Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
(قال أنس) ﵁ (وكانت فيه قبور المشركين) وللبخاري، فقال أنس: "فيه ما أقول لكم: قبور المشركين". . . (وكانت فيه خَرِب) قال ابن الأثير ﵀: الخِرَبُ، يجوز أن يكون بكسر الخاء، وفتح الراء، جمع خرَبَة كَنِقمَةٍ، وَنِقَم، ويجوز أن يكون جمع خِرْبَة -بكسر الخاء، وسكَون الراء- على التخفيف، كنِعْمَة، ونِعَمٍ، ويجوز أن يكون الخَرِبَ -بفتح الخاء، وكسر الراء- كَنَبِقَة، ونَبِقٍ، وكَلِمَة، وكَلِمٍ، قال: وقد روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريد به الموضع المحروث للزراعة. انتهى. نهاية جـ ٢ ص ١٨.
وفي الفتح: قال ابن الجوزي ﵀: المعروف فيه: فتح الخاء المعجمة، وكسر الراء بعدها موحدة، جمع خَرِبَة، ككلم، وكلمة.
قال الحافظ: وكذا ضبط في سنن أبي داود، وقال الخطابي ﵀: أكثر الرواة بالفتح، ثم الكسر، وحدثناه الخيام بالكسر، ثم الفتح، ثم حكى احتمالات: منها الخُرْب- بضم أوله، وسكون ثانيه، قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، والِجرَفُ -بكسر الجيم، وفتح الراء، بعدها فاء: ما تجرفه السيول، وتأكلهَ الأرض، والحَدَبُ -بالمهملة، وبالدال المهملة- أيضًا المرتفع من الأرض، قال: وهذا لائق بقوله: "فسوِّيتْ"؛ لأنه إنما يستوي المكان المُحْدَوْدِبُ، وكذا الذي جرفته السيول، وأما الخراب فيبنى، ويعمر دون أن يصلح، ويُسَوَّى. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٣١٢.
стр. 5147
قال القاضي عياض ﵀ رَدًّا على الخطابي: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض، أمر بالخرب، فرفعت رسومها، وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور.
وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح "وأمر بالحرث، فحرث"، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة، والثاء المثلثة، يريد الموضع المحروث للزراعة. انتهى. "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٧٨.
(وكانت فيه) أي في الحائط الذي بني في مكانه المسجدُ (نخل) اسم جمع، الواحدة نَخْلَة، وكل جمع بينه، وبين واحده الهاء. قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثر، فيقولون: هي التمر، وهي البُرُّ، وهي النخل، وهي البقر. وأهل نجد، وتميم يذكرون، فيقولون: نخل كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل "نخل منقعر"، و"نخل خاوية"، وأما النخيل بالياء، فمؤنثة. أفاده في "المصباح".
قال الجامع عفا الله عنه: ولكون الأكثر في النخل التأنيث، ألحق التاء بالفعل في المواضع الثلاثة. والله أعلم.
(فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنُبِشَتْ) أي كشفت، وأخرج ما فيها من العظام.
стр. 5148
قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدًا نصًا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي، وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة له حيًّا ولا ميتًا. قاله في الفتح جـ ٧ ص ٣١٢.
(وبالنخل فقطعت) أي أمر بقطع النخل، فقطعت، وهذا -كما قال في الفتح-: محمول على أنه لم يكن يثمر، أو يثمر, ولكن دعت الحاجة إليه ليمكن بناء المسجد في ذلك المكان. والله أعلم.
(وبالخَرِبِ فسويت) أي أمرهم بتعديل الخَرِب، فعدلت، يقال: سويت المكان: إذا عدلته. كما في المصباح. وإنما أمر بذلك لتستوي الأرض، فتصلح لبناء المسجد عليها.
(فصفُّوا النخل قبلة المسجد) من صَفَفْتُ الشيءَ صَفًّا. أي جعلوها سواري جهة القبلة ليسقف عليها. أفاده في المنهل.
وفي مغازي ابن بكير، عن ابن إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن، ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄: "أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا باللَّبِنِ، وسَقْفُهُ الجريد، وعَمَدُه خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا". . . قال البدر العيني ﵀: ولعل المراد بالقبلة جهتها, لا القبلة المعهودة اليوم، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت.
стр. 5149
(وجعلوا عضادتيه الحجارة) أي بنوا جانبي الباب بحجارة، والعِضَادتان: تثنية عضادة -بكسر العين المهملة، بعدها ضاد معجمة- وفي التهذيب للأزهري: عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه، وشماله، وزاد القزاز: فوقهما العارضة. انتهى. عمدة القاري.
(وجعلوا ينقلون الصخرة) أي شرعوا، وأخذوا ينقلون الحجارة العظيمة لتأسيس المسجد. فروي أنهم أسسوه إلى ثلاثة أذرع بالحجارة، وكملوه باللبن.
(وهم يرتجزون) جملة حالية من الضمير في ينقلون، أي يقولون الرجز، ويتعاطونه، والرجز نوع من أنواع الشعر معروف، أجزاؤه "مستفعلن" ست مرات.
(ورسول الله ﷺ معهم) جملة حالية أيضًا، إما مترادفة، أو متداخلة، أي والحال أن رسول الله ﷺ مصاحب لهم في النقلِ، وقولِ الرجز.
(وهم يقولون) وفي بعض النسخ "وهو يقول"، والضمير عليه للنبي ﷺ .
وللبخاري في الهجرة من طريق الزهري، قال: "وَطَفِقَ" رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبِنَ في بنيانه، ويقول -وهو ينقل اللبن-:
стр. 5150
هذَا الحِمَالُ لاحِمَالُ خَيْبَرْ … هَذَا أبَرُّ رَبَّنَا وَأطْهَرْ
ويقول:
اللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْ … فارْحَمِ الأنْصَارَ والمُهَاجِرَهْ
فتمثل بشعر رجل من المسلمين، لم يسم لي.
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا -في الأحاديث- أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات.
قال في "الفتح": زاد ابن عائذ في آخره: "التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبناء المسجد".
وقال ابن التين: أنكر على الزهري هذا من وجهين:
أحدهما: أنه رجز، وليس بشعر، ولهذا يقال لقائله راجز، ويقال: أنشد رجزًا، ولا يقال له شاعر، ولا أنشد شعرًا.
والوجه الثاني: أن العلماء اختلفوا هل ينشد النبي ﷺ شعرًا، أم لا؟ وعلى الجواز، هل ينشد بيتًا واحدًا، أو يزيد؟ وقد قيل: إن البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر. انتهى.
قال الحافظ: والجواب عن الأول أن الجمهور على أن الرجز من أقسام الشعر إذا كان موزونًا، وقد قيل: إنه كان ﷺ إذا قال ذلك لا يطلق القافية، بل يقولها متحركة التاء، ولا يثبت ذلك.
وعن الثاني بأن الممتنع عنه ﷺ إنشاؤه، لا إنشاده، ولا دليل على
стр. 5151
منع إنشاده متمثلًا. وقول الزهري: لم يبلغنا، لا اعتراض عليه فيه، ولو ثبت عنه ﷺ أنه أنشد غير ما نقله الزهري؛ لأنه نفى أن يكون بلغه، ولم يطلق النفي المذكور. على أن ابن سعد روى عن عفان، عن معتمر بن سليمان، عن معمر، عن الزهري، قال: "لم يقل النبي ﷺ شيئًا من الشعر، قيل قبله، أو يروى عن غيره، إلا هذا"، كذا قال، وقد قال غيره: إن الشعر المذكور لعبد الله بن رواحة، فكأنه لم يبلغه، وما في الصحيح أصح، وهو قوله "شعر رجل من المسلمين". انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٩١.
تنبيه:
قد ذكر العلامة القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] بحثًا نفيسًا، فقال:
إصابة الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين، وغيره:
هَلْ أنْتِ إلا إصبَغٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
وقوله:
أنَا النَبِيُّ لا كَذِبْ … أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعرًا، ولا في معناه, كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
стр. 5152
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]. وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ذكر ابن العربي منها آيات، وتكلم عليها، وأخرجها عن الوزن، على أن أبا الحسن الأخفش قال في قوله: "أنا النبي لا كذب":
ليس بشعر.
وقال الخليل في كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعرًا. وروي عنه أنه من منهوك الرجز. وقد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله: "لا كذب". ومن قوله: "عبد المطلب". ولم يعلم كيف قاله النبي ﷺ . قال ابن العربي: والأظهر من حاله أنه قال: "كَذِبٌ" الباء مرفوعة، وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة.
وقال النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن شعرًا؛ لأنه إذا فَتَحَ الباء من البيت الأول، أو ضمها، أو نونها، وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر.
وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. وهذا مكابرة العيان, لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره.
وأما قوله: "هل أنت إلا إصبع دميت"، فقيل: إنه من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكن لا
стр. 5153
يكون شعرًا بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعولْ، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، ولعل النبي ﷺ قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع.
والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويُسْقِطُ الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي ﷺ عالمًا بالشعر، ولا شاعَرًا أن التمثل بالبيت النزر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطًا لا يكون خياطًا.
قال أبو إسحاق الزجاج: معنى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]: وما علمناه أن يشعر، أي ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئًا من الشعر.
قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا. وقد قيل: إنما خَبَّرَ الله أنه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنه لا ينشد شعرًا، وهو ظاهر الكلام. وقيل فيه قول بَيِّنٌ، زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا. كل من قال قولًا موزونًا لا يقصد به إلى شعر، فليس بشعر، وإنما وافق الشعر، وهذا قول بَيِّنٌ.
قالوا: وإنما الذي نفاه الله عن نبيه ﷺ فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بذلك بالاتفاق، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا
стр. 5154
قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئًا منها، وما قوله بشعر.
وقال أنيس أخو أبي ذرّ: لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فلم يلتئم. أخرجه مسلم. وكان أنيس من أشعر العرب- وأقراءُ الشعر: أنواعه، وطرقه، وبحوره-.
وكذلك عتبة بن أبي ربيعة لما كلمه: والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر. وكذلك قال غيرهما من فصحاء العرب العرباء واللُّسْن البلغاء.
ثم إن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرًا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، فقد يقول القائل: حدثنا شيخ لنا، وينادي: يا صاحب الكسائي. ولا يعدّ هذا شعرًا.
وقد كان رجل ينادي في مرضه، وهو من عُرض العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى الطبيب، وقولوا: قد اكتوى. انتهى كلام القرطبي ﵀ جـ ١٥ ص ٥٢ - ٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الأخير هو الأحسن عندي، وحاصله أن الشعر المعني في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] هو الذي وقع عن قصد، وأما ما وقع اتفاقًا، فلا. فما وقع من كلامه ﷺ موزونًا، وكذا ما أنشده لغيره،
стр. 5155
وما وقع في الآيات القرآنية، فليس شعرًا، لما قلنا. وبهذا يزول الإشكال. والله أعلم.
(اللهم) معناه: يا الله، وقال البصريون: اللهم دعاء بجميع أسمائه، إذ الميم تشعر بالجمع، كما في عليهم، وقال الكوفيون: أصله الله أمَّنَا بخير، أي اقصدنا، فخفف، فصار "اللهم" (لاخير إِلا خير الآخرة)، وفي رواية أبي داود "اللهم إن الخير خير الآخرة (فانصر الأنصار) هكذا رواية المصنف "فانصر"، وهي رواية البخاري في الهجرة، ورواية أبي داود أيضًا، ووقع في رواية الأكثرين للبخاري "فاغفر للأنصار"، وللمستملي، والحموي "فاغفر الأنصار" بحذف اللام، بتضمين "اغفر" معنى "استر".
والأنصار: جمع نصير، كأشْراف، جمع شريف، والنصير: الناصر، من نصره الله على عدوه، ينصره، نصرًا، والاسم: النصرة، وسموا بذلك؛ لأنهم آووا النبي ﷺ ، وعزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ﵃.
(والمهاجرة) أي الجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم إلى الله تعالى، وإلى رسوله ﷺ .
والهجرة في الأصل، من الهَجْرِ، ضِدِّ الوصل، وقد هَجَرَه، هَجْرًا، وهِجْرانا، ثم غلب على الخرَوج منَ أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية. يقال منه: هاجر مهاجرة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5156
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٢/ ٧٠٢)، و"الكبرى" (١٢/ ٧٨١) عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس رضي الله تعالى عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة"، وفي موضعين من الوصايا، وفي الهجرة من المناقب، عن مسدد، وفي "الحج" عن أبي معمر عبد الله ابن عمرو، وفي "البيوع" عن موسى بن إسماعيل، وفي الوصايا عن إسحاق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وفي الهجرة عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد.
ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وشيبان بن فروخ، ستتهم عن عبد الوارث بن سعيد، به.
وأبو داود فيه عن مسدد به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عنه نحوه.
стр. 5157
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع، عن حماد بن سلمة ببعضه: كان موضع مسجد النبي ﷺ لبني النجار. . . إلى آخر الحديث.
وأخرجه أحمد (٣/ ٢١١، ١١٨، ١٨٠، ١٢٣، ٢٤٤)، وابن خزيمة رقم (٧٨٨). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز نبش قبور المشركين، واتخاذ أرضها مسجدًا للصلاة فيه.
ومنها: مشروعية الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام.
ومنها: جواز الارتداف على دابة واحدة، لكن إذا كانت تطيق ذلك.
ومنها: جواز التِفَافِ المَرْءُوسِينَ حول رئيسهم، احترامًا له.
ومنها: أن للرئيس أن يخص بعض قومه بالنزول عنده، إذا كان قريبًا له، تقديمًا لحق القرابة.
ومنها: مشروعية الصلاة في أي مكان حضرت.
ومنها: جواز الصلاة في مرابض الغنم، وكون بعرها وبولها طاهرًا على الراجح من أقوال أهل العلم.
стр. 5158
ومنها: المبادرة ببناء المسجد قبل بناء المنازل.
ومنها: مشروعية بيع الأرض وشرائها ومنع اغتصابها.
ومنها: مشروعية التبرع لله تعالى بما يملكه من الأراضي.
ومنها: جواز قطع الأشجار، وإن كانت مثمرة للحاجة.
ومنها: جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها، وإخراج ما فيها.
ومنها: أن المشرك لا حرمة لدمه، ولا لعظامه بعد موته.
ومنها: جواز قول الشعر، ولا سيما الرجز للتعاون على الأعمال الشاقة لما فيها من تحريك الهمة، وتشجيع النفوس على معالجة الأمور الصعبة.
قال في "الفتح": وذكر الزبير من طريق مجمع بن يزيد، قال قائل من المسلمين في ذلك [من الرجز]:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … ذَاكَ إذًا لَلْعَمَلُ المضَلَّلُ
ومن طريق أخرى عن أم سلمة نحوه، وزاد: قال: وقال علي بن أبي طالب [من الرجز]:
لا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا … يَدْأب فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا
وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائدًا
стр. 5159
ومنها: أن ما ورد في كراهية البناء مختص بما زاد على الحاجة، أو لم يكن في أمر ديني، كبناء المساجد.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع، وكمال الخلق، حيث ينقل معهم الصخر، ويجيبهم في شعرهم.
ومنها: أن الخير كل الخير هو خير الآخرة، لكونه لا ينقطع بخلاف خير الدنيا فإنه سريع الزوال.
ومنها: استحباب الدعاء بالنصر للمسلمين. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5160
١٣ - النَّهْيُ عَنِ اتّخَاذِ القُبورِ مَسَاجِدَ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على النهي عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة فيها.
والمراد بالقبور: قبور الأنبياء والصالحين بدليل الباب السابق.
٧٠٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَيُونُسَ، قَالَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي، ثبت حجة، من [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
стр. 5161
٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري ثم اليمني، ثقة ثبت، من [٧] تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت، من [٧] تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثبت حجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٦ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣] تقدم في ٢٢٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥.
٨ - (ابن عباس) عبد الله، الحبر البحر ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن عائشة، وابن عباس) ﵃ (قالا: لما نُزِل برسول الله ﷺ ) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل الجار والمجرور، والأصل: لما نَزَل الموتُ برسول الله ﷺ .
وفي الفتح: قوله: (لما نزَلَ) كذا لأبي ذر بفتحتين، والفاعل محذوف، أي الموت، ولغيره بضم النون، وكسر الزاي. انتهى. جـ ١ ص ٦٣. فأفاد أن رواية الأكثرين بالبناء للمفعول.
стр. 5162
(فطَفِقَ) هكذا نسخ المجتبى التي بين يدي بالفاء، ونسخة الكبرى "طفق" بدونها، وهو الذي في الصحيحين، وهو ظاهر؛ لأن "طفق" عليه جواب "لَمَّا"، والأول أيضًا له وجه صحيح؛ لأن "طفق" عطف على "نزل"، وجواب "لما" قوله: "قال" من قوله: "قال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود" إلخ.
و"طفق" من أفعال الشروع التي تعمل عمل "كان"، كما أشار إليها في الخلاصة حيث قال:
كَأَنْشَأ السَّائق يَحْدُو، وَطَفِقْ … كذَا جَعَلْتُ، وَأَخذْتُ، وَعَلِقْ
حكى الأخفش طَفَقَ، يَطْفِقُ، مثل ضرب يضرب، وطَفِقَ يَطْفَقُ، مثل عَلِمَ يعلَمُ، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدر، حكى الأخفش طُفُوقًا، عمن قال: طفَقَ- بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفِقَ- بالكسر. ومعناه هنا: جعل. أفاده العيني.
(يطرح) جملة في محل نصب خبر "طفق" (خميصة) بالنصب مفعول "يطرح". وهي -بفتح المعجمة، وكسر الميم، بعدها ياء ساكنة، ثم صاد مهملة-: كساء أسود مربع، له علمان، فإن لم يكن معْلَمًا، فليس بخميصة، وهي ثوب خَزّ، أو صوف مُعلَم.
وقيل: لا تسمى خَمِيصَة، إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص.
وقيل: الخمائص: ثياب من خَزٍّ ثِخَانٌ سُودٌ، وحُمْرٌ، ولها
стр. 5163
أعلام ثِخَان أيضًا. أفاده في اللسان.
(له) متعلق بمحذوف صفة لخميصة أي كائنة له (على وجهه) متعلق بيطرح (فإِذا اغتم) بالغين المعجمة -أي احتبس نفسه عن الخروج، وقيل: سخن بالخميصة، وأخذ بنفسه من شدة الحر. قاله السندي (كشفيها عن وجهه) أي أزال تلك الخميصة عن وجهه ليزول اغتمامه.
(قال) وللبخاري "فقال" بالفاء (-وهو كذلك-) جملة في محل نصب على الحال، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي والحال أنه في تلك الحال، من الطرح والكشف (لعنة الله على اليهود والنصارى) مقول القول، واللعنة: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أي أبعدهم الله عن رحمته.
وكأنه ﷺ علم أنه لا يقوم من مرضه ذلك، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى، إشارة إلى ذم من فعل مثل فعلهم.
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة، استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدر، فكأن سائلًا سأله, فقال: "ما سبب لعنهم؟ " فأجابه بقوله: "اتخذوا". . .
وزاد في الكبرى, في الوفاة: "يُحذِّرُ مثل ما صنعوا". ونحوه عند الشيخين، وهو مستأنف من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بذلك.
стр. 5164
وقد استشكل ذكر النصارى فيه؛ لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى، وبين نبينا ﷺ نبي غيره، وهو في السماء لم يمت، فليس له قبر:
والجواب: أنه كان فيهم أنبياء أيضًا، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين، ومريم في قول، أو الجمع في قوله: "أنبيائهم" بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، والمراد الأنبياء، وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده -كما قال الحافظ ﵀: قوله في رواية مسلم من طريق جندب "كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"، ولهذا لما أفرد النصارى في حديث عائشة الآتي (٧٠٤) قال: "إذا مات فيهم الرجل الصالح"، ولما أفرد اليهود في حديث أبي هريرة المتفق عليه، قال: "قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعًا، أو اتباعًا، فاليهود ابتدعت، والنصارى اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود. قاله في "الفتح". جـ ١ ص ٦٣٤.
تنبيه:
نقل السيوطي عن البيضاوي أنه قال: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم، تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا, لعنهم، ومنع المسلمين من مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب
стр. 5165
منه، لا التعظيم له، ولا التوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد. انتهى. وذكر في الفتح نحوه، وذكر نحوه أيضًا السندي.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجيب من هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم مثل هذا الكلام المنابذ للسنة، والمناقض للنص الصريح، وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب، فأول بداية ضلالهم هذا هو التبرك بقبور أنبيائهم وصالحيهم، فآل بهم الأمر إلى أن عبدوهم، ومن يرى حال أكثر الناس اليوم، فيما يفعلونه عند قبور الصالحين من أنواع الشرك والضلال، يتبين له أن ما فعله اليهود والنصارى بأنبيائهم وصالحيهم هو عين ما فعله هؤلاء.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركهم، ويزين لهم ذلك، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة، وابن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له.
أخرجه هنا (١٣/ ٧٠٣)، و"الكبرى" (١٣/ ٧٨٢)، وفي "الوفاة" منه (٧/ ٧٠٨٩)، عن سويد بن نصر عن ابن المبارك، عن معمر، ويونس، كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
стр. 5166
عنهما، و (٧٠٩٠) عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، عن عمه يعقوب ابن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به. قال: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهري.
أنبأنا عبيد الله بن سعد، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة، وابن عباس، حدثاه أنه: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال -وهو يفعل ذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، حَذَرًا على أمته ما صنعوا.
وقد روى هذا الحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
أنبأنا عمرو بن سَوَّاد بن الأسود بن عمرو، عن ابن وهب، قال: أنبيائهم مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال أبو عبد الرحمن: خالفه قتادة، فرواه عن سعيد بن المسيب، عن عائشة.
أنبأنا عمرو بن علي، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة عن النبي ﷺ ،
стр. 5167
قال: "لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". انظر الكبرى جـ ٤ ص ٢٥٦ - ٢٥٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب، وفي اللباس عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، وفي ذكر بني إسرائيل، عن بشر بن محمد، عن ابن المبارك، عن معمر، ويونس، أربعتهم عن الزهري، به.
ومسلم في "الصلاة" عن هارون بن سعيد الأيلي، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو النهي عن اتخاذ القبور مساجد، لما يترتب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدي إلى عبادتها.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من شدة العناية في تحذير أمته من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته.
ومنها: بيان اشتداد مرضه ﷺ ، وذلك لتضعيف درجاته، فعن عائشة ﵂، أنها قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ "، أخرجه الشيخان.
ومنها: مشروعية لعن اليهود والنصارى، لانحرافهم عن دينهم، وما أنزل الله على أنبيائهم، حتى عبدوا الأنبياء، والصالحين من دون الله،
стр. 5168
كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] الآية.
ومنها: أن من فعل مثل ما فعله اليهود والنصارى يستحق اللعن. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٠٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَتَاهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة حافظ، من [١٠] تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥]،
стр. 5169
تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، الفقيه، ثقة، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ (أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبي ﷺ ، أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ ، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
روت عن النبي ﷺ ، وعن زينب بنت جحش، وعنها ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سوَّار، ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السمان، وعروة بن الزبير، وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حوشب، وآخرون.
قال أبو عبيد: توفيت سنة (٤٤)، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت
стр. 5170
قبل معاوية بسنة، يعني سنة ٥٩، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة (٤٢)، وقال ابن عبد البر: قيل: إن اسمها هبيرة. أخرج لها الجماعة. انتهى. تت جـ ١٢ ص ٤١٩.
(وأم سلمة) هند بنت أبي أمية، حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين ﵂، تقدمت ترجمتها في ١٢٣/ ١٨٣.
(ذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة، وأم سلمة.
(كنيسة) -بفتح الكاف، وكسر النون: مُتَعَبَّدُ اليهود، وتطلق على متعبد النصارى، وهو المراد هنا، وهو مُعَرَّب، كما قال الفيومي.
وفي رواية للبخاري، في "بابُ الصلاة في البِيعَة" من طريق عبدة، عن هشام: أن تلك الكنيسة، كان تسمى مَارِيَة بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانية، وله في الجنائز من طريق مالك، عن هشام نحوه، وزاد في أوله "لَمَّا اشتكى النبي ﷺ ، ومن طريق هلال، عن عروة، بلفظ "قال في مرضه الذي مات فيه".
ولمسلم من حديث جندب أنه ﷺ قال نحو ذلك قبل موته بخمس ليال، وزاد فيه: "فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
قال الحافظ ﵀: وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنه المُحكَم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته ﷺ . انتهى.
стр. 5171
فتح جـ ١ ص ٦٢٥.
(رأتاهما) -بضمير التثنية للمؤنث- على الأصل، وهكذا عند البخاري في رواية الأصيلي، والكشميهني، ووقع في رواية غيرهما، وهي رواية المصنف في الكبرى "رأينها" بصيغة جمع المؤنث الماضي، ووجه الجمع فيها باعتبار من كان مع أم حبيبة، وأم سلمة ﵄.
(فيها تصاوير) جملة اسمية، في محل نصب على الحال من كنيسة، لكونها موصوفة بجملة "رأتاها"، أو في محل نصب صفة بعد صفة لها، والتصاويرُ: التماثيلُ.
(فقال رسول الله ﷺ : إِن أولئك) -بكسر الكاف، ويجوز فتحها. قاله في الفتح، والعمدة. وقال السندي: قيل بكسر الكاف، لأن الخطاب لمؤنث، وقد تفتح.
قلت: كأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال:
أولئكما، لا أولئك -بالكسر- وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له. فليتأمل. انتهى.
(إِذَا كان فيهم الرجل الصالح، فمات) عطف على قوله: "كان" (بَنوا) جواب "إذا" (على قبره مسجدًا) أي محل عبادة
стр. 5172
(وصوروا تيك الصور) -بكسر التاء المثناة، وسكون الياء بدل اللام، من "تلك"، وهي لغة فيه، وهي نسخة الكبرى.
(أولئك) -بكسر الكاف، وفتحها- كما مر آنفاً (شِرَارُ الخلق) بكسر الشين المعجمة، جمع شَرٍّ، كالخِيَار، جمع خَيْرٍ، والبحار، جمع بحر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها شَرّ أيضًا. وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثل يَتِيم، وأيتام. أفاده العيني.
وإنما كانوا شرار الخلق لأنهم ضموا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدة وعملًا. قاله السندي.
(عند الله يوم القيامة) متعلقان بشرار. وإنما خص يوم القيامة، لأن الأمور تشتد فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشر الناس فيه كان أشدهم عذابًا، ولأن من كان في الدنيا ربما يوفق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء. والله أعلم.
تنبيه:
قال القرطبي رحمه الله تعالى: إنما صَوَّر أوائلُهم الصورَ، ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خَلَفَ من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسدًا للذرائع في قبره ﷺ ، وكان ذلك في مرض
стр. 5173
موته, إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده.
ولما احتاجت الصحابة ﵃، والتابعون إلى زيادة في مسجده ﷺ بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا تَصِلَ إليه العوام، فيؤدي إلى ذلك المحذور، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرَّفُوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحدا أن يستقبل القبر. أفاده في عمدة القاري جـ ٤ ص ١٧٤. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٣/ ٧٠٤)، والكبرى (١٣/ ٧٨٣) عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى القطان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة"، وفي هجرة الحبشة، من المناقب عن محمد بن المثنى.
ومسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به.
وأخرجه أحمد جـ ٦/ ٦٣، وابن خزيمة رقم ٧٩٠.
стр. 5174
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: منع بناء المساجد على القبور، ومنع الصلاة في المقابر، سواء كانت بجنب القبر، أو عليه، أو إليه، كما قال في الفتح جـ ١ ص ٦٢٦.
وقال العيني ﵀: ومقتضاه التحريم، كيف، وقد ثبت اللعن عليه، وأما الشافعي، وأصحابه فصرحوا بالكراهة. وقال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدًا، فيصلى فيه فوقه، وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الداثرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه، فلم أر فيه بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد، فمعناهما واحد. انتهى. عمدة جـ ٤ ص ١٧٤.
قال الجامع: ما نقله عن البندنيجي أخيرًا من قوله: فلم أر به بأسًا. . . إلخ , نظر، إذ النص يشمله، فكيف يجوز. فتبصر. والله أعلم.
ومنها: أن فيه تحريم تصوير الحيوان، ولا سيما الرجل الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان، لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد ﵀ في رد ذلك. كما قال في الفتح.
قال الجامع: هو حقيق بالرد لمنابذته النص الصريح المطلق. والله أعلم.
стр. 5175
ومنها: جواز حكايته ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوبُ بيانِ حكم ذلك على العالم به.
ومنها: أن فيه ذَمَّ فاعل المحرمات.
ومنها: أن فيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل. انظر الفتح جـ ١ ص ٦٢٦. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5176
١٤ - الفَضْلُ فِي إِتْيَانِ المَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الفضل الموعود في إتيان المساجد للصلاة.
ثم إن استدلال المصنف على ما ترجم له ظاهر على نسخة المجتبى في قوله: "مسجده" بضمير الغائب، وأما على نسخة الكبرى: "مسجدي" بضمير المتكلم فغير واضح؛ لأن المراد المسجد النبوي، لا جميع المساجد. اللهم إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد بمسجده ﷺ ، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تطهير في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه، إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة". والله أعلم.
٧٠٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "حِينَ يَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَرِجْلٌ، تُكْتَبُ حَسَنَةً، وَرِجْلٌ تَمْحُو سَيِّئَةً".
стр. 5177
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس، ثقة، ثبت، من [١٠] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل،
توفي سنة ١٨٥، من [٧] تقدم في ٦٨١.
٤ - (الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي) ويقال له: سويد، ثقة، من [٦].
قال أبو زرعة: شيخ ليس بالمشهور. وقال النسائي في التمييز: ثقة. وكذا قال العجلي. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: من قال: العلاء بن الأسود بن جارية، فقد وهم، يشير إلى أن بعضهم قلبه، وأشار البخاري في التاريخ إلى أنه يقال له أيضًا: سويد. أخرج له مسلم، والمصنف.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من [٣] تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
стр. 5178
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا الأسود، فانفرد به هو ومسلم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، ويحيى، فبصريان.
ومنها: أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق عليهم أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة.
ومنها: أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: أن أبا هريرة أكثر الصحابة رواية, روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: حين يخرج الرجل من بيته إِلى مسجده) هكذا نسخ المجتبى "مسجده" بضمير الغائب، وكذا في مسند أحمد جـ ٢ ص ٣١٩، والاستدلال عليها للترجمة واضح.
ووقع في "الكبرى" "إلى مسجدي" بضمير المتكلم، وهو الذي في "تحفة الأشراف" جـ ١٠ ص ٤٥٨، وكذا في "مسند أحمد" جـ ٢ ص ٤٣٢، وص ٤٧٨. وعلى هذا فيكون المراد المسجد النبوي، وهو
стр. 5179
لا يناسب ترجمة المصنف؛ لأنها أعم، وهو أخص. إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد به، كما تقدم البحث عنه في أول الباب. والله أعلم.
والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: يثاب، وفي رواية أحمد "من حين يخرج الرجل" بزيادة "من"، ثم فصل ذلك الثواب بقوله (فرجل) -بكسر الراء، وسكون الجيم- أي قدم، والمراد الخطوة، وهو مبتدأ سوغه التفصيل، كقول الشاعر [من المتقارب]:
فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكبَتَيْنِ … فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثوْبٌ أَجُرُّ
والخبر جملة قوله (تكتب حسنة) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير الرجل، و"حسنة" بالنصب مفعوله، وإسناد الكتابة للرجل مجاز، لكونها سببًا، وإلا فالكاتب حقيقة هو الله تعالى.
ويحتمل -كما قال السندي- كونه مبنيًا للمفعول، والضمير للرجل أيضًا، و"حسنة" بالنصب مفعول ثان لتكتب، على تضمينه، معنى "تجعل". والأول أولى ليوافق ما بعده. والله أعلم.
(ورجل تمحو سيئة) أي إن كانت له سيئة، وإلا فكل الخطوات تكتب حسنات. والله أعلم.
تنبيه:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (١٤/ ٧٠٥)، وفي "الكبرى" (١٤/ ٧٨٥) عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب، عن الأسود ابن العلاء الثقفي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه.
стр. 5180
وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٢ ص ٣١٩ و ٤٣١ و ٤٧٨، وعبد بن حميد في مسنده رقم (١٤٥٩). والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، واليه أنيب.
стр. 5181
١٥ - النَهْيُ عَنْ مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ إتْيَانِ المَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي الرجال عن منع نسائهم من إتيان المساجد للصلاة، ونحوها، إذا طلبن منهم ذلك.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى يرى إطلاق النهي، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، لإطلاق الحديث الذي أورده في الباب، وهذا مخالف لرأي البخاري رحمه الله تعالى حيث قال: (باب خروج النساء إلى المساجد بالليل، والغلس) فإنه يرى تقييد ذلك بالليل، لورود التقييد في بعض الروايات بالليل. وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٧٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يَمْنَعْهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي بن راهويه، ثقة حافظ حجة، من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة إمام حجة، من [٨] تقدم في ١/ ١.
стр. 5182
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عمر العدوي المدني الفقيه، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ٤٩٠.
٥ - (عبد الله) بن عمر بن الخطاب الصحابي المشهور ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا إسحاق، فلم يخرج له ابن ماجه.
ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إِذا استأذنت امرأة أحدكم) أي طلبت الخروج (إِلى المساجد) لأداء الصلاة، ونحوها (فلا يمنعها) من
стр. 5183
الخروج ليلًا أو نهارًا، على ظاهر هذه الرواية, كما هو رأي المصنف، حيث أطلق الترجمة، أو ليلًا فقط، كما هو رأي البخاري -رحمه الله تعالى- حيث قيد ترجمته به، على رواية التقييد.
فقد أخرج البخاري حديث ابن عمر ﵄ هذا من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم، عنه، بلفظ: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المساجد، فأذنوا لهن".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله: "بالليل"، وكذلك أخرجه مسلم، وغيره. وقد اختلف فيه على الزهري، عن سالم أيضًا، فأورده البخاري من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن يزيد، وأحمد من رواية عقيل، والسراج من رواية الأوزاعي، كلهم عن الزهري بغير تقييد. وكذا أخرجه البخاري في النكاح عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري بغير قيد.
ووقع عند أبي عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة مثله، لكن قال في آخره "يعني بالليل"، وبين ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء أن سفيان بن عيينة هو القائل: "يعني"، وله عن سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن عيينة قال: "قال نافع: بالليل"، وله عن يحيى بن حكيم، عن ابن عيينة قال: "جاءنَا رجل، فحدثنا عن
стр. 5184
نافع، قال: إنما هو بالليل" وسمي عبدُ الرزاق، عن ابن عيينة الرجلَ المبهَمَ، فقال بعد روايته عن الزهري: "قال ابن عيينة: وحدثنا عبد الغفار -يعني بن القاسم- أنه سمع أبا جعفر -يعني الباقر- يخبر بمثل هذا عن ابن عمر، قال: فقال له نافع مولى ابن عمر: "إنما ذلك بالليل".
وكأن اختصاص الليل بذلك لكونه أستر. ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت المفسدة منهن، وعليهن.
وقال النووي ﵀: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وتعقبه ابن دقيق العيد ﵀ بأنه إن أخذ من المفهوم، فهو مفهوم لقب، وهو ضعيف، لكن يتقوى بأن يقال: إنَّ منع الرجال نسائهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع.
وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَنُ مخيرًا في الإجابة، أو الرد. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٤.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأمر للوجوب، كما سيأتي تحقيقه. والله أعلم.
стр. 5185
تنبيه:
وقع في رواية مسلم لحديث ابن عمر ﵄ هذا قصة مع أحد أبنائه، فأخرج من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذَنَكم إليها" قال: فقال: بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبًّا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: والله لنمنعنهن.
وفي رواية مجاهد: فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن، فيتخذنه دَغَلًا، قال: فزَبَرَه ابن عمر، وقال: أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: لا ندعهن.
وفي رواية: فقال ابن له يقال له واقد: إذن يتخذنه دغلًا، قال: فضرب في صدره، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: لا.
قال في "الفتح": والراجح أن صاحب القصة بلال، لورود ذلك من رواية نفسه، ففي رواية الطبراني من طريق عبد الله بن هبيرة، عن بلال ابن عبد الله: "فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله"، وكذا من رواية أخيه سالم كما تقدم، ولم يختلف عليهما في ذلك.
وأما تسميته واقدًا، فإن كان محفوظًا، فيحتمل أن يكون كلٌّ من بلال وواقد وقع له ذلك، إما في مجلس، أو في مجلسين، وأجاب
следующие страницы →