Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
وقال القرطبي ﵀: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك، أنه كان في النافلة، وهو تأويل بعيد، فإن ظاهر الأحاديث أنه كان في فريضة، وسبقه إلى استبعاد ذلك المازري، وعياض، لِمَا ثبت في مسلم: "رأيت النبي ﷺ ، يؤم الناس، وأمامة على عاتقه". قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة. ولأبي داود: "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر -أو العصر- وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي "الصبح".
قال القرطبي: وروى أشهب، وعبد الله بن نافع، عن مالك: أن ذلك للضرورة، حيث لم يجد من يكفيه أمرها. انتهى. وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
قال القرطبي: وروى عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، أن الحديث منسوخ. قال الحافظ: روى ذلك الإسماعيلي عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسي قال مالك: من حديث النبي ﷺ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا.
وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. وتعقب
стр. 5252
بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن القصة كانت بعد قوله ﷺ : "إن في الصلاة لشغلاً"، لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة.
وذكر عياض عن بعضهم أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، لكونه معصومًا من أن تبول وهو حاملها. ورُدَّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.
وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في أركان صلاته.
وقال النووي: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان للضرورة. وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة، لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٧٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي ﵀ حسن جدًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
стр. 5253
توكلت وإليه أنيب.
"الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
"سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته".
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن العلامة علي ابن آدم بن موسى الإتْيُوبّيّ نزيل مكة عفا الله عنه، وعن والديه: بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه تم الجزء الثامن من شرح سنن الإِمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى المسمى "ذَخِيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى" وذلك في شهر ربيع الأول، يوم الأربعاء المبارك ٣/ ٣/ ١٤١٥ هـ، الموافق ١٠ أغسطس/ ١٩٩٤ م.
ويليه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع مفتتحًا بـ"باب ربط الأسير في المسجد" رقم ٢٠/ ٧١٢.
***
стр. 5254
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى فى شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجُزْءُ التّاسِع
دَار آل بُروم
للنشر والتوزيع
стр. 5255
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٤٥ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 5256
٢٠ - رَبْطُ الأسِيرِ بِسَارِيَةِ المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز ربط الأسير الكافر بسارية من سوار المسجد.
والرَّبْطُ -بفتح فسكون- مصدرٌ، يقال: رَبَط الشيء، يَرْبِطُهُ رَبْطًا، من باب ضرب: شَدَّهُ، ومن باب قَتَلَ لغة. كما في المصباح.
والأسير: فعيل، بمعنى مفعول، قال المجد: الأسْر: الشَّدُّ، والعَصَبُ، والأسير: الأخيذُ -أي المأخوذ والمقيد، والمسجون، جمعه: أسراءُ، وأسَارى -بالضم فيهما- وأسَارَى، وأسْرَى. اهـ.
وفي المصباح: أسرته، أسْرًا، من باب ضرب، فهو أسير، وامرأة أسير أيضًا؛ لأن فعيل بمعنى مفعول ما دام جاريًا على الاسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، فإن لم يذكر الموصوف ألْحِقَت العلامة، وقيل: قتلت الأسيرة، كما يقال: رأيت القتيلة. اهـ. ج ١ ص ١٤.
والسارية: الأسطُوَانَة، جمعها: سَوارٍ، مثل جارية، وجوارٍ. والله أعلم.
٧١٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ
стр. 5257
لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرُبِطَ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. مُخْتَصَرٌ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
كلهم تكلمنا عنهم في السند الماضي، إلا الصحابي ﵁، فتقدم الكلام عليه غير مرة. والسند من رباعياته، وهو (٣٦) من رباعيات الكتاب، وتقدم الحديث سنداً ومتنًا برقم (١٢٧/ ١٨٩). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سعيد بن أبي سعيد) واسم أبيه كيسان المقبري (أنه سمع أبا هريرة) ﵁. فيه تصريح سعيد بسماعه من أبي هريرة ﵁، وهو كذلك عند البخاري، في المغازي، لكن أخرجه ابن إسحاق عن سعيد، فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الحافظ ﵀: وهو من المزيد في متصل الأسانيد، فإن الليث موصوف بأنه أتقن الناس لحديث سعيد المقبري، ويحتمل أن يكون سعيد سمعه من أبي هريرة، وكان أبوه قد حدثه به قبلُ، أو ثبته في شيء منه، فحدث به على الوجهين.
(يقول: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد) أي بعث رُكْبَانَ
стр. 5258
خيل إلى جهة نجد.
قال الفيومي ﵀: النَّجْد: ما ارتفع من الأرض، والجمع نُجُود، مثل فلس وفلوس، وبالواحد سمي بلاد معروفة من ديار العرب مما يلي العراق، وليست من الحجاز، وإن كانت من جزيرة العرب. قال في التهذيب: كل ما وراء الخندق الذي خَنْدَقَه كسرى على سواد العراق، فهو نجد إلى أن تميل إلى الحَرَّة، فإذا ملت إليها فأنت في الحجاز. وقال الصَّغَاني: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. اهـ. المصباح ج ٢ ص ٥٩٣.
(فجاءت برجل من بني حنيفة) -بفتح المهملة، وكسر النون- ابن لجيم -بجيم- بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة شهيرة، ينزلون اليمامة بين مكة واليمن.
وقد تقدم برقم (١٢٧/ ١٨٩) -عن ابن إسحاق، قال: السرية التي أخذت ثمامة كان أميرها محمد بن مسلمة أرسله ﷺ في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطاء من بني بكر بن كلاب بناحية ضَرِيَّةَ بالبَكَرَات لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست.
وقال في الفتح: وزعم سيف في "كتاب الزهد" له أن الذي أخذ ثمامة، وأسره هو العباس بن عبد المطلب. وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم على رسول الله ﷺ في زمان فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة، ثم رجع إلى بلاده، ثم منعهم أن
стр. 5259
يَمِيرُوا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبي ﷺ ذلك، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة. اهـ.
(يقال له: ثمامة بن أثال) وثمامة -بضم المثلثة، وتخفيف الميمين، بينهما ألف- و"أثال" -بضم الهمزة، وتخفيف المثلثة، والسلام بينهما ألف- ابن النعمان بن مسلمة الحنفي، وهو من فضلاء الصحابة.
(سيد أهل اليمامة) أي رئيسهم. واليمامة -بفتح الياء، وتخفيف الميمين- بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: من عروض اليمن، وقيل: من بلاد الحجاز. قاله الفيومي.
وأصل قصته هو ما ساقه البخاري ﵀ في "كتاب المغازي"، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني سعيد ابن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري السجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتُرِكَ حتِى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر.
فتركه، حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " قال:
стр. 5260
عندي ما قلت لك، فقال: "أطلقوا ثمامة"، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ .
انظر "صحيح البخاري" ج ١ ص ٤١٩ بنسخة "الفتح".
وزاد ابن هشام "ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى النبي ﷺ إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم".
وقد تقدم برقم (١٢٨/ ١٨٩) أن ابن الأثير ساقه في أسد الغابة من طريق ابن إسحاق بأطول من هذا، فراجعه تزدد علمًا.
(فربط بسارية من سواري المسجد) النبوي، وهذا محل الترجمة للمصنف، إذ فيه جواز ربط الأسير بسارية المسجد.
قال الحافظ ﵀: وفي قصة ثمامة من الفوائد: ربط الكافر في
стр. 5261
المسجد، والمن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًا في ساعة واحدة لمَا أسْدَاهُ النبي ﷺ إليه من العفو والمن بغير مقابل.
وفيه الاغتسال عند الإِسلام، وأن "الإحسان يزيل البغض، ويثبت الحب، وأن الكافر إذا عمل عمل خير، ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير.
وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه. وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد منهم، والتخيير بعد ذلك في قتله، أو الإبقاء عليه. اهـ. فتح ج ٨ ص ٤٢١. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
تنبيهان:
الأول: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. وقد مضى تخريجه، والمسائل المتعلقة به في كتاب الطهارة برقم (١٢٧/ ١٨٩) فلا نطيل الكتاب بإعادتها، فإن شئت التحقيق فارجع إليه. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
الثاني: قد وعدت برقم (١٢٧/ ١٨٩) أن أذكر في هذا الباب اختلاف العلماء في دخول الكافر المساجد، فها أنا الآن أبَيِّنُ ذلك، فأقول:
стр. 5262
ذهبت طائفة من أهل العلم إلي جواز دخول الكافر المسجد، سواء كان كتابيًا، أو غيره، وبه قال الشافعي ﵀، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحرمه، واحتج بحديث ثمامة المذكور في الباب، وبأن ذات المشرك ليست بنجسة.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز دخوله مطلقًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، والمزني، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكفار فيها مناقض لرفعها، وبقوله ﷺ : "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر" رواه مسلم. والكافر لا يخلو عن ذلك، وبقوله ﷺ : "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". والكافر جنب. أفاده في عمدة القاري ج ٤ ص ٢٣٧.
قال الجامع: الحديث رواه أبو داود، وحسنه ابن القطان، وابن سيد الناس -كما تقدم- (١٢٧/ ١٨٩).
وقال القرطبي ﵀ في "تفسيره" ما حاصله: وقال قتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك, إلا أن يكون صاحب جزية، أو عبدًا كافرًا لمسلم. وروى إسماعيل بن إسحاق، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا شريك، عن أشعث، عن الحسن، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يقرب المسجد مشرك، إلا أن يكون عبدًا أو أمة، فيدخله
стр. 5263
لحاجة". وبهذا قال جابر بن عبد الله؛ فإنه قال: العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام، وهو مخصوص في العبد، والأمة.
قال الجامع: تقدم آنفاً أن قتادة ممن يقول بالمنع مطلقاً، فلعل له قولين في المسألة. والله أعلم.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]: إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمة. وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال الإِمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن أشعث بن سوَّار، عن الحسن، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك، غير أهل الكتاب، وخدمهم"، وفي لفظ: "إلا أهل العهد، وخدمهم". انظر مسند أحمد ج ٣ ص ٣٣٩، ٣٩٢.
قال الحافظ ابن كثير: تفرد به الإِمام أحمد مرفوعًا، والموقوف أصح إسناداً. انظر تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٦٠.
قال الجامع: في سند أحمد شريك القاضي، وهو متكلم فيه، وأشعث بن سوار الكندي ضعيف. كما قاله الحافظ في التقريب. والله أعلم.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يجوز للكتابي دخول المسجد،
стр. 5264
دون غيره، واحتج بالحديث المذكور.
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: ودخول المشركين في جميع المساجد جائز، حاشا حرم مكة كله، والمسجد وغيره، فلا يحل البتة أن يدخله كافر، وهو قول الشافعي، وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يدخله اليهودي والنصراني، ومنع سائر الأديان. وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فخص الله المسجد الحرام، فلا يجوز تعديه إلى غيره بغير نص، وقد كان الحرم قبل بنيان المسجد، وقد زيد فيه، وقال رسول الله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهورًا"، فصح أن الحرم كله هو المسجد الحرام، ثم ذكر حديث قصة ثمامة المذكور.
وقال أبو محمد رحمه الله تعالى: وأما أبو حنيفة فإنه قال: إن الله تعالى قد فرق بين المشركين، وبين سائر الكفار، فقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ١٧]، قال: والمشرك هو من جعل لله شريكًا لا من لم يجعل له شريكًا.
قال: فأما تعلقه بالآيتين فلا حجة له فيهما؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، والرمان من الفاكهة.
стр. 5265
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وهما من الملائكة. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب: ٧]، وهؤلاء من النبيين. إلى آخر ما قاله ابن حزم في الرد على أبي حنيفة رحمه الله تعالى. انظر: المحلى ج ٤ ص ٢٤٣ - ٢٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي ما رجحه ابن حزم، وهو قول الشافعي وداود الظاهري رحمهم الله تعالى، وحاصله جواز دخول الكافر مطلقًا المساجد، إلا المسجد الحرام لظاهر الآية، ولحديث قصة ثمامة بن أثال ﵁، وهذا هو الأولى مما ادعاه القائلون بالمنع مطلقًا من نسخ الحديث بالآية، وغير ذلك من التأويلات التي ذكرها القرطبي في تفسيره جـ ٨ ص ١٠٥؛ لأن الجمع إذا أمكن لا يصار إلى غيره، والله أعلم، ومنه العون والتوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5266
٢١ - إدْخَالُ الْبَعِيرِ المَسْجِدَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إدخال البعير المسجد.
والبعير -بفتح الباء، وقد تكسرُ، وكسرِ العين المهملة-: الجملُ البَازِل، أو الجَذَع وقد يكون للأنثى- والحمارُ، وكلُّ ما يُحْمَلُ، وهاتان عن ابن خالوَيْهِ، جَمْعُهُ: أبْعِرَة، وأبَاعِرُ، وأبَاعِيرُ، وبُعْرانُ، وبِعْرَان. اهـ.
وقال الفيومي: البعير: مثل الإنسان, يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلَبْت بعيري، والجملُ بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والناقةُ بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، والبَكْر والبكرة، مثل الفتى والفتاة، والقَلُوص، كالجارية. هكذا حكاه جماعة، منهم ابن السكيت، والأزهري، وابن جني، ثم قال الأزهري: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة.
ووقع في كلام الشافعي ﵁ في الوصية: "لو قال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة"، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصية مبنية على عرف الناس لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواص، وحكى في كفاية المتحفظ معنى ما تقدم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أرْبَعَا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرَ، وبَكْرَة، وقَلُوص. اهـ "المصباح" ج ١ ص ٥٣.
стр. 5267
وقوله: "البازل" يستوي فيه الذكر والأنثى، جمعه: بَوازلُ، وبُزَّلٌ: يقال: بَزَل البعيرُ، بُزُولاً، من باب قعد: فَطرَ نَابُهُ بدخوله في السنة التاسعة.
وقوله: "أرْبَعَا" يقال: أرْبَعَ، إرْبَاعاً: إذا ألقى رَبَاعيته، والرَّبَاعية بوزن الثمانية: السِّنُّ التي بين الثنية، والناب. قاله في "المصباح". والله تعالى أعلم.
٧١٣ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
رجال هذا الأسناد: ستة
١ - (سليمان بن داود) أبو داود الربيع المَهْرِي المصري، ثقة، من [١١]، تقدم في ٦٣/ ٧٩، أخرج له أبو داود والنسائي.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد، من [٩]، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثم المصري، ثقة من كبار [٧]، تقدم في ٩/ ٩.
стр. 5268
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة حجة، من كبار [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عبد الله بن عباس) الحبر البحر ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود، وأن نصفهم الأول مصريون، والثاني مدنيون، وأن فيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي, ابن شهاب، عن عبيد الله، وأن فيه ابن عباس ﵁، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثاً، وأن فيه الإخبار في موضعين، والعنعنة في الباقي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﷺ طاف في حجة الوداع) -بفتح الواو- اسم من التوديع، مثل الكلام، من التكليم، يقال: وَدَّعَهُ، تَوْديعاً: شيَّعه عند سفره، وحجة الوداع هي حجة النبي ﷺ التي حجها في السنة العاشرة من الهجرة، وهي
стр. 5269
حجة واحدة، لم يحج غيرها بعد الهجرة، سميت بذلك لكونه ﷺ وَدَّعَ الناسَ فيها، حيث كان يقول لهم: "خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا" فكان كما قال.
(على بعير) قال السندي ﵀: قد جاء أنه فعل ذلك لمرض، أو لزحام، قيل: هو من خصائصه ﷺ , إذ يحتمل أن تكون راحلته عُصِمَتْ من التلويث كرامَةً له، فلا يقاس عليه غيره، وذلك لأن المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] طو اف الإنسان، فلا ينوب طواف الدابة منابه، إلا عند الضرورة. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي غير صحيح، بل الطواف راكبًا جائز إذا احتاج إليه، ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، وما قاله من أن المأمور به طواف الإنسان إلخ باطل؛ لأنه لم تنب الدابة عن طواف الإنسان، بل هو طاف عليها, ولذا قال ابن عباس ﵁: "أن رسول الله ﷺ طاف على بعير"، ولم يقل: طاف عنه البعير، وهذا واضح غاية الوضوح، وسيأتي تمام البحث في المسألة في "كتاب المناسك" إن شاء الله تعالى.
قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب.
قال الحافظ: وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز
стр. 5270
مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﷺ كانت مُنَوَّقَةً، أي مدربة مُعَلَّمَةً، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة. اهـ.
"فتح" جـ ٢ ص ١٣٢.
قال العلامة العيني ﵀: وفيه -يعني قوله: "فحيث يخشى التلويث" إلخ- نظر؛ لأن قوله ﷺ لأم سلمة حين قالت له: إني أشتكي: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة" لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة.
وقال في قوله: إن ناقته ﷺ كانت منوقة، إلخ: ما نصه: قلت: سلمنا هذا في ناقة النبي ﷺ ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة، وهي طائفة، ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبي ﷺ ، قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل. اهـ "عمدة القاري" جـ ٤ ص ٢٤١.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قالوه من التلويث وغيره مبني على نجاسة الأبوال، وقد قدمنا في شرح الحديث (١٩١/ ٣٠٥) أن الراجح طهارة أبوال الحيوانات المأكولة اللحم, اللهم إلا إذا أريد الاستقذار من غير نجاسة، كمنع النخامة والبزاق في المسجد للاستقذار، لا للنجاسة فتأمل. والله أعلم.
(يستلم الركن بمحجن) زاد مسلم في روايته: "ويقبل المحجن".
стр. 5271
قال الجوهري ﵀: استلم الحجر: لمَسَهُ، إما بالقُبْلَة، أو باليد، لا يُهْمَزُ؛ لأنه مأخوذ من السّلام، وهو الحجر، كما تقول: اسْتَنْوَقَ الجملُ، وبعضهم يَهْمِزُهُ، اهـ لسان جـ ٣ ص ٢٠٨٣.
والمراد بالركن ركن الحجر الأسود.
والمحجن -بكسر الميم، وسكون المهملة، وكسر الجيم- وِزَان مِقَوَدٍ: خشبة في طرفها اعوجاج، مثل الصَّوْلَجان. قال ابن دُرَيْدٍ: كل عود معطوف الرأس فهو محجن، والجمع: مَحَاجِنُ. قاله في المصباح.
والمعنى أنه ﷺ لعدم تمكنه من تقبيل الحجر الأسود كان يلمسه بمحجنه، ثم يقبل المحجن.
وفيه استحباب تقبيل الحجر الأسود إن أمكن، وإلا يمسه بشيء كالمحجن، ثم يقبل ذلك، والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢١/ ٧١٣)، وفي "الكبرى" (٢١/ ٧٩٢)، عن
стр. 5272
سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه.
وفي "المناسك" (١٥٩/ ٢٩٥٤)، عن يونس بن عبد الأعلى، وسليمان ابن داود، كلاهما عن ابن وهب، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في الحج عن أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان. ومسلم فيه عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى. وأبو داود فيه عن أحمد بن صالح. وابن ماجه فيه عن أبي الطاهر -أربعتهم عن ابن وهب، به. وأخرجه ابن خزيمة برقم (٢٧٨٠). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز إدخال البعير المسجد.
ومنها: جواز الطواف راكباً للمعذور، ولا كراهة فيه، قال العيني: فإن كان غير معذور يعتبر عندنا وعند الشافعي لا يجوز، لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة"، ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج ٢٩٠]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر، وجماعة.
وقال القرطبي: الجمهور على كراهة ذلك. قلنا: نحن أيضًا نقول
стр. 5273
بالكراهة، حتى إنه يعيده ما دام بمكة، وسيجيء مزيد الكلام فيه في باب الحج، إن شاء الله تعالى. اهـ. "عمدة" جـ ٤ ص ٢٤١.
قال الجامع: القول بالكراهة يحتاج إلى دليل.
ومنها: استحباب استلام الحجر الأسود، وتقبيله، إن أمكن، وإلا يستلمه بمحجن، ونحوه، ثم يقبل المحجن، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5274
٢٢ - النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ والشِّرَاءِ فِي المَسْجِدِ, وَعَنِ التَّحَلُّقِ قَبْلَ صَلاةِ الجُمُعَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن البيع والشراء، والنهي عن التحلق؛ أي الجلوس حِلقًا قبل أداء صلاة الجمعة.
٧١٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ.
رجال هذا الأسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي ثم النيسابوري، ثقة حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة حافظ حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁، توفي سنة ١٤٨، من [٥]، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
стр. 5275
٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من [٥]، مات سنة ١٢٨ تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (شعيب) بن محمد، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله، من [٣]، تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده.
ومنها: أن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مما اختلف المحدثون فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه، والصحيح أنه سند حسن، وإلى ذلك أشار السيوطي ﵀ في ألفية الأثر بقوله:
وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِهْ … عَنْ جَدِّهِ فَالأكْثَرُونَ احْتَجَّ بِهْ
حَمْلًا لِجَدِّهِ عَلَى الصَّحَابِي … وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ واسْتِيعَابِ
стр. 5276
وقد تقدم تمام البحث فيه برقم (١٠٥/ ١٤٠)، فارجع إليه تزدد علمًا. والله أعلم، ومنه العون والتوفيق.
شرح الحديث
(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب (عن جده) الصحيح أن الضمير راجع إلى شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أو الضمير لعمرو، والمراد بجده جده الأعلى، وقد وقع التصريح بأنه عبد الله بن عمرو عند أحمد في مسنده من رواية أسامة بن زيد الليثي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فالسند متصل، وقد أشبعت الكلام على هذا السند في الباب (١٠٥/ ١٤٠).
(أن النبي ﷺ نهى عن التَّحَلُّق) أي الجلوس على هيئة الحَلَقَة (يوم الجمعة قبل الصلاة) الظرفان متعلقان بالتحلق، وإنما نهى عنه لما يترتب عليه من قطع الصفوف مع كون الناس مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراص في الصفوف الأُول، فالأول، ولأنه يخالف هيئة اجتماع المصلين، ولأن الاجتماع للجمعة خَطْب عظيم، لا يَسَعُ مَنْ حَضَرَهَا أن يشتغل بغيرها حتى يفرغ منها، والتحلق يوهم غفلتهم عن الأمر الذي نُدِبُوا إليه، ولأن الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخطبة.
والتحلق المنهي عنه أعم من أن يكون للعلم، أو للمذاكرة، أو المشاورة.
والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم، ونحوه، والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيره، مطلقًا، لما أخرجه
стр. 5277
الشيخان من حديث أبي واقد الليثي ﵁، قال: "بينما رسول الله ﷺ في المسجد، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس فيها، وأما الآخر، فجلس خلفهم … " الحديث.
ثم إن الجمهور حملوا النهي في الحديث على الكراهة.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكره الشوكاني ﵀ في نيله جـ ٢ ص ٢٧٣، ولم يتعقبه، ولم يذكروا مستنداً لصرف النهي عن التحريم، فالظاهر أنه للتحريم، لعدم وجود صارف، والله أعلم.
وقال الطحاوي ﵀: التعليق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عَمَّ المسجد، وغلبه، فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس به. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي قاله الطحاوي من التفريق المذكور لا دليل عليه، فالظاهر أن النهي على عمومه. والله أعلم.
(و) نهى (عن الضراء والبيع في المسجد) فيه تحريم الشراء والبيع في المسجد.
قال الإِمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه: وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد. اهـ جـ ١ ص ٢٠٢.
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: والبيع جائز في المساجد، قال
стр. 5278
الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي صحيفة. اهـ. المحلى جـ ٤ ص ٢٤٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما سبق أن الراجح في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه سند حسن إذا صح الطريق إليه، فحديث الباب حديث حسن، يحتج به، فيكون مخصصاً للآية المذكورة، فتبصر، والله أعلم.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى ما حاصله: ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة.
قال العراقي ﵀: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي.
قال الشوكاني: وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقةٌ في التحريم، وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة.
وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترد عليه، وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك، ويكثر، فيكره، أو يقل، فلا كراهة، وهو فرق لا دليل عليه.
стр. 5279
اهـ. "نيل" جـ ٢ ص ٢٧١ - ٢٧٢.
قال الجامع عفا الله عنه: ما حققه الشوكاني رحمه الله تعالى هو الحق. وحاصله: أن البيع والشراء محرم في المسجد مطلقاً، قليلاً أو كثيراً، للمعتكف أو غيره، للنهي المذكور في هذا الحديث، وهو للتحريم لعدم صارف له إلى الكراهة.
وأما كون البيع ينعقد مع التحريم، فيدل له ما أخرجه الترمذي وحسنه، وصححه ابن خزيمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك".
قال ابن خزيمة ﵀: وفيه ما دل على أن البيع ينعقد، وإن كانا عاصيين بفعلهما، قال: لو لم يكن البيع ينعقد لم يكن لقوله ﷺ : "لا أربح الله تجارتك" معنى. اهـ انظر صحيح ابن خزيمة جـ ٢ ص ٢٧٤ - ٢٧٥. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٢/ ٧١٤)، وفي "الكبرى" (٢٢/ ٧٩٣)، عن
стр. 5280
إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وفي (٢٣/ ٧١٥) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان، به، في النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، وفي "عمل اليوم والليلة" عن قتيبة، عن الليث، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن يحيى القطان، به، بلفظ: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التعليق قبل الصلاة يوم الجمعة".
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث، به، نحوه، وليس فيه: إنشاد الضالة، وقال: حسن.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن عبد الله بن سعد الكندي، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، به، بقصة البيع والشراء وتناشد الأشعار. وعن محمد بن رمح، عن عبد الله بن لهيعة، وعن أبي كريب، عن حاتم بن إسماعيل، كلاهما عن ابن عجلان به، بالنهي عن إنشاد الضالة. وفي موضع آخر، بالنهي عن التحلق.
стр. 5281
وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ١٧٩، جـ ٢ ص ٢١٢، وابن خزيمة برقم ١٣٠٦. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
تابع ابن عجلان في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن شعيب أسامةُ ابن زيد الليثي، فقد أخرجه أحمد في مسنده جـ ٢ ص ٢١٢، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك- قال: حدثني أسامة بن زيد، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال. "نهى رسول الله ﷺ عن البيع والاشتراء في المسجد". والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5282
٢٣ - النَّهْىُ عَنْ تَنَاشُدِ الأشْعَارِ فِي المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن تناشد الأشعار في المسجد.
والتَّنَاشُدُ: مصدر تَنَاشَدَ. يقال: أنشد الشِّعْرَ: قرأه، ورفَعَه، وأشاد بذكره، كنَشَدَه، وأنشد بهم: هجاهم، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضًا. اهـ "ق" مع التاج جـ ٢ ص ٥١٤.
والشِّعْر -بكسر، فسكون- لغة: العلم، واصطلاحًا: كلام موزون قصدًا بوزن عربي، فخرج بموزون المنثورُ، وبقصدًا ما كان اتفاقيًا، أي لم يقصد وزنه، فلا يكون شعرًا، كآيات قرآنية، اتفق وزنها، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فإنها على وزن مَجْزُوِّ الرَّمَلِ المسبغ، فلا يسمى شعرًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، وكمركبات نبوية، اتفق وزنها، كقوله ﷺ :
هل أنت إِلا إِصبع دَمِيتِ … وَفِي سَبيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
فإنه على وزن الرجز المقطوع، فلا يسمى شعرًا، للنص المذكور.
انظر "حاشية الدمنهوري على متن الكافي في علمي العروض والقوافي" ص ١٤. والله تعالى أعلم.
стр. 5283
٧١٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
كلهم ذكروا في الباب الماضي إلا قتيبة، والليث، فذُكِرَا قبل بابين، والحديث قطعة من الحديث المذكور في الباب الماضي، كما سبقت الإشارة إليه.
تنبيه:
في هذا الحديث النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، وهو محمول على الأشعار المشتملة على الهجاء والسباب ومدح الظلمة ونحو ذلك، وأما الأشعار التي تشتمل على الخير كمدح الله تعالى ومدح النبي ﷺ والقرآن والإِسلام ونحو ذلك، فيجوز إنشادها في المسجد، لحديث حسان ﵁ الآتي في الياب التالي، كما بينه المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة التالية.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وأما إنشاد الأشعار في المسجد، فحديث الباب، وما في معناه يدل على عدم جوازه،
стр. 5284
ويعارضه ما سيأتي من قصة عمر وحسان ﵄، وتصريح حسان بأنه كان ينشد الشعر بالمسجد، وفيه رسول الله ﷺ ، وكذلك حديث جابر بن سمرة ﵁، قال: "شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم". رواه أحمد وأخرجه الترمذي، ولفظه: "جالست النبي ﷺ أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت، فربما تبسم معهم"، وقال: هذا حديث صحيح.
وقد جُمِعَ بين الأحاديث بوجهين:
الأول: حمل النهي على التنزيه، والرخصة على بيان الجواز.
الثاني: حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه، كهجاء حسان للمشركين، ومدحه ﷺ ، وغير ذلك، ويحمل النهي على التفاخر، والهجاء، ونحو ذلك. ذكر هذين الوجهين العراقي في شرح الترمذي.
قال الجامع عفا الله عنه: والمسلك الثاني هو الأولى في الجمع، وهو الذي سلكه المصنف، حيث قال في الترجمة التالية: "الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد".
وقال الشافعي ﵀: الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح. وقد ورد هذا مرفوعًا في غير حديث، فأخرج أبو يعلى عن
стр. 5285
عائشة ﵂ قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن الشعر، فقال: "هو كلام, فحسنه حسن وقبيحه قبيح". قال العراقي: وإسناده حسن، رواه أيضًا البيهقي في سننه من طريق أبي يعلى، ثم قال: وصله جماعة، والصحيح عن النبي ﷺ مرسل.
وروى الطبراني في الأوسط من رواية إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، وحبان بن أبي جبلة، وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام". قال الطبراني: لا يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الرحمن.
وقال الهيثمي في "المجمع" جـ ٦ ص ٢٠٩ - ٢١٠: وإسناده حسن. اهـ. وليس كما قال، بل إسناده ضعيف, لضعف عبد الرحمن بن زياد، لكن الحديث له شواهد، فهو حسن، وقال الشيخ الألباني: صحيح لغيره. انظر "صحيح الأدب المفرد" رقم ٦٦٤.
وقد جمع الحافظ ﵀ بين الأحاديث يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية، والمبطلين، وحمل المأذون فيه على ما سلم من ذلك، ولكن حديث جابر بن سمرة الماضي فيه التصريح بأنهم كانوا يتذاكرون الشعر، وأشياء من أمر الجاهلية.
قال الجامع: هذا لا ينافي النهي المذكور؛ لأن المراد بالمنهي عنه
стр. 5286
هو ما كان على صفة أهل الجاهلية من التفاخر، والسباب، والطعون، وأما ما ذكر من تذاكر الصحابة الشعر الجاهلي، فالمراد به أنهم يتذاكرونه تحدثًا بنعمة الله عليهم حيث هداهم الله إلى الإِسلام عما كانوا عليه من أمور الجاهلية، وعوضهم من أشعارهم المشتملة على الخنا والفجور بالقرآن العظيم، لا أنهم يريدون إحياء ما كانوا عليه، وتجديد ما تابوا منه، فإن هذا لا يُظَنُّ بهم، ولا يقرهم النبي ﷺ . والله أعلم.
وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الله البوني، فأعمل أحاديث النهي، وادعى النسخ في حديث الإذن، ولم يُوافَقْ على ذلك. حكاه ابن التين عنه. انتهى.
قال الشوكاني ﵀: وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الجواب، وقد أمكن بلا تعسف كما عرفت.
قال ابن العربي ﵀: لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين، وإقامة الشرع، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة، وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها. وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله ﷺ ، فقال (من البسيط):
بَانتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … .. .. .. .. .. ..
стр. 5287
إلى قوله في صفة ريقها:
................ … كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ
قال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب، وإنشادها بين يدي النبي ﷺ في المسجد، أو غيره، فليس فيها مدح خمر، وإنما فيها مدح ريقها، وتشبيهه بالراح، قال: ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث يشوش بذلك على مصل، أو قارىء، أو منتظر للصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره، ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيداً. اهـ. "نيل" جـ ٢ ص ٢٧٢ - ٢٧٣. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5288
٢٤ - الرُّخْصَةُ فِي إنْشَادِ الشِّعْرِ الحَسَنِ فِي المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إنشاد الشعر الحسن، كمدح الله تعالى، ومدح النبي ﷺ ، والقرآن، والدين، والزهد، والورع، ونحو ذلك.
وأراد المصنف رحمه الله تعالى أن النهي المذكور في حديث الباب الماضي محمول على ما إذا كان الشعر مذمومًا، كالهجاء، ومدح الظلمة، ووصف النساء، والخمر، ونحو ذلك، وهو حمل حسن، جمعًا بين الأدلة. والله أعلم.
٧١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ أَنْشَدْتُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
стр. 5289
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة فقيه، منه [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة حجة إمام، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن القرشي المخزومي، المدني، حجة فقيه ثقة إمام، من كبار [٢]، تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (حسان بن ثابت) بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري النجاري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الحسام، ويقال: أبو الوليد المدني شاعر رسول الله ﷺ ، وأمه الفريعة بنت خالد بن حبيش.
روى عن النبي ﷺ . وعنه البراء بن عازب، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الحسن مولى بني نوفل، وابنه عبد الرحمن بن حسان، وخارجة بن زيد بن ثابت، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال ابن سعد: كان قديم الإِسلام، ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهداً، كان يُجَبَّنُ، وكانت له سن عالية.
توفي في خلافة معاوية، وله ١٢٠ سنة. عاش ستين سنة في
стр. 5290
الجاهلية، وستين سنة في الإِسلام.
وقال ابن سعد: قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: عاش حرام عشرين ومائة سنة، وعاش ابنه المنذر كذلك، وعاش ابنه ثابت كذلك، وعاش ابنه حسان كذلك، قال: وكان عبد الرحمن إذا ذكر هذا استلقى على فراشه، وضحك، وتمدد، فمات وهو ابن ٤٨ سنة.
قال أبو نعيم: لا نعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، اتفقت مدة عمرهم مائة وعشرين سنة غيرهم.
وإلى هذا أشار السيوطي في "ألفية الحديث" في تعداد من عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، فقال:
… ثُمَّةَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أنْ عَاشَ ذَا أبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت، قال: إني والله لغلام يَفَعَة ابن سبع سنين، أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهوديًا يصرخ على أطم يثرب يا معشر يهود إذ اجتمعوا إليه، قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة.
وقال لوين في جزئه المشهور: حدثنا حديج، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: قيل لابن عباس: قدم حسان اللعين،
следующие страницы →