Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
١٥ - النَهْيُ عَنْ مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ إتْيَانِ المَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي الرجال عن منع نسائهم من إتيان المساجد للصلاة، ونحوها، إذا طلبن منهم ذلك.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى يرى إطلاق النهي، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، لإطلاق الحديث الذي أورده في الباب، وهذا مخالف لرأي البخاري رحمه الله تعالى حيث قال: (باب خروج النساء إلى المساجد بالليل، والغلس) فإنه يرى تقييد ذلك بالليل، لورود التقييد في بعض الروايات بالليل. وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٧٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يَمْنَعْهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي بن راهويه، ثقة حافظ حجة، من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة إمام حجة، من [٨] تقدم في ١/ ١.
стр. 5182
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عمر العدوي المدني الفقيه، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ٤٩٠.
٥ - (عبد الله) بن عمر بن الخطاب الصحابي المشهور ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا إسحاق، فلم يخرج له ابن ماجه.
ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إِذا استأذنت امرأة أحدكم) أي طلبت الخروج (إِلى المساجد) لأداء الصلاة، ونحوها (فلا يمنعها) من
стр. 5183
الخروج ليلًا أو نهارًا، على ظاهر هذه الرواية, كما هو رأي المصنف، حيث أطلق الترجمة، أو ليلًا فقط، كما هو رأي البخاري -رحمه الله تعالى- حيث قيد ترجمته به، على رواية التقييد.
فقد أخرج البخاري حديث ابن عمر ﵄ هذا من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم، عنه، بلفظ: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المساجد، فأذنوا لهن".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله: "بالليل"، وكذلك أخرجه مسلم، وغيره. وقد اختلف فيه على الزهري، عن سالم أيضًا، فأورده البخاري من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن يزيد، وأحمد من رواية عقيل، والسراج من رواية الأوزاعي، كلهم عن الزهري بغير تقييد. وكذا أخرجه البخاري في النكاح عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري بغير قيد.
ووقع عند أبي عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة مثله، لكن قال في آخره "يعني بالليل"، وبين ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء أن سفيان بن عيينة هو القائل: "يعني"، وله عن سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن عيينة قال: "قال نافع: بالليل"، وله عن يحيى بن حكيم، عن ابن عيينة قال: "جاءنَا رجل، فحدثنا عن
стр. 5184
نافع، قال: إنما هو بالليل" وسمي عبدُ الرزاق، عن ابن عيينة الرجلَ المبهَمَ، فقال بعد روايته عن الزهري: "قال ابن عيينة: وحدثنا عبد الغفار -يعني بن القاسم- أنه سمع أبا جعفر -يعني الباقر- يخبر بمثل هذا عن ابن عمر، قال: فقال له نافع مولى ابن عمر: "إنما ذلك بالليل".
وكأن اختصاص الليل بذلك لكونه أستر. ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت المفسدة منهن، وعليهن.
وقال النووي ﵀: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وتعقبه ابن دقيق العيد ﵀ بأنه إن أخذ من المفهوم، فهو مفهوم لقب، وهو ضعيف، لكن يتقوى بأن يقال: إنَّ منع الرجال نسائهم أمر مقرر، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، فيبقى ما عداه على المنع.
وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَنُ مخيرًا في الإجابة، أو الرد. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٤.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأمر للوجوب، كما سيأتي تحقيقه. والله أعلم.
стр. 5185
تنبيه:
وقع في رواية مسلم لحديث ابن عمر ﵄ هذا قصة مع أحد أبنائه، فأخرج من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذَنَكم إليها" قال: فقال: بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبًّا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: والله لنمنعنهن.
وفي رواية مجاهد: فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن، فيتخذنه دَغَلًا، قال: فزَبَرَه ابن عمر، وقال: أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: لا ندعهن.
وفي رواية: فقال ابن له يقال له واقد: إذن يتخذنه دغلًا، قال: فضرب في صدره، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: لا.
قال في "الفتح": والراجح أن صاحب القصة بلال، لورود ذلك من رواية نفسه، ففي رواية الطبراني من طريق عبد الله بن هبيرة، عن بلال ابن عبد الله: "فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله"، وكذا من رواية أخيه سالم كما تقدم، ولم يختلف عليهما في ذلك.
وأما تسميته واقدًا، فإن كان محفوظًا، فيحتمل أن يكون كلٌّ من بلال وواقد وقع له ذلك، إما في مجلس، أو في مجلسين، وأجاب
стр. 5186
ابن عمر كلًا منهما بجواب يليق به. ويقويه اختلاف النقلة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم "فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبًّا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط".
وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات، وفي رواية زائدة، عن الأعمش "فانتهره، وقال: أفٍّ لك". وله عن ابن نمير، عن الأعمش "فعل الله بك، وفعل"، ومثله للترمذي، من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم من رواية أبي معاوية "فزبره"، ولأبي داود من رواية جرير "فسبه، وغضب".
فيحتمل أن يكون بلال البادئ، فلذلك أجابه بالسب المفسر للعن، وأن يكون واقد بدأه، فلذلك أجابه بالسب المفسر بالتأفيف مع الدفع في صدره.
وكأن السر في ذلك أن بلالًا عارض الخبر برأيه، ولم يذكر علة المخالفة، ووافقه واقد، لكن ذكرها بقوله: "يتخذنه دَغَلًا"، وهو بفتح المهملة، ثم المعجمة، وأصله الشجر الملتف، ثم استعمل في المخادعة، لكون المخادع يلف في ضميره أمرًا، ويظهر غيره.
وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك المغيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال -مثلًا-: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منها قصد المسجد وإضمار غيره، لكان يظهر أن لا ينكر عليه.
стр. 5187
وإلى ذلك أشارت عائشة بما ذكر في حديثها.
وأخذ من إنكار ابن عمر على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده، وإن كان كبيرًا، إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عند أحمد "فما كلمه عبد الله حتى مات"، وهذا إن كان محفوظًا يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٥ - ٤٠٦. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا من طريق ابن عيينة متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٥/ ٧٠٦)، و"الكبرى" (١٥/ ٧٨٥)، عن إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في "النكاح" (١١٧) عن علي بن عبد الله.
ومسلم في "الصلاة" (٣٠/ ١) عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب ثلاثتهم عن ابن عيينة، به.
стр. 5188
وأخرجه من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي البخاري في الصلاة ٣١٣/ ٢ عن عبيد الله بن موسى.
وأخرجه مسلم فيه (٣٠/ ٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، كلاهما عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه.
ومن طريق معمر أخرجه البخاري في "الصلاة" (٣١٧/ ١) عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، به. وابن ماجه في المقدمة (٣/ ٥) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، به. ومن طريق يونس بن يزيد الأيلي، ومسلم في "الصلاة" (٣٠/ ٢) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، به.
وأخرجه أحمد، والحميدي، والدارمي، وابن خزيمة. والله تعالي أعلم.
المسألة الرابعة: هذا الحديث- كما قال العلامة الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في "إحكام الأحكام" جـ ٢ ص ١٣٩، صريح في النهي عن منع النساء عن المساجد عند الاستئذان.
وقد ثبت في "صحيح ابن حبان" جـ ٥ ص ٢٢١١، و ٢٢١٤ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، وهو يشعر بطلبهن للخروج، فإن المانع إنما يكون مانعًا بعد وجود المقتضي، ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهن؛ لأنه لو كان ممتنعًا لم ينه الرجال عن منعهن منه.
والحديث عام في النساء، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات: منها أن لا يتطيبن، وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي
стр. 5189
بعض الروايات "وليخرجن تَفِلات"، قال الحافظ: وهو بفتح المثناة، وكسر الفاء، أي غير متطيبات، ويقال: امرأة تفلة: إذا كانت متغيرة الريح، وهو عند أبي داود، وابن خزيمة من حديث أبي هريرة، وعند ابن حبان من حديث زيد بن خالد، وأوله: "لا تمنعوا إماء الله مساجد"، ومسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود ﵁: "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمسن طيبًا".
ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة، كحسن الملبس، والحلي الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.
وفرق كثير من الفقهاء المالكية، وغيرهم بين الشابة وغيرها، وفيه نظر، إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها؛ لأنها إذا عريت مما ذكر، وكانت مستترة حصل الأمن عليها, ولا سيما إذا كان ذلك بالليل.
وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد, وذلك في رواية حبيب ابن أبي ثابت، عن ابن عمر، بلفظ "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن"، أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية "أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك، قال: "قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في
стр. 5190
حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في
مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة". وإسناده حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود.
ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ﵂ -كما في صحيح البخاري- "لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن، كما منعت نساء بني إسرائيل".
وتمسك بعضهم بقول عائشة هذا في منع النساء مطلقًا، وفيه نظر، إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم؛ لأنها علقته على شرط، لم يوجد بناء على ظن ظنته، فقالت: "لو رأى لمنع"، فيقال عليه: لم ير، ولم يمنع، فاستمر الحكم، حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع.
وأيضًا فقد علم الله سبحانه ما سيُحْدِثْنَ، فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها، كالأسواق أولى.
وأيضًا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء، لا من جميعهن، فإن تعين المنع، فليكن لمن أحدثت، والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه من
стр. 5191
الفساد، فيجتنب، لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع الطيب والزينة، وكذلك التقييد بالليل، كما سبق. انتهى فتح جـ ٢ ص ٤٠٧.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد حصل من الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة، من طيب، أو حلي، أو زينة واجب على الرجال، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك، ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج، لقوله ﷺ : "أيما امرأة أصابت بَخُورًا فلا تشهدنَّ معنا العشاء الآخرة"، رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد. انتهى. "نيل" جـ ٤ ص ١٦.
وقال النووي ﵀: وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه، إذا كانت المرأة ذات زوج، أو سيد، ووجدت الشروط المذكورة، فإن لم يكن لها زوج، ولا سيد حرم المنع، إذا وجدت الشروط. انتهى. "شرح مسلم" جـ ٤ ص ١٦٢.
قال الجامع عفا الله عنه: تفريق النووي ﵀ بين ذوات الأزواج، وبين غيرهن لا وجه له؛ لأن النص جاء صريحًا في ذوات الأزواج، فالراجح ما تقدم للشوكاني، من التحريم مطلقًا، للنصر الصريح. والله أعلم.
стр. 5192
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في خروج النساء إلى المساجد:
قال العلامة المجتهد أبو محمد بن حزم ﵀: ولا يحل لولي المرأة، ولا لسيد الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد، إذا عرف أنهن يردن الصلاة، ولا يحل لهن أن يخرجن متطيبات، وفي ثياب حسان، فإن فعلت فليمنعها، وصلاتهن في الجماعة أفضل من صلاتهن منفردات.
قال: وقال أبو حنيفة ومالك: صلاتهن في بيوتهن أفضل. وكره أبو حنيفة خروجهن إلى المساجد لصلاة الجماعة، وللجمعة، وفي العيدين، ورخص للعجوز خاصة في العشاء الآخرة، والفجر، وقد روي عنه أنه لم يكره خروجهن في العيدين.
وقال مالك: لا نمنعهن من الخروج إلى المساجد، وأباح لِلْمُتَجالَّةِ -أي الكبيرة السنن- شهود العيدين، والاستسقاء، وقال: تخرج الشابة إلى المسجد المرة. بعد المرة، قال: والمتجالة تخرج إلى المسجد، ولا تكثر التردد.
ثم رد أبو محمد ﵀ على هؤلاء بما لا تجده في غير كتابه، فأجاد، وأفاد. انظر "المحلى" جـ ٣ ص ١٢٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو محمد رحمه الله تعالى
стр. 5193
حسن جدًا، إلا قوله: وصلاتهن في الجماعة أفضل، فإنه غير مُسَلَّم له، فإن صلاتهن في بيوتهن أفضل، لصحة الأحاديث بذلك:
فمنها: حديث أم حميد المتقدم، وهو حديث حسن، كما تقدم عن الحافظ.
ومنها: حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"، أخرجه أبو داود بإسناد صحيح. والمخدع -بضم الميم-: بيت صغير، يحرز فيه الشيء، وتثليث الميم لغة. قاله في المصباح.
ومنها: حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن". أخرجه أبو داود، وأحمد، والحاكم، والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه جماعة آخرون، لكن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلس. كما قال الشيخ الألباني. انظر "الإرواء" جـ ٢ ص ٢٩٣ - ٢٩٤.
قال الجامع: لكنه ينجبر بالأحاديث المذكورة.
وبالجملة فأحاديث الباب صحيحة، فتضعيف ابن حزم لها، وكذا دعواه النسخ فيها على تقدير ثبوتها، مما لا يلتفت إليه.
стр. 5194
والحاصل أن الأرجح من الأقوال المذكورة في هذا الباب قول من قال بوجوب إذن الرجل لامرأته إذا طلبت منه الخروج إلى المساجد، إذا كان على الوجه المشروع لها، بأن لا تتطيب، ولا تتزين، ونحو ذلك، ولكن الأفضل لها أن تصلي في بيتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5195
١٦ - مَنْ يُمْنَعُ مِنَ الَمسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الشخص الذي يمنع دخول المسجد.
فمن اسم موصول، و"يمنع" بالبناء للمفعول، والجار والمجرور متعلق به. ويحتمل أن تكون "من" استفهامية مبتدأ، والجملة بعدها
خبر، أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب من سأل قائلًا: أيُّ شخص يُمْنَعُ من المسْجد؟ والله تعالى أعلم.
٧٠٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ"، قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ: "الثُّومِ"، ثُمَّ قَالَ: "الثُّومِ، وَالْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت، من [١١] تقدم في ٧٢/ ٨٨.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
стр. 5196
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلس ويرسل، من [٦] تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح المكي، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال، من [٣] تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود.
ومنها: أنه ليس في الكتب الستة من يسمى إسحاق بن منصور، إلا الكوسج هذا، وإلا إسحاق منصور السَّلُولِيُّ من الطبقة (٩).
ومنها: أن فيها جابرًا أحد المكثرين من الصحابة ﵃، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) عبد الله ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل) شرطية مبتدأ، جوابها قوله "فلا يقربنا". قال ابن بطال: هذا يدل على إباحة أكل الثوم؛ لأن قوله: "من أكل" لفظ إباحة. وتعقبه ابن المُنَيِّر بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود، لا
стр. 5197
الحكم. أي من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحًا، أو غير مباح.
قال الجامع: لكن قد جاء ما يدل على عدم تحريمها، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: لم نَعْدُ أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحاب رسول الله ﷺ في تلك البَقْلَة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول الله ﷺ الريح، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يَقْرَبَنَّا في المسجد"، فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها". انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٥ ص ٥٠ - ٥١.
(من هذه الشجرة) واحدة الشجر، وهو ماله ساق صُلْب يقوم به، كالنخل وغيره، ويجمع أيضًا على شَجَرات، وأشجار. قاله في المصباحُ.
وقال في الفتح: وفي قوله: "الشجرة" مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبتت له أرومة، أي أصل في الأرض يخلف ما قطع منه، فهو شجر، وإلا فنجم.
стр. 5198
وقال الخطابي: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم، والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل شجر نخل، من غير
عكس. انتهى. فتح جـ ٢ ص ٣٩٦.
(قال أوَّلَ يوم: الثوم، ثم قال: الثوم، والبصل، والكراث) وفاعل "قال" ضمير عطاء، كما بينه أبو نعيم في مستخرجه من طريق رَوْح بن عبادة، عن ابن جريج، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: "الثوم، والبصل، والكراث". أفاده في الفتح.
وحاصل المعنى أن عطاء قال في أول يوم تحديثه بهذا الحديث: "من أكل من هذه الشجرة، الثوم"، ثم قال حين حدث بعد ذلك: "من أكل من هذه الشجرة: الثوم والبصل والكراث"، فزاد البصل والكراث.
فقوله: "أول" منصوب على الظرفية متعلق بقال، وقوله: "الثوم" مقول القول، ولفظه مجرور على الحكاية، فإنه في الأصل بدل من الشجرة.
والثُّومُ -بضم المثلثة، واحدته: ثُومَة. والبَصَلُ- بفتح الباء الموحدة، والصاد المهملة، واحدته بَصَلَة. والكُراَّث، بضم الكاف
стр. 5199
وفتحها وتشديد الراء، وزان رُمَّان، وكَتَّان. كما في "ق".
(فلا يقربنا) بفتح الراء وضمها، يقال: قَرِبْتُ الأمرَ، أقرَبُهُ، من باب تعب، وفي لغة من باب قتل، قرْبانًا، بالكسر: فَعَلْتُهُ، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني قولك: لا تَقْرَب الحِمَى، أي لا تَدْنُ منه. ومنه هذا الحديث، أي لا يَدْنُ منا.
فالفعل على هذا متعد، فَنَا في قوله: "يقربنا" في محل نصب مفعوله.
وأما قَرُبَ -بضم الراء، فلازم، ويتعدى بمن، يقال: قَرُب الشيء منا. كما تفيده عبارة المصباح.
(في مساجدنا) متعلق بيقرب، وهو بصيغة الجمع عند المصنف هنا، وفي "الكبرى" وفي رواية لمسلم "فلا يأتين المساجد"، ووقع في بعض روايات الشيخين "مسجدنا" بالإفراد.
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تعلق به بعضهم في أن هذا النهي مخصوص بمسجد الرسول ﷺ ، وربما يتأكد ذلك بأنه كان مهبط الملك بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عام، لما جاء في بعض الروايات "مساجدنا"، ويكون "مسجدنا" للجنس، أو لضرب المثال، فإن هذا النهي معلل: إما بتأذي الآدميين، أو بتأذي
стр. 5200
الملائكة الحاضرين، وذلك يوجد في المساجد كلها. انظر العمدة بنسخة الحاشية جـ ٢ ص ٥١٤.
ثم بين علة النهي، فقال: (فإِن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإِنس) الفاء للتعليل، أي لأن الملائكة. . . إلخ، أي إن سبب النهي عن الدُّنُوِّ من المسجد تأذي الملائكة برائحة تلك الشجرة. وفي رواية لمسلم "فلا يقربَنَّ مسجدنا, ولا يؤذِيَنَّا بريح الثوم". فدل أن تأذي الآدميين سبب للنهي أيضًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (١٦/ ٧٠٧)، وفي "الكبرى" (١٦/ ٧٨٦) عن إسحاق ابن منصور، عن يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه.
وفي الوليمة من "الكبرى" عن إسحاق بن منصور به. وعن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، به. وأخرجه من طريق ابن شهاب، عن عطاء، في الوليمة أيضًا: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عنه، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
стр. 5201
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" (٢١١/ ٢) عن عبد الله بن محمد، عن أبي عاصم، عن ابن جريج به. وأخرجه البخاري أيضًا من رواية ابن شهاب، عن عطاء في "الأطعمة" (٤٩/ ٢) عن علي بن عبد الله، عن أبي صفوان عبد الله بن سعيد، عن يونس، عنه به، وفي "الصلاة" (٣١١/ ٣) عن سعيد بن عفير، وفي "الاعتصام" (٢٥/ ٥) عن أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن وهب عن يونس، به.
ولفظه في الصلاة: عن ابن شهاب، زعم عطاء، أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي ﷺ قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا، فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مساجدنا, وليقعد في بيته"، وأن النبي ﷺ أتي بقِدْر فيه خَضِرَات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل؟ فأخبر بما فيها من البقول، فقال: "قربوها- إلى بعض أصحابه، كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: "كل، فإني أناجي من لا تناجي".
قال الجامع: هذا فيه تصريح في كونها حلالًا. والله أعلم.
وأخرج له مسلم فيه عن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بكر، وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، ثلاثتهم عن ابن جريج به، ومن رواية ابن شهاب عن عطاء عن أبي الطاهر، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، به.
стр. 5202
وأبو داود في الأطعمة (٤١/ ١) عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، به.
والترمذي في الأطعمة (١٣/ ١) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى، به.
وأخرجه من رواية ابن شهاب، عن عطاء: البخاري ومسلم والنسائي.
وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٣ ص ٣٨٠، ٣٩٧، ٤٠٠، وابن خزيمة رقم ١٦٦٤، و ١٦٦٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن الشخص الذي يمنع من دخول المسجد هو الذي أكل من هذه البقول، فلا يجوز له أن يدخل
المسجد حتى يذهب ريحها.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: هذا صريح بنهي من أكل الثوم، ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض ﵀ عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي ﷺ ، لقوله ﷺ في بعض روايات مسلم "فلا يقربن مسجدنا". وحجة الجمهور "فلا يقربن المساجد". انتهى. جـ ٥ ص ٤٨.
стр. 5203
ووقع في صحيح البخاري من رواية أنس ﵁ "من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، أو لا يصلين معنا".
قال في "الفتح": وليس في هذا تقييد النهي بالمسجد، فيستدل بعمومه على إلحاق المجامع بالمساجد، كمصلى العيد، والجنازة، ومكان الوليمة، وقد ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسك بهذا العموم أولى، ونظيره رواية "وليقعد في بيته".
لكن قد علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد، وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعم النهي كل مجمع كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم "من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا في المسجد".
قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها، ومن ثَمَّ رُدَّ على المازري حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ماله رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم؛ لأن المنع لم يختص بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئًا من ذلك، ودخل المسجد مطلقًا، ولو كان وحده.
ومنها: أن بعضهم استدل به على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث صريح في
стр. 5204
التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور، واللازم عن ذلك أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان، أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمة على إباحة أكلها, لقوله ﵇ "ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه"، ولأنه علل بشيء يختص به، وهو قوله ﵇ "فإني أناجي من لا تناجي"، ويلزم من هذا أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان.
وتقريره أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة الجماعة، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي الوجوب. انتهى. "إِحْكَام الأَحكام" جـ ٢ ص ٥١٢ - ٥١٣.
قال الجامع عفا الله عنه: قد رد بعض المحققين هذا التقرير، فقال: ليس هذا التقرير بجيد، والصواب أن أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين، كما أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدم بين يديه مع كون ذلك مباحًا.
وخلاصة الكلام أن الله سبحانه يسر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعية، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلة لترك الجماعة حرم عليه ذلك. والله أعلم.
стр. 5205
قال الجامع: هذا تحقيق حسن جدًّا. والله أعلم.
ومنها: أن ابن دقيق العيد قال: ونقل عن أهل الظاهر، أو بعضهم تحريم أكل الثوم بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبة على الأعيان، ولا تتم إلا بترك أكل الثوم، لهذا الحديث، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فترك أكل الثوم واجب. انتهى. عمدة.
قال في "الفتح": وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفصل عن اللزوم المذكور بأن المنع من أكلها مختص بمن علم بخروج الوقت قبل زوال الرائحة. ونظيره أن صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يحرم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٠.
قال الجامع: ما قاله ابن حزم ﵀ هو الصواب، لموافقته للنصوص المتقدمة.
وحاصله أن صلاة الجماعة فرض عين، وأن أكل هذه الأشياء مباح، وأنه يسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة، حتى تزول رائحتها.
فتبين بهذا أن قول الخطابي: توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله، إذ حرم فضل الجماعة. انتهى. غير صحيح، بل الصواب أنه عذر في الخلف لظاهر
стр. 5206
النص؛ لأن من فعل ما أبيح له لا يعاقب على فعله، فتنبه. والله أعلم.
ومنها: أنه اختلف هل كان أكل الثوم ونحوه حرامًا على النبي ﷺ وسلم أولًا؟ والراجح الحل لعموم قوله ﷺ : "وليس بمحرم". كما رواه ابن خزيمة من حديث أبي أيوب ﵁. قاله في الفتح.
ومنها: أنه نقل ابن التين عن مالك، قال: الفُجْل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم، وقيده عياض بالجشاء.
قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير عن جابر التنصيص على ذكر الفجل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف.
وألحق بعضهم بذلك من بفيه بَخَرٌ، أو به جرح له رائحة. وزاد بعضهم، فألحق أصحاب الصنائع كالسَّمَّاك، والعاهات كالمجذوم، ومن يؤدي الناس بلسانه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرضي. انتهى. "فتح" جـ ٢ ص ٤٠٠.
قال الجامع: الحق ما قاله ابن دقيق العيد ﵀، فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأن هذه الأشياء كانت موجودة في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يرد النص بنهي أصحابها عن دخول المسجد، مع وجود الحاجة إلى بيانها. والله أعلم.
стр. 5207
فائدة:
قال الحافظ ﵀: حكم رحبة المسجد، وما قرب منها حكمه، ولذلك كان ﷺ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع، كما ثبت في مسلم عن عمر ﵁. ويأتي للمصنف في الباب التالي.
تنبية:
وقع في حديث حذيفة عند ابن خزيمة: "من أكل من هذه البقلة الخبيثة، فلا يقربن مسجدنا، ثلاثًا". وبوب عليه "توقيت النهي عن إتيان الجماعة لآكل الثوم". قال الحافظ: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون قوله "ثلاثًا" يتعلق بالقول، أي قال ذلك ثلاثًا، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجود الرائحة، وهي لا تستمر هذه المدة. انتهى. فتح جـ ٢ ص ٤٠٠.
قال الجامع: ما قاله الحافظ ﵀ حسن جدًّا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5208
١٧ - مَنْ يُخْرَجُ مِنَ الَمْسجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الشخص الذي يستحق أن يخرج من المسجد، لكونه أحل بحرمته، حيث فعل ما لا يليق به، من أكله ماله رائحة كريهة. والله تعالى أعلم.
٧٠٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: "إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ مَا أُرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ، هَذَا الْبَصَلُ وَالثُّومُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
стр. 5209
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، ثقة ثبت، من [٧] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة حجة، من [٤] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي الغطفاني الكوفي، ثقة يرسل كثيرًا، من [٣] تقدم في ٦١/ ٧٧.
٦ - (معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة الكناني اليَعْمَرِي، بفتح التحتانية والميم، بينهما مهملة، شامي، ثقة، من [٢].
قال ابن معين: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة، وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره ابن سعد، ومسلم، وخليفة في الطبقة الأولى من أهل الشام. أخرج له الجماعة إلا البخاري.
٧ - (عمر بن الخطاب) العدوي الخليفة الثاني ﵁، تقدم في ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا معدان، فما أخرج له البخاري.
стр. 5210
ومنها: أن الثلاثة الأولين بصريون، وسالمًا كوفي، ومعدان شامي، وعمر ﵁ مدني.
ومنها: أن شيخه من مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، قتادة، عن سالم، عن معدان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معدان بن أبي طلحة) الكناني الشامي (أن عمر بن الخطاب) ﵁ (قال) أي في خطبة الجمعة.
وحديث عمر ﵁ هذا حديث طويل مشتمل على أشياء، منها قصة البصل والثوم، فأخرجها المصنف هنا، وفي الوليمة من "الكبرى" ومنها قصة الكلالة، فأخرجها في التفسير من الكبرى.
وقد ساقه مسلم رحمه الله تعالى بطوله في كتاب الصلاة من صحيحه, فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فذكر نبي الله ﷺ ، وذكر أبا بكر، قال: إني رأيت كأن ديكًا نَقَرَنِي ثلاث نَقَرات، وإني لا أرَاه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه ﷺ ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شُورَى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ ،
стр. 5211
وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك، فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال.
ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه, حتى طعن باصبعه في صدري، فقال: "يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء"، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن، ومن لا يقرأ القرآن.
ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم، ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم، وسنة نبيهم ﷺ ، ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم.
ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أرَاهُما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا". صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٥ ص ٥١ - ٥٤.
(إِنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين) وقد تقدم في الباب الماضي أن الشجر عند أكثر أهل اللغة اسم لما له ساق، وأما ما لا ساق له فهو النجم، لكن جعل بعض أهل اللغة الشجر أعم، وهو الراجح، ويؤيده هذا الحديث، والحديث المتقدم "من أكل من هذه الشجرة،
стр. 5212
فلا يقربنا".
(ما أراهما) ولمسلم "لا أراهما"، أي لا أعتقدهما (إِلا خبيثتين) قال النووي ﵀: سماهما خبيثتين، لقبح رائحتهما، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب: المكروه من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى شرح مسلم جـ ٥ ص ٥٠.
(هذا البصل، والثوم) مبتدأ وخبر، بيان للشجرتين.
(ولقد رأيت نبي الله ﷺ إِذا وجد ريحهما من الرجل) ولمسلم زيادة "في المسجد" (أمر به) أي بإخراج ذلك الرجل (فأخرج إِلى البقيع) على بناء الفعل للمفعول، أي تأديبًا له على ما فعل من الدخول في المسجد مع الرائحة الكريهة. قاله السندي.
قال النووي ﵀: هذا فيه إخراج من وجد منه ريح الثوم، والبصل، ونحوهما من المسجد، وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه. انتهى.
وفيه أيضًا أن رحبة المسجد له حكم المسجد، حيث إنه لم يخرج إليه، بل أمر بإبعاده إلى البقيع. وقد تقدم هذا في الباب الماضي.
(فمن أكلهما) أي من أراد أكل البصل، والثوم (فليمتهما طبخًا) أي ليزل رائحتهما الكريهة بالطبخ، وإماتة كل شيء: كسر حدته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجها بالماء، وكسر حدتها. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان.
стр. 5213
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٧/ ٧٠٨)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٧٨٧) عن محمد ابن المثنى، عن يحيى القطان، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عنه.
و"التفسير"، من "الكبرى" (١١١/ ١١١٣٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، به.
وفي أبواب الأطعمة منه (٣٦/ ٦٦٨٢) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، به. و (٦٦٧٣) عن سليمان بن منصور، عن أبي الأحوص، عن حصين، و (٦٦٨٤) عن قتيبة، عن جرير، عن منصور كلاهما عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عمر به، رفعه حصين، ووقفه منصور، ولم يذكرا معدان. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الفرائض" (٣/ ٦) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، وفيه، وفي "الصلاة" (٧٠/ ١١)، عن محمد بن المثنى،
стр. 5214
كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي.
وفي "الفرائض" (٣/ ٧)، و"الصلاة" (٧٠/ ١٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، وفي الفرائض (٣/ ٧)، و"الصلاة" (٧٠/ ١٢)، عن إسحاق بن إبراهيم، وزهير بن حرب، وفي "الفرائض" (٣/ ٧) عن محمد بن رافع, ثلاثتهم عن شبابة ابن سوار، عن شعبة، ثلاثتهم عن قتادة، عن سالم ابن أبي الجعد، عن معدان، عن عمر ﵁. ذكره في الصلاة بتمامه عن محمد ابن المثنى، ثم ذكر ما بعد ذلك من الأسانيد حوالة على حديثه، وذكر منه في الفرائض قصة الكلالة، ومن أوله إلى قوله: "أبا بكر" عن المقدمي، ومحمد بن المثنى؛ ثم ذكر ما بعد ذلك من الأسانيد حوالة على حديثهما.
وأخرج ابن ماجه قصة الكلالة في الفرائض (٥/ ١) وقصة البصل، والثوم في "الأطعمة" (٥٩/ ١) وفي الصلاة أيضًا (٥٨/ ١٠١٤) جميعًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به.
وأخرجه الحميدي في مسنده رقم (١٠ و ٢٩)، وأحمد (١/ ١٥، ١/ ٢٦، ٢٧، ٤٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" رقم ١٦٦٦.
المسألة الرابعة: قال النووي ﵀: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث
стр. 5215
ثلاثة حفاظ، وهم منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، فرووه عن سالم، عن عمر منقطعًا، لم يذكروا فيه معدان.
قال الدارقطني: وقتادة، وإن كان ثقة، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه مدلس، ولم يذكر سماعه من سالم، فأشبه أن يكون بلغه عن
سالم، فرواه عنه.
قال النووي ﵀: قلت: هذا الاستدراك مردود؛ لأن قتادة، وإن كان مدلسًا فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلسين، وعنعنوه، فهو محمول على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلس هذا الحديث ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا، أو كثير منه يذكر مسلم، وغيره سماعه من طريق آخر متصلًا به.
وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته، ولا شك عندنا في أن مسلمًا رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يحتج به، ومع هذا كله، فتدليسه لا يلزم منه أن يذكر معدانًا من غير أن يكون له ذكر، والذي يخاف من المدلس أن يحذف بعض الرواة أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذكر معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها.
والعجب من الدارقطني رحمه الله تعالى في كونه جعل التدليس
стр. 5216
موجبًا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية. والله أعلم. انتهى شرح مسلم جـ ٥ ص ٥١ - ٥٢.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما رد به النووي على الدارقطني أمران:
أحدهما: أن ما كان في الصحيحين معنعنًا عن طريق المدلسين محمول على السماع.
والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها.
قال الجامع: وعلى تقدير صحة كونه منه -كما زعم الدارقطني- يقال: إن هذا مما لم يدلس فيه قتادة قطعًا؛ لأنه رواه شعبة عنه، وقد عرف أن شعبة لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، فقد نقل عنه أنه قال: كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: حدثنا وسمعت، حفظته، وإذا قال: حدث فلان، تركته. وقال أيضًا: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.
وقلت في منظومتي المسماة "الجوهر النفيس، في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس" في الرد على من زعم تدليس شعبة:
стр. 5217
وَكيْفَ لا وَقَدْ كَفَاَنَا عَلَنَا … مِنْ شَرِّ تَدْلِيس ثَلاثَةٍ لَنَا
قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبِيعِي الأعْمَشِ … فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلا تفَتِّشِ
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيَّدَةُ … إِذَا أتَتْ لَنَا مِنْهُمْ رِوَايَةُ
أيْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ مُعَنْعَنَهْ … مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاع آمِنَهْ
والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان من يستحق أن يُخْرَجَ مِن المسجد، وهو الذي أكل بصلًا، أو ثومًا، ووجدت منه الرائحة الكريهة.
ومنها: أن كون الشيء خبيثًا لا يستلزم تحريمه، بل العكس هو اللازم، فكل محرم خبيث، ولا عكس، ففي هذا الحديث سَمَّى عمر ﵁ البصل والثوم شجرتين خبيثتين، مع حل أكلهما، وقد ثبت هذا مرفوعًا، ففي صحيح مسلم ﵀ عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: لم نَعدُ أنْ فُتحَتْ خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول الله ﷺ في تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رُحْنَا إلى المسجد، فوجد رسول الله ﷺ الريح، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يقرَبَنَّا في المسجد" فقال الناس: حُرِّمَتْ، حُرِّمت، فبلغ ذاك النبي ﷺ ، فقال: "أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها".
стр. 5218
فهذا نص في كونها حلالًا، مع كونها خبيثة، فيستفاد منه أن التحريم لا يكون إلا بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يتسارع في الحكم على الشيء بالحرمة بمجرد أن تستخبثه نفسه، إلا بدليل شرعي. والله أعلم.
ومنها: أن رحبة المسجد له حكم المسجد -كما تقدم عن الحافظ- حيث لم يكتف النبي ﷺ بإخراجه إليه، بل أبعده إلى البقيع.
ومنها: أن إزالة المنكر تكون باليد لمن أمكنه.
ومنها: أن من أراد أكل الثوم ونحوه، ممن يحضر المسجد، فليكسر حِدَّةَ رائحته بالطبخ، وهو معنى قوله: "فليمتهما طبخًا". والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 5219
١٨ - ضَرْبُ الْخبَاءِ فِي الَمسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على جواز ضرب الخباء في المسجد للاعتكاف ونحوه.
والخِبَاءُ: -بالكسر- وزان كِسَاء: ما يُعْمَلُ من وَبَر، أو صوف، وقد يكون من شعر، والجمعَ أخْبِيَةٌ، بغير همز، مثل كساء، وأكْسِيَةٍ، ويكون على عمودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. أفاده الفيومي.
٧٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ، وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ، فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهَا، أَمَرَتْ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "آلْبِرَّ تُرِدْنَ"، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.
стр. 5220
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (أبو داود) سليمان بن سَيْفَ بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم الحرّاني، ثقة حافظ، من [١١] توفي سنة ٢٧٢، تقدم في ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين، توفي سنة بضع و٢٠٠، من كبار [٩] أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٤، من [٥] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة، من [٣] توفيت قبل سنة ١٠٠ أو بعدها، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
٥ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فإنه من أفراده، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فحراني، ويعلى، فكوفي.
следующие страницы →