه ابن سعد. مات ٢٠٣ عن أربع وثمانين سنة، وفي (ت) عن ٩٤، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. من الطبقة التاسعة.
٣ - "ابن عون" وهو عبد الله بن عون بن أرطبان "بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الطاء والباء الموحدة بعدها ألف ونون" المزني مولاهم، أبو عون الخرّاز بفتح المعجمة والمهملة البصري، أحد الأعلام عن عطاء، ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبي، وخلق، وعنه شعبة، والثوري، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون. وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه. قال يحيى القطان: مات سنة ١٥١ أخرج له الجماعة اهـ صه، من الطبقة السادسة. ت.
٤ - "إبراهيم" بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه، يرسل كثيرا، عن علقمة، وهمام بن الحارث، والأسود ابن يزيد، وأبي عبيدة بن عبد الله، ومسروق، عن عائشة، في أبي داود والنسائي، وابن ماجه، وخلق. وعنه الحكم، ومنصور، والأعمش وابن عون، وزبيد، وخلق، وكان لا يتكلم إلا إذا سئل، قال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير، وقال الأعمش: كان إبراهيم يتوقي الشهرة، ولا يجلس إلى الأسطوانة، وقيل: إنه لم يسمع من عائشة،
стр. 533
قال أبو نعيم: مات سنة ٩٦، وقال عمرو بن علي: سنة ٥ آخر السنة، ولد سنة ٥٠، وقيل سنة ٤٧، أخرج له الجماعة. اهـ. صة، من الطبقة الخامسة. ت.
٥ - "الأسود" بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي مخضرم فقيه، عن ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى وطائفة، وعنه إبراهيم النخعي، وابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعمارة بن عمير، وطائفة، وثقه ابن معين، والناس.
قال إبراهيم: كان يختم القرآن في كل ليلتين، وروي أنه حج ثمانين حجة، وتوفي سنة أربع، أو خمس وسبعين. اهـ. صة من الطبقة الثانية. ت.
٦ - "عائشة" أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
فيه أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأن الثلاثة الأولين بصريون، ومن بعدهم كوفيون إلا الصحابية، فإنها مدنية، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه من صيغ الأداء: الإخبار، والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
"عن عائشة" ﵂ أنها "قالت: يقولون" أي الذين يحبون عليا، ويغلون فيه، وهم الشيعة "إن النبي ﷺ أوصى إلى علي" أي عهد إليه بالخلافة، يقال: أوصاه، ووصاه توصية: عهد إليه والاسم الوصاة والوصاية (١) والوصية، وهو الموصى به أيضا، والوصي
стр. 534
الموصي والموصى، وهي وصيّ أيضًا، جمعه أوصياء، ولا يثنى ولا يجمع. اهـ (ق).
وفي المصباح: وأوصيت إليه بمال: جعلته له وأوصيته بولد: استعطفته عليه، وهذا المعنى لا يقتضي الإيجاب، وأوصيته بالصلاة: أمرته بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أي يأمركم، وفي حديث "خطب رسول الله ﷺ فأوصى بتقوى الله" معناه أمر، فيعم الأمر بأي لفظ كان نحو اتقوا الله وأطيعوا الله. اهـ.
والمعنى: أنه ﷺ جعل عليَّ بن أبي طالب ﵁ وصيه وأمره أن يكون خليفته من بعده.
والحاصل: أنهم ذكروا عند عائشة ﵂ أنه ﷺ أوصى لعلي بالخلافة في مرض موته فأنكرت ذلك، وقالت: "لقد دعا" ﷺ "بالطست" قال في اللسان: الطست من آنية الصفر أنثى، وقد تذكر. قال الجوهري: الطست بلغة طىء أبدل من إحدى السينين تاء للاستثقال، فهذا جمعت أو صغرت رَدَدْتَّ السين؛ لأنك فصلت بينهما بألف أو ياء، فقلت: طساس وطُسَيس اهـ. وتقدم في أول الباب مستوفى.
"ليبول فيها" أي الطست لشدة مرضه "فانخنثت نفسه" أي مالت ذاته الشريفة، وفي النهاية أي فانثني، وانكسر لاسترخاء أعضائه ﷺ عند الموت. اهـ. "وما أشعر" أي: أعلم. يقال: شعرت بالشيء شعورًا، من باب قعد وشعْرًا وَشعْرة بكسرهما: علمتُ. اهـ مصباح.
والجملة حال من نفسه، أي والحال أني ما أعلم بموته.
стр. 535
وفي رواية البخاري "فلقد انخنث في حجري، فما شعرت أنه قد مات" "فإلى من" استفهامية للإنكار، والجار والمجرور يتعلق بقوله "أوصى" أي إلى أي شخص عهد النبي ﷺ تريد بذلك الإنكار على من يقول إنه أوصى إلى علي ﵁ بالخلافة في مرض موته، واستندت في نفي ذلك إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من ذلك، فساغ لها نفي ذلك، لكونه منحصرًا في مجالس معينة لم تغلب عن شيء منها.
والحاصل: كما قال القرطبي أنه كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي، فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك، وكذا مَن بعدهم، فمن ذلك ما استدلت به عائشة ﵂ في هذا الحديث.
ومن ذلك أن عليا لم يَدَّع ذلك لنفسه، ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء الشيعة تنقصوا عليا من حيث قصدوا تعظيمه؛ لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين إلى المداهنة، والتقية، والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك "قال الشيخ" يعني المصنف بيانا لشيخ شيخه "أزهر هو ابن سعد السَّمَّان" قال في اللباب: بفتح السين وتشديد الميم وفي آخره نون نسبة إلى بيع السمن وحمله. اهـ. والقائل قال الشيخ أحد تلامذته. والظاهر أنه ابن السني والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث عائشة ﵂ أخرجه البخاري.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف:
стр. 536
أخرجه هنا، وفي الوصايا عن عمرو بن علي، عن أزهر بن سعد، عن ابن عون الخ، وفي الوصايا أيضا عن أحمد بن سليمان، عن عارم عن حماد بن زيد، عن ابن عون به "توفي رسول الله ﷺ وليس عنده أحد غيري ودعا بالطست" قال أبو الحجاج المزي: كذا في رواية ابن السني أحمد بن سليمان، وفبم رواية حمزة بن محمَّد الكناني أحمد بن سفيان، وفي رواية أبي الحسن بن حيوية أحمد بن نصر. اهـ.
"المسألة الثالثة": فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري: في الوصايا عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن إسماعيل بن علية بالسند المذكور.
وأخرجه الترمذي: في الشمائل عن حميد بن مسعدة، عن سليم بن أخضر، عن ابن عون نحوه.
وأخرجه ابن ماجه في الجنائز عن أبي بكر بن أبي شيبة به، قاله المزي جـ ١١/ ص ٣٦٤.
"المسألة الرابعة": أن المقصود بنفي عائشة ﵂ الوصية في هذا الحديث هو نفي الوصية بالخلافة إلى علي ﵁ وكذا إلى غيره.
فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند قوي، وصححه من رواية أرقم ابن شرحبيل، عن ابن عباس في أثناء حديث فيه أمر النبي ﷺ في مرضه أبا بكر أن يصلي بالناس، قال في آخر الحديث "مات رسول الله ﷺ ولم يوص" وعن عمر ﵁ "مات رسول الله ﷺ ولم يستخلف".
وأخرج أحمد والبيهقي في الدلائل من طريق الأسود بن قيس، عن عمرو بن أبي سفيان، عن علي أنه لما ظهر يوم الجمل قال: يا أيها الناس
стр. 537
"إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا" الحديث ذكره الحافظ في الفتح في الوصايا، جـ ٥/ ص ٤٢٦.
"المسألة الخامسة" في وصيته بغير الخلافة:
قال الحافظ ﵀: وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث يجتمع منها أشياء:
منها: حديث أخرجه أحمد، وهناد بن السري في الزهد وابن سعد في الطبقات، وابن خزيمة كلهم من طريق محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة "أن النبي ﷺ قال في وجعه الذي مات فيه ما فعلت الذُّهَيْبَةُ (١) قلت: عندي، فقال: أنفقيها" الحديث.
وأخرج ابن سعد من طريق أبي حازم، عن أبي سلمة، عن عائشة نحوه، ومن وجه آخر عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، ورد فيه "ابعثي بها إلى علي بن أبي طالب ليتصدق بها" وفي المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير عنه حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: "لم يوص رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث لكل من الداريين، والرهاويين، والأشعريين بجاد (٢) مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن يُنَفَّذ بعث أسامة".
وأخرج مسلم في حديث ابن عباس "وأوصى بثلاث أن تجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" الحديث.
وفي حديث ابن أبي أوفى الذي قبل هذا "أوصى بكتاب الله" وفي
стр. 538
حديث أنس عنه عند النسائي، وأحمد، وابن سعد، واللفظ له:
"كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم" وله شاهد من حديث علي عند أبي داود، وابن ماجه، وآخر من رواية نعيم بن يزيد، عن علي "وأدوا الزكاة بعد الصلاة" أخرجه أحمد، ولحديث أنس شاهد آخر من حديث أم سلمة عند النسائي بسند جيد.
وأخرج سيف بن عمر في الفتوح من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة أن النبي ﷺ حَذَّرَ من الفتن في مرض موته، ولزوم الجماعة، والطاعة.
وأخرج الواقدي من مرسل العلاء بن عبد الرحمن "أنه ﷺ أوصى إلى فاطمة فقال: "قولي إذا مت إنا لله وإنا إليه راجعون" وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عبد الرحمن بن عوف، قالوا: يا رسول الله أوصنا -يعني في مرض موته- فقال: "أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وأبنائهم من بعدهم" وقال: لا يروى عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد، تفرد به عتيق بن يعقوب. انتهى وفيه من لا يعرف حاله.
وفي سنن ابن ماجه من حديث علي قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أنا مت فغسلوني بسبع قرب من بئر غَرْس (١) " وكانت بقباء، وكان يشرب منها.
وفي مسند البزار، ومستدرك الحاكم بسند ضعيف أنه ﷺ أوصي أن يصلوا عليه أرسالا بغير إمام. اهـ فتح، جـ ٥/ ص ٤٧٦.
"المسألة السادسة": أشارت عائشة ﵂ في هذا الحديث إلى رد ما أشاعته الرافضة والشيعة من أن النبي ﷺ أوصى إلى علي
стр. 539
بالخلافة وأن يُوَفيّ ديونه:
فمن ذلك: ما أخرجه العقيلي وغيره في الضعفاء في ترجمة حكيم ابن جبير من طريق عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان أنه قال: قلت: يا رسول الله، إن الله لم يبعث نبيا إلا بين له من يلي بعده، فهل بَيّن لك؟ قال: نعم علي بن أبي طالب"، ومن طريق جرير ابن عبد الحميد عن أشياخ من قومه عن سلمان، قلت: "من وصيك؟ قال: وصيي وموضع سري، وخليفتي على أهلي، وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب، ومن طريق أبي ربيعة الإيادي عن ابن بريدة، عن أبيه رفعه "لكل نبي وصي وإن عليا وصيي وولدي" ومن طريق عبد الله بن السائب، عن أبي ذر رفعه "أنا خاتم النبيين، وعليٌّ خاتم الأوصياء" أوردها وغيرها ابن الجوزي في الموضوعات.
ومن أكاذيبهم أيضًا: ما رواه كثير بن يحيى، وهو من كبار الرافضة، عن أبي عوانة، عن الأجلح، عن زيد بن علي بن الحسين، قال: لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ فذكر قصة طويلة فيها: فدخل علي فقامت عائشة فأكب عليه فأخبره بألف باب مما يكون قبل يوم القيامة، يفتح كل باب منها ألف باب" وهذا مرسل أو معضل، وله طريق أخرى موصولة عند ابن عدي في كتاب الضعفاء، من حديث عبد الله بن عمر بسند واه، ذكرَ كلَّ هذا في الفتح بعضه في "باب آخر ما تكلم به النبي ﷺ " جـ ٧/ ص ٧٥٧ وبعضه في كتاب الوصايا جـ ٤/ ص ٤٢٧.
"المسألة السابعة": في الحديث بيان أن النبي ﷺ ما أوصى بالخلافة إلى علي ﵁ وإبطال قول الرافضة والشيعة.
وفيه جواز البول في الطست، ونحوه من الأواني إذا دعت إليه حاجة
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 540
٣٠ - كراهية البول في الجُحْر
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على كراهية البول في الجحر.
والكراهية مصدر كرُهَ يقال: كَرُه الأمرُ والمنظرُ، كراهة، فهو كَريه مثل قَبُحَ قباحةً فهو قَبيح وَزْنا ومعنى، وكلراهية بالتخفيف أيضا، وكرهته كرهه، من باب تعب كُرْها بضم الكاف، وفتحها: ضد أحببته فهو مكروه، والكَره بالفتح المشقة، وبالضم القهر، وقيل بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، وأكرهته على الأمر إكراها: حملته عليه قهرا يقال: فعلته كرها بالفتح، أي إكراهًا، وعليه قوله ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: آية ١١] فقابل بين الضدين قال الزجاج كل ما في القرآن من الكره بالضم فالفتح فيه جائز إلا قوله في سورة البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢١٦] والكريهة الشدة في الحرب اهـ المصباح.
والجحر: بالضم كل شيء تحتفره الهَوَامُّ والسباع لأنفسها كالجُحران جمعه جحرة، وأجحار. اهـ قاموس، وقال: والجَحر بالفتح: الغار البعيد القعر. اهـ.
وفي المصباح: الجُحْر للضب، واليربوع، والحية، والجمع: جحَرَة مثل عنَبَة. اهـ.
٣٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ".
стр. 541
قَالُوا لِقَتَادَةَ: وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - "عبيد الله بن سعيد" بن يحيى اليشكري أبو قُدامة السرخسي نزيل نيسابور ثقة مأمون سني من العاشرة مات سنة ٢٤١ تقدم-١٥/ ١٥
٢ - "معاذ بن هشام" الدستوائي البصري نزيل اليمن، عن أبيه، وشعبة، وجماعة، وعنه ابن المديني، وإسحاق الكوسج، قال ابن معين: صدوق ليس بحجة، وقال ابن عدي له حديث كثير ربما يغلط، وأرجو أنه صدوق، مات سنة مائتين وأخرج له الجماعة اهـ (خ). صه من الطبقة [٩].
٣ - "أبو معاذ" هو هشام بن أبي عبد الله سَنبر وزان جعفر، أبو بكر البصري ثقة ثبت وقد رمى بالقدر، من كبار [٧] تقدم. في ٢٤/ ٢٥.
٤ - "قتادة" بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري الأكمه أحدا لأئمة الأعلام حافظ مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، وابن سيرين، وخلق، وعنه أيوب، وحميد، وحسين المعلم، والأوزاعي، وشعبة، وعلقمة، قال ابن المسيب: ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة، وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس، وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد، قال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح. رأس الطبقة الرابعة.
٥ - "عبد الله بن سَرْجس" بفتح أوله وكسر الجيم، المزني، حليف
стр. 542
بني مخزوم، البصري صحابي له سبعة عشر حديثا، انفرد به مسلم بحديث، وعنه عثمان بن حكيم، وعاصم الأحول، وقتادة، أخرج له مسلم والأربعة. اهـ صة. بزيادة.
لطائف الإسناد
منها: أنه مسلسل بالبصريين إلا شيخ المصنف فإنه سرخسي، ثم نيسابوري، وأنه من خماسياته، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن عبد الله بن سرجس" بمنع الصرف للعلمية والعجمة على وزن نَرجس، قال الزركشي: وليس في كلام العرب فَعْلل بكسر اللام، لأن هذا الوزن مختص بالأمر من الرباعي، وأما نَرْجس فنونه زائدة، وإن
كان عربيا.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: صحابي صحيح السماع من حديثه عند مسلم وغيره "رأيت النبي ﷺ فأكلت معه خبزا ولحما ورأيت الخاتم" الحديث وفيه "فقلت استغفر لي يا رسول الله" وقال البخاري وابن حبان: له صحبة اهـ المنهل، جـ ١/ ص ١١٤.
"أن نبى الله ﷺ قال: لا يبولن" بنون التأكيد "أحدكم في جحر" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة في الأصل ما تحتفره السباع والهوام لأنفسها وتقدم بأبسط من هذا في أول الباب.
والمراد به في الحديث الشَّقُّ في الحائط أو في الأرض أوغيرهما. ومثل البول الغائطُ بل هو أولى، ومحل النهي ما لم يكن مُعَدًا لذلك. أفاده في المنهل، جـ ١ / ص ١١٤.
стр. 543
قال هشام الدستوائي: " قالوا" أي الجماعة الحاضرون عند تحديث قتادة بهذا الحديث لهم "لقتادة" مستفهمين عن سبب كراهة البول في الجحر "وما يكره من البول في الجحر؟ " ما استفهامية ويكره بضم أوله مبنيا للمفعول أي يبغض، ومن زائدة، والبول نائب الفاعل، أي قالوا: لأي شيء يكره البول في الجحر؟ فالاستفهام إنما هو عن سبب كراهة البول في الجحر أفاده في المنهل.
وقال السندي: الظاهر أن ما موصولة مبتدأ والخبر مقدر، أي لماذا، إذ الظاهر أن السؤال عن سبب الكراهة. اهـ "قال" قتادة جوابا عن هذا الاستفهام "يقال: إنها" أي جنس الجُحْر، ولذلك قال "مساكن الجن" بصيغة الجمع، والتأنيث لمراعاته الخبر. قاله السندي.
وقال الشيخ ولي الدين: أعاد الضمير على الجحر، وهو يدل على أنه مؤنث، ويحتمل أن يريد الجحَرَة التي هي جمعه، وإن لم يتقدم ذكرها. اهـ.
وفي المنهل ما نصه: والضمير في إنها يحتمل أن يكون عائدًا على الأجحار المفهومة من السياق بدليل الجمع في قوله مساكن، ويحتمل أن يكون عائدا على الجحر بمعني الفرجة، وجمع الخبر باعتبار الجنس اهـ.
والمساكن: جمع مسكن بفتح الكاف وكسرها البيت.
والجن: بكسر الجيم ومثله الجنَّة خلاف الإنسان، والجان الواحد من الجن، وهو الحيَّةُ البيضاء أيضا قاله في المصباح.
والمراد بالجن هنا كل ما هو مستور عن أعين الناس، لا خصوص أحد الثقلين، فيشمل الحشرات والهوام، والجن في الأصل ضد الإنس، مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس، وهو اسم جنس واحده جني اهـ المنهل.
стр. 544
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته هذا الحديث صححه ابن السكن وابن خزيمة، قال الحافظ في التلخيص: وقيل إن قتادة لم يسمع من عبد الله ابن سرجس، حكاه حرب، عن أحمد، وأثبت السماع منه علي بن عبد الله المديني اهـ، جـ ١/ ص ١٠٦ وضعف الحديث الشيخ الألباني بعنعنة قتادة. وقال في البدر المنير: ثبت سماع قتادة من ابن سرجس، وقال المنذري: رجال إسناده ثقات. وقال الطبراني: سمعت محمَّد بن أحمد بن البراء، قال علي بن المديني: سمع قتادة من ابن سرجس، وعن أبي حاتم، لم يلق قتادة من الصحابة إلا أنسا، وعبدُ الله بن سرجس، وقال الحاكم: إن الحديث صحيح على شرط الشيخين اهـ. المنهل باختصار جـ ١/ ص ١٦٦.
قال الجامع: علة الحديث كما سبق عن الشيخ الألباني عنعنة قتادة. والله أعلم.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه المصنف هنا عن عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس، وفي الكبري رقم ٣٠ بالسند المذكور.
"المسألة الثالثة": فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في الطهارة أيضا عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه بالسند المذكور. اهـ تحفة الأشراف جـ ٤/ ص ٣٥٠.
وأخرجه أحمد، والحاكم، وكذا البيهقي مطولا بلفظ "لا يبولن
стр. 545
أحدكم في الجُحر وإذا نمتم فأطفئوا السراج، فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق على أهل البيت، وأوكئوا الأسقية، وخمروا الشراب وأغلقوا الأبواب" فقيل لقتادة: وما يكره من البول في الجُحْر فقال: إنها مساكن الجن.
"المسألة الرابعة": فيما يستفاد من الحديث:
دل الحديث على كراهة البول في الحُفَر التي تسكنها السباع والهوام خشية الأذى، قال في المنهل: ومحل الكراهة ما لم يغلب على الظن أذى له، أو لما في الجُحْر من حيوان محترم، وإلا حرم كما هو ظاهر النهي.
ودل أيضا على أنه يطلب من العاقل البعد عما يخشى منه الضرر، وعلى مزيد رأفة النبي ﷺ بالأمة، وعلى أنه يطلب ممن تولى أمر جماعة أن يأمرهم بما فيه نفعهم، وينهاهم عما فيه ضررهم. قاله في المنهل جـ ١/ ص ١١٦.
"المسألة الخامسة": في قول قتادة: يقال إنها مساكن الجن بيان لسبب كراهة البول في الجُحْر، وذلك لئلا يحصل له ضرر، وفي رواية البيهقي، والحاكم، فقال: "إنها مساكن الجن" بدون قوله كان يقال كما تقدم.
قال المناوي في شرحه الكبير: ويؤيده الأثر الصحيح أن سعد بن عُبَادة الخزرجي بال في جُحر ثم خَرَّ ميتا، فسُمعَت الجنُّ تقول:
نحنُ قَتَلنَا سَيًدَ الخَزْ .... رَجْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بسَهْم .... فَلمْ يُخْطىءْ فُؤادَهْ
قال في المرقاة شرح المشكاة بعد أن ذكر هذا الأثر الله أعلم بصحته اهـ المنهل.
стр. 546
قال الجامع عفا الله عنه: قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سعد هذا ما نصه: ولم يختلفوا أنه وُجدَ ميتا في مُغتَسَله، وقد اخْضَرَّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سَمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدًا:
نحنُ قَتَلنَا سَيِّدَ الخَز .... رَجْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
رَمَيْنَاهُ بسَهْمَين .... فَلَمْ نُخْط فُؤَادَهْ
ويقال: إن الجن قتلته، روى ابن جريج عن عطاء أنه قال: سمعت أن الجن قالت في سعد بن عبادة فذكر البيتين اهـ، جـ ٢/ ص ٣٧.
قال العلامة الألباني: بعد ذكر كلام ابن عبد البر: "ولكن لم أجد له إسنادًا صحيحًا على طريقة المحدثين". انظر الإرواء جـ ١ / ص ٩٤.
"المسألة السادسة" في قوله مساكن الجن؛ الجن في الأصل ضد الإنس مأخوذ من الاجتنان، وهو الاستتار، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس، وهو اسم جنس واحده جني، وهم أجسام يغلب عليها الجزء الناري، وقيل الهوائي، من شأنهم الخفاء، ولهم قدرة على التشكل بالصورة الشريفة والخسيسة، وتحكُمُ عليهم الصورة بخلاف الملائكة، فإنهم أجسام نورانية لهم قدرة على التشكل بالصورة الشريفة فقط، ولا تحكم عليهم الصورة.
قال في آكام المرجان: الجن ثلاثة أصناف، كما جاء في الحديث، روى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله تعالى الجن ثلاثة أصناف، صنف حيات، وعقارب، وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب اهـ (١).
стр. 547
وهذا القسم الأخير هو المكلف من حين الخلقة فمنهم الكافر قال تعالى: عنهم ﴿﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] قال المفسرون: أي فرقًا مختلفة الأديان يهود ونصارى وعبدة أوثان.
وقال الألوسي في روح المعاني: أخرج البيهقي في الأسماء، وأبو
نعيم والديلمي، وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله العراقي عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله ﷺ "الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون" وقال وهب: إن من الجن من يولد له ويأكلون، ويشربون بمنزلة الآدميين، ومنهم من هو بمنزلة الريح، لا يتوالدون ولا يأكلون، ولا يشربون، وهم الشياطين اهـ.
واختلف في أصل الجن: فقيل هم ذرية إبليس كما قاله الحسن، وعليه فالمتمرد منهم يسمى شيطانًا، وقيل: هم ذرية غيره كما قاله مجاهد، والشياطين ولد إبليس يموتون معه عند النفخة، والراجح الأول، فمن آمن من الجن فقد انقطعت نسبته من أبيه، والتحق بآدم، ومن كفر من الإنس، فقد انقطعت نسبته من أبيه، والتحق بإبليس ومن أراد زيادة البيان فعليه بكتاب آكام المرجان. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١١٦.
"المسألة السابعة" في خاتمة نختم بها الباب:
اعلم أن المصنف ﵀ استعمل لفظ الكراهية هنا، وأكثر منه الترمذي، قال العلامة المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: ما نصه: ومن الألفاظ التي استعملها الترمذي في هذا الكتاب لفظ الكراهة والكراهية، فقال باب كراهية الاستنجاء باليمين، إلى آخر ما ذكره، ثم قال: وهكذا قد أكثر استعمال هذا اللفظ في تراجم الأبواب.
стр. 548
فاعلم أن الإمام الترمذي لم يرد بهذا اللفظ ما هو المشهور أعني التنزيه وترك الأولى، بل أراد بهذا اللفظ معنى عاما شاملا للتنزيه والحرمة، وقد جاء هذا اللفظ في كلام السلف بمعنى الحرمة كثيرًا.
قال العيني في عمدة القارئ: جـ ٣/ ص ٣٨٧ المتقدمون يطلقون الكراهة، ويريدون كراهة التحريم انتهى.
وقال صاحب الدين الخالص في شرح حديث ابن مسعود "الطِّيَرَة شرك": هذا صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب على غير الله، ومن قال إنها تكره، فالكراهة في اصطلاح
السلف بمعنى الحرام انتهى.
ولنا أن نذكر كلام الحافظ ابن القيم في هذا الباب فإنه نافع جدًا:
قال في إعلام الموقعين: وقد حرم الله القول عليه بغير علم في الفتيا، والقضاء، فقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٣] وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه، وقال تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أن لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله، وحرمه، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله وحرمه الله لمجرد التقليد، أو التأويل.
стр. 549
وقد نهى النبي ﷺ في الحديث الصحيح أميره بُرَيدة أن يُنزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك، وحكم أصحابك" فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمَّى حكم المجتهدين حكم الله، ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حُكْما حكم به، فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل: هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس، ولا من مضي من سلفنا، ولا أدركلت أحدا أقتدى به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسنا، فينبغي هذا، ولا نرى هذا، ورواه عنه عتيق ابن يعقوب، وزاد: ولا يقولون: حلال، ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
قال الحافظ ابن القيم: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة فَنَفَى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًا في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة.
стр. 550
وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم، لأجل قول عثمان، وقال في رواية أبي داود: يستحب ألا يدخل الحمام إلا بمئزر له، وهذا استحبابُ وجوب، وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حراما، فلا يعجبني أن يؤكل ماله، وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد الله لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة والكواكب، ولا الكنيسة، وكل شيء ذبح لغير الله، قال الله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: آية ٣] فتأمل كيف قال لا يعجبني فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه، وقال في رواية الأثرم: أكره لحوم الجلالة وألبانها، وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره، وقال في رواية ابنه عبد الله: أكره أكل لحم الحية والعقرب، لأن الحية لها ناب، والعقرب لها حُمَة، ولا يختلف مذهبه في تحريمه.
وذكر ابن القيم أشياء من هذا النحو من كلام أحمد، قال: وهذا في أجوبته أكثر من أن يستقصى وكذلك غيره من الأئمة.
وقد نص محمَّد بن الحسن إن كل مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يُطلق عليه لفظ الحرام، وروى محمَّد أيضا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب، وقد قال في الجامع الكبير: يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء ومراده التحريم، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النوم على فرش الحرير، والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم إلى أن قال وهذا كثير في كلامهم جدًا.
قال: وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح،
стр. 551
ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي ناب من السبع مكروه غير مباح، وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام.
فمنها: أن مالكا نص على كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هى دون التحريم.
قال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهو شبه الباطل أكرهه، ولا يتبين لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه، فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز، وأنه مباح فإنه لم يقل هذا ولا يدل عليه، والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته.
ومن هذا أيضا: أنه نص على كراهة تزوج الرجل من بنته من ماء الزنا ولم يقل قط إنه مباح، ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة؛ لأن الحرام يكرهه الله ورسوله، وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٣٨].
وفي الصحيح "أن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعمل فيه كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على
стр. 552
تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركُهُ أرجح من فعله، ثم منهم من حمل كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة، أو لفظ ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعا وقدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: آية ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: آية ٦٩] وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: آية ٢١٠، ٢١١]﴾ وقوله على لسان نبيه: "كذبني ابن آدم، وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم، وما ينبغي له" وقوله ﷺ "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام" وقوله ﷺ في لباس الحرير "ولا ينبغي هذا للمتقين" وأمثال ذلك. انتهى كلام العلامة ابن القيم اهـ مقدمة تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٤١٧.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 553
٣١ - النهي عن البول في الماء الراكد
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على النهي عن البول في الماء الراكد.
والنهي: مصدر، يقال نهيته عن الشيء أنهاه نهيا، فانتهى عنه، ونهوته نهوا لغة، ونهى الله تعالى: أي حرم والنهية "أي بالضم" العقل، لأنها تنهى عن القبيح. قاله في المصباح.
والراكد: اسم فاعل من ركد الماء رُكودا من باب قعد: سكن، وأركدته أسكنته، وركدت السفينة وقفت فلا تجري. قاله في المصباح.
٣٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ.
رجال السند: أربعة
١ - "قتيبة" بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي البغلاني ثقة ثبت ١٠ ت٢٤٠ تقدم وهو أول من بدأ به المصنف سننه من شيوخه.
٢ - "الليث" بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم الإمام عالم مصر، وفقيهها، ورئيسها، عن سعيد المقبري، وعطاء، ونافع، وقتادة، والزهري، وصفوان بن سليم، وخلائق. وعنه ابن عجلان، وابن لهيعة، وهشيم، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأمم.
стр. 554
قال ابن بكير: وهو أفقه من مالك، وقال محمَّد بن رمح: كان دخل الليث ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة قط، وثقه أحمد، وابن معين، والناس، قال ابن بكير: ولد سنة أربع وتسعين، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة، أخرج له الجماعة اهـ صه بزيادة شيء. من الطبقة السابعة. ت.
٣ - "أبو الزبير" محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس بفتح المثناة وضم المهملة الثانية، الأسدي مولاهم المكي، أحد الأئمة، ثقة يدلس. عن جابر، وابن عباس، وعائشة في مسلم، والأربعة، وعبد الله بن عمرو في ابن ماجه، قال ابن معين: لم يلقه، وابن عمر في مسلم. وخلق، وعنه أيوب، والسفيانان، ومالك، وخلائق وعنه من شيوخه عطاء في النسائي. وثقه ابن معين، والنسائي، وابن عدي، وأما أبو حاتم وأبو زرعة فقالا: لا يحتج به. قال ابن المديني: مات سنة ثمان وعشرين ومائه. له عند البخاري حديث، قرنه مسلم بآخر، أخرج له الجماعة اهـ صه، من الطبقة الرابعة. ت.
٤ - "جابر" بن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح المهملة الأنصاري السَّلَمي بفتحتين، أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله، أو أبو محمَّد المدني، صحابي مشهور، له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثا، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وشهد العقبة، وغزا تسع عشرة غزوة، وعنه بنوه وطاوس، والشعبي، وعطاء، وخلق، قال جابر: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة، قال الفلاس مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة عن أربع وسبعين سنة، أخرج له الجماعة اهـ. صه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أنه أحد المكثرين في الرواية من
стр. 555
الصحابة ﵃ وهم سبعة قال السيوطي في ألفيته:
والمُكْثرُونَ في روايَة الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ
وأنسٌ والبحرُ كَالخُدْريِّ … وَجَابرٌ وَزَوْجَةُ النَّبيِّ
لطائف الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف وهو أعلى ما وقع له من الإسناد، وهذا هو الرابع من الرباعيات، وقد تقدم به في ٦/ ٦، ١٤/ ١٤. ١٩/ ١٩.
ومنها: أن رواته ما بين بلخي وهو قتيبة، ومصري وهو الليث، ومكي وهو أبو الزبير، ومدني وهو جابر.
وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن جابر" بن عبد الله ﵄ "عن رسول الله ﷺ أنه نهى" أي منع "عن البول في الماء الراكد" أي الواقف الذي لا يجري.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يحرم البول فيه، لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا، فقد قال بعض الشافعية: يكره. والمختار أنه يحرم، لأنه يقذره، وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وغيره، ولعل هذا محمل حديث جابر "أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الجاري" رواه الطبراني ورجاله ثقات، وإلا فالظاهر عدم التفرقة بين القليل وغيره.
وإن كان كثيرا راكدا؛ فقيل: يكره، والمختار الحرمة لأن النهي يقتضي التحريم، ولأنه ربما أدَّي إلى تنجسه بالإجماع إذا تغير، أو إلى
стр. 556
تنجسه عند أبي حنيفة، ومن وافقه في أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم ينجسى بوقوع نجس فيه، وإن كان راكدا قليلا فالصواب حرمة البول فيه، لأنه ينجسه، والتغوط في الماء كالبول فيه، بل هو أقبح، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء بحيث يجرى إليه البول فكله مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل المذكور، ولا مخالف في هذا إلا ما حكي عن داود من أن النهي مختص بالبول في نفس الماء، وأن الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، وهذا خلاف الإجماع، وهو من أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر.
قال العلماء: ويكره البول والتغوط بقرب الماء، وإن لم يصل إليه لعموم النهي من البراز في الموارد، ولما فيه من إذاء المارين بالماء، ولما يخاف من وصوله إلى الماء.
وأما انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه، فإن كان قليلا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء، وإن كان كثيرًا جاريًا، فلا بأس به وإن كان راكدا فليس بحرام، ولا تظهر كراهته؛ لأنه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن. اهـ كلام النووي باختصار جـ ١/ ص ٣١٣.
قال العراقي: إن أراد الاستنجاء من الغائط ففي عدم الكراهة نظر خصوصا لمن لم يخففه بالحجر، ومع الانتشار والكثرة فربما كان أفحش من البول. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٦.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث جابر ﵁ أخرجه مسلم.
стр. 557
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٣/ ٣٥ وفي الكبري ٢٦/ ٣٥ بهذا السند فقط.
"المسألة الثالثة": فيمن أخرجه معه:
أخرج هذا الحديث مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، ومحمد بن رُمْح ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن أبي الزيبر، عن جابر.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمَّد بن رُمح بالسند المذكور قاله في التحفة جـ ٣/ ص ٣٣٩.
وأخرجه الطحاوي، والطبراني في الأوسط. قاله في المنهل جـ ١ / ص ٢٤٨.
"المسألة الرابعة": فيما يستفاد من الحديث دل بمنطوقه على حرمة البول في الماء الراكد لكن محله إذا لم يكن كثيرا مستبحرا، ويلحق بالبول التغوط، بل هو أقبح، ودل بمفهومه على جواز البول في الماء الجاري، لكن الأولى اجتنابه، وقد مر تفصيله في كلام النووي، وعلى نجاسة البول.
"المسألة الخامسة": اعلم أنه احتج بهذا الحديث الحنفية في تنجيس الماء الراكد بحلول النجاسة فيه، وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم، وأجاب المانعون بأن هذا الحديث يتعذر العمل بعمومه إجماعا، لأن الماء الدائم الكثير المستبحر لا تؤثر فيه النجاسة اتفاقا، وإذا بطل عمومه وتطرق إليه التخصيص خصصناه بحديث القلتين، فيحمل عمومه على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام. أفاده العراقي في طرح التثريب جـ ٢/ ص ٣٢.
стр. 558
"المسألة السادسة": في هذا الحديث النهي عن البول في الماء الراكد، وقد أخذ داود بن علي الظاهري بظاهره، وقال: النهي مختص بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختص ببول الإنسان نفسه، وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره، وجاز أيضا للبائل إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء، ثم جرى إليه، وهذا من أقبح ما نقل عنه. أفاده العيني جـ ٣/ ص ٥٠، وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى. أفاده في النيل.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر كلاما طويلا ما نصه:
وبهذا الطريق يُعلم أنه إذا كان ﷺ قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنه قد يحتاج إليه فلأن يَنهى البول في إناء، ثم يصبه فيه بطريق أولى. ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم.
ودع الظاهرية البَحتَة، فإنها تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته من الحكم، والمصالح، والعدل، والرحمة. اهـ تهذيب السنن جـ ١/ ص ٦٦.
"المسألة السابعة": احتج بهذا الحديث أحمد على أن بول الآدمي، وما في معناه من العذرة ينجس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين وأنَّ غير ذلك من النجاسات يعتبر فيه القلتان، فلم يُعَدِّ حكم البول والعَذرة إلى غيرهما من النجاسات.
قال ابن دقيق العيد: وكأنه رأى الخبث المذكور في حديث القلتين عاما بالنسبة إلى الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فقدم الخاص على العام بالنسبة إلى الأنجاس الواقعة في الماء
الكثير، وأخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في
стр. 559
القلتين بخصوصه، فينجس الماء دون غيره من النجاسات، ثم قال: ولمخالفهم أن يقول قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في النجاسة، وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها، وهذا المعنى يستوي فيه سائر الأنجاس، فلا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى، إلى أن قال. فيحمل الحديث على أن ذكر البول ورد تنبيها على غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار، والوقوف على مجرد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة. اهـ طرح جـ ١/ ص ٣٢.
"المسألة الثامنة": أنه حمل مالك النهي في هذا الحديث على الكراهة، لا على التحريم لأن الماء لا يتنجس عنده بوصول النجاسة إليه إلا بالتغير كثيرا كان أو قليلًا جاريا كان أو راكدا.
ولكن ربما تغير الراكد بالبول فيه فيكون الاغتسال به محرما بالإجماع.
قال ابن دقيق العيد: وهذا يلتفت على حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، وهي مسألة أصولية، قال: وقد يقال على هذا: إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين، قال: وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث فإن جعلنا النهي للتحريم كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه انتهى.
وأجاب صاحب المفهم عن مالك: بأنه وإن كان مشهور مذهبه أنه طهور فإنه يصح أن يحمل هذا الحديث على سد الذريعة لأنه ربما أدى إلى تغيره فنهي عن ذلك اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٣ بتصرف.
"المسألة التاسعة": قال العلامة ابن دقيق العيد: اعلم أن هذا الحديث
стр. 560
لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص، أو التقييد، لأن الاتفاق واقع على أن المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك ﵀ إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير؛ لا بد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة أعني عن الحكم بالكراهة، فإن الحكم ثمة التحريم، فإذا لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل اهـ إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٢.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 561
٣٢ - كراهية البول في المُسْتَحَمِّ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كراهية البول في المستحم، أي المُغْتَسَل فيه.
والكراهية: مصدر كره، يقال: كره الأمر، والمنظر كراهة فهو كريه، مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى، وكراهية بالتخفيف أيضا. اهـ المصباح. وتقدم في الباب ٣٠ بأوضح من هذا فارجع إليه.
والمستحم: بفتح الحاء وتشديد الميم أصله الموضع الذي يغتسل فيه بالماء الحميم، وهو الحار، ثم شاع في مطلق المُغْتَسَل.
وذكر ثعلب أن الحميم يطلق أيضا على الماء البارد من الأضداد، أفاده في الزهر.
٣٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - "علي بن حجر" بضم فسكون بن إياس السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
стр. 562
٢ - "ابن المبارك" هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام، وشيوخ الإسلام.
عن حميد، وإسماعيل بن أبي خالد، وحسين المعلم، وسليمان وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، وخلق. ويروي عنه السفيانان من شيوخه، ومعتمر، وبقية، وابن مهدي، وسعيد بن منصور، وخلائق، قال ابن المبارك: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف، قال ابن عيينة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام. وقال ابن معين: ثقة صحيح الحديث. وقال ابن مهدي: كان نسيج وحده، ولد ابن المبارك سنة ١١٨، ومات سنة ١٨١ وترجمته كبيرة في الحلية لأبي نعيم، وتاريخ الحاكم. اهـ. صه، من الطبقة الثامنة.
٣ - "معمر" بن راشد الأزدي، أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت من كبار [٧] تقدم. في ١٠/ ١٠.
٤ - "الأشعث بن عبد الله" بن جابر الحداني بمهملتين مضمومة، ثم مشددة، الأزدي، أبو عبد الله البصري، وقد ينسب إلى جده، وهو الحملي بضم المهملة، وسكون الميم، صدوق -٥ - (خت ٤). وثقه النسائي وأورده الذهبي في ميزانه، وتعجب من عدم تخريج الشيخين عنه.
(تنبيه) وقع في أكثر نسخ "المجتبى" أشعث بن عبد الملك، وهو خطأ، والصواب ابن عبد الله، فتنبه.
٥ - "الحسن" بن أبي الحسن، واسمه يسار البصري، مولى أم سلمة، والرُّبَيِّع بنت النضر، أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام أحد أئمة الهدى والسنة، رُمى بالقدر، ولا يصح. عن جندب بن عبد الله، وأنس، وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكر،
стр. 563
وسمرة، قال سعيد: لم يسمع منه، وأرسل عن خلق من الصحابة. وروى عنه أيوب، وحميد، ويونس، وقتادة، ومطر الوراق، وخلائق، قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه، وكان عرض زَنْده شبرًا، قال ابن عيينة: مات سنة ١١٠، قيل: ولد سنة ٢١ لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا مَليًا خلا أربعة أحاديث اهـ. صه. من رأس الطبقة الثالثة.
٦ - "عبد الله بن مُغَفَّل" بمعجمة وفاء كمعظم بن عبد نَهْم بن عفيف ابن أسحم المزني، أبو زياد بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، له ثلاثة وأربعون حديثا اتفاق على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. وعنه ابن بريدة، وسعيد بن جبير، قال معاوية: ابن قرة أول من دخل تستر حين فتحت عبد الله بن مغفل، وقال الحسن: كان من نقباء الصحابة، مات ٥٧، وقيل سنة ٦٠. اهـ. صه.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، ومنها أن رواته كلهم بصريون إلا شيخ المصنف، وشيخه فإنهما مروزيان.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن عبد الله بن مغفل" بصيغة اسم المفعول المضعف ﵁ "عن النبي ﷺ " أنه قال "لا" ناهية "يبولن أحدكم" النهي فيه متوجه لجميع الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨.
стр. 564
"في مستحمه" بصيغة اسم المفعول، أي مُغْتَسَله كما فسره حديث أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن رجل صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله" وأخرجه المصنف في الزينة مختصرا على الجزء الأول، وقد قدمنا في أول الباب أنه الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام.
وقال في المنهل: والإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان الاغتسال ولو غير مملوك اهـ جـ ١/ ص ١٠٧.
وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان المكان صلبا فيوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء فيحصل منه الوساوس كما علله بقوله "فإن عامة الوسواس" أي أكثره، لأن عامة الشيء جميعه، أو أكثره وهو المراد هنا.
والوسواس: حديث النفس بما لا خير فيه، أو بما فيه شر، وهو مصدر وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا بكسر الواو ووسواسا بفتحها، والوسواس بالفتح اسم للشيطان أيضا، وكل منهما يصح هنا إرادته، أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فعلى تقدير مضاف، أي فإن عامة فعل الوسواس منه، والمراد بفعل الوسواس وسوسته اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨.
وقال في المصباح: الوسواس بالفتح اسم من وسوست إليه نفسه إذا حدثته، وبالكسر مصدر وسوس متعد بإلى، وقوله تعالى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] اللام بمعنى إلى، فإن بني للمفعول قيل: موسوس إليه مثل المغضوب عليهم، والوسواس بالفتح مرض يحدث من غلبة السوداء، يختلط معه الذهن، ويقال لما يخطر بالقلب
стр. 565
من شر، ولما لا خير فيه وسواس اهـ (منه) أي من البول في المستحم، يعني أن أكثر الوسواس يحصل من البول في المغتسل، لأنه يصير الموضع نجسا، فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه شيء من رشاشه أم لا؟
قال الشيخ ولي الدين: علل النبي ﷺ هذا النهي بأن هذا الفعل يورث الوسواس، ومعناه أن المغتسل يتوهم أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه، فيحصل له وسواس، وروى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللَّمَم. وذكر صاحب الصحاح وغيره أن اللَّمَمَ طرف من الجنون، قال: ويقال أيضا أصابت فلانا لَمَّه من الجن وهو المس، والشيء القليل، وهذا يقتضي أن العلة في النهي عن البول في المغتسل، خشية أن يصيبه شيء من الجن، وهو معنى مناسب؛ لأن المغتسل محل حضور الشياطين، لما فيه من كشف العورة، فهو في معنى البول في الجُحْر، لكن المعنى الذي عَلَّلَ به النبي ﷺ أولى بالاتباع، قال: ويمكن جعله موافقا لقول أنس بأن يكون المراد بالوسواس في الحديث الشيطان، وفيه حذف تقديره فإن عامة فعل الوسواس أي الشيطان منه، لكنه خلاف ما فهمه العلماء من الحديث ولا مانع من التعليل بهما، فكل منهما علة مستقلة. انتهى كلام العراقي.
قال السيوطي: قلت: بل هو هنا علة واحدة، ولا منافاة فإن اللمم الذي ذكره أنس هو الوسواس بعينه، وذلك طرف من الجنون، فإن الذي يسمى في لغة العرب الوسواس هو الذي في لغة اليونان الماليخوليا وهي عبارة عن فساد الفكر، وقد أكثر في أشعار العرب، والأحاديث، والآثار إطلاق الوسواس مرادًا به ذلك.
منها: حديث أحمد عن عثمان ﵁ قال "لما تُوُفي النبي ﷺ حزن أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس" أي يجن، وقيل: "ولولا