← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

١٠ - ما تُشَدُّ الرِّحَالُ إليه مِنَ المَسَاجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المحل الذي تشد إليه الرحال من المساجد. والرِّحَال -بالكسر-: جمع رَحْل -بفتح، فسكون- مثل سهم، وسهام، ويجمع على أرْحُلٍ، مثل أسْهُمٍ، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ. أفاده الفيومي. وشد الرحال: كناية عن السفر. والله تعالى أعلم. ٧٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن منصور) الخُزَاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي المكي الإمام الحجة المثبت، من [٨] تقدم في ١/ ١.

стр. 5112

٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الثبت، الإمام، من [٤] تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب المدني الإمام الفقيه، الحجة، من [٢] تقدم ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: لا تشد الرحال) بضم أوله، بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به. والرِّحال: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي، في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه "إنما يسافر" أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أنس، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة. قاله في "الفتح". (إِلا إِلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والتقدير: لا تشد

стр. 5113

الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام. قال الحافظ: لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد، كما سيأتي. انتهى. قال الجامع: والأول أولى. (مسجد الحرام) بالجر على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، أي أحدها المسجد الحرام، كما في رواية أخرى، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يمنعونه، ويتأولون ما ورد من ذلك بإضمار مضاف، كما تقدم الكلام عليه. وفي الفتح: قوله: المسجد الحرام، أي المحرم، وهو كقولهم الكتاب، بمعنى المكتوب، والمراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلى فيه، دون البيوت، وغيرها من أجزاء الحرم. وقال الطبري: ويتأيد بقوله: "مسجدي هذا" لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك. وقيل: المراد به الكعبة. حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ "إلا الكعبة"، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائي "إلا مسجد الكعبة" حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد. انتهى ما في "الفتح" جـ ٣ ص ٧٧ - ٧٨.

стр. 5114

(ومسجدي هذا) -وإعرابه كسابقه- المراد به مسجد الصلاة خاصة، لا كل الحرم. قاله في الزهر. (ومسجد الأقصى) هو أيضًا من إضافة الموصوف إلى الصفة، والمراد به بيت المقدس. قال في "الزهر": قال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٠/ ٧٠٠)، و "الكبرى" (١٠/ ٧٧٩) عن محمد بن منصور الجوَّاز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. فأخرجه البخاري في أواخر "الصلاة" عن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة به.

стр. 5115

ومسلم في "الحج" عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب كلاهما عن ابن عيينة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري به. وأبو داود فيه عن مسدد، عن ابن عيينة به. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٤، ٢٣٨، ٢٧٨)، والحميدي رقم (٩٤٣). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها, لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس جميعًا، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأم السالفة، والثالث أسس على التقوى. ومنهما: أن من نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها يلزمه الوفاء به؛ لأنه طاعة، والطاعة تلزم بالنذر. وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى. ومنها: أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة لا يلزمه الوفاء به؛ لأنها لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة السابعة. المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في حكم شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة، لقصد التعبد فيها بالصلاة، أو غيرها، فقال

стр. 5116

الشيخ أبو محمد الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها، عملًا بظاهر هذا الحديث، وأشار القاضي حسين من الشافعية إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة. ويدل عليه ما يأتي للمصنف في الجمعة (٤٥/ ١٤٣٠) من إنكار بصرة بن أبي بصرة الغفاري ﵁ على أبي هريرة ﵁، حين لقيه راجعًا من الطور، وكان قد أتى إليه ليصلي فيه، فقال له: لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته، قال أبو هريرة: وَلمَ؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُعْمَلُ المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس". . . الحديث. فاستدل به بصرة على إنكاره إتيانه الطور، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة. قال في "الفتح": والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها، فإنه جائز، وقد وقع في رواية لأحمد بلفظ "لا ينبغي للمطي أن تعمل"، وهو لفظ ظاهر في غير التحريم. قال الجامع عفا الله عنه: فيه نظر، إذ هو ظاهر في المنع والتحريم، فقد كثر استعمال الشرع له في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وكما في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري "شتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن

стр. 5117

يشتمني". .. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وقال: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وبالجملة فهذه اللفظة في استعمال الشرع عظيمة الشأن. فالقول بأنها ظاهر في غير التحريم غير صحيح. والله أعلم. ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال. وقال الخطابي: اللفظ لفظ الخبر، ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة. قال الجامع: هذا التخصيص لا دليل عليه، بل الظاهر إجراء عموم النص على ظاهره، فيعم النذر وغيره. والله أعلم. ومنها: أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرجال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه المساجد الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح، أو قريب، أو صاحب، أو طلب علم، أو تجارة، أو نزهة، فلا يدخل في النهي. قال الحافظ: ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب، قال: سمعت أبا سعيد، وذكرت عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".

стр. 5118

وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف. ومنها: أن المراد قصدها بالاعتكاف، فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال: لا يعتكف في غيرها، وهو أخص من الذي قبله. قال الحافظ: ولم أر عليه دليلًا. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي مذهب الأولين، وهو أن النهي للتحريم عمومًا، فيحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، إلا ما خُصَّ بالدليل، كالسفر للجهاد، والتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك. والله أعلم. المسألة السادسة: اختلف أهل العلم فيمن نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة: فقال بوجوب الوفاء: مالك، وأحمد، والشافعي، والبويطي ﵏، واختاره أبو إسحاق المروزي ﵀. وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا. وقال الشافعي ﵀ في الأم: يجب في المسجد الحرام، لتعلق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين، قال الحافظ: وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي. قال ابن التين: والحجة على الشافعي أن إعمال المطي إلى مسجد المدينة، والمسجدالأقصى، والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم

стр. 5119

بالنذر، كالمسجد الحرام. وقال ابن المنذر ﵀: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر ﵁: "أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: "صل ها هنا". قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول الأولين، لحديث الباب, إذ شد الرحل إلى هذه المساجد مشروع، ومن نذر أن يطيع الله في المشروع لزمه الوفاء به، لما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". والحاصل: أن من نذر السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به. والله أعلم. المسألة السابعة: من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو لغيرها لا يلزمه الوفاء به؛ لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان. قال النووي ﵀: لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به. وعن الحنابلة رواية يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد نذره، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة تختص به، كرباط لزم، وإلا فلا، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد

стр. 5120

قباء؛ لأن النبي ﷺ "كان يأتيه كل سبت". قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما كان من غير شد رحل يلزم الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وقوله ﷺ : "أوْفِ بِنذرك". فالوفاء بالنذر واجب بالنص، إلا أن يكون في أحد المساجد الثلاثة، فيكفيه أن يصلي ما نذره في غيرها, لكونها أفضل، وقد تقدم أنه ﷺ أمر من نذر أن يصلي في بيت المقدس بالصلاة في مسجده، لكونه أفضل. والله أعلم. المسألة الثامنة: أنه قد وقع نزاع في شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ ، فقال بتحريمه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واحتج على ذلك بحديث الباب، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي ﵀، وألف في ذلك كتابًا، وانتصر الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي ﵀ لابن تيمية، ورد على السبكي، وألف في ذلك كتابًا. وخلاصة القول: أن شيخ الإسلام لا يقول بتحريم الزيارة مطلقًا، بل يقول باستحبابها، وإنما يقول بتحريم شد الرحال إليها, لحديث الباب. وقد يتوهم بعض الجهالة أنه يقول بتحريم الزيارة مطلقًا، وهذا خطأ عليه. فتنبه. قال الجامع عفا الله عنة: عندي أن الأولى أن ينوي المسجد عند شد الرحل، فإذا وصل هناك توجه للزيارة لأنها مشروعة في أصلها إجماعًا، فهذا أسلم، استبراء لدينه، وقد أخرج الشيخان عن النعمان

стр. 5121

ابن بشير ﵄ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5122

١١ - اتِّخَاذُ البِيَعِ مَسَاجِدَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية اتخاذ محل عبادة اليهود والنصارى مساجد للمسلمين. والبِيَعُ -بكسر، ففتح-: جمع بِيعَة -بكسر، فسكون- وهي كنيسة النصارى، وقيل: كنيسة اليهود. قاله في "اللسان". ٧٠١ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُلَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ فِي إِدَاوَةٍ، وَأَمَرَنَا، فَقَالَ: "اخْرُجُوا، فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا"، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يَنْشَفُ؟ فَقَالَ: "مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلاَّ طِيبًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا، فَكَسَرْنَا بِيعَتَنَا، ثُمَّ نَضَحْنَا مَكَانَهَا، وَاتَّخَذْنَاهَا

стр. 5123

مَسْجِدًا، فَنَادَيْنَا فِيهِ بِالأَذَانِ، قَالَ: وَالرَّاهِبُ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَلَمَّا سَمِعَ الأَذَانَ قَالَ: دَعْوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ تَلْعَةً مِنْ تِلَاعِنَا، فَلَمْ نَرَهُ بَعْدُ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (هناد بن السري) أبو السري الكوفي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٢ - (ملازم) بن عمرو بن عبد الله بن بدر أبو عمرو اليمامي، صدوق، من [٨] تقدم في ١١٩/ ١٦٥. ٣ - (عبد الله بن بدر) بن عميرة الحنفي السُّحَيْمِي اليمامي، ثقة، من [٤] تقدم في ١١٩/ ١٦٥. ٤ - (قيس بن طلق) بن علي الحنفي اليمامي، صدوق، من [٣]، تقدم في ١١٩/ ١٦٥. ٥ - (طلق بن علي) بن المنذر الحنفي السُّحَيْمِي، أبو علي صحابي له وفادة، ﵁، تقدم في ١١٩/ ١٦٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، وأنهم من رجال الأربعة، إلا

стр. 5124

شيخه، فأخرج له مسلم، وأخرج له البخاري في خلق أفعال العباد. ومنها: أنه مسلسل باليماميين، إلا شيخه، فكوفي. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه, قيس عن طلق، ورواية الراوي عن جده, ملازم عن عبد الله بن بدر، قيل: إنه ابن ابنه، وقيل ابن بنته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن طلق بن علي) الحنفي اليمامي ﵁، أنه (قال: خرجنا وَفْدًا) بفتح فسكون: وهو هنا جمع وافد، كصاحب، وصحب، يقال: وَفَدَ إليه، وعليه، يَفدُ، وَفْدًا، وَوُفُودًا، وَوفَادَةً: قَدِمَ، وورَدَ. وأوفده عليه، وإليه، وهم وُفُودٌ، وَوَفْدٌ، وأوفَادٌ، وَوُفَّدٌ. قاله المجد. وفي اللسان: قيل: الوفد الرُّكبان المكرمون. قال الأصمعي: وقد فلان، يفد وِفَادة: إذا خرج إلى ملك، أو أمير. وقال الجوهري: وقد فلان إلى الأمير: أي ورد رسولًا. انتهى باختصار. ونصبه على الحال من الفاعل، أي خرجنا حال كوننا وافدين، أي مرسلين من قومنا (إِلى النبي ﷺ ) متعلق بخرجنا، أو بوفد (فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن) بفتح الهمزة، لكونه مفعولًا ثانيًا لأخبر (بأرضنا بيعة لنا) بكسر الباء، وسكون الياء، وتجمع على بِيَعٍ، مثل سِدْرَة، وَسِدَرٍ، وهي مَعْبَدُ النَّصَارَى، قاله في

стр. 5125

المصباح، و"ق"، وزاد في اللسان: وقيل: كنيسة اليهود. كما تقدم في أول الباب. (فاستوهبناه من فضل طَهوره) أي طلبنا منه أن يعطينا بعض فضل طهوره، بفتح الطاء. قال السندي: والظاهر أن المراد ما استعمله في الوضوء، وسقط من أعضائه الشريفة، ويحتمل أن المراد ما بقي في الإناء عند الفراغ من الوضوء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح، لقوله: "فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوة" إلخ، فإنه ظاهر في كونه هو الماء الذي استعمله في الوضوء. فتنبه. والله أعلم. (فدعاء بماء، فتوضأ، وتمضمض) يحتمل أن يريد به المضمضة التي في الوضوء، وأن يريد أنه تمضمض بعد الوضوء، وفي رواية أحمد جـ ٤ ص ٢٣ "فلما ودعنا أمرني، فأتيته بإداوة من ماء، فحثا منها، ثم مج فيها ثلاثًا، ثم أوكاها". . . وهذا يؤيد كون المضمضة مستقلة. والله أعلم. (ثم صبه) أي صب ما توضأ، وتمضمض به (في إِداوة) بالكسر: المِطْهَرَة، وجمعها الأدَاوَى. كما في المصباح (وأمرنا) أي بالخروج، والكسر، والنضح، واتخاذ المسجد مكان البيعة، فجملة قوله (فقال: اخرجوا إِلخ) تفسير للأمر. أي قال: اخرجوا إلى بلدكم (فإِذا أتيتم

стр. 5126

أرضكم) أي اليمامة (فاكسروا بِيعَتَكم) أي محل عبادتكم (وانضحوا) من باب ضرب، ونفع، من النضح، وهو البَلُّ بالماء، والرَّشُّ. كما في المصباح (مكانها) منصوب على الظرفية، متعلق بانضحوا، أي رُشُّوا محل البِيعَة (بهذا الماء) إزالة لأثر الشرك، وفيه التبرك بآثار رسول الله ﷺ (واتخذوها مسجدًا) أي اجعلوا مكان البيعة محلًا لعبادة الله تعالى، فيه مشروعية اتخاذ محل عبادة غير الله محلًا لعبادة الله تعالى. (قلنا: إِن البلد بعيد، والحر شديد) بنصب الحر عطفًا على اسم "إن"، وفيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز بالاتفاق. ويجوز رفعه على أنه مبتدأ، و"شديد" خبره، كما قال في الخلاصة: وَجَائِزٌ رَفْعكَ مَعْطوفًا عَلَى … مَنْصُوبِ "إنَّ" بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا وعلى هذا فهو من عطف الجملة على الجملة. (والماء ينشف) وإعرابه كسابقه، و"ينشف" بفتح الشين، نَشَفًا، من باب "تعب"، ونَشْفًا، كفَلْسٍ: أي يَيْبَسُ، ويَجِفُّ. (فقال) ﷺ (مدوه) أي زيدوا عليه (من الماء، فإِنه لا يزيده إِلا طيبًا) قال السندي ﵀: الظاهر أن المراد أن فضل الطهور لا يزيد الماء الزائد إلا طيبًا، فيصير الكل طيبًا، والعكس غير مناسب،

стр. 5127

فليتأمل. انتهى. (فخرجنا) أي من المدينة (حتى قدِمنا) بكسر الدال (بلدنا) أي اليمامة (فكسرنا بِيعَتَنَا، ثم نضحنا مكانها) أي محل البيعة بذلك الماء، (واتخذْناها مسجدًا) أي جعلنا البيعة محل صلاة (فنادينا فيه) أي في ذلك المسجد (بالأذان، قال) طلق ﵁ (والراهب رجل من طيئ) والراهب اسم فاعل مِنْ رَهِبَ، رَهَبًا، من باب تَعِبَ: إِذَا خاف، والاسم الرَّهْبَةُ، وجمع الراهبَ: رُهْبَان -بضم، فسكون- وربما قيل: رَهَابين -بفتحتين- وَتَرهَّبَ الراهب: انقطع للعبادة. أفاده في المصباح. والمعنى أن الرجل الذي انقطع للعبادة في تلك البِيعَة كان من قبيلة طيىء. (فلما سمع الأذان، قال: دعوة حق) خبر لمحذوف، أي هذه الكلمات دعوة حق. ثم إنه يحتمل أنه آمن، وإنما ذهب إلى التلاع طلبًا للبعد عن الناس لئلا يشغلوه عن عبادته، ويحتمل أنه على دينه، وإنما قال ذلك اعترافًا يكون الأذان دعوة حق، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وهذا هو الظاهر؛ لأنه يدل عليه هروبه إلى التلعة. والله أعلم.

стр. 5128

(ثم استقبل تَلْعَة من تِلاعنَا) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته، فهو مُسْتَقْبَلٌ -بالفتح- والتَّلْعَة -بفتح، فسكون- مَجرى الماء من أعلى الوادي، والجمع: تِلاع، مثل كَلْبَةً، وكلاب، والتلعة، أيضًا: ما انهبط من الأرض، فهو من الأضداد. قاله الفيومي. وقال المجد: التلعة: ما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها، ضدّ، جمعه تَلَعَات، وتِلاع. انتهى. وكلا المعنيين هنا محتمل، أي توجه إلى جبل من جبالنا، أو توجه إلى واد من أوديتنا. (فلم نره بعد) من الظروف المبنية على الضم لقطعة عن الإضافة لفظًا، أي لم نر ذلك الراهب بعد ذلك اليوم. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث طلق بن علي ﵁ صحيح. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (١١/ ٧٠١)، و"الكبرى" (١١/ ٧٨٠) عن هناد ابن السري، عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ٢٣.

стр. 5129

المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو استحباب اتخاذ البيع مساجد، تغييرًا لأثر الشرك. ومنها: أن فيه التبرك بآثار النبي ﷺ . ومنها: أن خلط الماء المبارك كماء زمزم بماء آخر لا يخرجه عن خاصيته، إذ بركته تعود عليه، فما يفعله بعض الحجاج عند رجوعهم إلى بلدهم من زيادة الماء على ما يحملونه من زمزم ليتكاثر فيمكنهم المواساة به لأقاربهم، وأصحابهم شيء مستحسن. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5130

١٢ - نَبْشُ القُبُورِ, وَاتِّخَاذُ أَرْضِهَا مَسْجِدًا أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نبش القبور، واتخاذ مكانها مسجدًا للصلاة فيه. والنَّبْشُ -بفتح فسكون-: مصدر نَبَشَ، من باب قتل، يقال: نبشت الشيء، نبشًا إذا استخرجته من الأرض، ونبشت الأرض نبشًا: كشفتها، ومنه نَبَشَ الرجل القبر، والفاعل نَبَّاش للمبالغة. أفاده الفيومي. والمراد بالقبور قبور المشركين لا قبور الأنبياء والصالحين، بدليل الباب الآتي. وأصرح منه ترجمة البخاري في الصحيح، حيث قال: "باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مسجد"، لقول النبي ﷺ : "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قال في الفتح عند قوله: "قبور مشركي الجاهلية" ما نصه: أي دون غيرها من قبور الأنبياء، وأتباعهم، لما في ذلك من الإهانة لهم، بخلاف المشركين، فإنه لا حرمة لهم، وأما قوله: لقول النبي ﷺ . . . إلخ، فوجه التعليل أن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيمًا ومغالاة، كما صنع أهل الجاهلية، وجرهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد، بأن تنبش، وترمى عظامهم، فهذا يختص بالأنبياء، ويلتحق بهم أتباعهم.

стр. 5131

وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم، إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله ﷺ في نبش قبور المشركين، واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق. انتهى. فتح جـ ١ ص ٦٢٤ - ٦٢٥. والحاصل أن جواز نبش القبور، واتخاذ مكانها مساجد خاص بالقبور التي لا تعظم، كقبور المشركين، وأما القبور التي تعظم، كقبور الأنبياء، فلا يجوز نبشها. ولا اتخاذ المساجد مكانها. والله أعلم. ٧٠٢ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ فِي عُرْضِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ، مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ رَدِيفُهُ، وَمَلأٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبٍ، وَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، فَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: يَا بَنِي

стр. 5132

النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: وَاللَّهُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ ، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خَرِبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَتْ، وَبِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ … فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (عمران بن موسى) القزاز الليثي، أبو عمرو البصري، صدوق، من [١٠] تقدم في ٦/ ٦. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان البصري، ثقة ثبت، من [٨] تقدم في ٦/ ٦. ٣ - (أبو التيَّاح) يزيد بن حميد الضبعي البصري، ثقة ثبت، من [٥] تقدم في ٥٣/ ٦٧. ٤ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.

стр. 5133

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو الخامس والثلاثون منها، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي وابن ماجه. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه أنسًا ﵁، من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢، أو ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: لما قدم رسول الله ﷺ ) أي المدينة (نزل في عُرض المدينة) العُرْض -بضم العين المهملة وسكون الراء- الجانب، والناحية من كل شيء. أي نزل ﷺ في أول قدومه في ناحية من نواحي المدينة. وفي رواية للبخاري "نزل في عُلْو المدينة"، قال في الفتح: كل ما في جهة نجد يسمى العالية، وما في جهة تهامة يسمى السافلة، وقباء من عوالي المدينة، وأخذ من نزول النبي ﷺ التفاؤل له ولدينه بالعلو. انتهى. جـ ٧ ص ٣١٢.

стр. 5134

ثم بَيَّنَ تلك الناحية بمَا أبْدَلَهُ، فقَال (في حي) -بفتح المهملة، وتشديد التحتانية- القبيلة، وجمعه أحياء (يقال لهم: بنو عمرو بن عوف) بفتح العين فيهما- أي ابن مالك بن الأوس بن حارثة، ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهْدِم، وقيل: كان يومئذ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زبالة في أخبار المدينة. وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، على المعتمد، وشذ من قال: يوم الجمعة. وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب "قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول"، ونحوه عند أبي معشر، لكن قال: ليلة الاثنين، ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر صحيح مسلم، وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق "قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول"، وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى" من طريق أبي بكر بن حزم "قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول". قال الحافظ ﵀: وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال، وعنده من حديث عمر "ثم نزل بني عمرو ابن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول"، كذا فيه، ولعله كان فيه "خلتا" ليوافق رواية جرير بن حازم، وعند الزبير في خبر المدينة عن ابن شهاب "في نصف ربيع الأول". وقيل: كان قدومه في سابعه.

стр. 5135

وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي: إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول. فإن كان محفوظًا، فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضم إلى قول أنس: إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة، خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان، فإنه قال: "أقام بها الثلاثاء، والأربعاء، والخميس"، يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج. وكذا قال موسى ابن عقبة: إنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، ولا الدخول، وعن قوم من بني عمرو بن عوف: أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار، وفي مرسل عروة بن الزبير ما يقرب منه. والأكثر أن قدومه كان نهارًا، ووقع في رواية مسلم "ليلًا" ويجمع بأن القدوم كان آخر النهار، فدخل نهارًا. أفاده في "الفتح" جـ ٧ ص ٢٨٧. (فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) وفي رواية للبخاري "بضع عشرة ليلة"، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: "أقام فيهم ثلاثًا". قال: وروى ابن شهاب عن مُجَمِّع بن جارية: "أنه أقام اثنتين وعشرين

стр. 5136

ليلة"، وقال ابن إسحاق: أقام فيهم خمسًا، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك. قال الحافظ: ليس أنس من بني عمرو بن عوف، فإنهم من الأوس، وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكرته، فهو أولى بالقبول من غيره. انتهى. (ثم أرسل إِلى ملأ من بني النجار) وفي نسخة "إلى الملأ" أي جماعة منهم، قال الفيومي ﵀: والملأ مهموز: أشراف القوم، سموا بذلك لمَلاءَتِهِمْ بما يُلْتَمس عندهم من المعروف، وجَودَة الرأي، أو لأنهم يَملئُون الَعيون أبَّهَةً، والصدور هَيْبَةً، والجمع أملاء، مثل سبب، وأسباب. انتهى. وبنو النجار: هم بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار قبيل كبير من الأنصار، منه بطون وعمائر وأفخاذ وفصائل، وتيم اللات هو النجار، سمي بذلك لأنه اختتن بقَدُوم، وقيل: بل ضرب رجلًا بقدوم فجرحه. ذكره الكلبي، وأبو عبيدة. وإنما طلب النبي ﷺ بني النجار لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشمًا جده تزوج سَلْمَى بنت عمرو بن زيد، من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب. قاله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٧٥. (فجاءوا متقلدي سيوفهم) بالإضافة، وهو منصوب على الحال من الفاعل، والتقلد: جعل نِجَاد السيف على المنكب. قاله العيني.

стр. 5137

قال أنس ﵁ (كأني أنظر إِلى رسول الله ﷺ ) أي أنه مستحضر الآن لتلك الهيئة، وأراد بذلك تأكيد خبره بأنه لم ينس منه شيئًا، بل كأنه ينظر إليهم الآن، وهم على الهيئة المذكورة (على راحلته) جار ومجرور متعلق بحال مقدر من رسول الله، أي حال كونه راكبًا على راحلته. والراحلة: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رواحل. قاله الفيومي. وراحلته ﷺ هذه أخذها من أبي بكر ﵁ في الهجرة، وذلك أن أبا بكر جهز للهجرة راحلتين، لما قال له النبي ﷺ : "أرجو أن يؤذن لي" يعني في الهجرة، فعلفهما ورق السمر أربعة أشهر، فلما أذن له ﷺ في الهجرة، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله، إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ : "بالثمن"، فأخذها به. قال الحافظ: وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة، وأن التي أخذها رسول الله ﷺ من أبي بكر هي القصواء، وأنها كانت من نعم بني قشير، وأنها عاشت بعد النبي ﷺ قليلًا، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وذكر ابن إسحاق أنها الجذعاء، وكانت من إبل بني الحريش، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها الجذعاء. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٧٧ - ٢٧٨.

стр. 5138

(وأبو بكر ﵁ رديفه) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي حال كون أبي بكر راكبًا خلف رسول الله ﷺ . والرديف: الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، يقال: أرْدَفْتُهُ، إرْدَافًا، وارتدفته فهو رَدِيفٌ، ورِدْفٌ. قاله الفيومي. وقال السندي ﵀: الرديف هو الذي يركب خلف الراكب، والمراد أنه كان راكبًا خلف النبي ﷺ ، وهما على بعير واحد، وهو الظاهر، أو على بعيرين، لكن أحدهما يتلو الآخر. انتهى. قال الحافظ ﵀: كأن النبي ﷺ أردفه تشريفًا له، وتنويهًا بقدره، وإلا فقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها. انتهى. وقال العيني ﵀: فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض، أو غيره، ويجوز أن يكون ردها إلى مكة، ليحمل عليها أهله، وثَمَّ وجه آخر حسن، وهو أن ناقته كانت معه، ولكنه ما ركبها لشرف الارتداف خلفه؛ لأنه تابعه، والخليفة بعده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما استحسنه أخيرًا قريب مما قاله الحافظ ﵀، وهو الأولى. وحاصله أنه ﷺ أردفه على ناقته ليتشرف بذلك، وليعلم الناس منزلته عنده. والله أعلم. (وملأ من بني النجار حوله) وفي نسخة "وملأ بني النجار"

стр. 5139

بالإضافة، وهي جملة اسمية في محل نصب على الحال أيضًا، أي حال كون أشراف بني النجار محيطين به ﷺ ، وإنما أحاطوا به تعظيمًا له، وفرحًا بقدومه إليهم. (حتى ألقى) أي رحله، فالمفعول محذوف، يقال: ألقيتُ الشيء: إذا طرحته. و"حتى" غاية لمحذوف، أي واصل سيره حتى ألقى رحله (بفناء أبي أيوب) متعلق بألقى، والفِنَاء -بالكسر-: سعة أمام الدار، والجمع أفْنِيَة، وفي المجمل: فناء الدار ما امتد من جوانبها، وفي المحكم: وتبدل الباء من الفاء. ذكره العيني. وأبو أيوب: اسمه خالد بن زيد بن كُلَيب الأنصاري النجاري ﵁ من كبار الصحابة، مات غازيًا بالروم سنة ٥٠، وقيل بعدها، وتقدمت ترجمته في ٢٠/ ٢٠. تنبيه: قال في "الفتح": وقع عند ابن إسحاق، وابن عائذ أنه ركب من قباء يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، هَلُم إلى العَدَدِ، والعُدَدِ، والقُوَّة، انزل بين أظهرنا. وعن أبي الأسود، عن عروة نحوه، وزاد: وصاروا يتنازعون زمام ناقته، وسمى ممن سأله النزول عندهم عتبان بن مالك في بني سالم، وفروة بن عمرو، في بني بياضة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وغيرهما في بني ساعدة، وأبا سَلِيط، وغيره في بني عدي، يقول لكل

стр. 5140

منهم: "دعوها، فإنها مأمورة". وعند الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس "جاءت الأنصار، فقالوا إلينا يا رسول الله، فقال: "دعوا الناقة، فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب". وفي حديث البراء، عن أبي بكر "فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال: إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكْرِمُهُم بذلك"، وعند ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، وعند سعيد بن منصور، كلاهما عن عطاف بن خالد: "أنها استناخت به أولًا، فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول الله ﷺ ، فقال: "دعوها"، فانبعثت حتى استناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحلت، فنزل عنها، فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فأذن لي أن أنقل رَحْلك، قال: "نعم"، فنقل، وأناخ الناقة في منزله". وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لما نقل رحل النبي ﷺ إلى منزله، قال النبي ﷺ : "المرء مع رحله"، وأن سعد بن زُرَارَة جاء فأخذ ناقته، فكانت عنده، قال: وهذا أثبت. وذكر أيضًا أن مدة إقامته عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر. انتهى ما في "الفتح" جـ ٧ ص ٢٨٩. وذكر في الفتح أيضًا أن البخاري أخرج في التاريخ الصغير عن ابن شهاب، قال: بين ليلة العقبة -يعني الأخيرة- وبين مهاجر النبي ﷺ ثلاثة أشهر، أو قريب منها.

стр. 5141

قال الحافظ: هي ذو الحجة، والمحرم، وصفر، لكن مضى من ذي الحجة عشرة أيام، ودخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول، فمهما كان الواقع أن اليوم الذي دخل فيه من الشهر يعرف منه القدر على التحرير، فقد يكون ثلاثة سواء، وقد ينقص، وقد يزيد؛ لأن أقل ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل الثاني عشر منه. انتهى "فتح" جـ ٧ ص ٢٩١. تنبيه: قد ذكر الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته في السيرة وُصُولَه ﷺ إلى قباء، ثم إلى المدينة، فأجاد في ذلك وأفاد، حيث قال: حَتَّى إِذَا أتَى إِلَى قُبَاءِ … نَزَلَهَا بِالسَّعْدِ وَالهَنَاءِ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ لِثِنْتَي عشْرَه … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ فَنِعْمَ الهِجْرهُ أقَامَ أرْبَعًا لَدَيْهِمْ وَطَلَعْ … فِي يَوْمِ جُمْعَةٍ فَصَلَّى وَجَمَعْ فِي مَسْجِدِ الْجُمْعَةِ وَهْوَ أوَّلُ … مَا جَمَّع النَّبِيُّ فِيمَا نَقَلُوا وَقِيلَ بَلْ أقَامَ أرْبَعْ عَشْرَه … فِيهمْ وَهُمْ يَنْتَحِلُوْنَ ذِكْرَهْ وَهْوَ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ … لَكِنَّ مَا مَرَّ مِنَ الإِتْيَانِ لِمَسْجِدِ الجُمْعَةِ يَوْمَ جُمْعَةِ … لا يَسْتَقِيمُ مَعَ هَذِي المُدَّةِ إلا عَلَى قَوْلٍ بِكَونِ الْقَدْمَةِ … إِلى قُبَا كانَتْ بِيَومِ الجُمْعَةِ

стр. 5142

بَنَى بِهَا مَسْجِدَهُ وارْتَحَلا … لِطَيبَةَ الفَيْحَاءِ طَابَتْ مَنزِلَا فَبَرَكْتْ نَاقَتُهُ الْمَأْمُورَه … بِمَوْضِعِ الْمَسْجِدِ فِي الظَّهِيرَهْ فَحَلَّ فِي دَارِ أبي أيّوبَا … حَتَّى ابْتَنَى مَسْجِدَهُ الرَّحِيبَا وَحْوْلَهُ مَنَازِلًا لأهْلِهِ … وَحَوْلَهُ أصْحَابُهُ فِي ظِلِّهِ طَابَتْ بِهِ طَيْبَة مِنْ بَعْدِ الرَّدَى … أشْرَقَ مَا قَدْ كَانَ مِنْهَا أَسْوَدَا كَانَتْ لَمِنْ أوْبَا أرَاضِي اللهِ … فَزَالَ دَؤُهَا بِهَذَا الجَاهِ وَلَيْسَ دَجَّالُ وَلا طَاعُونٌ … يَدْخُلُهَا فَحِرْزُهَا حَصِينُ انتهى المقصود من كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى. (وكان يصلي حيث أدركته الصلاة) وللبخاري "وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة". يعني أنه ﷺ كان يصلي الصلاة في أي موضع أدركه وقتها، مبادرة إليها في أول وقتها. (فيصلي في مرابض الغنم) جمع مَرْبِضٍ، كمَجْلِسٍ، ومَقْعَدٍ: مأواها ليلًا، يقال: رَبَضَتْ الدابة، رَبْضًا، من باب ضَرَبَ، رُبُوضًا، وهو مثل بُرُوك الإبل. أفاده المجد، والفيومي. (ثم أمر بالمسجد) بالبناء للفاعل، أي أمر النبي ﷺ أصحابه ببناء المسجد، وروي بالبناء للمفعول، أي أمر الله تعالى نبيه ﷺ به.

стр. 5143

(فأرسل إِلى ملأ بني النجار) وفي نسخة "ملأ من بني النجار" بزيادة "من" (فجاءوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني) أي قرروا معي ثمنه، وبيعونيه بالثمن. يقال: ثامنت الرجل في المبيع، أثَامِنُهُ: إذا قاولته في ثمنه، وساومته على بيعه، واشترائه. قاله في اللسان. (بحائطكم هذا) مشيرًا إلى بستان هناك، والحائط: البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار, وجمعه الحوائط. قاله في اللسان. ومتعلق بثامنوني. (قالوا: لا) وفي نسخة "ما" (نطلب ثمنه إِلا إِلى الله أي لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى. وقال الكرماني ما حاصله: لا نطلب ثمن المصروف في سبيل الله، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة، ثم قال: فإن قلت: الطلب يستعمل بمن، فالقياس أن يقال: إلا من الله. قلت: معناه: لا نطلب الثمن من أحد، لكنه مصروف إلى الله تعالى. قال البدر العيني ﵀: هذا كله تعسف مع تطويل بل معناه: لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى، وكذا وقع عند الإسماعيلي: "لا نطلب ثمنه إلا من الله"، وقد جاء "إلى" في كلام العرب للابتداء، كقوله [من الطويل]: تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … أيُسْقَى فَلا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا أي تقول الناقة بلسان الحال ذلك، والكور: الرحل، والسقي

стр. 5144

بمعنى الركوب مجازًا، وإليَّ بمعنى مني. انظر مغني اللبيب مع حاشية الأمير جـ ١ ص ٧٠ - ٧١. ويجوز أن تكون "إلى" هنا على معناها لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: نُنْهِي طلب الثمن إلى الله تعالى، كما في قولهم: أحمد إليك الله، والمعنى: أنهي حمده إليك، والمعنى هنا: لا نطلب منك الثمن بل نتبرع به، ونطلب الأجر من الله تعالى. انتهى عمدة القاري جـ ٤ ص ١٧٧. بزيادة من المغني. تنبيه: ظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يشتره منهم، ولم يأخذوا منه ثمنًا، لكن وقع في صحيح البخاري في الهجرة ما ظاهره مخالف له، ففيه: قال: "ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسهيل، وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: "هذا -إن شاء الله- المنزل"، ثم دعا رسول الله الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. . ." الحديث. فهذه الرواية تدل على أنه اشتراه منهما، وذكر أهل السير ما يدل

стр. 5145

على أنهم أخذوا الثمن، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات, عن الواقدي، عن معمر، عن الزهري: "أن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه"، قال: وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير. قاله في الفتح. وفي "المنهل": روي أن أسعد بن زرارة عَوَّض الغلامين نخلًا له في بني بَيَاضَة. وروي أيضًا أن أبا أيوب قال: هو ليتيمين، وأنا أرضيهما، فأرضاهما. انتهى. جـ ٤ ص ٥٦. وقد أجاب الحافظ ﵀، بما حاصله أنه لا منافاة بينهما؛ لأنه يجمع بأنهم لمَّا قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما، فحينئذ يحتمل أن يكون الذين قالوا له: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تحملوا عنه للغلامين بالثمن، وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه. انتهى ما قاله في "الفتح" جـ ٧ ص ٢٩٠. وقال في "المنهل" بعد ذكر نحو ما قاله الحافظ ما نصه: ويجمع بين رواية الواقدي، وما بعدها بأن أبا بكر رغب في الخير كما رغب فيه أسعد, وأبو أيوب، ومعاذ بن عفراء، فدفع أبو بكر العشرة، ودفع كل من أولئك ما دفع، فاشتركوا في الثمن. انتهى جـ ٤ ص ٥٦. قال الجامع عفا الله عنه: الجمع المذكور حسن جدًّا، إذ به تجتمع الروايات المختلفة في الباب. والله أعلم.

стр. 5146

(قال أنس) ﵁ (وكانت فيه قبور المشركين) وللبخاري، فقال أنس: "فيه ما أقول لكم: قبور المشركين". . . (وكانت فيه خَرِب) قال ابن الأثير ﵀: الخِرَبُ، يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء، جمع خرَبَة كَنِقمَةٍ، وَنِقَم، ويجوز أن يكون جمع خِرْبَة -بكسر الخاء، وسكَون الراء- على التخفيف، كنِعْمَة، ونِعَمٍ، ويجوز أن يكون الخَرِبَ -بفتح الخاء، وكسر الراء- كَنَبِقَة، ونَبِقٍ، وكَلِمَة، وكَلِمٍ، قال: وقد روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى. نهاية جـ ٢ ص ١٨. وفي الفتح: قال ابن الجوزي ﵀: المعروف فيه: فتح الخاء المعجمة، وكسر الراء بعدها موحدة، جمع خَرِبَة، ككلم، وكلمة. قال الحافظ: وكذا ضبط في سنن أبي داود، وقال الخطابي ﵀: أكثر الرواة بالفتح، ثم الكسر، وحدثناه الخيام بالكسر، ثم الفتح، ثم حكى احتمالات: منها الخُرْب- بضم أوله، وسكون ثانيه، قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، والِجرَفُ -بكسر الجيم، وفتح الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكلهَ الأرض، والحَدَبُ -بالمهملة، وبالدال المهملة- أيضًا المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله: "فسوِّيتْ"؛ لأنه إنما يستوي المكان المُحْدَوْدِبُ، وكذا الذي جرفته السيول، وأما الخراب فيبنى، ويعمر دون أن يصلح، ويُسَوَّى. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٣١٢.

стр. 5147

قال القاضي عياض ﵀ رَدًّا على الخطابي: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالخرب، فرفعت رسومها، وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور. وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح "وأمر بالحرث، فحرث"، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة. انتهى. "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٧٨. (وكانت فيه) أي في الحائط الذي بني في مكانه المسجدُ (نخل) اسم جمع، الواحدة نَخْلَة، وكل جمع بينه، وبين واحده الهاء. قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثر، فيقولون: هي التمر، وهي البُرُّ، وهي النخل، وهي البقر. وأهل نجد، وتميم يذكرون، فيقولون: نخل كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل "نخل منقعر"، و"نخل خاوية"، وأما النخيل بالياء، فمؤنثة. أفاده في "المصباح". قال الجامع عفا الله عنه: ولكون الأكثر في النخل التأنيث، ألحق التاء بالفعل في المواضع الثلاثة. والله أعلم. (فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنُبِشَتْ) أي كشفت، وأخرج ما فيها من العظام.

стр. 5148

قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدًا نصًا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي، وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيًّا ولا ميتًا. قاله في الفتح جـ ٧ ص ٣١٢. (وبالنخل فقطعت) أي أمر بقطع النخل، فقطعت، وهذا -كما قال في الفتح-: محمول على أنه لم يكن يثمر، أو يثمر, ولكن دعت الحاجة إليه ليمكن بناء المسجد في ذلك المكان. والله أعلم. (وبالخَرِبِ فسويت) أي أمرهم بتعديل الخَرِب، فعدلت، يقال: سويت المكان: إذا عدلته. كما في المصباح. وإنما أمر بذلك لتستوي الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها. (فصفُّوا النخل قبلة المسجد) من صَفَفْتُ الشيءَ صَفًّا. أي جعلوها سواري جهة القبلة ليسقف عليها. أفاده في المنهل. وفي مغازي ابن بكير، عن ابن إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن، ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄: "أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا باللَّبِنِ، وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُه خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا". . . قال البدر العيني ﵀: ولعل المراد بالقبلة جهتها, لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.

стр. 5149

(وجعلوا عضادتيه الحجارة) أي بنوا جانبي الباب بحجارة، والعِضَادتان: تثنية عضادة -بكسر العين المهملة، بعدها ضاد معجمة- وفي التهذيب للأزهري: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه، وشماله، وزاد القزاز: فوقهما العارضة. انتهى. عمدة القاري. (وجعلوا ينقلون الصخرة) أي شرعوا، وأخذوا ينقلون الحجارة العظيمة لتأسيس المسجد. فروي أنهم أسسوه إلى ثلاثة أذرع بالحجارة، وكملوه باللبن. (وهم يرتجزون) جملة حالية من الضمير في ينقلون، أي يقولون الرجز، ويتعاطونه، والرجز نوع من أنواع الشعر معروف، أجزاؤه "مستفعلن" ست مرات. (ورسول الله ﷺ معهم) جملة حالية أيضًا، إما مترادفة، أو متداخلة، أي والحال أن رسول الله ﷺ مصاحب لهم في النقلِ، وقولِ الرجز. (وهم يقولون) وفي بعض النسخ "وهو يقول"، والضمير عليه للنبي ﷺ . وللبخاري في الهجرة من طريق الزهري، قال: "وَطَفِقَ" رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبِنَ في بنيانه، ويقول -وهو ينقل اللبن-:

стр. 5150

هذَا الحِمَالُ لاحِمَالُ خَيْبَرْ … هَذَا أبَرُّ رَبَّنَا وَأطْهَرْ ويقول: اللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْ … فارْحَمِ الأنْصَارَ والمُهَاجِرَهْ فتمثل بشعر رجل من المسلمين، لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا -في الأحاديث- أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. قال في "الفتح": زاد ابن عائذ في آخره: "التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبناء المسجد". وقال ابن التين: أنكر على الزهري هذا من وجهين: أحدهما: أنه رجز، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله راجز، ويقال: أنشد رجزًا، ولا يقال له شاعر، ولا أنشد شعرًا. والوجه الثاني: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبي ﷺ شعرًا، أم لا؟ وعلى الجواز، هل ينشد بيتًا واحدًا، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر. انتهى. قال الحافظ: والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من أقسام الشعر إذا كان موزونًا، وقد قيل: إنه كان ﷺ إذا قال ذلك لا يطلق القافية، بل يقولها متحركة التاء، ولا يثبت ذلك. وعن الثاني بأن الممتنع عنه ﷺ إنشاؤه، لا إنشاده، ولا دليل على
следующие страницы →