Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
المدينة لم يقض عنه نذره، بل يجب الوفاء به.
وأما ما عدا المساجد الثلاثة فلا يتعين مكانًا للنذر، ولا يجب الوفاء به عند الجمهور. أفاده في "النيل" جـ ١ ص ٢٣٨ - ٢٤٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث:
قال الحافظ المزي ﵀ بعد ذكر ما تقدم: وهكذا ذكر أبو القاسم هذا الحديث في هذه الترجمة -يعني ترجمة إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة- وهكذا وقع في بعض النسخ من كتاب أبي مسعود. وهكذا ذكر أبو بكر بن منجويه في ترجمة إبراهيم بن عبد الله ابن معبد من رجال مسلم: أنه يروي عن ميمونة في الحج.
وكذلك رواه النسائي عن قتيبة- لم يذكر فيه: "عن ابن عباس" وهو في أول كتاب المساجد من السنن, وكل ذلك وَهَمٌ ممن قاله -والله يغفر لنا ولهم- وهو في عامة النسخ من صحيح مسلم: "عن ابن عباس عن ميمونة".
وكذلك ذكره خلف في ترجمة ابن عباس عن ميمونة، وكذلك وقع في بعضى النسخ من كتاب أبي مسعود في ترجمة ابن عباس، عن
ميمونة.
وكذلك حديث ابن جريج عند النسائي، هو في جميع النسخ "عن ابن عباس، عن ميمونة"، ولفظه عن ابن جريج، سمعت نافعًا
стр. 5007
يقول: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن معبد، أن ابن عباس، حدثه أن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت"، وهذا لفظ صريح في أن الحديث "عن إبراهيم، عن ابن عباس، عن ميمونة"، لا عن إبراهيم عن ميمونة، والله أعلم. انتهى. تحفة الأشراف جـ ١٢ ص ٤٨٥ - ٤٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وهَم ممن قاله. . . إلخ، سيأتي توهيم ما صوبه المزي في كلام الدارقطني، وغيره قريبًا.
وقوله: وكذا حديث ابن جريج عند النسائي إلخ، فيه نظر، فإن هذا ليس في جميع نسخ النسائي "الصغرى" و"الكبرى"، بل هذا في المناسك، من "الكبرى" (١٢٤/ ٣٨٨١) فقط، وأما في "المجتبى" فهو عن إبراهيم، عن ميمونة، في "المساجد" (٤/ ٦٩١)، و"المناسك" (٢٨٩٨/ ١٢٤) ومثله في "المساجد" من "الكبرى" (٤/ ٧٧٠) فتنبه. والله أعلم.
وكتب الحافظ ﵀ في النكت الظراف، على كلام الحافظ المزي المذكور: ما نصه: قلت: رويناه في جزء أبي الجهم، عن الليث ليس فيه "ابن عباس". وكذا أخرجه أحمد (في مسنده جـ ٦ ص ٣٣٤) عن علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن ابن جريج. وكذا أخرجه الطحاوي من رواية أبي عاصم، عن ابن جريج, ومن رواية ابن وهب، عن الليث- ليس في شيء منهما "ابن عباس". انتهى. جـ ١٢ ص ٤٨٥.
قال الجامع: والحديث في صحيح مسلم بنسخة شرح النووي
стр. 5008
هكذا: حدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، جميعًا عن الليث بن سعد، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس، أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى. . . الحديث.
قال النووي ﵀: هذا الحديث مما أنكر على مسلم بسبب إسناده، قال الحفاظ: ذِكْرُ ابن عباس فيه وهم، وصوابه "عن إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة" هكذا هو المحفوظ، من رواية الليث، وابن جريج، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة" من غير ذكر ابن عباس، وكذلك رواه البخاري في صحيحه, عن الليث، عن نافع، عن إبراهيم، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وكذلك رواه البخاري في صحيحه. . . إلخ، لم أر أحدًا نص على أن البخاري أخرج حديث ميمونة هذا في صحيحه, غير كلام النووي هذا، فليحرر. والله أعلم.
قال الدارقطني في كتاب العلل: وقد رواه بعضهم، عن ابن عباس، عن ميمونة، وليس يثبت. وقال البخاري في تاريخه الكبير جـ ١ ص ٣٠٢ - ٣٠٣: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب، عن أبيه، وميمونة، وذكر حديثه هذا من طريق الليث، وابن جريج، ولم يذكر فيه ابن عباس. ثم قال: وقال لنا المكي، عن ابن جريج: أنه سمع نافعًا، قال: إن إبراهيم بن عبد الله بن معبد حدثه أن ابن عباس حدثه، عن ميمونة. قال البخاري: ولا يصح فيه "ابن عباس".
стр. 5009
قال القاضي عياض ﵀: قال بعضهم: صوابه "إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، أنه قال: إن امرأة اشتكت". . . قال القاضي: وقد ذكر مسلم قبل هذا في هذا الباب حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وهذا مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: ليس بمحفوظ عن أيوب وعلل الحديث عن نافع بذلك، وقال: قد خالفهم الليث، وابن جريج، فروياه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ميمونة. وقد ذكر مسلم الروايتين، ولم يذكر البخاري في صحيحه رواية نافع بوجه. وقد ذكر البخاري في تاريخه رواية عبيد الله، وموسى، عن نافع، قال: والأول أصح. يعني رواية إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة، كما قال الدارقطني. والله أعلم.
قال النووي: ويحتمل صحة الروايتين جميعًا، كما فعله مسلم، وليس هذا الاختلاف المذكور مانعًا من ذلك، ومع هذا فالمتن صحيح
بلا خلاف. والله أعلم. انتهى. شرح مسلم جـ ٩ ص ١٦٦ - ١٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما ذكر أن الحفاظ اختلفوا في سند حديث ميمونة هذا، فمنهم من رجح أن الصواب ذكر ابن عباس بين إبراهيم بن عبد الله، وميمونة ﵃، وهو رأي الإمام مسلم، حيث أخرجه في صحيحه, والحافظ المزي، كما تقدم.
ومنهم من رجح إسقاطه، وقال: الصواب "عن إبراهيم، عن ميمونة"، وهو رأي البخاري في تاريخه الكبير جـ ١ ص ٣٠٢ - ٣٠٣،
والدارقطني كما مر قريبًا، وهو ظاهر كما تقدم عن الحافظ في نكته،
стр. 5010
حيث ذكر الروايات التي فيها الإسقاط، وسكت عليها.
ومنهم من رأى صحة الطريقين، وهو الذي مال إليه النووي، كما مر قريبًا.
قال الجامع: عندي الأولى تصحيح الطريقين، إذ لا مانع من أن يسمع إبراهيم عن ابن عباس عن ميمونة، ثم يسمع عنها، فيحدث عنها تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، وهذا النوع في روايات الثقات كثير، ولا سيما وقد أخرجه مسلم بذكر ابن عباس، وإن كان الأكثرون على إسقاطه، فلا داعي لتوهيم الأكثرين بإسقاط ابن عباس، كما ادعاه المزي، ولا لتوهيم مسلم بزيادته، كما ادعاه الدارقطني. فتبصر. وبالله التوفيق.
المسألة السادسة: اختلف العلماء في معنى الاستثناء في قوله: "إلا مسجد الكعبة":
فقال الجمهور: معناه إلا مسجد الكعبة، فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجد المدينة، حكاه ابن عبد البر عن ابن الزبير، وعطاء ابن أبي رباح، وقتادة، وسفيان بن عيينة. ومن المالكية: مطرف، وابن وهب، وجماعة أهل الأثر، وقال به الشافعي، وأحمد.
ويدل له ما رواه الإمام أحمد، والبزار في مسنديهما، وابن حبان في صحيحه, والبيهقي في سننه، وغيرهم، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد
стр. 5011
الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا".
قال ابن عبد البر ﵀: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت من جهة النقل، وهو أيضًا صحيح في النظر؛ لأن مثله لا يدرك بالرأي، مع شهادة أئمة الحديث للذي رفعه بالحفظ والثقة. وقال النووي: حديث حسن. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: رجاله رجال الصحيح.
وفي ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه". وفي بعض النسخ "من مائة صلاة فيما سواه". فعلى الأول معناه فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة، ورجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه.
قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما، وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث، ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية, معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير.
وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة". قال البزار: إسناده حسن.
стр. 5012
وفي "سنن ابن ماجه" حديث آخر يقتضي تفضيل الصلاة في مسجد مكة، إلا أنه مخالف لما تقدم في قدر الثواب، رواه عن أنس مرفوعًا، وفيه "وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة". قال العراقي ﵀: فيه أبو الخطاب الدمشقي يحتاج إلى الكشف عنه.
وذهب آخرون إلى أن معنى الاستثناء إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجدي أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة. ذكر ابن عبد البر أن يحيى بن يحيى سأل عبد الله بن نافع عن معنى هذا الحديث، فذكر هذا، ثم قال ابن عبد البر: تأويل ابن نافع بعيد عند أهل المعرفة باللسان، قال: ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف وتسعة وتسعين ضعفًا، وإذا كان هكذا لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع، وحسبك ضعفًا بقول يؤول إلى هذا.
وقال ابن بطال: مَثَّلَ بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في هذا الحديث بمثال بين فيه معناه، فإذا قلت: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة، إلا العراق جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أن يكون فاضلًا، وأن يكون مفضولًا، فإن كان مساويًا فقد علم
стр. 5013
فضله، وإن كان فاضلًا أو مفضولًا لم يعلم مقدار المفاضلة بينهما، إلا بدليل على عدة درجات، إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنه.
قال ولي الدين العراقي ﵀: هذا كلام فيه إنصاف، بخلاف كلام ابن نافع، وقد قام الدليل على أن المسجد الحرام فاضل بمائة درجة، وقد سبق ذلك، فوجب الرجوع إليه.
ثم قال ابن عبد البر: وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا: أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة، ومن غيره بألف صلاة، قال: واحتج لذلك بما رواه سفيان ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن سليمان بن عتيق، قال: سمعت ابن الزبير، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: صلاة في المسجد الحرام غير من مائة صلاة فيما سواه".
قال: وتأول بعضهم هذا الحديث أيضًا عن عمر على أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام، قال: وهذا كله تأويل لا يعضده دليل، وحديث سليمان بن عتيق هذا لا حجة فيه؛ لأنه مختلف في إسناده، وفي لفظه، وقد خالف فيه من هو أثبت منه، فمن الاختلاف أنه روي عنه، عن ابن الزبير، عن عمر بلفظ "صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجد النبي ﷺ "، وبلفظ "صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد رسول الله ﷺ ، فإنما فضله عليه بمائة صلاة".
стр. 5014
قال: فكيف يحتجون بحديث قد روي فيه ضد ما ذكروه نصًا من روايات الثقات إلى ما في إسناده من الاختلاف أيضًا.
وقد ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن عتيق، وعطاء، عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول: "صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه، ويشير إلى مسجد المدينة".
ثم روى ابن عبد البر بإسناده عن سليمان بن عتيق، عن ابن الزبير، عن عمر "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد رسول الله ﷺ ، فإنما فضله عليه بمائة صلاة".
ثم قال: على أنه لم يتابع سليمان بن عتيق على ذكره عمر، وهو مما أخطأ فيه عندهم، وانفرد به، وما انفرد به فلا حجة فيه، وإنما الحديث محفوظ عن ابن الزبير. انتهى. طرح التثريب في شرح التقريب جـ ٦ ص ٤٦ - ٤٩.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن المراد بالاستثناء تفضيل المسجد الحرام على مسجد المدينة، كما هو رأي الجمهور. والله أعلم.
المسألة السابعة: استدل الجمهور بهذا الحديث بالتقرير الذي تقدم على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها، مما تكون العبادة فيه مرجوحة.
وهو مذهب سفيان بن عيينة، والشافعي، وأحمد، في أصح الروايتين عنه، وابن وهب، ومطرف، وابن حبيب, الثلاثة من أصحاب
стр. 5015
مالك، وحكاه المساجي، عن عطاء بن أبي رباح، والمكيين، والكوفيين، وبعض البصريين والبغداديين. وحكاه ابن عبد البر: عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن الزبير، وقتادة، لكن حكى القاضي عياض، والنووي عن عمر أن المدينة أفضل. وحكاه ابن بطال، عن عمر بصيغة التمريض، فقال: وروي عن عمر. قال ابن عبد البر: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها، قال: لكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة.
ومما يدل للجمهور ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحَزَوَّرة، فقال: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال ابن عبد البر: هذا من أصح الآثار عن النبي ﷺ ، قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى.
وذهب آخرون إلى تفضيل المدينة على مكة، وهو قول مالك، وأهل المدينة، وحكاه زكريا الساجي عن بعض البصريين والبغداديين،
وتقدم قول من حكاه عن عمر.
قال ابن عبد البر ﵀: واستدل أصحابنا على ذلك بقوله ﷺ : "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة". قال: وركبوا عليه
стр. 5016
قوله ﷺ : "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها". قال: وهذا لا دليل فيه على ما ذهبوا إليه؛ لأنه إنما أراد به ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها، وأراد بذكر السوط -والله أعلم- التقليل، لا أنه أراد موضع السوط بعينه، بل موضع نصف سوط، وربع سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية، ثم قال: ولا حجة لهم في شيء مما ذهبوا إليه، ولا يجوز تفضيل شيء من البقاع على شيء إلا بخبر يجب التسليم له، ثم ذكر حديث ابن حمراء المتقدم، وقال: كيف يترك مثل هذا النص الثابت، ويمال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٤٩ - ٥٠.
وقد أشبع الكلام الإمام المجتهد البارع أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه المحلى ناصرًا رأي الجمهور في تفضيل مكة على المدينة، ومُفَنِّدًا رأي القائلين بالعكس، وناقضًا لما تمسكوا به، بما لا تجده في كتاب غيره. انظر "المحلى" جـ ٧ ص ٢٧٩٢٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: استثنى القاضي عياض من القول بتفضيل مكة البقعة التي دفن فيها النبي ﷺ ، وضمت أعضاءه الشريفة، وحكى اتفاق العلماء على أنها أفضل بقاع الأرض.
وقال النووي في "شرح المهذب": ولم أر لأصحابنا تعرضًا لما نقله قال ابن عبد البر. وتعقب على القاضي بأن هذا لا يتعلق بالبحث
стр. 5017
المذكور؛ لأن محله ما يترتب عليه الفضل للعابد. وأجاب القرافي: بأن سبب التفضيل لا ينحصر في كثرة الثواب على العمل، بل قد يكون لغيرها، كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود.
قال الجامع: جواب القرافي غير مفيد، بل التعقب المذكور على وجهه. فافهم.
قال ابن عبد البر: وكان مالك يقول: مِنْ فَضلِ المدينة على مكة أني لا أعلم بقعة، فيها قبر نبي معروف غيرها. قال ابن عبد البر: يريد ما يشك فيه، فإن كثيرًا من الناس يزعم أن قبر إبراهيم ﵊ ببيت المقدس، وأن قبر موسى ﵊ هناك، ثم ذكر حديث أبي هريرة المرفوع في سؤال موسى ﵇ ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، ثم قال: إنما يحتج بقبر رسول الله ﷺ على من أنكر فضلها، أما من أقر به، وأنه ليس على وجه الأرض أفضل بعد مكة منها، فقد أنزلها منزلتها، واستعمل القول بما جاء عن النبي ﷺ في مكة، وفيها. ثم روى ابن عبد البر عن علي ابن أبي طالب أنه قال: إني لأعلم أي بقعة أحب إلى الله في الأرض؟ هي البيت الحرام، وما حوله.
وقال بعضهم: سبب تفضيل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة أنه روي "أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق" رواه ابن عبد البر في أواخر تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفًا. وعلى
стр. 5018
هذا، فقد روى الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي خلق منه النبي ﷺ من تراب الكعبة، فعلى هذا, فالبقعة التي ضمت أعضاءه من تراب الكعبة، فيرجع الفضل المذكور إلى مكة، إن صح ذلك. والله أعلم. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٠ - ٥١ بزيادة من "الفتح" جـ ٣ ص ٨١ - ٨٢.
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذه الأمور تحتاج إلى دليل صحيح، فليحرر. والله أعلم.
المسألة التاسعة: قال الحافظ ولي الدين العراقي نقلًا عن والده في شرح الترمذي ما نصه: في حديث عبد الله بن الزبير، وجابر، وابن عمر، وأبي الدرداء، وأنس رضي اللهم عنهم مرفوعًا "إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة"، وفي حديث عمر ﵁ موقوفًا عليه "أن الصلاة فيه خير من مائة صلاة"، وهكذا رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة مرفوعًا، وفي بعض طرق أثر عمر: "إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة بمسجد المدينة". وفي حديث الأرقم: "إن الصلاة بمكة أفضل من ألف صلاة ببيت المقدس" رواه أحمد وغيره.
قال: والجمع بين هذا وبين ما تقدم, أن يحمل أثر عمر باللفظ الأول وحديث عائشة على تقدير صحتهما على أن المراد خير من مائة صلاة في مسجد المدينة، فيكون موافقًا لحديث ابن الزبير ومن معه
стр. 5019
وحديث الأرقم، وأثر عمر باللفظ الثاني يقتضي أن تكون الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف صلاة، وإذا تعذر الجمع، فيرجع إلى الترجيح، وأصح هذه الأحاديث حديث ابن الزبير، وجابر، وابن عمر، وأبي الدرداء، فإن أسانيدها صحيحة.
قال: وأما الاختلاف في مسجد المدينة، فأكثر الأحاديث الصحيحة "إن الصلاة فيه خير من ألف صلاة"، وفي حديث أبي الدرداء "إنها بألف صلاة" من غير تفضيل على الألف، وفي حديث أنس عند ابن ماجه "إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة"، وفي حديث أبي ذر عند الطبراني في الأوسط "إن الصلاة فيه أفضل من أربع صلوات ببيت المقدس".
قال: وقد اختلفت الأحاديث في المقدار الذي تضاعف به الصلاة في مسجد بيت المقدس، فعند ابن ماجه من حديث ميمونة مولاة النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ : "أن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره"، وعند الطبراني في حديث أبي الدرداء "أن الصلاة بخمسمائة صلاة"، وفي حديث أنس عند ابن ماجه "أن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة".
فعلى هذا تكون الصلاة بمسجد المدينة إما بأربعة آلاف على مقتضى حديث ميمونة، وإما بألفين على مقتضى حديث أبي الدرداء، وإما بمائتي ألف صلاة على مقتضى حديث أنس، لكنه في هذا الحديث سوى بين مسجد المدينة وبين مسجد بيت المقدس.
стр. 5020
وأصح طرق أحاديث الصلاة ببيت المقدس "إنها بألف صلاة"، فعلى هذا أيضًا يستوي المسجد الأقصى مع مسجد المدينة، وعند أحمد من حديث أبي هريرة، أو عائشة، مرفوعًا "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الأقصى". وعلى هذا فتحمل هذه الرواية على تقدير ثبوتها: إلا المسجد الأقصى، فإنهما مستويان في الفضل، ولا مانع من المصير إلى هذا، أي فإنه ليس بأفضل من ألف صلاة فيه، بل هو مساوٍ له.
وأصح طرق أحاديث التضعيف في المدينة "إنها أفضل من ألف"، والأصح في بيت المقدس "إنها بألف"، فيمكن أيضًا أن يكون التفاوت بينهما بالزيادة على الألف. والله أعلم. انتهى كلام العراقي في شرح الترمذي. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥١ - ٥٢.
المسألة العاشرة: ظاهر الحديث أنه لا فرق في تضعيف الصلاة بين الفرض والنفل، وبه قال الشافعية، ومطرف من المالكية، وذهب الطحاوي إلى اختصاص التضعيف بالفرض، وهو مقتضى كلام ابن حزم الظاهري؛ لأنه أوجب صلاة الفرض في أحد المساجد الثلاثة بنذره ذلك، ولم يوجب التطوع فيها بالنذر. وقال النووي: وهو خلاف الأحاديث الصحيحة.
قال ولي الدين العراقي: قد يقال: لا عموم في اللفظ؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، وساعد ذلك أن النبي ﷺ قال: "أفضل صلاة
стр. 5021
المرء في بيته إلا المكتوبة". وقد يقال: هو عام؛ لأنه وإن كان في الإثبات، فهو في معرض الامتنان.
قال الجامع: هذا الذي قاله أخيرًا هو الأولى، فالنص عام، وإن كان في سياق الإثبات، بدليل أن الكلام ذكر لبيان امتنان الله تعالى على نبيه ﷺ ، حيث فضل مسجده بهذا الفضل العظيم. والله أعلم.
وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: تكون النوافل في المسجد مضاعفة بما ذكر من ألف في المدينة، ومائة ألف في مكة، ويكون فعلها في البيت أفضل، لعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، بل ورد في بعض طرقه أن النافلة في البيت أفضل من فعلها في مسجده ﷺ . انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٢.
وقال في الفتح: ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه، فتكون صلاة النافلة في البيت بالمدينة، أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا. انتهى. جـ ٣ ص ٨٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الحادية عشرة: استدل بهذا الحديث على أن تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختص بمسجده ﷺ الذي كان في زمنه، دون ما أحدث بعده فيه من الزيادة في زمن الخلفاء الراشدين وغيرهم، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده، وذاك هو مسجده، وأيضًا أكد ذلك بقوله في رواية الصحيحين: "مسجدي هذا". وبذلك صرح
стр. 5022
النووي، وقال: ينبغي أن يحرص المصلي على ذلك، ويتفطن لما ذكرته.
قال ولي الدين ﵀: وهذا بخلاف المسجد الحرام، فإنه لا يختص التضعيف بالمسجد الذي كان في زمنه ﷺ ، بل يشمل جميع ما زيد فيه؛ لأن اسم المسجد الحرام يعم الكل، بل المشهور عند الشافعية أن التضعيف يعم مكة، بل صحح النووي أنه يعم الحرم الذي يحرم صيده. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٢ - ٥٣.
قال الجامع: عندي فيما قاله النووي ﵀ في المسجد النبوي نظر، إذ الظاهر أن قوله: "مسجدي هذا" إنما هو للاحتراز من غيره من مساجد المدينة، فلا يمنع دخول الزيادة بعده ﷺ ، ويدل على ذلك أثر عمر ﵁، قال: "لو مُدَّ مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه"، وفي لفظ "لو زدنا فيه حتى بلغ الجَبَّانة كان مسجد رسول الله ﷺ ، وجاءه الله بعامر". رواه عمر بن شَبَّة من طريقين مرسلين عنه موقوفًا. ورفعه ضعيف جدًا كما بينه الشيخ الألباني في ضعيفته جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. والله أعلم.
قلت: وقد حقق الموضوع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى تحقيقًا حسنًا حيث قال: وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه،
стр. 5023
والطواف لا يكون إلا في المسجد، لا خارجًا منه.
ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في مسجد غيره، ويأمرون بذلك.
ثم قال: وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين، وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان ﵄، فإن كُلًا منهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، والذي كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأُوَلُ كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفًا من العلماء. انتهى كلام شيخ الإسلام. نقلته من سلسلة الضعيفة للشيخ الألباني جزاه الله تعالى خيرًا. جـ ٢ ص ٤٠٣.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله شيخ الإسلام حسن جدًّا، ولعله أشار بما ذكره عن بعض المتأخرين ما تقدم عن النووي
стр. 5024
-﵀. والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: قال النووي ﵀: قال العلماء ما حاصله: أن المضاعفة المذكورة في هذا الحديث إنما هو فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف صلاة في غيره، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزه عنهما، وهذا لا خلاف فيه. والله أعلم. ذكره في "طرح التثريب" جـ ٦ ص ٥٣.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5025
٥ - الصلاةُ فِي الكَعْبَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في داخل الكعبة.
٦٩٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالاً، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم في السند السابق.
٢ - (الليث) بن سعد، تقدم في السند السابق.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة حجة حافظ، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر المدني، ثقة فقيه عابد، من [٣] تقدم في ٤٩٠.
стр. 5026
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي المشهور ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات حفاظ، من رجال الجماعة.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، والليث فمصري.
ومنها: أنه نقل عن الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه أن أصح الأسانيد: ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، ذكره في التقريب، مع شرحه التدريب جـ ١ص ٧٧.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي, ابن شهاب عن سالم.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه, سالم عن عبد الله.
ومنها: أن سالمًا هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: أن صحابيه، هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄، أنه (قال: دخل رسول الله ﷺ البيت) أي بيت الله الحرام، فإن البيت
стр. 5027
علم له بالغلبة، كما قال في الخلاصة:
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أو مَصْحُوبُ ألْ كَالْعَقَبَهْ
قال الحافظ ﵀: وكان ذلك في عام الفتح، كما وقع مبينًا من رواية يونس بن يزيد، عن نافع، عند البخاري في كتاب الجهاد بزيادة فوائد، ولفظه: "أقبل النبي ﷺ يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته"، وفي رواية فليح، عن نافع "وهو مردف أسامة -يعني ابن زيد- على القصواء"، ثم اتفقا، "ومعه بلال، وعثمان بن طلحة، حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح "عند البيت، وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل"، ولمسلم، وعبد الرزاق من رواية أيوب، عن نافع "ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه -واسمها: سُلافَة، بضم المهملة، والتخفيف، والفاء- فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه، أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ، ففتح الباب".
فظهر من رواية فليح أن فاعل فتح، هو عثمان المذكور، لكن روى الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: "كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح، ففتحها بيده".
(هو، وأسامة بن زيد) بن حارثة، حِبُّ رسول الله ﷺ ، وابن حبه، هو، وأبوه، وجده صحابيون ﵃، مات بالمدينة
стр. 5028
سنة ٥٤ - وهو ابن ٥٧ سنة، وتقدمت ترجمته ٩٦/ ١٢٠.
(وبلال) بن رباح، أبو عبد الله المؤذن، وأمه حَمَامة، مولى أبي بكر الصديق ﵁، أحد السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات بالشام سنة ١٧، وقيل غير ذلك. تقدمت ترجمته ٨٦/ ١٠٤.
(وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري، ويقال له: الحَجَبِي -بفتح المهملة، والجيم- ولآل بيته الحَجَبَة، لحجبهم الكعبة، يعرفون الآن بالشيبيين، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا، لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية. مات عثمان بن طلحة سنة ٤٢، وقيل: استشهد بأجنادين، وأبطل ذلك العسكري. قاله في الفتح، وتقريب التهذيب.
قال المهلب شارح البخاري: إدخال النبي ﷺ معه هؤلاء الثلاثة لمعان تخص كل واحد منهم، فأما دخول عثمان، فلخدمته البيت في الغلق، والفتح، والكنس، ولو لم يدخله لِغَلْقِ بابها, لتوهم الناس أنه عزله. وأما بلال، فمؤذنه، وخادم أمر صلاته. وأما أسامة، فمتولي خدمة ما يحتاج إليه، وهم خاصته، فللإمام أن يخص خاصته ببعض ما يستتر به عن الناس. انتهى.
وزاد في رواية مسلم من طريق أخرى "ولم يدخلها معهم أحد"، ووقع عند المصنف في المناسك (٢١٦/ ٢٩٠٦) من طريق ابن عون،
стр. 5029
عن نافع "ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال" فزاد الفضل.
ولأحمد من رواية مجاهد، عن ابن عباس، قال: حدثني أخي الفضل -وكان معه حين دخلها- أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو. قال ولي الدين العراقي ﵀: وهذه الرواية شاذة من وجهين: دخول الفضل معهم، والاقتصار على السجود. انتهى. طرح جـ ٥ ص ١٣٢.
(فأغلقوا عليهم) مفعوله محذوف للعلم، أي باب البيت، زاد في رواية حسان بن عطية، عن نافع، عند أبي عوانة "من داخل" وزاد يونس "فمكث نهارًا طويلًا"، وفي رواية فليح "زمانًا" بدل نهارًا، وفي رواية جويرية، عن نافع "فأطال"، ولمسلم من رواية ابن عون، عن نافع "فمكث فيها مَليًّا"، وله من رواية عبيد الله، عن نافع "فأجافوا عليهم الباب طويلًا"، ومن رواية أيوب، عن نافع "فمكث فيها ساعة"، وللمصنف من طريق ابن عون، عن نافع (١٢٦/ ٢٩٠٦)، "فمكث فيه ما شاء الله"، ومن رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر (١٢٧/ ٢٩٠٧) دخل رسول الله ﷺ الكعبة، ودنا خروجه، ووجدت شيئًا، فذهبت، وجئت سريعًا، فوجدت رسول الله ﷺ خارجًا".
ووقع في الموطأ بلفظ: "فأغلقاها"، والضمير لعثمان، وبلال، ولمسلم من طريق ابن عون، عن نافع "فأجاف عليهم عثمان الباب"،
стр. 5030
والجميع بينهما أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه من وظيفته، ولعل بلالًا ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك، والراضي به. قاله في الفتح جـ ٣ ص ٥٤٢ - ٥٤٣.
قال ابن بطال: وأما غلق الباب -والله أعلم- حين صلى في البيت لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة، فيلزمون ذلك.
وقال النووي في شرح مسلم: إنما أغلقها ﵇، ليكون أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، ولئلا يجتمع الناس، ويدخلوه، أو يزدحموا، فينالهم ضرر، ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم. انتهى.
قال ولي الدين: وما ذكره النووي أظهر، وأما ما ذكره ابن بطال، فضعيف، فإنه عليه الصلاة لا يخفي صلاته في البيت، وقد شاهدها جماعة، ونقلوها. وقيل: إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها، فإن الباب إذا كان مفتوحًا، وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة. حكاه المحب الطبري. انتهى. طرح.
قال الجامع: ما قاله النووي أوضح، كما قال ولي الدين، والقولان الآخران ليسا بشيء. والله أعلم.
(فلما فتحها رسول الله ﷺ ) أي أمر بفتحها, وللبخاري "فلما فتحوا"، وفي رواية فليح "ثم خرج، فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم"، وفي رواية أيوب "وكنت رجلًا شابًا قويًا، فبادرت الناس، فبَدَرْتُهم"، وفي زواية جويرية "كنت أول الناس، ولج على
стр. 5031
أثره" وفي رواية ابن عون "فرقيت الدرجة، فدخلت البيت"، وفي رواية مجاهد، عن ابن عمر "وأجِدُ بلالًا قائمًا بين البابين"، وأفاد الأزرقي في كتاب مكة: أن خالد بن الوليد كان على الباب، يذب عنه الناس، وكأنه جاء بعد ما دخل النبي ﷺ ، وأغْلِقَ. قاله الحافظ.
(كنت أول من ولج) أي دخل، يقال: وَلَجَ الشيء في غيره، يَلِجُ، من باب وَعَدَ، وُلُوجًا: دخل، وأولجته، إيلاجًا: أدخلته. أفاده في المصباح.
(فلَقيت بلالًا، فسألته هل صلى فيه) أي داخل البيت (رسول الله ﷺ ) هكذا رواية سالم بإثبات أول السؤال، ومثلها رواية مجاهد، وابن أبي مليكة، عن ابن عمر عند البخاري "فقلت: أصلى النبي ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم"، وفي رواية مالك عن نافع "ما صنع؟ "، وفي رواية جويرية، ويونس، وجمهور أصحاب نافع "فسألت بلالًا، أين صلى؟ اختصروا أول السؤال، فظهر بهذا أنه استثبت أولًا، هل صلى، أم لا؟ ثُم سأل عن موضع صلاته من البيت؟
ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم، فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة"، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما في رواية الجمهور.
ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن , عن ابن عمر، أنه سأل بلالًا، وأسامة بن زيد، حين خرجا" أين صلى النبي ﷺ -
стр. 5032
فيه؟ فقالا: على جهته"، وكذا أخرجه البزار نحوه. ولأحمد، والطبراني من طريق أبي الشعثاء، عن ابن عمر، قال: "أخبرني أسامة
أنه صلى فيه ها هنا".
ولمسلم، والطبراني من وجه آخر: "فقلت: أين صلى النبي ﷺ ؟ فقالوا"، فإن كان محفوظًا حمل على أنه ابتدأ بلالًا بالسؤال، كما تقدم تفصيله، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل عثمان أيضًا، وأسامة، ويؤيد ذلك قوله -في رواية ابن عون عند مسلم-: "ونسيت أن أسألهم، كم صلى"، بصيغة الجمع، وهذا أولى من جزم عياض بوهم الرواية التي أشرنا إليها من عند مسلم، وكأنه لم يقف على بقية الروايات.
ولا يعارض قصته، مع قصة أسامة ما أخرجه مسلم أيضًا، وهو الآتي للمصنف برقم (١٣٣/ ٢٩١٧) من حديث ابن عباس: أن أسامة ابن زيد أخبره أن النبي ﷺ لم يصل فيه، ولكنه كبر في نواحيه؛ فإنه يمكن الجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه، لكونه لم يره ﷺ حين صلى، وسيأتي تحقيق القول في إثبات بلال لصلاته ﷺ ، ونفي أسامة لها، في المسائل، إن شاء الله تعالى.
(قال: نعم، صلى بين العمودين) -بفتح، فضم-: الخشبة التي يقوم عليها البيت، جمعه: أعْمِدَة، وعُمُدٌ -بضمتين، وعَمَدٌ-
стр. 5033
بفتحتين-، يقال: له العماد أيضًا. قاله في اللسان، والمصباح.
(اليمانيين) تثنية يمان، نسبة إلى اليمن البلد المعروف، على غير قياس, إذ القياس: يمني، وفي ياء يمان مذهبان:
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء، لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقل، لئلا يجمع بين العوض، والمعوض عنه.
والثاني: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدال على النسبة تنبيهًا على جواز حذفها.
وسمي اليمن به؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة. أفاده في المصباح.
ثم إن هذه الرواية فيها اختصار سؤال مكان الصلاة، وفي الرواية الآتية رقم (١٢٧/ ٢٩٠٨) "فقلت: يا بلال، أصلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: ما بين هاتين الأسطوانتين".
وسيأتي بيان اختلاف الرواية في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ متفق عليه.
стр. 5034
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥/ ٦٩٢)، و"الكبرى" (٥/ ٧٧١) عن قتيبة، عن الليث ابن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عنه، و (٦/ ٧٤٩)، و "الكبرى" (٥/ ٨٢٥)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن مالك، عن نافع، عنه.
وفي "المناسك" (١٢٦/ ٢٩٠٥)، والكبرى (١٢٦/ ٣٨٨٨) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن نافع به. و (٢٩٠٦)، و"الكبرى" (١٢٧/ ٣٨٨٩)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن ابن عون به. و (١٢٧/ ٢٩٠٧)، و "الكبرى" (١٢٨/ ٣٨٩٠)، عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عنه. و (٢٩٠٨)، و"الكبرى" (٣٨٩١)، عن أحمد ابن سليمان، عن أبي نعيم، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، من طريق مالك، وأخرجه البخاري، ومسلم أيضًا من طريق أيوب السختياني، والبخاري من طريق موسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء، وفليح بن سليمان، ويونس بن يزيد، ومسلم، وأبو داود من طريق عبيد الله بن عمر، ومسلم، من طريق عبد الله بن عون، وابن ماجه من طريق حسان بن عطية، كلهم عن نافع.
стр. 5035
وأخرجه الشيخان من طريق سالم ابن عبد الله، والبخاري، من طريق مجاهد، كلهم عن ابن عمر ﵄، وروى الترمذي من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال "أن النبي ﷺ صلى في جوف الكعبة". وقال: حديث بلال حديث حسن صحيح. انظر "طرح التثريب" جـ ٦ ص ١٢٩ - ١٣٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو جواز الصلاة في الكعبة، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
ومنها: رواية الصحابي، عن الصحابي، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به.
ومنها: الاحتجاج بخبر الواحد.
ومنها: اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة.
ومنها: السؤال عن العلم، والحرص فيه.
ومنها: فضيلة ابن عمر ﵁ حيث كان شديد الحرص على تتبع آثار النبي ﷺ ، ليعمل بها.
ومنها: أن الفاضل من الصحابة قد يغيب عن النبي ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع
стр. 5036
عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما مِمَّنْ هو أفضل من بلال ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك.
ومنها: أن البخاري ﵀ استدل بهذا الحديث على أن الصلاة إلى مقام إبراهيم غير واجبة، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير جماعة.
ومنها: ما قيل: إن السترة إنما يشرع اتخاذها حيث يخشى المرور، فإنه ﷺ صلى بين العمودين، ولم يصل إلى أحدهما، لكن هذا -كما قال الحافظ- فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار، إذ كان بين مصلاة وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع، ولذلك استدل المصنف به على مقدار الدنو من السترة، كما يأتي برقم (٧٤٩).
ومنها: أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة، لكونه ﷺ جاء فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هو تحية المسجد العام.
قال الجامع عفا الله سنه: هكذا ذكر الحافظ ﵀، ولي فيه نظر, إذ تحية المسجد الحرام ركعتان، كسائر المساجد؛ لأنه داخل في عمومها، وأما ما ثبت من أنه ﷺ أول ما بدأ به في حجه الطوافُ، فلا يتنافى معه؛ لأنه طاف، ثم صلى ركعتين، والنهي إنما جاء عن الجلوس قبل الركعتين.
стр. 5037
والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف، ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف، وصلى ركعتين، وإلا صلى ركعتين، بدليل حديث الباب، والله أعلم.
ومنها: مشروعية الإغلاق للكعبة، ويقاس عليها غيرها من المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة.
وبوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث "باب الأبواب، والغلق للكعبة والمساجد".
وقال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان الريب، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات. قاله في الطرح.
قال الجامع: ويدل له حديث عائشة ﵂، قالت: "أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف، وتطيب" رواه أصحاب السنن إلا المصنف. وعن سمرة بن جندب ﵁، قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتخد المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها". رواه أحمد بإسناد صحيح، والترمذي، وصححه. والمراد بالدار: المحلة.
ومنها: استحباب دخول الكعبة، لكنه مشروط بأن لا يؤذي أحدًا. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
стр. 5038
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف ألفاظه:
رواية المصنف هنا (٦٩٢) "بين العمودين اليمانيين"، وفي (٧٤٩) جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه"، وفي (٢٩٠٦) "ما بين الأسطوانتين"، وفي (٢٩٠٨) "بين الساريتين".
قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: قوله: "جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه"، كذا في رواية البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، وكذا في رواية أبي داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك، وفي رواية البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك "جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه".
ونقل ابن عبد البر في التمهيد اللفظ الأول عن الأكثر من رواة الموطأ: منهم يحيى بن يحيى الأندلسي، والقعنبي، وابن القاسم، وأبو مصعب، وابن بكير، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن سليمان، وأحمد بن إسماعيل، وابن مهدي، من رواية أحمد بن سنان القطان عنه، والشافعي، من رواية أبي يحيى، محمد بن سعيد العطار، عنه.
ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطباع، ومكي بن إبراهيم، وأبي قلابة، عن بشر بن عمر، وبندار، عن ابن مهدي، كلهم عن مالك.
стр. 5039
ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وبندار، عن بشر بن عمر، والربيع، عن الشافعي، كلهم عن مالك. قال: ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: "جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره"، وقال: ولم يتابع على هذه الرواية, قال: والرواية الأولى أولى بالصواب، إن شاء الله.
وصحح البيهقي أيضًا هذه الرواية. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: وهي موافقة لكونه مقابل الباب، وفي رواية في الصحيح أيضًا "صلى بين العمودين اليمانيين"، وإذا تقرر ترجيح الرواية الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية "عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره" لأن معناها: صلى بين عمودين، وإن كان بجانب أحد العمودين عمود آخر، ولا قوله في الرواية الأخيرة "بين العمودين اليمانيين"، فإن العمد الثلاثة، أحدها يماني، وهو الأقرب إلى الركن اليماني، والآخر، وهو الأقرب إلى الحجر شامي، والأوسط بينهما، إن قرن بالأول، قيل: اليمانيان، وإن قرن بالثاني، قيل: الشاميان، ذكره المحب الطبري، وهو واضح.
وأما الرواية الثالثة، فإنه يتعذر الجمع بينها، وبين الأولى، فهي ضعيفة، لشذوذها، ومخالفتها رواية الأكثرين، كما تقدم.
وأما الرواية الرابعة، فهي مقطوع بوهمها, إذ ليس هناك أربعة أعمدة، حتى يكون عن يمينه اثنان، وعن يساره اثنان. انتهى. "طرح
стр. 5040
التثريب". جـ ٥ ص ١٣٦ - ١٣٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة) في مذاهب العلماء في حكم الصلاة في الكعبة:
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى ما حاصله: في هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة، وهذه الصلاة، وإن كانت نافلة، فالفريضة في معناها؛ لأن الأصل استواء الفرض والنفل في الأركان والشرائط، إلا ما استثني بدليل.
وبهذا قال الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، كما حكاه النووي.
وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسًا. وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة، وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وقال الشافعي: لا بأس أن تصلى المكتوبة، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في الطهارة والقبلة سواء. انتهى.
وقال بجواز الصلاة مطلقًا في الكعبة من المالكية أشهب، وصححه منهم ابن العربي، وابن عبد البر، والمشهور من مذهب مالك جواز صلاة النافلة فيها، والمنع من الفرض، والسنن, كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف.
стр. 5041
وقيد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب. وإطلاق الترمذي عن مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربي، فيحتمل أنه مقيد بما حكيته، ويحتمل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة.
وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها، دون الفرض، فإن كان يقول به على إطلاقه، فهو مذهب ثالث في المسألة.
وفيها مذهب رابع، وهو منع الصلاة فيها مطلقًا. حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وهو أحد القولين عن مالك، كما حكاه ابن العربي، وقال به من أصحابه أصبغ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبري، وبه قال بعضى الظاهرية.
وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله، والمصلي فيه مستدبر لبعضه.
وروى الأزرقي أن ابن عباس قال لسماك الحنفي: ائتم به كله، ولا تجعلن شيئًا منه خلفك. قال ابن عبد البر: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين، إما الصحة مطلقًا، أو الفساد مطلقًا، والصواب عندي قول الصحة مطلقًا، ثم بسط ذلك.
وفيه مذهب خامس: وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما في الاستحباب، فلو صلى الفرض فيها صح، وارتكب خلاف الأولى.
ومذهب سادس: وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان، فيصح مع النسيان دون التعمد. وتردد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة عن مالك، فقال: كره الفرض، أو منعه، وعلل تجويز النفل
стр. 5042
بأنه مظنة التخفيف في الشروط. انتهى. طرح ببعض اختصار جـ ٥ ص ١٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: ما صححه الحافظ ابن عبد البر من تصحيح الصلاة مطلقًا، كما هو رأي الجمهور هو الراجح عندي
لحديث الباب، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها، فتبصر. وبالله التوفيق.
المسألة السابعة: في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة، والبيهقي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج مغفورًا له".
قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف.
ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: إن دخول البيت ليس من الحج في شيء. وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج. ورده بأن النبي ﷺ إنما دخله عام الفتح، ولم يكن محرمًا.
وأما ما رواه أبو داود، والترمذي، وصححه هو، وابن خزيمة، والحاكم عن عائشة "أنه ﷺ خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي". فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكي, لكن عائشة لم تكن معه في الفتح، ولا في عمرته، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة
стр. 5043
في عمرته، فتعين أن القصة كانت في حجته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقي، وإنما لم يدخل في الكعبة في عمرته لِمَا كان في البيت من الأصنام، والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح. ويحتمل أن يكون ﷺ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونقل عن جماعة من أهل العلم أنه لم يدخل الكعبة في حجته. أفاده في الفتح جـ ٣ ص ٥٤٤ - ٥٤٥.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة، وأنه ليس في السياق ما يمنعه، عندى بعيد، بل السياق يأباه، إلا بتكلف، فإن قوله: "خرج من عندها، وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب" ظاهر في كون ذلك في مكة. والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه، فالظاهر ما جزم به البيهقي، من أنه دخل في حجته. والله أعلم.
المسألة الثامنة: في هذه الرواية إثبات صلاته ﷺ في الكعبة.
وفي صحيح البخاري، وغيره عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ دخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه". ورواه مسلم بلفظ "ودعا, ولم يصل".
وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد، ففي صحيح مسلم عنه: أخبرني أسامة بن زيد: "أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها, ولم يصل فيه، حتى خرج، فلما خرج ركع في قُبُلِ
стр. 5044
البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة".
والعمل على الإثباث، فإنه مقدم على النفي. قال ابن بطال: الآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت في الكثرة، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي، فقد رَوَى أنه ﵊ صلى في البيت -غير بلال- جماعة, منهم أسامة بن زيد، وعمر بن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طرق حسان، ذكرها الطحاوي كلها في شرح معاني الآثار.
وقال ابن عبد البر: رواية أنه صلى أولى من رواية أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة.
وقال النووي في شرح مسلم: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. وكذا حكى ابن العربي عن العلماء، ثم قال: وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين، فأما وقد اختلف قول ابن عمر، فأثبت مرة، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس، فلا أدري ما هذا. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد، أو اثنين، فالإثبات مقدم ولو كان الاختلاف على واحد.
الثاني: أن ذكر ابن عمر سهو، فإنه لم يرد عنه النفي، ولعله أراد
стр. 5045
أسامة، فسبق قلمه إلى ابن عمر.
فأما نفي أسامة، فقد سبق، وأما إثباته، فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الشعثاء، قال: "خرجت حاجًا، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط، فجاء ابن عمر، فصلى أربعًا، فلما صلى، قلت له: أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ فقال: أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ها هنا، فقلت: كم صلى؟ فقال: على هذا أجدني ألوم نفسي، إني مكثت معه عمرًا، فلم أسأله, كم صلى؟ ".
ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فإن فيها بعد ذكر أسامة، وبلال، وعثمان، "فقلت: أين صلى النبي ﷺ ؟ قالوا: ها هنا، قال: ونسيت أن أسالهم، كم صلى؟ " ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم، والمشهور عن أسامة النفي، كما تقدم.
وقال القاضي عياض ﵀: إن أهل الحديث وهنوا هذه الرواية, فقال الدارقطني: وهم ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده. قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق، إلا أن في رواية حرملة، عن ابن وهب "فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة" هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ "وعثمان"، قال: وهذا يعضد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال
следующие страницы →