← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

موجبًا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية. والله أعلم. انتهى شرح مسلم جـ ٥ ص ٥١ - ٥٢. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما رد به النووي على الدارقطني أمران: أحدهما: أن ما كان في الصحيحين معنعنًا عن طريق المدلسين محمول على السماع. والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها. قال الجامع: وعلى تقدير صحة كونه منه -كما زعم الدارقطني- يقال: إن هذا مما لم يدلس فيه قتادة قطعًا؛ لأنه رواه شعبة عنه، وقد عرف أن شعبة لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، فقد نقل عنه أنه قال: كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: حدثنا وسمعت، حفظته، وإذا قال: حدث فلان، تركته. وقال أيضًا: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة. وقلت في منظومتي المسماة "الجوهر النفيس، في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس" في الرد على من زعم تدليس شعبة:

стр. 5217

وَكيْفَ لا وَقَدْ كَفَاَنَا عَلَنَا … مِنْ شَرِّ تَدْلِيس ثَلاثَةٍ لَنَا قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبِيعِي الأعْمَشِ … فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلا تفَتِّشِ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيَّدَةُ … إِذَا أتَتْ لَنَا مِنْهُمْ رِوَايَةُ أيْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ مُعَنْعَنَهْ … مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاع آمِنَهْ والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان من يستحق أن يُخْرَجَ مِن المسجد، وهو الذي أكل بصلًا، أو ثومًا، ووجدت منه الرائحة الكريهة. ومنها: أن كون الشيء خبيثًا لا يستلزم تحريمه، بل العكس هو اللازم، فكل محرم خبيث، ولا عكس، ففي هذا الحديث سَمَّى عمر ﵁ البصل والثوم شجرتين خبيثتين، مع حل أكلهما، وقد ثبت هذا مرفوعًا، ففي صحيح مسلم ﵀ عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: لم نَعدُ أنْ فُتحَتْ خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول الله ﷺ في تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رُحْنَا إلى المسجد، فوجد رسول الله ﷺ الريح، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يقرَبَنَّا في المسجد" فقال الناس: حُرِّمَتْ، حُرِّمت، فبلغ ذاك النبي ﷺ ، فقال: "أيها الناس، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها".

стр. 5218

فهذا نص في كونها حلالًا، مع كونها خبيثة، فيستفاد منه أن التحريم لا يكون إلا بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يتسارع في الحكم على الشيء بالحرمة بمجرد أن تستخبثه نفسه، إلا بدليل شرعي. والله أعلم. ومنها: أن رحبة المسجد له حكم المسجد -كما تقدم عن الحافظ- حيث لم يكتف النبي ﷺ بإخراجه إليه، بل أبعده إلى البقيع. ومنها: أن إزالة المنكر تكون باليد لمن أمكنه. ومنها: أن من أراد أكل الثوم ونحوه، ممن يحضر المسجد، فليكسر حِدَّةَ رائحته بالطبخ، وهو معنى قوله: "فليمتهما طبخًا". والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5219

١٨ - ضَرْبُ الْخبَاءِ فِي الَمسَاجِدِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على جواز ضرب الخباء في المسجد للاعتكاف ونحوه. والخِبَاءُ: -بالكسر- وزان كِسَاء: ما يُعْمَلُ من وَبَر، أو صوف، وقد يكون من شعر، والجمعَ أخْبِيَةٌ، بغير همز، مثل كساء، وأكْسِيَةٍ، ويكون على عمودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. أفاده الفيومي. ٧٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَ فَضُرِبَ لَهُ خِبَاءٌ، وَأَمَرَتْ حَفْصَةُ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ، فَلَمَّا رَأَتْ زَيْنَبُ خِبَاءَهَا، أَمَرَتْ فَضُرِبَ لَهَا خِبَاءٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "آلْبِرَّ تُرِدْنَ"، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.

стр. 5220

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (أبو داود) سليمان بن سَيْفَ بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم الحرّاني، ثقة حافظ، من [١١] توفي سنة ٢٧٢، تقدم في ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين، توفي سنة بضع و٢٠٠، من كبار [٩] أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/ ١٤٠. ٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٤، من [٥] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٢/ ٢٣. ٤ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة، من [٣] توفيت قبل سنة ١٠٠ أو بعدها، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣. ٥ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق ﵄، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فإنه من أفراده، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فحراني، ويعلى، فكوفي.

стр. 5221

ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعية, يحيى عن عمرة. ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠). ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء، وكلها من صيغ الاتصال على الأصح. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمرة) وفي رواية الأوزاعي عند البخاري في أواخر الاعتكاف، عن يحيى بن سعيد "حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن" (عن عائشة) ﵂، وفي رواية أبي عوانة، من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة "حدثتني عائشة". قاله في الفتح. أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ إِذا أراد يعتكف) الاعتكاف في اللغة: هو الحبس، واللزوم، والمكث، والاستقامة، والاستدارة. وفي الشرع: هو المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة. قاله في "النيل" جـ ٥ ص ٣٥٦. (صلى الصبح، ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه) قال السندي رحمه الله تعالى: ظاهره أن المعتكف يشرع في الاعتكاف بعد صلاة الصبح، ومذهب الجمهور أنه يشرع من ليلة الحادي والعشرين، وقد أخذ بظاهر الحديث قوم، إلا أنهم حملوه على أنه

стр. 5222

يشرع من صبح الحادي والعشرين، فرد عليهم الجمهور بأن المعلوم أنه كان ﷺ يعتكف العشر الأواخر، ويحث أصحابه عليه، وعدد العشر عدد الليالي، فيدخل فيها الليلة الأولى، وإلا لا يتم هذا العدد أصلًا، وأيضًا من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر، وهي تكون ليلة الحادي والعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد، فينبغي له أن يكون معتكفًا فيها, لا أن يعتكف بعدها. وأجاب النووي عن الجمهور بتأويل الحديث أنه دخل المعتكف، وانقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفًا، لابثًا في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. انتهى. ولا يخفى أن قولها "كان إذا أراد أن يعتكف" يفيد أنه كان يدخل المعتكف حين يريد الاعتكاف، لا أنه يدخل فيه بعد الشروع في الاعتكاف، وعلى هذا التأويل لم يكن بيانًا لكيفية الشروع، ثم لازم هذا التأويل أن يقال: السنة للمعتكف أن يلبث أول ليلة في المسجد، ولا يدخل في المعتكف، وإنما يدخل فيه من الصبح، وإلا يلزم ترك العمل بالحديث، وعند تركه لا حاجة إلى التأويل، والجمهور لا يقولون بهذا السنة، فيلزمهم ترك العمل بالحديث. وأجاب القاضي أبو يعلى من الحنابلة يحمل الحديث على أنه كان يفعل ذلك في يوم العشرين، ليستظهر ببعض يوم زيادة قبل يوم العشر.

стр. 5223

قال السندي: وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب، فهو أولى، وبالاعتماد أحرى. بقي أنه يلزم منه أن يكون السنة الشروع في الاعتكاف من صبح العشرين استظهارًا باليوم الأول، ولا بعد في التزامه، وكلام الجمهور لا ينافيه، فإنهم ما تعرضوا له إثباتًا، ولا نفيًا، وإنما تعرضوا للدخول ليلة الحادي والعشرين، وهو حاصل، غاية الأمران قواعدهم تقتضي أن يكون هذا الأمر سنة عندهم، فلنقل به، وعدم التعرض ليس دليلًا على العدم، ومثل هذا الإيراد يرد على جواب النووي، مع ظهور مخالفته للحديث. انتهى كلام السندي ﵀ جـ ٢ ص ٤٤ - ٤٥. وذكر في "المنهل" ما حاصله: استدل به على أن أول وقت الاعتكاف من أول النهار، وبه قال الأوزاعي، والليث، والثوري. وذهب جماعة منهم الأئمة الأربعة إلى أنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس، لما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: "من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر". قالوا: فإن العشر بدون هاء عدد الليالي، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]، وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين. وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﷺ دخل المسجد أول الليل، ولكنه لم

стр. 5224

يخل بنفسه في المكان الذي أعده للاعتكاف إلا بعد صلاة الصبح، وإنما لم يدخله ليلًا؛ لأن الدخول فيه للخلوة، والليل وقت خلوة بنفسه، فلم يحتج فيه إلى الخلوة. المنهل جـ ١٠ ص ٢٣١. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أن الاعتكاف يكون من أول الليل، ولا ينافيه حديث الباب، لإمكان الجمع بحمله على أن المراد خلوته في المكان المعدّ بعد الصبح، فلا ينافي أنه دخل المسجد أول الليل. وحاصل المسألة: أن من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان يدخل المسجد من أول ليلة الحادي والعشرين، كما يدل عليه حديث "كان يعتكف العشر الأواخر"، إذ المراد بها عدد الليالي، كما تقدم، ثم إذا صلى الصبح دخل المكان الذي أعَدَّهُ ليخلو فيه، كما دل عليه "ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه". فحصل الجمع بين الحديثين. وأما ما ادعاه السندي من أن هذا التأويل يخالف الحديث فغير صحيح، بل هو أقرب من تأويله بزيادة يوم قبل العشر، إذ هو يستلزم اعتكاف إحدى عشرة، ومخالفة هذا للحديث أظهر مما ادعاه. فتبصر. والله أعلم. (فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فأمر) بالبناء للفاعل، أي أمر بضرب خبائه الذي يعتكف فيه، ففيه حذف معمول "أمر"، ولفظ أبي داود "فأمر ببنائه" (فضرب له خباء) تقدم ضبط الخباء، ومعناه أول الباب، وقد بين في رواية البخاري أنها هي التي

стр. 5225

ضربت الخباء، ولفظه "فكنت أضرب له خباء، فيصلي الصبح، ثم يدخله". (وأمرت حفصة، فضرب لها خباء) وذلك بعد أن رأت ضرب قبة عائشة، وبعد أن استأذنت هي لها، ففي رواية للمصنف في الاعتكاف من الكبرى من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري "فاستأذنته -يعني عائشة- فأذن لها، فسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت زينب بنت جحش، أمرت ببنائها، فبني". وفيه من طريق ابن عيينة، عن يحيى "فاستأذنته عائشة، فأذن لها، ثم استاذنته حفصة، فأذن لها، وكانت زينب لم تكن استأذنته، فسمعت بذلك، فاستأذنت. . .". وللبخاري من طريق الأوزاعي "فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبتها"، وفي رواية "وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت زينب بنت جحش أمرت ببناء، فبني لها". (فلما رأت زينب) بنت جحش أم المؤمنين ﵂ (خباءها) أي خباء حفصة ﵂ (أمرت، فضرب لها خباء) وإنما فعلت ذلك غَيْرَةً، ففي رواية عمرو بن الحارث "فلما رأت زينب ضربت معهن، وكانت امرأة غيورًا".

стр. 5226

قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أقف في شيء من الطرق أن زينب استأذنت، وكان هذا هو أحد ما بعث على الإنكار الآتي. انتهى. فتح جـ ٤ ص ٣٢٤. قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الحافظ نظر؛ لأنه قد تقدم في رواية المصنف في الكبرى من طريق ابن عيينة: أنها استأذنت. فتنبه. (فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ ) وفي الكبرى من رواية الأوزاعي "وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية، فقال: ما هذا؟ فقالوا: بناء عائشة، وحفصة، وزينب". وله من رواية ابن عيينة "وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح أتى معتكفه، فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية، قال: لا لمن هذه؟ " قالوا: لعائشة، وحفصة، وزينب". والمراد بالأربعة: قبتة، والثلاثة لهن. ووقع في رواية أبي معاوية عند مسلم، وأبي داود "فأمرت زينب بخبائها، فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائها، فضرب". وهذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك، وليس كذلك، بل هو مفسر بما تقدم من الروايات، فالمراد أزواجه الثلاث. أفاده الحافظ ﵀. (قال: آلبر تردن) بهمزة الاستفهام الإنكاري، ممدودة، وبغير

стр. 5227

مد، ونصب البر على أنه مفعول مقدم لتردن، بخطاب جمع المؤنث، والبر: الطاعة، والعبادة، أي ما أردتن البر بهذا العمل، وإنما أردتن قضاء مقتضى المغيرة. ووقع في بعض النسخ النظامية "يردن" بالياء، ونحوه في الاعتكاف من الكبرى ولفظه "آلبر يردن بهذا؟ ". ووقع في البخاري "آلبر تُرَون بهن" بضم أوله، أي تظنون، وفي رواية له: "آلبر تقولون بهن" أي تظنون، والقول يطلق على الظن. (فلم يعتكف في رمضان، واعتكف عشرًا من شوال) وفي الاعتكاف من الكبرى من طريق سفيان "فلم يعتكف في ذلك العشر، واعتكف في العشر من شوال"، وفيه من طريق الأوزاعي "ما أنا بمعتكف، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال". وفي رواية أبي معاوية عند البخاري "فأمر بخبائه، فقُوِّضَ"، وهو بضم القاف، وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة، أي نُقِضَ. وكأنه ﷺ خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة، والتنافس الناشئ عن المغيرة، حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لَمَّا أذن لعائشة وحفصة أوَّلًا كان ذلك خفيفًا بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر، من توارد بقية النسوة على ذلك، فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة

стр. 5228

عنده يصيره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف. قاله في الفتح جـ ٤ ص ٣٢٤. (واعتكف عشرًا من شوال) لم يبين العشر في هذه الرواية, ووقع عند الشيخين من رواية أبي معاوية، عن يحيى "فلم يعتكف في رمضان، حتى اعتكف في العشر الأُوَلِ من شوال"، وعند البخاري من رواية ابن فضيل "فلم يعتكف في رمضان، حتى اعتكف في آخر العشر من شوال". وجمع في "الفتح" بين الروايتين، بأن المراد بقوله "آخر العشر من شوال" انتهاء اعتكافه. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٧/ ٧٠٩)، و"الكبرى" (١٨/ ٧٨٨) عن أبي داود الحرَّاني، عن يعلي بن عبيد، عن يحيى الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة ﵂، وفي "الاعتكاف" من "الكبرى" (٢/ ٣٣٤٥) عن أحمد بن سليمان الرهاوي، عن مسكين بن بكير، عن الأوزاعي،

стр. 5229

عن يحيى، به. وفي. (٥٣٣٤٧) منه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن يحيى، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الصوم" عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وعن محمد بن سلام، عن محمد بن فضيل، وعن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، وعن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، وعن سلمة بن شبيب، عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، وعن عمرو بن سوَّاد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وعن محمد بن رافع، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ويعلي بن عبيد، عشرتهم عن يحيى بن سعيد، به. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد، عن أبي معاوية، به. وقال: رواه الأوزاعي، وسفيان الثوري، عن يحيى هكذا. ورواه مالك،

стр. 5230

وغير واحد، عن يحيى، مرسلًا. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يعلى بن عبيد، به، وفي ألفاظهم اختلاف، والمعنى متقارب. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز ضرب الخباء في المسجد للحاجة، لكن بشرط أن لا يضيق بالمصلين. ومنها: أنه قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن أول شوال هو يوم الفطر، وصومه حرام. ومنها: قول بعضهم: في اعتكافه ﷺ في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فأتت تقضى استحبابًا. ومنها: أنه استدل به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه، ثم أبطله. قال الحافظ: ولا دلالة فيه لما يأتي. ومنها: ما قال ابن المنذر وغيره: في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها. وعن أهل الرأي إذا أذن لها الزوج، ثم منعها، أثم بذلك، وامتنعت. وعن مالك: ليس له ذلك، وهذا الحديث حجة عليهم.

стр. 5231

ومنها: أن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد. ومنها: أن فيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويستبط منه سائر التطوعات، خلافًا لمن قال باللزوم. ومنها: أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري. وقال الأئمة الأربعة، وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح. قال الحافظ ﵀: وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ﷺ لم يدخل المعتكف، ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هَمَّ به، ثم عرض له المانع المذكور، فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد أمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف، فيدل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع، فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي أن أول الاعتكاف من أول الليل، وأن المراد بدخوله معتكفه بعد صلاة الصبح خلوته بنفسه، لا إنشاء الاعتكاف، جمعًا بين الأدلة، كما تقدم. والله أعلم.

стр. 5232

ومنها: أن المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن. ومنها: قول إبراهيم بن علية: في قوله: "آلبر تردن" دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد، إذ مفهومه أنه ليس ببر لهن. قال الحافظ: وما قاله ليس بواضح. قال الجامع: الأمر كما قال الحافظ؛ لأنه ﷺ أذن لعائشة وحفصة فيه، فلو لم يكن برًا لما أذن لهما، وإنما جاء عدم كونه برًا من كونهن تنافسن فيه. فتبصر. والله أعلم. ومنها: أن فيه شؤم المغيرة؛ لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله. ومنها: أن فيه ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة. ومنها: أن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه، وقطعه. ومنها: أن الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه ﷺ له فعلى طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال. قال الجامع: هذا يستلزم أنه ﷺ لم يعتكف بالفعل، وقد قدمنا أن الراجح أنه اعتكف، وإنما معنى "دخل معتكفه" أي خلا بنفسه في

стр. 5233

ذلك المكان، فصواب هذا الاستنباط أن يقال: فيه جواز الخروج من نفل الاعتكاف، وأنه لا يجب قضاؤه إن تركه، وأما قضاؤه ﷺ فعلى طريق الاستحباب إلخ. والله أعلم. ومنها: أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها، ويشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على المصلين. ومنها: أن فيه بيان مرتبة عائشة في كون حفصة لم تستأذن إلا بواسطتها، ويحتمل أن يكون سبب ذلك كونه ﷺ تلك الليلة في بيت عائشة. والله أعلم. ذكر هذه الفوائد في الفتح جـ ٤ ص ٣٢٥. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧١٠ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَمْيَةً فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قدامة السرخسي، ثقة مأمون

стр. 5234

سني، من [١٠] تقدم في ١٥/ ١٥. ٢ - (عبد الله بن نُمَير) الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث من أهل السنة، من كبار [٩] توفي سنة ١٩٩، عن ٨٤ سنة. قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر؟ فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش، أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوقًا. قال ابنه محمد وغيره: مات سنة ١٩٩، وقيل: إنه ولد في سنة ١١٥. أخرج له الجماعة. ٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥] تقدم في ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، ثقة فقيه، من [٣] تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم،

стр. 5235

إلا شيخه، فانفرد به هو، والشيخان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، هشام عن عروة، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، من صيغ الاتصال على الأصح. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: أصيب سعد) هو ابن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو سيد الأوس ﵁ (يوم الخندق) أي يوم غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب. فأما تسميتها بالخندق فلأجل الخندق الذي حُفرَ حول المدينة بأمر النبي ﷺ ، وكان الذي أشار بذلك سلمان الفارسي، فيما ذكر أصحاب المغازي، منهم أبو معشر، قال: قال سلمان للنبي ﷺ : إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون، فحاصروهم. وأما تسميتها بالأحزاب، فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر سورة الأحزاب. واختلف في أي سنة هي، فقال موسى بن عقبة: كانت في شوال

стр. 5236

سنة أربع. وتابعه عليه مالك. ومال إليه البخاري في الصحيح. وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس. وبذلك جزم غيره من أهل المغازي. انظر التفصيل في "الفتح" في "كتاب المغازي" جـ ٨ ص ١٤٨ - ١٤٩. (رماه رجل من قريش) بَيَّنَ البخَاري اسمه في المغازي عن زكريا ابن يحيى، عن عبد الله بن نمير، بسند المصنف، فقال فيه: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له: حِبَّان بن العَرِقَة". . . وحبان -بكسر المهملة، والعرقة -بفتح المهملة، وكسر الراء، ثم قاف، اسم أمه، وهو حبان بن قيس، ويقال: ابن أبي قيس ابن علقمة بن عبد مناف. أفاده في "الفتح". (رَمْيَةً في الأكحل) وفي بعض النسخ "رماه" بصيغة الماضي، وهو الذي في الكبرى للمصنف، والرمية -بفتح الراء- المرة من الرمي، كما قال ابن مالك: وَفَعْلةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ وهو بالنصب على أنه مفعول مطلق لِرَمَى. و"الأكحل": -بفتح الهمزة، والمهملة، بينهما كاف ساكنة-: وهو عِرْقٌ في وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: إن في كل عضو منه شعبة, فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النَّسا، إذا قطع لم يرقأ الدم (فضرب عليه) أي على سعد،

стр. 5237

وعدّاه بعلى؛ لأن الخيمة تعلوه، أو "على" بمعنى اللام، أي له (رسول الله ﷺ ) وفي "الكبرى" زيادة " تعني" (خيمة في المسجد) فيه جواز ضرب الخيمة في المسجد للمريض، وهو موضع الترجمة للمصنف، وهذا كما تقدم مشروط يكون المسجد واسعًا، لا يتضرر به أهله (ليعوده من قريب) أي ليمكنه عيادته من محل قريب منه. وتمام الحديث عند البخاري "فلم يَرُعْهم -وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات فيها". وقولها "يَرُعْهُم"، أي لم يفزعهم، وقولها: "يغذو" أي يسيل. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٨/ ٧١٠) - وفي "الكبرى" (١٨/ ٧٨٩)، عن عبيد الله بن سعيد عن عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود.

стр. 5238

فأخرجه البخاري في "الصلاة"، وفي "المغازي"، وفي "المناقب"، عن زكريا بن يحيى البلخي اللؤلؤي الحافظ، عن عبد الله نمير به. وقال في المناقب تعليقًا: تابعه أبان العطار- يعني، عن هشام بن عروة. وفي المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير به. وأخرجه مسلم في "المغازي" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب. وأخرجه أبو داود في "الجنائز" عن عثمان بن أبي شيبة- كلهم عن عبد الله بن نمير به. وأخرجه ابن خزيمة برقم ١٣٣٣. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز ضرب الخباء في المساجد. ومنها: بيان منقبة سعد بن معاذ ﵁. ومنها: أن على الإمام العناية برعاياه، فيقوم بمصالحهم، من تمريض المريض، وعيادته، وإعطاء الدواء له. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من حسن الخلق، وشدة الرأفة بأصحابه. ومنها: مشروعية عيادة المريض. ومنها: جواز ترك المريض في المسجد، وإن كان في ذلك مظنة

стр. 5239

لخروج شيء منه يتلوث به المسجد. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 5240

١٩ - إدْخَالُ الصِّبْيَانِ المَسَاجِدَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إدخال الصبيان في المساجد. وأما حديث "جَنِّبُوا مساجدكم صبيانكم" فضعيف، سيأتي الكلام عليه في المسائل إن شاء الله تعالى. والصبيان -بكسر الصاد، وتضم- جمع صبي، قال المجد: والصبي: من لم يُفْطَمْ بعدُ، جمعه أصْبِيَةٌ، وأصْبٍ، وصَبْوَةٌ، وصِبْيَةٌ، وصِبْوانٌ، وَصِبْيَانٌ. اهـ. "ق". والله تعالى أعلم. ٧١١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ، يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ، وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا.

стр. 5241

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد أبو الحرث الفهمي المصري الإمام، ثقة فقيه حجة، من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبو سَعْد المدني ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، من [٣] تقدم في ٩٥/ ١١٧. ٤ - (عمرو بن سليم) -بالتصغير- بن خَلْدَة -بفتح المعجمة، وسكون اللام، وقيل بفتحها، فدال مهملة- بن مَخْلَد بن عامر بن زريق ابن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عصب بن جشم، بن الخزرج الأنصاري الزُّرَقي، ثقة من كبار التابعين، من [٢] ويقال: له رؤية. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: ثقة، في حديثه اختلاط. وقال العجلي: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر، وقال الفلاس: مات سنة ١٠٤، أخرج له الجماعة. ٥ - (أبو قتادة) الحارث بن رِبْعِي، وقيل غيره، الأنصاري السَّلَمِي المدني صحابي شهير ﵁، تقدم في ٢٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.

стр. 5242

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، نُبَلاء. ومنها: أن الجماعة اتفقوا على تخريج أحاديثهم. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلاني، والليث، فمصري. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، سعيد، عن عمرو بن سليم. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمرو بن سليم) بصيغة التصغير، كما تقدم قريبًا (الزرقي) -بضم الزاي، وفتح الراء- نسبة إلى زريق جده الأعلى، كما سبق في سلسلة نسبه (أنه سمع أبا قتادة) الأنصاري ﵁ (يقول: بينما نحن جلوس) جمع جالس، و"بينا" مضافة إلى الجملة الاسمية، أي بين أوقات جلوسنا (في المسجد) متعلق بجلوس (إِذ خرج علينا رسول الله ﷺ ) الجملة جواب بينا (يحمل أمامة) جملة فعلية في محل نصب على الحال من "رسول الله"، ولفظ البخاري "وهو حاملٌ أمامةَ" بالجملة الاسمية، وتنوين حامل، على المشهور، ويروى بالإضافة. و"أُمامة" -بضم الهمزة، وتخفيف الميمين- بنت زينب - رضي الله

стр. 5243

عنهما -. قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: تزوجها علي بعد موت فاطمة ﵂، زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها قد أوصى بها إلى الزبير، فلما قتل علي، وآمَتْ منه أمامة، قالت أم الهيثم النخعية [من الوافر]: أِشَابَ ذَوائِبِي وَأذَلَّ رَكْبِي … أُمَامَةُ حِينَ فَارَقَتِ الْقرِينَا تُطِيفُ بِهِ لِحَاجَتِهَا إلَيْه … فَلَمَّا اسْتَيْأسَتْ رَفَعَتْ رَنِينَا وكان علي قد أمر المغيرة بن نوفل بن الحارث أن يتزوج أمامة بنت أبي العاص، فتزوجها المغيرة، فولدت له يحيى، وبه كان يكنى، وهلكت عند المغيرة. وقيل: إنها لم تلد لعلي، ولا للمغيرة، وقال الزبير بن بكار: ليس لزينب عقب. أفاده في "الإصابة" جـ ١٢ ص ١٢٨ - ١٢٩. (بنت أبي العاص بن الربيع) بنصب "بنت" على البدلية من "أمامة"، ويحتمل القطع إلى الرفع، بتقدير مبتدأ، أي "هي" والنصب بتقدير فعل، أي "أعني". هكذا وقع عند المصنف ﵀، والأكثرين: بنت أبي العاص ابن الربيع، على الصواب. ووقع عند البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، "ولأبي العاص بن ربيعة". قال في الفتح: قوله: ابن رييعة، كذا رواه الجمهور عن مالك،

стр. 5244

ورواه يحيى بن بكير، ومعن ابن عيسى، وأبو مصعب وغيرهم، عن مالك، فقالوا: ابن الربيع، وهو الصواب. وغفل الكرماني، فقال: خالف البخاري، فقال: ربيعة، وعندهم الربيع، والواقع أن من أخرجه من القوم من طريق مالك، كالبخاري، فالمخالفة فيه إنما هي من مالك. وادعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة، فنسبه مالك مرة إلى جده. ورده عياض، والقرطبي، وغيرهما، لإطباق النسابين على خلافه. نعم قد نسبه مالك إلى جده في قوله: ابن عبد شمس، وإنما هو ابن عبد العزى بن عبد شمس، أطبق على ذلك النسابون أيضًا. واسم أبي العاص: لقيط، وقيل: مِقْسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح، وهاجر، ورد عليه النبي ﷺ ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة أبي بكر الصديق ﵄. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٧٦. (وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ) بَيَّنَ بهِذه الجملة قربها من النبي ﷺ ، حث حملها، وهو يصلي. وزينب هي أكبر بناته ﷺ ، وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثة بمدة، قيل: إنها عشر سنين، واختلف هل القاسم قبلها، أو بعدها؟ وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت خُوَيْلِد. فولدت له عليًا، مات وقد ناهز الاحتلام، ومات في

стр. 5245

حياته، وأمامة عاشت حتى تزوجها علي بعد فاطمة. وتوفيت زينب ﵂ في أول سنة ثمان من الهجرة. أفاده في "الإصابة" جـ ٢ ص ٢٧٣ - ٢٧٤. (وهي صبية، يحملها) جملة معترضة بين المعطوف، وهو قوله: "فصلى"، والمعطوف عليه، وهو قوله: "خرج". بَيَّنَ بها اعتياده ﷺ لحملها في غير الصلاة، يعني أنه جرت عادته ﷺ يحمل أمامة ﵂ (فصلى رسول الله ﷺ ) أظهر الفاعل، وإن كان المحل محل إضمار، تلذذا بذكر رسول الله ﷺ (وهي على عاتقه) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. ولم تعين تلك الصلاة في رواية المصنف. وقد وقع تعيينها في رواية أبي داود، قال: "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر، أو العصر، وقد دعا بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي الصبح. (يضعها إِذا ركع، ويعيدها إِذا قام) أي إذا انحنى للركوع وضعها على الأرض، وإذا قام من السجود أعادها إلى محلها، وهو عاتقه. وللبخاري "فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها". قال في الفتح: كذا لمالك أيضًا، ورواه مسلم أيضًا من طريق عثمان بن أبي سليمان،

стр. 5246

ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس، كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك، فقالوا: إذا ركع وضعها". ولأبي داود من طريق المقبري، عن عمرو بن سليم: "حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع، وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها". قال الحافظ ﵀: وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه، لا منها، بخلاف ما أوله الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية كانت قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه، والتزمته، فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها. قال: هذا وجهه عندي. وقال ابن دقيق العيد: من المعلوم أن لفظ "حمل" لا يساوي لفظ "وضع" في اقتضاء فعل الفاعل؛ لأنا نقول: فلان حمل كذا, ولو كان غيره حمَّلَه، بخلاف "وضع"، فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع، لا الرفع، فيقل العمل. قال: وكنت أحسب هذا حسنًا إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة: "فإذا قام أعادها". قال الجامع: وهي رواية مسلم -كما قال الحافظ- ولفظ المصنف: "ويعيدها إذا قام". قال الحافظ: ورواية أبي داود التي قدمناها أصرح في ذلك، وهي: "ثم أخذها، فردها في مكانها"، ولأحمد من

стр. 5247

طريق ابن جريج: "وإذا قام حملها، فوضعها على رقبته". قال الحافظ: ووهم من عزاه للصحيحين. (حتى قضى صلاته) أي حتى أتم صلاته (يفعل ذلك بها) أي يفعل ذلك الفعل، من الوضع، والرفع، بأمامة ﵂. والجملة مستأنفة ذكرت تأكيداً لما قبلها. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٨/ ٧١١) -وفي "الكبرى"- ١٨/ ٧٩٠ عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم الزرقي، عنه. وفي (٣٧/ ٨٢٧)، و"الكبرى" (٣٧/ ٩٠١)، (٤٨/ ١١٢٨) عن قتيبة، عن سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم، عنه. وفي (٤٨/ ١١٢٧)، عن قتيبة عن مالك، عن عامر بن عبد الله، به. قال الحافظ المزي ﵀: وعن محمد بن صدقة الحمصي، عن محمد بن حرب، عامر بن عبد الله نحوه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

стр. 5248

أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، به. وفي "الأدب" عن أبي الوليد الطيالسي، عن ليث بن سعد، به. ومسلم في "الصلاة" عن القعنبي، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، ثلاثتهم، عن مالك به، وعن قتيبة، عن ليث به، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن عجلان، كلاهما عن عامر بن عبد الله به، وعن محمد بن المثنى، عن أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، به. وعن أبي الطاهر بن السرح، وهارون بن سعيد الأيلي، كلاهما عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن سليم، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، به. وعن قتيبة، عن الليث، به. وعن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، به. وعن يحيى بن خلف، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد المقبري نحوه، وهو أتمها. اهـ. "تحفة الأشراف" ج ٩ ص ٢٦٣، ٢٦٤. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز إدخال الصبيان المساجد، وأما ما أخرجه الطبراني بسنده عن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم، وحدودكم، وشراءكم، وبيعكم،

стр. 5249

وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم"؛ فهو منقطع، لأن الراوي عن معاذ مكحول، وهو لم يسمع منه. وكذا ما أخرجه ابن ماجه بسنده عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع". ففي سنده الحارث بن شهاب، وهو ضعيف. وقد عارضهما حديث أمامة المذكرر في الباب، وهو متفق عليه، وحديث أنس ﵁ المتفق عليه أيضاً: أن النبي ﷺ ، قال: "إني لأسمع بكاء الصبي، وأنا في الصلاة، فأخفف مخافة أن تفق أمه". وعلى تقدير الصحة، فيجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب، كما قال العراقي في شرح الترمذي، أو بأنه تُنَزَّهُ المساجدُ عمن لا يؤمن حدثه فيها. أفاده في "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٢٢٢. ومنها: أن بعضهم استدل به على أن لمس المحارم، أو من لا تشتهى غير ناقض للطهارة. قال ابن دقيق العيد: وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل، وهذا يستمد من أن حكايات الحال لا عموم لها. اهـ. قال الجامع: مسألة نقض الطهارة بلمس المرأة قد قدمنا تحقيقها في

стр. 5250

الطهارة، وأن الراجح من أقوال أهل العلم فيها القول بعدم النقض مطلقًا، لرجحان دليله. راجع باب رقم ١٢٠، وباب رقم ١٢١ تستفد. ومنها: أن الظاهر طهارة ثياب من لا يحترز من النجاسة كالأطفال. ومنها: جواز صحة صلاة من حمل آدميًا، وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا، قال في الفتح: وللشافعية تفصيل بين المستجمر وغيره، وقد يجاب عن هذه القصة بأنها واقعة حال، فيحتمل أن تكون أمامة كانت حينئذ قد غسلت. قال الجامع: هذا فيه نظر، بل الظاهر أن الحمل جائز إلى أن تتحقق النجاسة، والله أعلم. منها: أن فيه تواضع النبي ﷺ ، وشفقته على الصغار، وإكرامه لهم، جبرًا لهم، ولوالديهم. ومنها: ما قاله الفاكهي: وكأن السر في حمله أمامة في الصلاة دفع ما كانت العرب تألفه من كراهة البنات، وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة، للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول والله أعلم. المسألة الخامسة: قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يدل لمذهب الشافعي، ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي، والصبية، وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض، والنفل، للإمام، والمنفرد، والمأموم.

стр. 5251

وقال القرطبي ﵀: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك، أنه كان في النافلة، وهو تأويل بعيد، فإن ظاهر الأحاديث أنه كان في فريضة، وسبقه إلى استبعاد ذلك المازري، وعياض، لِمَا ثبت في مسلم: "رأيت النبي ﷺ ، يؤم الناس، وأمامة على عاتقه". قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة. ولأبي داود: "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر -أو العصر- وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي "الصبح". قال القرطبي: وروى أشهب، وعبد الله بن نافع، عن مالك: أن ذلك للضرورة، حيث لم يجد من يكفيه أمرها. انتهى. وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، أن الحديث منسوخ. قال الحافظ: روى ذلك الإسماعيلي عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسي قال مالك: من حديث النبي ﷺ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا. وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. وتعقب

стр. 5252

بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن القصة كانت بعد قوله ﷺ : "إن في الصلاة لشغلاً"، لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة. وذكر عياض عن بعضهم أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، لكونه معصومًا من أن تبول وهو حاملها. ورُدَّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك. وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في أركان صلاته. وقال النووي: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان للضرورة. وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة، لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٧٧. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي ﵀ حسن جدًا. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه

стр. 5253

توكلت وإليه أنيب. "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". "سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين". "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته". "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن العلامة علي ابن آدم بن موسى الإتْيُوبّيّ نزيل مكة عفا الله عنه، وعن والديه: بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه تم الجزء الثامن من شرح سنن الإِمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى المسمى "ذَخِيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى" وذلك في شهر ربيع الأول، يوم الأربعاء المبارك ٣/ ٣/ ١٤١٥ هـ، الموافق ١٠ أغسطس/ ١٩٩٤ م. ويليه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع مفتتحًا بـ"باب ربط الأسير في المسجد" رقم ٢٠/ ٧١٢. ***

стр. 5254

شرح سنن النسائي المسَمَّى ذخيرة العقبى فى شرح المجتبى لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا الله عنه وعن والديه آمين الجُزْءُ التّاسِع دَار آل بُروم للنشر والتوزيع

стр. 5255

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م دَار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٤٥ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
следующие страницы →