← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

في صحيحه جـ ٤ ص ٥٠٢: يريد به آخر المساجد للأنبياء، لا أن مسجد المدينة آخر مسجد بني في هذه الدنيا. انتهى. وقال السندي ﵀: أي آخر المساجد الثلاثة المشهود لها بالفضل، أو آخر مساجد الأنبياء، أو أنه يبقى آخر المساجد، ويتأخر عن المساجد الأُخَرِ في الفناء، أي فكما أنه تعالى شرف آخر الأنبياء، شرف كذلك مسجده الذي هو آخر المساجد، بأن جعل الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام. والله أعلم. انتهى. (قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (وأبو عبد الله) الأغر (لم نشك أن أبا هريرة، كان يقول عن حديث رسول الله ﷺ ) أي يخبر بهذا الحديث، آخذًا عن حديث رسول الله ﷺ ، والمراد أنهما كانا لا يشكان في كون أبي هريرة ﵁ يخبر بهذا الحديث عنه ﷺ لا من عنده، ولجزمهما بذلك لم يسألاه من أين أخذه، كما بَيَّنَا ذلك بقولهما: فَمُنِعْنَا أن نستثبت. . . إلخ. فائدة: يجوز في قوله: "لم نشك" تحريك كافه بالحركات الثلاث: الفتح تخفيفًا، والكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والضم، وهو أكثر في كلامهم، اتباعًا لحركة الفاء، وكذا كل فعل مضعف مجزوم، إذا كان مضموم الفاء، كلم يرد، أو مكسورها، كلم يَفِرّ، وأما مفتوحها، فليس فيه الضم، كلم يَعَضّ، ومثله الأمر في هذا

стр. 5077

كله، كرُدّ، وفِرّ، وعَضّ. (فمنعنا) ببناء الفعل للمفعول، و"نا" نائب فاعله، يقال: منعته الأمر، ومنعته من الأمر، منعًا، فهو ممنوع: أي محروم. يتعدى إلى مفعولين تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر إلى الثاني، كما في المصباح. (أن نستثبت أبا هريرة في ذلك الحديث) أي نطلب منه ثبوت كون الحديث عنه ﷺ . قال في اللسان: واستثبت في أمره: إذا شاور، وفحص عنه. فقوله: أن نستثبت إلخ في تأويل المصدر مفعول ثان لمُنِعْنَا على الأول، وعلى الثاني يكون مجرورًا بمن محذوفة قياسًا، كما قال في الخلاصة: وَعدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وِإنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي أنَّ وَأنْ يَطَّرِدُ … مَعَ أمْنِ لَبْسٍ كعَجِبْتُ أنْ يَدُوا والتقدير: مُنِعْنَا من استثباته في ذلك الحديث. (حتى إِذا توفي أبو هريرة ذكرنا ذلك) الحديث (وتلاومنا) أي لام بعضنا بعضًا، أي عذله (أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك الحديث) والمصدر المؤول مجرور بعلى مقدرة أيضًا، أي عذل بعضنا بعضًا على عدم تكليمنا إياه في شأن هذا الحديث (حتى يسنده إِلى رسول الله ﷺ ، إِن كان سمعه منه) ﷺ . وفي الكبرى "حتى

стр. 5078

نسنده" بالنون بدل الياء، أي حتى نرويه مسندًا إليه ﷺ (فبينا نحن على ذلك) أي على ذكر شأن ذلك الحديث، وتلاومهم على تقصيرهم في عدم الاستثبات. وأصل بينا: بين، فأشبعت فتحتها، فصارت ألفًا، ويقال: بينما، وبينا، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجاة، ويضافان إلى الجملة, فعلية كانت أو اسمية، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وقد يقترن بإذ وإذا، والأفصح عدمه، كما بينه ابن منظور في لسان العرب. فبينا هنا مضافة إلى جملة نحن على ذلك، وجوابها قوله: (جالسنا عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ) المدني (فذكرنا ذلك الحديث، و) ذكرنا الأمر (الذي فرطنا فيه) أي قصرنا فيه. يقال: فرط في الأمر، تفريطًا: قصر فيه، وضيعه، وأفرط إفراطًا، أسرف، وجاوز الحد. قاله الفيومي. وقوله: (من نص أبي هريرة) بيان للموصول، أي من رفعه الحديث إلى النبي ﷺ ؟ يقال: نَصَصْت الحديثَ نَصًّا، من باب قتل: رفعته إلى من أحْدَثَه، ونص النساء العروس، نصًا، رفعنها على المِنَصَّة- بكسر الميم، وهي الكرسي الذي تقف عليه في جِلائها. قاله الفيومي. يعني أنهما ذكرا لعبد الله بن إبراهيم تفريطهما في شأن هذا الحديث، حيث إنهما لم يسألاه هل سمعه من النبي ﷺ ، أو لا؟

стр. 5079

قال الجامع عفا الله عنه: إنما تلاوما على هذا، وإن كان الأمر لا يحتاج إلى ذلك، إذ الحديث ليس مما يقال من قبل الرأي، فهو مرفوع حكمًا لكونهما تركا الأولى في ذلك، وهو الرفع اللفظي، فإنه أرفع منزلة من الرفع الحكمي. والحاصل أنهما تأسفا على عدم تلقيهما الحديث مرفوعًا لفظًا، وإن كان مرفوعًا حكمًا. والله أعلم. (فقال لنا عبد الله بن إِبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : فإِني آخر الأنبياء، وإِنه آخر المساجد) الظاهر أن الحديث فيه اختصار من أوله، وهو قوله: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"، فتكون الفاء في قوله: "فإني" للتعليل، كما سبق. ويدل على أن عبد الله بن إبراهيم سمع أول الحديث المذكور من أبي هريرة ﵁ ما يأتي للمصنف في المناسك، من طريق سعد بن إبراهيم: أن أبا سلمة قال: سألت الأغر عن هذا الحديث، فحدث الأغر، أنه سمع أبا هريرة، يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا الكعبة". يعني أن عبد الله بن إبراهيم أفادهما كون أبي هريرة أثبت سماعه من رسول الله ﷺ ، فصار الحديث مرفوعًا لفظًا أيضًا.

стр. 5080

والحاصل أن أبا هريرة ﵁ حدث بهذا الحديث أبا سلمة، وأبا عبد الله الأغر، وهو بصورة الموقوف، وحدث به عبد الله بن إبراهيم مصرحًا فيه بالسماع من رسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا من رواية أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر كلاهما عنه متفق عليه، ومن روايتهما عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عنه أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٧/ ٦٩٤)، و "الكبرى" (٧/ ٧٧٣) عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر، كلاهما عنه، وفي "المناسك" (١٢٤/ ٢٨٩٩)، و"الكبرى" (١٢٤/ ٣٨٨٢) عن عمرو بن علي، عن محمد بن جعفر، غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن الأغر، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.

стр. 5081

فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، كلاهما عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة. ومسلم في "الحج" عن إسحاق بن منصور، عن عيسى بن المنذر، عن محمد بن حرب، بسند المصنف وسياقه. والترمذي في "الصلاة" عن إسحاق الأنصاري، عن معن، عن مالك، به. وعن قتيبة، عن مالك، عن زيد بن رباح وحده به. وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي مصعب، عن مالك به عنهما. وأخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاوي في مشكل الآثار, والدارمي، وابن حبان. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٩٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ١/ ١.

стр. 5082

٢ - (مالك) بن أنس، الإمام المدني، أبو عبد الله، ثقة ثبت حجة، من [٧] تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، توفي سنة ١٣٥، عن ٧٠ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٨/ ١٦٣. ٤ - (عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني، ثقة، من [٣] وقيل: له رؤية، تقدم في ٥٩/ ٧٤. ٥ - (عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد الصحابي المشهور ﵁، استشهد بالحرة سنة ٦٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٠/ ٩٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن زيد) ﵁، أنه (قال: قال

стр. 5083

رسول الله ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة") "ما" اسم موصول مبتدأ، والظرف صلتها، و"روضة" خبرها، و"من رياض الجنة" بيان لما. فقوله: "ما بين بيتي ومنبري" كذا وقع عند البخاري في فضائل المدينة، في رواية الأكثرين، قال الحافظ: ووقع في رواية ابن عساكر وحده "قبري" بدل "بيتي"، وهو خطأ، فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ "بيتي"، وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه. وقال القرطبي: الرواية الصحيحة "بيتي" ويروى "قبري" وكأنه بالمعنى؛ لأنه دفن في بيت سكناه. نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: "بيتي" أحد بيوته، لا كلها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ "ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة"، أخرجه الطبراني في الأوسط. انتهى. فتح جـ ٤ ص ١٢٠، بزيادة من جـ ٣ ص ٨٤. وقد أخرج النسائي في "الكبرى" في "المناسك" (٣١٣/ ٤٢٨٩)، قال: أنبأنا قتيبة بن سعيد، والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا

стр. 5084

أسمع، عن سفيان عن عمار الدهني، عن أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي ﷺ قال: "إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" قال النسائي في حديث الحارث: "ما بين قبري ومنبري". قال الجامع عفا الله عنه: رجاله رجال الصحيح، فما قاله في الفتح من أن رواية "قبري" خطأ غير صحيح، اللهم إلا إذا أراد بالنسبة لرواية البخاري. فالصواب أن رواية "قبري" صحيحة، ويكون ذلك علمًا من أعلام النبوة، بأن أشار ﷺ أنه سيدفن في ذلك المحل، أو يكون من الرواية بالمعنى، والأول أولى. والله أعلم. ثم قيل: هو على ظاهره، وأنه روضة حقيقة، بأن ينقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. وقال في "الفتح": قوله: "روضة من رياض الجنة": أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة، وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده ﷺ ، فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو المعنى: أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازًا، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنه روضة حقيقة، بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوة. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ١٢٠.

стр. 5085

قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى كون الحديث على ظاهره؛ لأن حمل النص على ظاهر ما يتبادر إلى الذهن إذا أمكن هو المتعيّن، ثم هو مع ذلك لا ينافي المعاني الأُخَر، بأن يقال: هو روضة من رياض الجنة، وهو محل نزول الرحمة، وأن العبادة فيه توصل إلى الجنة. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٧/ ٦٩٥)، و"الكبرى" هنا (٧/ ٧٧٤)، وفي المناسك (٣١٣/ ٤٢٨٩) عن قتيبة، عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم، عن عباد بن تميم، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم. فأخرجه البخاري في آخر "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، به. ومسلم في "المناسك" عن قتيبة، عن مالك، به. وعن يحيى بن

стр. 5086

يحيى، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن حزم به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٩٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبله. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي الإمام الحجة المثبت، من [٨] تقدم في ١/ ١. ٣ - (عمار الدُّهْنِيُّ) بن معاوية، ويقال: ابن أبي معاوية، ويقال: ابن صالح، ويقال: ابن حبان، أبو معاوية البجلي الكوفي، صدوق يتشيع، من [٥]. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني، عن سفيان: قطع بشر بن مروان عرقوبيه في التشيع. وقال القواريري، عن أبي بكر بن عياش: قال لي عمار: إنه لم يسمع من سعيد بن جبير. وذكره ابن حبان في الثقات. قال مطين: مات سنة ١٣٣، أخرج له مسلم، والأربعة.

стр. 5087

فائدة: الدُّهْني -بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، وفي آخره نون: نسبة إلى دُهْن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، وهو بطن من بَجِيلة. قاله في اللباب جـ ١ ص ٥٢٠. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه، من [٣] تقدم في ١/ ١. ٥ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، أم المؤمنين ﵂، توفيت سنة ٦٢ على الأصح، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا عمارًا، فلم يخرج له البخاري. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، فإن عمارًا الدهني من الطبقة الخامسة، يروي عن أبي الطفيل. ومنها: أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أم سلمة) ﵂ (أن النبي ﷺ قال: إن قوائم

стр. 5088

منبري) جمع قائمة، وهي ما يقوم عليها المنبر، كقوائم الدابة، وفي اللسان: وقوائم الخِوَان، ونحوها: ما قامت عليه. قال الجوهري: قائم السيف، وقائمته: مَقْبِضُهُ، والقائمة: واحدة قوائم الدواب. وقوائم الدواب: أرْبَعَتُهَا، وَقد يستعار ذلك في الإنسان. انتهى. (رواتب في الجنة) جمع راتبة، من رتب: إذا انتصب قائمًا، أي إن الأرض التي هو فيها من الجنة، فصارت القوائم مقرها الجنة، أو أنه سينقل إلى الجنة. والله أعلم. قاله السندي. وقال في "الفتح" في شرح حديث "ومنبري على حوضي", ما نصه: أي ينقل يوم القيامة، فينصب على الحوض. وقال الأكثر: المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة، وهو فوقه. وقيل: المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة، والأول أظهر. ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم. ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي واقد الليثي، رفعه: "إن قوائم منبري رواتب في الجنة". وقيل معناه: أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض، ويقتضي شربه منه. والله أعلم. ونقل ابن زبالة أن ذراع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع، وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أدخل من

стр. 5089

الحجرة في الجدار. واستدل به على أن المدينة أفضل من مكة؛ لأنه أثبت التي بين البيت والمنبر من الجنة، وقد قال في الحديث الآخر: "لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها". وتعقبه ابن حزم بأن قوله: إنها من الجنة مجاز، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال رسول الله ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف" قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة، فإن قيل: إن ما قرب منها أفضل مما بعد, لزمهم أن يقولوا: إن الجحفة أفضل من مكة، ولا قائل به. انتهى. "فتح" جـ ٤ ص ١٢٠. تنبيه: حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، كما أشار إليه في "تحفة الأشراف" جـ ١٣ ص ٤١ - أخرجه هنا (٧/ ٦٩٦)، و"الكبرى" (٧/ ٧٧٥)، وفي "المناسك" منه (٣١٢/ ٤٢٨٧) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمار بن معاوية الدهني، عن أبي سلمة، عنها. وعن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان الثوري، عن عمار، به.

стр. 5090

تنبيه: أسقط في نسخة "الكبرى" ذكر سفيان الثوري بعد يحيى، فجعله عن يحيى، عن عمار، والإصلاح من "تحفة الأشراف" جـ ١٣ ص ٤١. فتنبه. وأخرجه ابن حبان، وابن سعد في الطبقات, وأبو نعيم في "الحلية"، وأحمد. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5091

٨ - ذِكْرُ المَسْجِدِ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المسجد الذي بنيت قواعده على تقوى الله تعالى. ٦٩٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَمَارَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ مَسْجِدِي هَذَا". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) المتقدم في الذي قبله. ٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الإمام الفقيه الحجة الثبت المصري، من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (عمران بن أبي أنس) القرشي العامري المدني، نزيل الإسكندرية، ثقة من [٥]. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن

стр. 5092

يونس: قدم الإسكندرية سنة ١٠٠، وكان سماع الليث منه بالمدينة، وتوفي بالمدينة سنة ١١٧، وكذا أرخه ابن حبان في الثقات، وزعم أن اسم أبيه عبد العزيز بن شُرَحْبيل بن حسنة. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال ابن سعد: كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤي، والناس يقولون: إنهم موالي، ثم انتموا بعد ذلك إلى اليمن، ومات عمران قديمًا، وله أحاديث. وقال ابن إسحاق: حدثني عمران بن أبي أنس، وكان ثقة. وحكي عن ابن أبي شيبة أن أبا أنس كان مولى لعبد الله بن سعد بن أبي السرح، واسمه نوفل. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد". ٤ - (ابن أبي سعيد الخدري) عبد الرحمن بن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي، ثقة، توفي سنة ١١٢ عن ٧٧ سنة، من [٣] أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ١/ ٣٢٦. ٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك الصحابي ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرجوا لهم، إلا عمران، فأخرج

стр. 5093

له البخاري في الأدب المفرد، ولم يخرج له ابن ماجه، وابن أبي سعيد، فعلق عنه البخاري. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي, فعمران بن أبي أنس روى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صحابي. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أن فيه أبا سعيد الخدري أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد) الخدري ﵁، أنه (قال: تمارى رجلان) أي تخاصما، وتجادلا، وفي رواية أحمد والترمذي "امترى رجل من بني خُدْرَة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ في ذلك؟، فقال: "هو هذا" يعني مسجده، وفي ذلك خير كثير". (في المسجد الذي أسس على التقوى) أي في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]. فقوله: "أسس على التقوى: أي بنيت جُدُرُه، ورُفِعت قواعده.

стр. 5094

والأُس: أصل البناء, وكذلك الأسَاسُ، والأسسُ مقصور منه. وجمع الأُس: إِسَاس، مثل عُسِّ، وعِسَاسَ، وجمع الأسَاس: أسُس، مثل قَذَال، وقُذُل، وجمع الأسَسِ: آسَاس، مثل سَبَب، وأسباب. انتهى. تفسير القرطبي جـ ١ ص ٢٥٩. وتأسيس البناء: تثبيته، ورفعه. ومعنى تأسيسه على التقوى: تأسيسه على الخصال التي تتقى بها العقوبة. انتهى. فتح القدير جـ ٢ ص ٤٠٣. (من أول يوم) متعلق بأسس، أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه. فمن لابتداء الغاية في الزمان، كما في قول الشاعر [من الطويل]: تُخُيِّرْنَ مِنْ أزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ … إِلَى اليَوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِب وقيل: من بمعنى "في". (فقال رجل) تقدم في رواية أحمد، والترمذي: أنه من بني عمرو ابن عوف (هو) أي المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم (مسجد قباء) موقع بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الجنوب، نحو ميلين، وهو -بضم القاف، يقصر، ويمد، ويصرف، ولا يصرف. قاله الفيومي. (وقال الآخر) هو الرجل الخدري (هو مسجد رسول الله ﷺ ،

стр. 5095

فقال رسول الله ﷺ ) وعند أحمد والترمذي: "فأتيا رسول الله ﷺ في ذلك، فقال": (هو مسجدي هذا) أي المسجد الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، هو مسجدي هذا. وزاد أحمد والترمذي: "وفي ذلك خير كثير". قال النووي ﵀: هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، ورَدٌّ لما يقوله بعض المفسرين: إنه مسجد قباء. وقال العراقي ﵀ في شرح الترمذي: قد وردت أحاديث تدل على أنه مسجد قباء، وهذا الحديث أرجح وأصح وأصرح. وقال ابن عطية ﵀ في تفسيره: الذي يليق بالقصة أنه مسجد قباء، قال: إلا أنه لا نظر مع الحديث. انتهى. "زهر". قال الجامع: سأحقق اختلاف أهل العلم في هذا الموضوع في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان المواضع التي ذكره المصنف فيها: أخرجه هنا (٨/ ٦٩٧)، والكبرى (٨/ ٧٧٦)، وفي التفسير فيه

стр. 5096

(١١٢٢٨) عن قتيبة، عن الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم والترمذي. فأخرجه مسلم في "الحج" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن حميد الخراط، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه. وعن محمد ابن حاتم، عن يحيى القطان، عن حميد، عن أبي سلمة: أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد، كيف سمعت أباك في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فذكره، فقال: هكذا سمعت أباك. وأخرجه الترمذي في "التفسير" بسند المصنفة وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢٣، ٩١، ٢٤، ٨، ٨٩). والله أعلم. المسألة الرابعة: اختلف أهل العلم في المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. فقالت طائفة: إنه مسجد رسول الله ﷺ ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير الطبري.

стр. 5097

وقالت طائفة: إنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عروة بن الزبير، وبه قال عطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبي، والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير، وقتادة. انظر تفسير ابن كثير جـ ٢ عى ٤٠٤ - ٤٠٥. وقال في الفتح: وقد اختلف في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء، وهو ظاهر الآية، ثم ذكر حديث أبي سعيد المذكور، وغيره، ثم قال: قال القرطبي: هذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين المسجدين في اشتراكهما في أن كلًا منهما بناه النبي ﷺ ، فلذلك سئل النبي ﷺ عنه، فأجاب بأن المراد مسجده، وكأن المزية التي اقتضت تعيينه دون مسجد قباء، لكون مسجد قباء لم يكن بناؤه بأمر جزم من الله لنبيه ﷺ ، أو كان رأيًا رآه بخلاف مسجده، أو كان حصل له أو لأصحابه فيه من الأحوال القلبية ما لم يحصل لغيره. انتهى. ويحتمل أن تكون المزية لما اتفق من طول إقامته ﷺ بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء، فما أقام به إلا أيامًا قلائل، وكفى بهذا مزية، من غير حاجة إلى ما تكلفه القرطبي. والحق أن كلًا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية الآية:

стр. 5098

﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ في أهل قباء". وعلى هذا فالسر في جوابه ﷺ بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء. والله أعلم. قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافًا؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي، وزاد غيره أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حل النبي ﷺ بدار الهجرة. والله أعلم. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٨٨ - ٢٨٩. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري، قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، وفي لفظ: تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال: العَمْرِي: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ ، فسألاه عن ذلك؟ فقال: "هو هذا المسجد"، لِمَسْجِدِ رسول الله ﷺ ، قال: "وفي ذلك خير كثير"، يعني مسجد قباء.

стр. 5099

وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والزبير بن بكار في أخبار المدينة، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والحاكم في الكنى, وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، والضياء في المختارة، عن أبي بن كعب، قال: سألت النبي ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: "هو مسجدي هذا". وأخرج الطبراني، والضياء المقدسي في المختارة، عن زيد بن ثابت مرفوعًا، مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبراني من طريق عروة ابن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد رسول الله ﷺ . قال عروة: مسجد النبي ﷺ خير منه، إنما نزلت في مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه عن ابن عمر، قال: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد النبي ﷺ . وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدري مثله. وقد روي عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في

стр. 5100

الدلائل عن ابن عباس أنه مسجد قباء، وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله. قال العلامة الشوكاني ﵀: ما خلاصته: أنه لا يخفى أن النبي ﷺ قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده ﷺ ، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة, فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة، ولا جماعة منهم، ولا غيرهم، ولا يصح إيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي ﷺ ، ولا فائدة من إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده ﷺ أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀، واختاره قبله ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي في تفسيرهم، من ترجيح قول من قال بظاهر حديث الباب، من أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ لا مسجد قباء، تحقيق حقيق بالقبول، لموافقته الصريح الصحيح من النقول. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5101

٩ - فَضْلُ مَسْجِد قُبَاء, والصَّلاةِ فِيهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه. وقباء -بضم القاف، وتخفيف الباء الموحدة-: فيه أربع لغات: المد، والقصر، والصرف، وعدمه. كما تقدم قريبًا. ومثله في هذا الضبط حِرَاء. وقال في الفتح: وقباء- بضم القاف، ثم موحدة ممدودة عند أكثر أهل اللغة، وأنكر السكري قصره، لكن حكاه صاحب العين. قال البكري: من العرب من يذكره، فيصرفه، ومنهم من يؤنثه، فلا يصرفه. وفي المطالع: هو على ثلاثة أميال من المدينة. وقال ياقوت: على ميلين، على يسار قاصد مكة، وهو من عوالي المدينة. وسمي باسم بئر هناك، والمسجد المذكور هو مسجد بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسسه رسول الله ﷺ . انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ٨٢. ٦٩٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.

стр. 5102

رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السابق. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني المذكور قبل الباب الماضي. ٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة، من [٤] توفي سنة ١٢٧، تقدم في ١٦٧/ ٢٦٠. ٤ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو الرابع والثلاثون من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، فقد دخل المدينة. ومنها: أن فيه ابن عمر ﵄، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٦٣) حديثًا، وأحد المفتين من الصحابة ﵃، وأحد العبادلة الأربعة منهم. وقد تقدم هذا غير مرة، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم.

стр. 5103

شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄، أنه (كان رسول الله ﷺ يأتي قباء) وعند البخاري: "كان يزوره" (راكبًا وماشيًا) أي راكبًا أحيانًا، وماشيًا أحيانًا. والمراد أنه يأتيه بحسب ما تيسر له، والواو بمعنى "أو". زاد مسلم من رواية نافع "فيصلي فيه ركعتين". وعلقه البخاري. وادعى الطحاوي أن هذه الزيادة مدرجة، وأن أحد الرواة قاله من عنده، لعلمه أن النبي ﷺ كان من عادته أن لا يجلس حتى يصلي. قال الجامع: هذا الذي قاله الطحاوي دعوى بلا حجة، بل هي زيادة صحيحة مسندة، فتبصر، والله أعلم. وللشيخين من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: "كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا، وكان عبد الله بن عمر يفعله". ودل حديث الباب على اختلاف طرقه على استحباب إتيان مسجد قباء، وصلاة ركعتين فيه، وأن ذلك ليس من باب شد الرحل المنهي عنه في الباب الآتي؛ لأن ذلك كناية عن السفر، وهذا ليس سفرًا. وفيه -كما قال في الفتح- جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك.

стр. 5104

قال الجامع: يعني إلا ما ورد النهي عنه، كالنهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وليله بالقيام. والله أعلم. وقال النووي ﵀: فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة، وهذا هو الصواب، وقول الجمهور، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك، قالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث. والله أعلم. والسر في كونه ﷺ يخص السبت بالإتيان فيه، كونه أمكن لمواصلة الأنصار، وتفقد أحوالهم، وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه ﷺ . والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٩/ ٦٩٨)، و"الكبرى" (٩/ ٧٧٧) عن قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود. فأخرجه البخاري في "الصلاة" في مسجد مكة والمدينة عن مسدد. ومسلم في "الحج" عن محمد بن المثنى.

стр. 5105

وأبو داود فيه عن مسدد، كلاهما عن يحيى القطان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عنه. ومسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير- وأبي بكر بن أبي شيبة. وأبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٩٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِرْمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ، مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَصَلَّى فِيهِ، كَانَ لَهُ عِدْلَ عُمْرَةٍ". رجال هذا الإسناد: خمسه ١ - (قتيبة) بن سعيد المتقدم قريبًا. ٢ - (مُجَمِّع بن يعقوب) بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري القبائي المدني، صدوق، من [٨]. قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة. مات

стр. 5106

سنة ١٦٠ بالمدينة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا وهم في تاريخ وفاته، فإن رحلة قتيبة كانت بعد السبعين ومائة. انتهى. وقد أرخه في سنة ستين أيضًا خليفة بن خياط، وابن قانع، فينظر في رواية قتيبة. انتهى تت. أخرج له أبو داود، والنسائي. ٣ - (محمد بن سليمان الكرماني) المدني القُبَائِي، نزيل كرمان، مقبول، من [٦]. روى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف، عن أبيه في فضل مسجد قباء. وعنه سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وعاصم بن سويد القبائي، وعبد العزيز الدراوردي، وعيسى ابن يونس، ومجمع بن يعقوب الأنصاري، وحاتم بن إسماعيل. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له النسائي، وابن ماجه. فائدة: الكرماني -بكسر، فسكون- نسبة إلى كِرْمَان وِلاية كبير، وإلى مُرَبَّعَة الكرمانية، محلة بنيسابور. قاله في "اللب" جـ ٢ ص ٢٠٦. ٤ - (أبو أمامة بن سهل بن حنيف) اسمه أسعد معروف بكنيته، وله رؤية، من [٢] تقدم في ٥٠٩. ٥ - (سهل بن حُنَيف) بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة

стр. 5107

ابن الحارث الأوسي الأنصاري، أبو ثابت، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو سعد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو الوليد المدني. روى عن النبي ﷺ ، وعن زيد بن ثابت. وعنه ابناه أبو أمامة أسعد, وعبد الله، ويقال: عبد الرحمن، وأبو وائل، وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، وعبيد بن السباق، ويسير بن عمرو، والرباب جدة عثمان حكيم بن عباد بن حنيف، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. قال ابن عبد البر: شهد بدرًا، والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وكان بايعه على الموت، ثم صحب عليًا من حين بويع، فاستخلفه على البصرة، ثم شهد معه صفين، وولاه فارس، ومات سنة ٣٨، وصلى عليه علي ﵄، وكبر ستًا. وقال ابن سعد: آخى رسول الله ﷺ بينه وبين علي، وشهد بدرًا، وكان عمر يقول: سهل غير حزن، ولما توفي كبر علي خمسًا، ثم التفت إليهم، فقال: إنه بدري. انتهى تت، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله موثقون. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، وقد دخلها. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله أعلم.

стр. 5108

شرح الحديث (عن سهل بن حنيف) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من خرج) أي من بيته، ففي رواية ابن ماجه "من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء". . . (حتى يأتي هذا المسجد، مسجد قباء) بدل من المسجد، أو مفعول لفعل مقدر، أعني مسجد قباء. (فصلى فيه) زاد في رواية ابن ماجه "صلاة" (كان له عدل عمرة) أي مثل أجر عمرة. فعَدْلُ يحتمل الرفع على أنه اسم كان وخبرها الجار والمجرور قبله، ويحتمل النصب على الخبرية، واسم كان محذوف، أي كان عمَلُهُ المذكور عمرة، أي مثل عمرة في الأجر. قال ابن الأثير: العدل بالفتح: ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس. وقال الزجاج: العدل- بالفتح والكسر: بمعنى المثل من الجنس، أو من غير الجنس. أفاده في اللسان جـ ٤ ص ٢٨٤٠. وقال السندي ﵀: والأقرب أن الفتح في المساوي حسًا، والكسر في المساوي عقلًا، إذ الحسي يدرك بفتح العين، والعقلي بالفكر المحتاج إلى خفض العين، وغمضها، وهذا مثل العوج، والعلاقة، فهما بالفتح في المبصرات، وبالكسر في المعقولات، وهذا مبني على ما قالوا: إن الواضع الحكيم لم يهمل مناسبة الألفاظ بالمعاني قضاء لحق الحكمة. وعلى هذا فالأقرب في الحديث كسر

стр. 5109

العين، وبه ضبط في بعض النسخ المصححة. والله أعلم. انتهى المراد من كلام السندي رحمه الله تعالى. ومما ورد في فضل مسجد قباء ما رواه عمر بن شبة في "أخبار بيت المقدس" بإسناد صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: "لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلى من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل". قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا له حكم الرفع، إذ لا يقال من قبل الرأي. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث سهل بن حُنَيْف ﵁ هذا حديث صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٩/ ٦٩٩)، و"الكبرى" (٩/ ٧٧٧) عن قتيبة، عن مجمع بن يعقوب، عن محمد بن سليمان الكرماني، عن أبي أمامة بن سهل، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، وعيسى بن يونس، كلاهما عن محمد بن سليمان، به.

стр. 5110

قال الحافظ المزي ﵀: تابعه موسى بن عبيدة، عن يوسف ابن طهمان، عن أبي أمامة. وقال: "عدل رقبة". انتهى. "تحفة" جـ ١ ص ٩٨. قال الجامع عفا الله عنه: ذَكَرَ في "المسند الجامع" جـ ٧ ص ٢٤٤، نقلًا عن مسند عبد بن حميد ما نصه: روايةُ يوسف بن طهمان: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم جاء مسجد قباء، فركع أربع ركعات، كان ذلك كعدل عمرة ". انتهى. فليس فيه ذكر رقبة. بل هو موافق لرواية غيره في ذكر العمرة. فليحرر. والله أعلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٣ ص ٤٨٧، وعبد بن حميد رقم ٤٦٩. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5111

١٠ - ما تُشَدُّ الرِّحَالُ إليه مِنَ المَسَاجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المحل الذي تشد إليه الرحال من المساجد. والرِّحَال -بالكسر-: جمع رَحْل -بفتح، فسكون- مثل سهم، وسهام، ويجمع على أرْحُلٍ، مثل أسْهُمٍ، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ. أفاده الفيومي. وشد الرحال: كناية عن السفر. والله تعالى أعلم. ٧٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن منصور) الخُزَاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي المكي الإمام الحجة المثبت، من [٨] تقدم في ١/ ١.

стр. 5112

٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الثبت، الإمام، من [٤] تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب المدني الإمام الفقيه، الحجة، من [٢] تقدم ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: لا تشد الرحال) بضم أوله، بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به. والرِّحال: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي، في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه "إنما يسافر" أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أنس، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة. قاله في "الفتح". (إِلا إِلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والتقدير: لا تشد

стр. 5113

الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام. قال الحافظ: لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد، كما سيأتي. انتهى. قال الجامع: والأول أولى. (مسجد الحرام) بالجر على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، أي أحدها المسجد الحرام، كما في رواية أخرى، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يمنعونه، ويتأولون ما ورد من ذلك بإضمار مضاف، كما تقدم الكلام عليه. وفي الفتح: قوله: المسجد الحرام، أي المحرم، وهو كقولهم الكتاب، بمعنى المكتوب، والمراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلى فيه، دون البيوت، وغيرها من أجزاء الحرم. وقال الطبري: ويتأيد بقوله: "مسجدي هذا" لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك. وقيل: المراد به الكعبة. حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ "إلا الكعبة"، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائي "إلا مسجد الكعبة" حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد. انتهى ما في "الفتح" جـ ٣ ص ٧٧ - ٧٨.

стр. 5114

(ومسجدي هذا) -وإعرابه كسابقه- المراد به مسجد الصلاة خاصة، لا كل الحرم. قاله في الزهر. (ومسجد الأقصى) هو أيضًا من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد به بيت المقدس. قال في "الزهر": قال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٠/ ٧٠٠)، و "الكبرى" (١٠/ ٧٧٩) عن محمد بن منصور الجوَّاز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. فأخرجه البخاري في أواخر "الصلاة" عن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة به.

стр. 5115

ومسلم في "الحج" عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب كلاهما عن ابن عيينة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري به. وأبو داود فيه عن مسدد، عن ابن عيينة به. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٤، ٢٣٨، ٢٧٨)، والحميدي رقم (٩٤٣). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها, لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس جميعًا، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأم السالفة، والثالث أسس على التقوى. ومنهما: أن من نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها يلزمه الوفاء به؛ لأنه طاعة، والطاعة تلزم بالنذر. وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى. ومنها: أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة لا يلزمه الوفاء به؛ لأنها لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة السابعة. المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في حكم شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة، لقصد التعبد فيها بالصلاة، أو غيرها، فقال
следующие страницы →