وقيد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب. وإطلاق الترمذي عن مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربي، فيحتمل أنه مقيد بما حكيته، ويحتمل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة.
وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها، دون الفرض، فإن كان يقول به على إطلاقه، فهو مذهب ثالث في المسألة.
وفيها مذهب رابع، وهو منع الصلاة فيها مطلقًا. حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وهو أحد القولين عن مالك، كما حكاه ابن العربي، وقال به من أصحابه أصبغ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبري، وبه قال بعضى الظاهرية.
وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله، والمصلي فيه مستدبر لبعضه.
وروى الأزرقي أن ابن عباس قال لسماك الحنفي: ائتم به كله، ولا تجعلن شيئًا منه خلفك. قال ابن عبد البر: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين، إما الصحة مطلقًا، أو الفساد مطلقًا، والصواب عندي قول الصحة مطلقًا، ثم بسط ذلك.
وفيه مذهب خامس: وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما في الاستحباب، فلو صلى الفرض فيها صح، وارتكب خلاف الأولى.
ومذهب سادس: وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان، فيصح مع النسيان دون التعمد. وتردد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة عن مالك، فقال: كره الفرض، أو منعه، وعلل تجويز النفل
стр. 5042
بأنه مظنة التخفيف في الشروط. انتهى. طرح ببعض اختصار جـ ٥ ص ١٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: ما صححه الحافظ ابن عبد البر من تصحيح الصلاة مطلقًا، كما هو رأي الجمهور هو الراجح عندي
لحديث الباب، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها، فتبصر. وبالله التوفيق.
المسألة السابعة: في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة، والبيهقي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج مغفورًا له".
قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف.
ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: إن دخول البيت ليس من الحج في شيء. وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج. ورده بأن النبي ﷺ إنما دخله عام الفتح، ولم يكن محرمًا.
وأما ما رواه أبو داود، والترمذي، وصححه هو، وابن خزيمة، والحاكم عن عائشة "أنه ﷺ خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي". فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكي, لكن عائشة لم تكن معه في الفتح، ولا في عمرته، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة
стр. 5043
في عمرته، فتعين أن القصة كانت في حجته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقي، وإنما لم يدخل في الكعبة في عمرته لِمَا كان في البيت من الأصنام، والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح. ويحتمل أن يكون ﷺ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونقل عن جماعة من أهل العلم أنه لم يدخل الكعبة في حجته. أفاده في الفتح جـ ٣ ص ٥٤٤ - ٥٤٥.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة، وأنه ليس في السياق ما يمنعه، عندى بعيد، بل السياق يأباه، إلا بتكلف، فإن قوله: "خرج من عندها، وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب" ظاهر في كون ذلك في مكة. والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه، فالظاهر ما جزم به البيهقي، من أنه دخل في حجته. والله أعلم.
المسألة الثامنة: في هذه الرواية إثبات صلاته ﷺ في الكعبة.
وفي صحيح البخاري، وغيره عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ دخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه". ورواه مسلم بلفظ "ودعا, ولم يصل".
وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد، ففي صحيح مسلم عنه: أخبرني أسامة بن زيد: "أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها, ولم يصل فيه، حتى خرج، فلما خرج ركع في قُبُلِ
стр. 5044
البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة".
والعمل على الإثباث، فإنه مقدم على النفي. قال ابن بطال: الآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت في الكثرة، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي، فقد رَوَى أنه ﵊ صلى في البيت -غير بلال- جماعة, منهم أسامة بن زيد، وعمر بن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طرق حسان، ذكرها الطحاوي كلها في شرح معاني الآثار.
وقال ابن عبد البر: رواية أنه صلى أولى من رواية أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة.
وقال النووي في شرح مسلم: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. وكذا حكى ابن العربي عن العلماء، ثم قال: وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين، فأما وقد اختلف قول ابن عمر، فأثبت مرة، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس، فلا أدري ما هذا. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد، أو اثنين، فالإثبات مقدم ولو كان الاختلاف على واحد.
الثاني: أن ذكر ابن عمر سهو، فإنه لم يرد عنه النفي، ولعله أراد
стр. 5045
أسامة، فسبق قلمه إلى ابن عمر.
فأما نفي أسامة، فقد سبق، وأما إثباته، فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الشعثاء، قال: "خرجت حاجًا، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط، فجاء ابن عمر، فصلى أربعًا، فلما صلى، قلت له: أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ فقال: أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ها هنا، فقلت: كم صلى؟ فقال: على هذا أجدني ألوم نفسي، إني مكثت معه عمرًا، فلم أسأله, كم صلى؟ ".
ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فإن فيها بعد ذكر أسامة، وبلال، وعثمان، "فقلت: أين صلى النبي ﷺ ؟ قالوا: ها هنا، قال: ونسيت أن أسالهم، كم صلى؟ " ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم، والمشهور عن أسامة النفي، كما تقدم.
وقال القاضي عياض ﵀: إن أهل الحديث وهنوا هذه الرواية, فقال الدارقطني: وهم ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده. قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق، إلا أن في رواية حرملة، عن ابن وهب "فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة" هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ "وعثمان"، قال: وهذا يعضد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال
стр. 5046
برواية ذلك.
(فإِن قلت): كيف الجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة مع دخولهما مع النبي ﷺ في مرة واحدة؟
قلت: أجيب عنه بأوجه:
أحدها: قال النووي في شرح مسلم: وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ﷺ ، فرآه بلال لقربه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة، لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وأما بلال فتحققها، فأخبر بها.
الثاني: أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته، أجاب به الشيخ محب الدين الطبري. أفاده في الطرح. جـ ٥ ص ١٣٥.
قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده , عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: "دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة، فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور"، فهذا إسناد جيد. قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. انتهى.
стр. 5047
وهو مفرع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد روى عمر بن شبة في كتاب مكة، من طريق علي بن بَذيمَةَ، وهو تابعي، وأبوه -بفتح الموحدة، ثم معجمة، بوزن عظيمة- قال: "دخل النبي ﷺ الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة، قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلها". . . الحديث، فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحبًا للنفي، لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. هذا جمع بطريقة الترجيح.
ومنهم من جمع بينهما بغير ترجيح أحدهما على الآخر. وذلك من أوجه:
أحدها: حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلًا، وقد تقدم البحث فيه. ويرد هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه، من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعية، لا مجرد الدعاء.
ثانيها: قال القرطبي: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدم
البحث فيها.
ثالثها: قال المهلب شارح البخاري: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى في إحداهما, ولم يصل في الأخرى.
стр. 5048
وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل، الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها، على ما رواه ابن عمر، عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض.
قال الحافظ: وهذا جمع حسن. لكن تعقبه النووي بأنه لاخلاف أنه ﷺ دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في كتاب مكة، عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر، لا الدخول، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. والله أعلم.
ويؤيد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: "قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح، وتكبر، ولا تركع، ولا تسجد"، وسنده صحيح. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ٥٤٧ - ٥٤٨.
стр. 5049
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة عندي جواب من حمل نفي أسامة على نفي علمه، فلا ينافي إثبات بلال، وأما ابن عباس،
فنفيه مستند إلى غيره، فجوابه جواب مستنده، وأما ما نقل من إثبات أسامة، فإن صح، فجوابه ما أجاب به ابن حبان، من تعدد الواقعة. والله أعلم.
المسألة التاسعة: لم يبين في رواية المصنف هنا, ولا في أكثر الروايات عدد ركعات صلاته، بل في الصحيحين عن ابن عمر، أنه
قال: ونسيت أن أسأله -يعني بلالًا- كم صلى؟
لكن في أوائل الصلاة من صحيح البخاري عن مسدد، عن يحيى، عن سيف، عن مجاهد، قال: "أتي ابن عمر ﵄، فقيل له: هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت، والنبي ﷺ قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين، فسألت بلالًا، فقلت: صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم؟ ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين".
وقد أعادها البخاري في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، رواها عن أبي نعيم، عن سيف، وليس فيها هذه الزيادة، وهي أن صلاته في الكعبة كانت ركعتين، نعم رواها النسائي (٢٩٠٨) من رواية أبي نعيم، وفيها ذكر الركعتين، وروى النسائي أيضًا (٢٩٠٧) عن
стр. 5050
ابن أبي مليكة أن ابن عمر، قال: "دخل رسول الله ﷺ الكعبة". . . الحديث، وفيه "فسألت بلالًا، هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين".
قال ولي الدين العراقي ﵀: ولم يستحضر النووي ﵀ في شرح مسلم رواية البخاري، فاقتصر على ذكر ما في سنن أبي داود بإسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: "قلت لعمر بن الخطاب ﵁: كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين". رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من هذا الوجه، عن صفوان، أو ابن صفوان: "أن النبي ﷺ صلى في البيت ركعتين حين دخله".
قال ولي الدين: ولم أتوقف في رواية البخاري لاستغراب كونه ﵊ صلى ركعتين، فإن هذا هو المعروف من عادته،
إنما توقفت فيها لقول ابن عمر: ونسيت أن أسأله, كم صلى؟ وهو في الصحيحين.
وقال والدي: يحتمل أنه لم يسأله عن ذلك، وإنما أخبره به بلال بغير سؤال، وفيه بعد؛ لأنه لم يكن حينئذ يلوم نفسه على ترك السؤال، لحصول مقصوده بدونه، ويحتمل أن ابن عمر حدث به من قبل أن يسأل بلالًا، ثم سأل بلالًا بعد ذلك، أو حدث به بلال بعد ذلك، فذكر فيه أنه صلى ركعتين، وفيه بعد أيضًا؛ لأن بعض من حدثه عنه بكونه لم
стр. 5051
يسأل بلالًا عن ذلك إنما سمع منه بعد وفاة بلال.
ويحتمل أن ابن عمر، وإن سمع من بلال أنه صلى ركعتين، لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما؛ لأن من صلى أربعًا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة، كما هو المرجح في الأصول، فيكون الذي نسي أن يسأله عنه، هل زاد على الركعتين شيئًا، أم لا. انتهى. "طرح التثريب" جـ ٥ ص ١٣٨ - ١٣٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ولا يخفى بعد الاحتمال الأخير أيضًا. والله أعلم.
وقال الحافظ ﵀: وقد استشكل الإسماعيلي، وغيره هذا -يعني قوله: صلى ركعتين- مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع، وغيره، عنه، أنه قال: "ونسيت أن أسأله كم صلى"، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها.
والجواب عن ذلك أن يقال: يحتمل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المتحقق له، وذلك أن بلالًا أثبت له أنه صلى، ولم ينقل أن النبي ﷺ تنفل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، لما عرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا، فقوله: "ركعتين" من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال.
وقد وجدت ما يؤيد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو
стр. 5052
ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الحديث "فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول الله ﷺ ها هنا؟ فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة والوسطى".
فعلى هذا فيحمل قوله: "نسيت أن أسأله كم صلى" على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه. وأما قوله في الرواية الأخرى: "نسيت أن أسأله كم صلى"، فيحتمل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين، أو لا؟
وأما قول بعض المتأخرين: يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله, ففيه نظر، من وجهين:
أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة -وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة- لم تتعدد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معًا، فقال في هذه، فأقبلت، ثم قال: فسألت بلالًا، وقال في الأخرى: فبدرت، فسألت بلالًا، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدًا في وقت واحد.
ثانيهما: أن راوي قول ابن عمر "ونسيت" هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكايته النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلًا. والله أعلم.
وأما ما نقله عياض أن قوله: "ركعتين" غلط من يحيى بن سعيد
стр. 5053
القطان؛ لأن ابن عمر قد قال: "نسيت أن أسأله كم صلى" قال: وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعدُ. فهو كلام مردود، والمغلط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبلُ، وبعدُ، فلم يَهِمْ من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يُغَلَّطَ، فقَدْ تابعهُ أبو نعيم، عند البخاري، والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر ابن علي عند الإسماعيلي، وعبد الله بن نمير عند أحمد، كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضًا، فقد تابعه عليه خُصَيْف، عن مجاهد، عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد والنسائي، وعمرو بن دينار، عند أحمد أيضًا باختصار، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة، عند أحمد، والطبراني بإسناد قوي. ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان، قال: "فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى" أخرجه الطبراني بإسناد صحيح. ومن حديث شيبة بن عثمان، قال: "لقد صلى ركعتين عند العمودين". أخرجه الطبراني بإسناد جيد.
فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين، فقال بغير علم، ولو سكت لسلم. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ٥٩٦ - ٥٩٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ في وجه الجمع
стр. 5054
بين الحديثين أقرب مما تقدم، وحاصله أن ابن عمر ﵁ فهم من إشارة بلال ﵁ أنه صلى ركعتين، ثم ندم على عدم تثبته بالسؤال اللفظي عن عدد الركعات، فبهذا تجتمع الروايتان. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5055
٦ - فَضْلُ المَسْجِدِ الأقْصَى, والصَّلاةُ فيهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان فضل المسجد الأقصى، وفضل الصلاة فيه.
يقال لبيت المقدس: المسجد الأقصى على الصفة، ومسجد الأقصى على إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد جوزه الكوفيون، واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان، أي المكان الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى، ونحو ذلك، وإلى مذهب البصريين أشار ابن مالك في الخلاصة حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … معنَى وَأوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
وإنما قيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: لبعد الزمان، وفيه نظر، لقوله في الحديث السابق (٣/ ٦٩٠): بينهما
أربعون سنة.
وقال الزمخشري: سمي الأقصى؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبث. وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه.
قال الجامع: وفيه نظر؛ لأنه كان يسمى بهذا الاسم قبل المدينة.
ولبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين: منها: إيلياء،
стр. 5056
بالمد، والقصر، وبحذف الياء الأولى. وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث. وبيت المقدس بسكون القاف، وبفتحها مع التشديد- والقدس -بغير ميم، مع ضم القاف، وسكون الدال، وضمها أيضًا- وشلم -بالمعجمة، وتشديد اللام، وبالمهملة- وشلام بمعجمة، وسَلِم -بفتح المهملة، وكسر اللام الخفيفة- وأرْوِي سَلِم -بسكون الواو، وبكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة، قال الأعشى [من المتقارب]:
وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فأرْوِي سَلِمْ
ومن أسمائه كورة، وبيت إيل، وصهيون، ومصروث، آخره مثلثة، وكورشيلا، وبابوش -بموحدتين، ومعجمة- وقد تتبع أكثر هذه الأسماء الحسين بن خالويه اللغوي في كتاب "ليس". أفاده في الفتح جـ ٣ ص ٧٨.
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: القدس -بضم القاف- هو بيت المقدس- زاده الله تعالى شرفًا -يقال: بفتح الميم، وإسكان القاف، وكسر الدال، ويقال: بضم الميم، وفتح القاف، وفتح الدال المشددة، لغتان مشهورتان. قال الجوهري في صحاحه: بيت المقدس، يشدد، ويخفف، والنسبة إليه مقدِسِي، مثال مَجْلِسِي، ومُقَدَّسِي. قال امرؤ القيس [من الطويل]:
فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا … كَمَا شَبْرَقَ الوِلْدَانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِي
стр. 5057
والهاء في أدركنه ضمير الثور الوحشي، والنون في أدركنه ضمير الكلاب. أي أدركت الكلاب الثور، فأخذن بساقه ونساه، وشَبْرَقَتْ جلده، كما شبرق ولدان النصارى ثوب الراهب المُقَدَّسِي، وهو الذي جاء بيت المقدس، فقطعوا ثيابه تبركًا بها، والشَّبْرَقَة: تقطيع الثوب، وغيره.
والقُدْس والقُدُس: الطهر، اسم ومصدر، ومنه قيل للجنة: حظِيرةَ القدس. والتقديس: التطهير، والأرض المقدسة: المطهرة.
وقال الواحدي في أول سورة البقرة: البيت المقدس -يعني بالتخفيف-: المطهر، قال: وقال أبو علي: وأما بيت المقدس -يعني بالتخفيف- فلا يخلو، إما أن يكون مصدرًا، أو مكانًا، فإن كان مصدرًا كان كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٤]، ونحوه من المصادر، وإن كان مكانًا، فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة. وتطهيره على معنى إخلائه من الأصنام، وإبعاده منها. وقال الزجاج: البيت المقدس، أي المكان المطهر، وبيت المقدس، أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب. هذا ما ذكره الواحدي.
وقال غيره: البيت المقدس، وبيت المقدس, لغتان: الأولى على الصفة، والثانية على إضافة الموصوف إلى صفته، كصلاة الأولى، ومسجد الجامع. انتهى. كلام النووي جـ ٤ ص ١٠٩، بزيادة من "لسان العرب". والله تعالى أعلم.
стр. 5058
٦٩٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﷺ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ، خِلَالاً ثَلَاثَةً: سَأَلَ اللَّهَ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد، ثقة ثبت، من [١١] تقدم في ١٠٨/ ١٤٧، أخرج له النسائي.
٢ - (أبو مُسْهِر) عبد الأعلي بن مسهر الغساني الدمشقي، ثقة فاضل، توفي سنة ٢١٨، وله ٧٨ سنة، من كبار [١٠] أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٤٦٠.
стр. 5059
٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التنوخي الدمشقي، ثقة إمام، اختلط في آخره، من [٧] تقدم في ٤٦٠.
٤ - (ربيعة بن يزيد) الإيادي القصير، أبو شعيب الدمشقي، ثقة عابد، من [٤] تقدم في ١٤٨.
٥ - (أبو إِدريس الخَوْلاني) عائذ الله بن عبد الله، الدمشقي، ثقة عالم، من [٢] تقدم في ٧٢/ ٨٨.
٦ - (ابن الديلمي) عبد الله بن فيروز، أبو بشر، ويقال: أبو بسر، أخو الضحاك بن فيروز، وعم التعريف بن عياش بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة.
قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي، ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام. وأما ابن حبان، فقال: هو عبد الله بن ديلم بن هوشع الحميري، عداده في أهل مصر. كذا قال.
وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: قال مسلم: أبو بشر -يعني بالمعجمة- قال: وقد بينا أن ذلك خطأ، أخطأ فيه مسلم، وغيره، وخليق أن يكون محمد -يعني البخاري- قد اشتبه عليه، مع جلالته، فلما نقله مسلم من كتابه تابعه عليه، ومن تأمل كتاب مسلم في الكنى
стр. 5060
علم أنه منقول من كتاب محمد، حذو القُذَّة بالقذة، وتجلد في نقله حق الجلادة، إذ لم ينسبه إلى قائله، والله يغفر لنا وله. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. انتهى تت.
٧ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص، ﵄، تقدم في ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فمن أفراده، وابن الديلمي، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، إلا شيخه فنيسابوري، وأما عبد الله بن عمرو الصحابي، فإنه وإن كان نزل مصر، فقد دخل الشام، وقيل: مات بها. وقيل غير ذلك.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض, ربيعة، عن أبي إدريس، عن ابن الديلمي.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فأبو إدريس، وابن الديلمي، كلاهما من كبار التابعين.
ومنها: أن صحابيه هو أحد السابقين المكثرين من الصحابة -كما وصفه بكثرة الرواية أبو هريرة ﵁- وأحد العبادلة الأربعة الفقهاء منهم. والله تعالى أعلم.
стр. 5061
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄ (عن رسول الله ﷺ : أن سليمان بن داود ﷺ لما بني بيت المقدس) والمراد فراغه من بنائه، لما في رواية ابن ماجه "لَمَّا فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس".
(سأل الله خلالًا ثلاثة) الخلال -بالكسر- جمع خَلَّة، كَخَصْلَة وخِصَال، وزنًا ومعنى، و"ثلاثة" صفة، أو بدل، أو عطف بيان، له. وإنما أنث "ثلاثة" مع كون المعدود مؤنثًا؛ لأن وجوب تذكير العدد لتأنيث المعدود إنما هو إذا وقع المعدود تمييزًا، وأما إذا قدم أو حذف فلا يجب. كما هو مقرر في محله.
(سأل الله حكمًا يصادف حكمه) أي يوافق حكم الله . والمراد: التوفيق للصواب في الاجتهاد، وفصل الخصومات بين الناس. قاله السندي (فأوتيه) أي أعطاه الله ذلك. هذه هي إحدى الخلال الثلاث.
(وسأل الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده) أي لا ينبغي لأحد أن يسأله, فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة. وقيل: إن سؤاله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده, ليكون محله وكرامته من الله ظاهرًا في خلق السموات
стр. 5062
والأرض, فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النبي ﷺ العِفْرِيت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته، وأمكنه الله منه، أراد ربطه، ثم تذكر قول أخيه سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فرده خاسئا.
فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية، فكأنه كره ﷺ أن يزاحمه في تلك الخصوصية، بعد أن علم أنه شيء هو الذي خص به من تسخير الشياطين (١)، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده. أفاده القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره. جـ ١٥ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ . ثم أورد حديث العفريت في الصحيحين وغيرهما.
ولفظ البخاري في التفسير: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إن عفريتًا من الجن تَفَلَّتَ عليَّ البارحة -أو كلمة نحوها- ليقطع عليَّ الصلاة، فأمكنني الله ﵎ منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، قال رَوْحٌ:
стр. 5063
فرده خاسئًا". انتهى. تفسير ابن كثير باختصار جـ ٤ ص ٤١.
(فأوتيه) أي أعطي ذلك الملك، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٣٦ - ٤٠].
فسخر الله تعالى له الريح تحمله بعسكره وجنوده إلى حيث أصاب، أي أراد، وسخر له الشياطين يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب، وقدور راسيات، وسخر له آخرين متمردين، يقرنهم في السلاسل، وقيود الحديد تعذيبًا لهم حتى يرجعوا عن تمردهم.
ثم امتن الله تعالى عليه، حيث قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ [ص: ٣٩]، أي هذا الملك عطاؤنا، فأعط من شئت، وامنع من شئت، فلا حساب عليك.
قال الحسن ﵀: ما أنعم الله على أحد نعمة، إلا عليه فيه تبعة، إلا سليمان ﵇, فإن الله تعالى قال له: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ [ص: ٣٩].
قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى: يقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا، مع ذمها من الله تعالى وبغضه لها، وحقارتها؟
стр. 5064
فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته, ولزوم طاعته، ونظم قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعد في أنه يعلم ما لا يعلم أحد من خلقه، حسب ما صرح بذلك لملائكته، فقال: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وحوشي سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا, لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله؛ فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح، فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة.
وقد قيل: إن ذلك كان بأمر من الله على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده، دون سائر عباده، أو أراد أن يكون ملكًا عظيمًا، فقال: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، وهذا فيه نظر، والأول أصح.
ثم قال له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ [ص: ٣٩]، وهذا يرد ما روي في الخبر: إن آخر الأنبياء دخولًا الجنة سليمان بن داود ﵉ لمكان ملكه في الدنيا، وفي بعض الأخبار: "يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا"، ذكره صاحب القوت، وهو حديث لا أصل له؛ لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه؛ لأنه من
стр. 5065
طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولًا الجنة، وهو سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ [ص: ٤٠]، وفي الصحيح "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته". . . وقد تقدم، فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذا لم تكن عليه تبعة.
(وسأل الله حين فغ من بناء المسجد) الأقصى، ظاهر رواية المصنف يدل على أن السؤال الثالث كان عند فراغه من البناء، بخلاف الأولين، لكن تقدم في رواية ابن ماجه أن الثلاثة كانت عند الفراغ، ولفظ ابن ماجه "لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا". .. الحديث.
فيحتمل أن يكون الدعاء الثالث مقارنًا لفراغه، بخلاف الأولين، فهما بعد الفراغ من دون مقارنة، ويحتمل أن الثلاث وقعت معًا، ويكون قوله هنا: "حين فرغ" ذكر تأكيدًا.
(أن لا يأتيه) أي لا يجيء المسجد، ولا يدخله (أحد، لا ينهزه) أي لا يحركه، يقال: نَهَزَ، نَهْزًا، من باب نَفَع: نَهَضَ ليتناول الشيء، قال الأزهري: وأصل النَّهْزِ: الدفع، وانتهز الفرصة: انتهض إليها مبادرًا. أفاده في المصباح.
(إِلا الصلاة فيه) أي أداؤها فيه، والمراد أنه ما أخرجه من بيته، إلا أداء الصلاة فيه.
стр. 5066
(أن يخرجه من خطيئته) هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى "أن يخرجه من خطيئته".
فلابد في الكلام من استثناء يدل عليه السياق، تقديره: لا يأتيه أحد، لا ينهزه إلا الصلاة فيه، إلا أكرمه الله تعالى. وقوله: أن يخرجه. . . إلخ خبر لمحذوف، أي ذلك أن يخرجه من خطيئته، كيوم ولدته أمه، فتكون الجملة بيانًا لذلك المقدر.
وقال السندي ﵀: (أن يخرجه) من الإخراج، أو الخروج، والظاهر أن في الكلام اختصارًا، والتقدير: "لا يأتيه أحد، إلا يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقوله: "أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه" بدل من تمام هذا الكلام المشتمل على الاستثناء، إلا أنه حذف الاستثناء لدلالة البدل عليه، فليتأمل. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله "أو الخروج": غير صحيح، بل هو من الإخراج فقط. ثم إن التقدير الذي ذكره فيه ركاكة، فالأولى ما
ذكرته. والله أعلم.
ولفظ ابن ماجه "وألا يأتي هذا المسجد أحد، لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". ولفظ أحمد "أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم
стр. 5067
ولدته أمه".
(كيوم ولدته أمه) كناية عن تكفير جميع ذنوبه؛ لأن المولود حين يولد ليس عليه شيء من الذنوب.
وقوله: "كيوم" يجوز جره بالكسرة، ويجوز بناؤه على الفتح، وهو المختار، لإضافته إلى جملة فعلية، فعلها ماض، كما قال في "الخلاصة":
وابْنِ أو اعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيا … وَاخْتَر بِنَا مَتْلُوَّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلِ مُعْرَبٍ أو مُبْتَدَا … أعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
تنبيه:
رواية المصنف ﵀ فيها اختصار، إذ ليس فيها بيان حال المسألة الثالثة؛ لأنه قال في كل من الأوليين: "فأوتيه"، ولم يذكر في الثالثة شيئًا، وقد بين في رواية غيره، فعند ابن ماجه، فقال النبي ﷺ : "أما اثنتان، فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة". ولفظ أحمد: "إن سليمان بن داود ﵇ سأل الله ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون له الثالثة"، فذكر الحديث.
ولما كان رجاؤه ﷺ في مثل هذا يفيد التحقيق، استدل به المصنف، ﵀، على فضل المسمجد الأقصى والصلاة فيه، وكذا فعل ابن خزيمة ﵀ في صحيحه. والله أعلم.
стр. 5068
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦/ ٦٩٣)، و"الكبرى" (٦/ ٧٧٢) عن عمرو بن منصور، عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن
يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبد الله بن الديلمي، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في الصلاة رقم (١٤٠٨) عن عبيد الله بن الجهم الأنماطي، عن أيوب بن سويد الرملي، عن أبي زرعة، يحيى بن أبي
عمرو السيباني، عن ابن الديلمي، عنه، نحوه.
وأخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، وابن خزيمة رقم (١٣٣٤).
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو بيان فضل المسجد الأقصى، وبيان فضل الصلاة فيه.
ومنها: فضل سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، حيث فضله الله تعالى بهذه الخصال.
стр. 5069
ومنها: بيان أن الله تعالى يفضل بعض أنبيائه على بعضهم ببعض الخصال، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣].
ومنها: إثبات الاجتهاد للأنبياء، حيث إن سليمان ﵇ طلب من الله تعالى أن يوافق حكمه حكمه، وهذا معنى الاجتهاد، إذ لو كان مراده نزول الوحي إليه بحكم الله تعالى، لما كان بينه وبين غيره من الأنبياء فرق، وهذه المسألة فيها اختلاف بين أهل العلم، ومحلها أصول الفقه، وسنعود إلى تحقيقها في المحل المناسب لها، إن شاء الله تعالى.
ومنها: مشروعية الدعاء لمن عمل عملًا صالحًا عند الفراغ منه، لأنه يكون وسيلة لقبول دعائه، فإن التوسل بالعمل الصالح من أسباب الإجابة، كما ثبت في الصحيح توسل الثلاثة الذي أطبقت على فم غارهم صخرة، بأعمالهم الصالحة، فأزالها الله تعالى، فخرجوا يمشون، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما.
ومنها: أن من أتى المسجد الأقصى ينبغي له تجريد نيته لأداء الصلاة، ومثله في ذلك سائر المساجد، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين درجة، وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا
стр. 5070
الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة" الحديث. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
ذَلِكَ، حَتَّى يُسْنِدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ جَالَسْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ نَصِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنِّي آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّهُ آخِرُ الْمَسَاجِدِ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (كثير بن عبيد) بن نمير المَذْحِجِي، أبو الحسن الحمصي الحذاء المقرئ، ثقة، توفي في حدود سنة ٢٥٠، من [١٠] أخرج له
أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٤٨٦.
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبرش، ثقة، من [٩] توفي سنة ١٩٤، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبَيْدِي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من [٧] تقدم
في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدني الإمام الحافظ الحجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
стр. 5073
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، اسمه كنيته على الصحيح، ثقة مكثر، توفي سنة بضع وعشرين ومائة، من
[٣] تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو عبد الله الأغر) سلمان المدني، أصله من أصبهان، ثقة من كبار [٣].
قال حجاج عن شعبة: كان الأغر قاصًا من أهل المدينة، وكان رضي. وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لقي عمر بن الخطاب، ولا أثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقة، قليل الحديث.
وقال عبد الغني بن سعيد في الإيضاح: سلمان الأغر مولى جهينة، هو أبو عبد الله الأغر الذي روى عنه الزهري، وهو أبو عبد الله المدني مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر، وهو أبو مسلم المديني الذي يحدث عنه الشعبي. وقال قوم: هو الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة. وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سليك. ولا يصح ذلك، الأغر بن سليك آخر. انتهى.
وأبو مسلم الذي يروي عنه الشعبي آخر، وكذا الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه عند أهلها دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة، وأبي سعيد، وهذا مولى جهينة. والله أعلم.
قال الحافظ: وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره
стр. 5074
ابن حبان في الثقات. وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة. وقال ابن خلفون: وثقه الذهلي. أخرج له الجماعة.
٧ - (عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ) وقيل: إبراهيم بن عبد الله ابن قارظ، ووهم من زعم أنهما اثنان، صدوق، من [٣] أخرج له
مسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ١٢٢/ ١٧١.
٨ - (أبوهريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له الشيخان، والترمذي، وعبد الله بن إبراهيم، فما أخرج له البخاري، وابن ماجه.
ومنها: أنهم ما بين حمصيين ومدنيين، فإلى الزبيدي حمصيون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيين، الزهري عن أبي سلمة والأغر.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فأبو سلمة والأغر وابن قارظ أقران.
стр. 5075
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (وأبي عبد الله الأغر، مولى الجهنيين) -بضم الجيم، وفتح الهاء- نسبة إلى جهينة قبيلة من قُضَاعة. قاله في اللب. (وكانا) أي أبو سلمة، وأبو عبد الله الأغر (من أصحاب أبي هريرة) ﵁ (أنهما سمعا أبا هريرة يقول: صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل) ثوابًا (من) ثواب (ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إِلا المسجد الحرام) فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجده ﷺ ، وقيل: التقدير: إلا المسجد الحرام، فإنه يفضله بدون الألف، والأول هو الراجح، وتقدم تحقيقه في شرح الحديث (٤/ ٦٩١)، فراجعه تستفد.
ثم علل هذا التفضيل بقوله (فإِن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء) قال الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وأخرج الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها، فنظر إليها، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، خُتِمَ بِي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام".
(ومسجده آخر المساجد) قال الحافظ أبو حاتم بن حبان ﵀-
стр. 5076
في صحيحه جـ ٤ ص ٥٠٢: يريد به آخر المساجد للأنبياء، لا أن مسجد المدينة آخر مسجد بني في هذه الدنيا. انتهى.
وقال السندي ﵀: أي آخر المساجد الثلاثة المشهود لها بالفضل، أو آخر مساجد الأنبياء، أو أنه يبقى آخر المساجد، ويتأخر عن المساجد الأُخَرِ في الفناء، أي فكما أنه تعالى شرف آخر الأنبياء، شرف كذلك مسجده الذي هو آخر المساجد، بأن جعل الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام. والله أعلم. انتهى.
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (وأبو عبد الله) الأغر (لم نشك أن أبا هريرة، كان يقول عن حديث رسول الله ﷺ ) أي يخبر بهذا الحديث، آخذًا عن حديث رسول الله ﷺ ، والمراد أنهما كانا لا يشكان في كون أبي هريرة ﵁ يخبر بهذا الحديث عنه ﷺ لا من عنده، ولجزمهما بذلك لم يسألاه من أين أخذه، كما بَيَّنَا ذلك بقولهما: فَمُنِعْنَا أن نستثبت. . . إلخ.
فائدة:
يجوز في قوله: "لم نشك" تحريك كافه بالحركات الثلاث: الفتح تخفيفًا، والكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والضم، وهو أكثر في كلامهم، اتباعًا لحركة الفاء، وكذا كل فعل مضعف مجزوم، إذا كان مضموم الفاء، كلم يرد، أو مكسورها، كلم يَفِرّ، وأما مفتوحها، فليس فيه الضم، كلم يَعَضّ، ومثله الأمر في هذا
стр. 5077
كله، كرُدّ، وفِرّ، وعَضّ.
(فمنعنا) ببناء الفعل للمفعول، و"نا" نائب فاعله، يقال: منعته الأمر، ومنعته من الأمر، منعًا، فهو ممنوع: أي محروم. يتعدى إلى
مفعولين تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر إلى الثاني، كما في المصباح.
(أن نستثبت أبا هريرة في ذلك الحديث) أي نطلب منه ثبوت كون الحديث عنه ﷺ . قال في اللسان: واستثبت في أمره: إذا شاور، وفحص عنه.
فقوله: أن نستثبت إلخ في تأويل المصدر مفعول ثان لمُنِعْنَا على الأول، وعلى الثاني يكون مجرورًا بمن محذوفة قياسًا، كما قال في
الخلاصة:
وَعدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وِإنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي أنَّ وَأنْ يَطَّرِدُ … مَعَ أمْنِ لَبْسٍ كعَجِبْتُ أنْ يَدُوا
والتقدير: مُنِعْنَا من استثباته في ذلك الحديث.
(حتى إِذا توفي أبو هريرة ذكرنا ذلك) الحديث (وتلاومنا) أي لام بعضنا بعضًا، أي عذله (أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك الحديث) والمصدر المؤول مجرور بعلى مقدرة أيضًا، أي عذل بعضنا بعضًا على عدم تكليمنا إياه في شأن هذا الحديث (حتى يسنده إِلى رسول الله ﷺ ، إِن كان سمعه منه) ﷺ . وفي الكبرى "حتى
стр. 5078
نسنده" بالنون بدل الياء، أي حتى نرويه مسندًا إليه ﷺ (فبينا نحن على ذلك) أي على ذكر شأن ذلك الحديث، وتلاومهم على تقصيرهم في عدم الاستثبات.
وأصل بينا: بين، فأشبعت فتحتها، فصارت ألفًا، ويقال: بينما، وبينا، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجاة، ويضافان إلى الجملة, فعلية كانت أو اسمية، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وقد يقترن بإذ وإذا، والأفصح عدمه، كما بينه ابن منظور في لسان العرب.
فبينا هنا مضافة إلى جملة نحن على ذلك، وجوابها قوله: (جالسنا عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ) المدني (فذكرنا ذلك الحديث، و) ذكرنا الأمر (الذي فرطنا فيه) أي قصرنا فيه. يقال: فرط في الأمر، تفريطًا: قصر فيه، وضيعه، وأفرط إفراطًا، أسرف، وجاوز الحد. قاله الفيومي.
وقوله: (من نص أبي هريرة) بيان للموصول، أي من رفعه الحديث إلى النبي ﷺ ؟ يقال: نَصَصْت الحديثَ نَصًّا، من باب قتل: رفعته إلى من أحْدَثَه، ونص النساء العروس، نصًا، رفعنها على المِنَصَّة- بكسر الميم، وهي الكرسي الذي تقف عليه في جِلائها. قاله الفيومي.
يعني أنهما ذكرا لعبد الله بن إبراهيم تفريطهما في شأن هذا الحديث، حيث إنهما لم يسألاه هل سمعه من النبي ﷺ ، أو لا؟
стр. 5079
قال الجامع عفا الله عنه: إنما تلاوما على هذا، وإن كان الأمر لا يحتاج إلى ذلك، إذ الحديث ليس مما يقال من قبل الرأي، فهو مرفوع حكمًا لكونهما تركا الأولى في ذلك، وهو الرفع اللفظي، فإنه أرفع منزلة من الرفع الحكمي.
والحاصل أنهما تأسفا على عدم تلقيهما الحديث مرفوعًا لفظًا، وإن كان مرفوعًا حكمًا. والله أعلم.
(فقال لنا عبد الله بن إِبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : فإِني آخر الأنبياء، وإِنه آخر المساجد) الظاهر أن الحديث فيه اختصار من أوله، وهو قوله: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"، فتكون الفاء في قوله: "فإني" للتعليل، كما سبق.
ويدل على أن عبد الله بن إبراهيم سمع أول الحديث المذكور من أبي هريرة ﵁ ما يأتي للمصنف في المناسك، من طريق سعد بن إبراهيم: أن أبا سلمة قال: سألت الأغر عن هذا الحديث، فحدث الأغر، أنه سمع أبا هريرة، يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا الكعبة".
يعني أن عبد الله بن إبراهيم أفادهما كون أبي هريرة أثبت سماعه من رسول الله ﷺ ، فصار الحديث مرفوعًا لفظًا أيضًا.
стр. 5080
والحاصل أن أبا هريرة ﵁ حدث بهذا الحديث أبا سلمة، وأبا عبد الله الأغر، وهو بصورة الموقوف، وحدث به عبد الله بن إبراهيم مصرحًا فيه بالسماع من رسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا من رواية أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر كلاهما عنه متفق عليه، ومن روايتهما عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عنه أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٦٩٤)، و "الكبرى" (٧/ ٧٧٣) عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر، كلاهما عنه، وفي "المناسك" (١٢٤/ ٢٨٩٩)، و"الكبرى" (١٢٤/ ٣٨٨٢) عن عمرو بن علي، عن محمد بن جعفر، غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن الأغر، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.