← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

هو ما كان على صفة أهل الجاهلية من التفاخر، والسباب، والطعون، وأما ما ذكر من تذاكر الصحابة الشعر الجاهلي، فالمراد به أنهم يتذاكرونه تحدثًا بنعمة الله عليهم حيث هداهم الله إلى الإِسلام عما كانوا عليه من أمور الجاهلية، وعوضهم من أشعارهم المشتملة على الخنا والفجور بالقرآن العظيم، لا أنهم يريدون إحياء ما كانوا عليه، وتجديد ما تابوا منه، فإن هذا لا يُظَنُّ بهم، ولا يقرهم النبي ﷺ . والله أعلم. وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الله البوني، فأعمل أحاديث النهي، وادعى النسخ في حديث الإذن، ولم يُوافَقْ على ذلك. حكاه ابن التين عنه. انتهى. قال الشوكاني ﵀: وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الجواب، وقد أمكن بلا تعسف كما عرفت. قال ابن العربي ﵀: لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين، وإقامة الشرع، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة، وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها. وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله ﷺ ، فقال (من البسيط): بَانتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … .. .. .. .. .. ..

стр. 5287

إلى قوله في صفة ريقها: ................ … كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ قال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب، وإنشادها بين يدي النبي ﷺ في المسجد، أو غيره، فليس فيها مدح خمر، وإنما فيها مدح ريقها، وتشبيهه بالراح، قال: ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث يشوش بذلك على مصل، أو قارىء، أو منتظر للصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره، ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيداً. اهـ. "نيل" جـ ٢ ص ٢٧٢ - ٢٧٣. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5288

٢٤ - الرُّخْصَةُ فِي إنْشَادِ الشِّعْرِ الحَسَنِ فِي المَسْجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إنشاد الشعر الحسن، كمدح الله تعالى، ومدح النبي ﷺ ، والقرآن، والدين، والزهد، والورع، ونحو ذلك. وأراد المصنف رحمه الله تعالى أن النهي المذكور في حديث الباب الماضي محمول على ما إذا كان الشعر مذمومًا، كالهجاء، ومدح الظلمة، ووصف النساء، والخمر، ونحو ذلك، وهو حمل حسن، جمعًا بين الأدلة. والله أعلم. ٧١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ أَنْشَدْتُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 5289

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة فقيه، منه [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة حجة إمام، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن القرشي المخزومي، المدني، حجة فقيه ثقة إمام، من كبار [٢]، تقدم في ٩/ ٩. ٥ - (حسان بن ثابت) بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري النجاري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الحسام، ويقال: أبو الوليد المدني شاعر رسول الله ﷺ ، وأمه الفريعة بنت خالد بن حبيش. روى عن النبي ﷺ . وعنه البراء بن عازب، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الحسن مولى بني نوفل، وابنه عبد الرحمن بن حسان، وخارجة بن زيد بن ثابت، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال ابن سعد: كان قديم الإِسلام، ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهداً، كان يُجَبَّنُ، وكانت له سن عالية. توفي في خلافة معاوية، وله ١٢٠ سنة. عاش ستين سنة في

стр. 5290

الجاهلية، وستين سنة في الإِسلام. وقال ابن سعد: قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: عاش حرام عشرين ومائة سنة، وعاش ابنه المنذر كذلك، وعاش ابنه ثابت كذلك، وعاش ابنه حسان كذلك، قال: وكان عبد الرحمن إذا ذكر هذا استلقى على فراشه، وضحك، وتمدد، فمات وهو ابن ٤٨ سنة. قال أبو نعيم: لا نعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، اتفقت مدة عمرهم مائة وعشرين سنة غيرهم. وإلى هذا أشار السيوطي في "ألفية الحديث" في تعداد من عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، فقال: … ثُمَّةَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أنْ عَاشَ ذَا أبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت، قال: إني والله لغلام يَفَعَة ابن سبع سنين، أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهوديًا يصرخ على أطم يثرب يا معشر يهود إذ اجتمعوا إليه، قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة. وقال لوين في جزئه المشهور: حدثنا حديج، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: قيل لابن عباس: قدم حسان اللعين،

стр. 5291

قال: فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه. قال أبو عبيدة: مات سنة ٥٤، وقال ابن حبان: ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة، وأربع سنين، أيام قتل علي. وقيل: إنه مات سنة ٥٥، وقال عمرو بن العلاء: أشعر أهل الحضر حسان بن ثابت. وقال الحطيئة: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب. وقال ابن قتيبة في الطبقات: انقرض عقبه. أخرج له الجماعة، إلا الترمذي. اهـ. تت بزيادة. جـ ٢ ص ٢٤٧ - ٢٤٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم، إلا الصحابي، فما أخرج له الترمذي، كما مر آنفاً. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، وسفيان، فكوفي، ثم مكي. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، الزهري عن سعيد. ومنها: أن فيه سعيد بن المسيب، أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم ذكرهم غير مرة. ومنها: قال الخزرجي ﵀ في "الخلاصة" ص ٧٥ - ما حاصله: لحسان عند الجماعة فرد حديث، وليس له عن النبي ﷺ سواه، وكذا قال ابن الجوزي في "المجتبى" ص ٧٥. والله أعلم.

стр. 5292

شرح الحديث (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) وهكذا أخرجه البخاري في بدء الخلق، من رواية ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب. وتابعه معمر، عند مسلم، وإبراهيم بن سعد، وإسماعيل بن أمية عند المصنف. وأخرجه المصنفة في عمل اليوم والليلة من الكبرى (٤٣/ ١٠٠٠٠) عن عمران بن بكار، عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، وهكذا عند البخاري في الصلاة عن أبي اليمان، قال الحافظ ﵀: وتابعه إسحاق بن راشد، عن الزهري. أخرجه النسائي. وهذا من الاختلاف الذي لا يضر؛ لأن الزهري من أصحاب الحديث، فالراجح أنه عنده عنهما معًا، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطني على الشيخين، لكنه لم يذكره، فليُسْتَدْرَكْ عليه. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٢٠. (قال: مر عمر بحسان بن ثابت) وهكذا رواية سعيد لهذه القصة بلفظ "مر عمر بحسان" الحديث. قال الحافظ ﵀: وهي عندهم مرسلة؛ لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكن يحمل على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ، أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى، فحضر ذلك سعيد، ويقويه سياق حديث الباب -يعني رواية الزهري، عن أبي سلمة- فإن فيه أن أبا سلمة

стр. 5293

سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنه أصغر من سعيد، فدل على تعدد الاستشهاد، ويجوز أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة، واستشهاده به إنما وقع متأخرًا، لأن "ثم" لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدد، وغايته أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنه المرفوع، وهو مو صول بلا تردد. والله أعلم. اهـ. فتح جـ ٢ ص ١٢٠. (وهو ينشد في المسجد) جملة في محل نصب على الحال من "حسان"، أي والحال أن حسان ﵁ يقرأ أشعاره في المسجد النبوي. (فلحظ إِليه) يقال: لحظته بالعين، ولَحَظتُ إليه، لَحْظاً، من باب نَفَعَ: راقبته، ويقال: نظرت إليه بمُؤخِرِ العين عن يمين ويسار، وهو أشد التفاتاً من الشَّزْرِ. قاله في المصباح. قال الجامع عفا الله عنه: المعنى الثاني هو المراد هنا، أي نظر عمر إلى حسان ﵄ بمؤخرِ عينه إنكارًا لإنشاده في المسجد (فقال) حسان ردّاً لإنكار عمر عليه: (قد أنشدت فيه) أي المسجد (وفيه من هو خير منك) يعني النبي ﷺ ، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المجرور (ثم التفت) حسان ﵁ (إِلى أبي هريرة) ﵁ (فقال: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني") وفي رواية أبي سلمة: "أجب عن رسول الله"،

стр. 5294

فيحتمل أن تكون روايته بالمعنى، والمراد بالإجابة الرد على الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ وأصحابه. وفي الترمذي من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو الكفار". قاله في الفتح. (اللهم أيده) هذا دعاء من النبي ﷺ لحسان ﵁، دعا له بالتأييد، وهو القوة على الكفار (بروح القدس) متعلق بأيد، والمراد بروح القدس هنا جبريل ﵇، كما بينه ما رواه البخاري من حديث البراء وهو عند المصنف في كتاب القضاء من الكبرى (٥٦/ ٦٠٢٤)، ولفظه: "اهجهم، وجبريل معك". والقدس -بضم القاف والدال- بمعنى الطهر، وسمي جبريل بذلك لأنه خلق من الطهر. وقال كعب: القدس الرب ، ومعنى روح القدس روح الله، وإنما سمي بالروح لأنه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيى به الأرواح. وقيل: معنى القدس البركة. ومن أسماء الله تعالى القُدُّوس، أي الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه الأرض المقدسة، وبيت المقدس؛ لأنه الموضع الذي يُتَقَدَّسُ فيه، أي يتطهر فيه من الذنوب. قاله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ٢١٨. (قال) أبو هريرة ﵁: (نعم) ولفظ الكبرى "اللهم نعم"، أي سمعته ﷺ يقول ذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 5295

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث حسان ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٤/ ٧١٦) و"الكبرى" (٢٤/ ٧٩٥) عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: مر عمر … الحديث. وقال أبو الحجاج المزي ﵀: أخرجه النسائي في "الصلاة"، وفي "اليوم والليلة" عن قتيبة، ومحمد بن منصور -فرقهما- كلاهما عن سفيان، به. وعن عمران بن بكار، عن أبي اليمان، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، أنه سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وعن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد -وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد- وعن محمد بن علي بن حرب، عن مُحْرِز بن الوَضَّاح، عن إسماعيل بن أمية - ثلاثتهم عن الزهري، عن سعيد به. وعن محمد بن جبلة الرافقي، عن أحمد بن عبد الملك، عن عتاب ابن بشير، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن أبي سلمة به. وعن محمد بن جبلة، عن محمد بن موسى بن أعين، قال: أصبت

стр. 5296

في كتاب أبي: عن إسحاق بن راشد به. ولم يذكر ابن أبي خلف، وأحمد بن عبدة، وقتيبة، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن علي بن حرب في حديثهم: استشهاد حسان بأبي هريرة، وذكره الباقون. قال المزي: وفي القضاء -يعني في "الكبرى"- عن محمد بن عبد الله ابن بزيع، عن يزيد -يعني ابن زريع- عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، عن حسان بن ثابت، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اهجهم، أو هاجهم -يعني المشركين- وجبريل معك". رواه سفيان ابن حبيب، عن شعبة، فجعله من مسند البراء. قال المزي: حديث محمد بن عبد الله بن بزيع ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم. اهـ. "تحفة الأشراف" جـ ٣ ص ١٠٤ - ١٠٥. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. فأخرجه البخاري في "بدء الخلق" عن علي بن المديني، عن ابن عيينة، به. وفي "الأدب" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق، وفيه، وفي "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة -كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة، به.

стр. 5297

ومسلم في "الفضائل" عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى ابن أبي عمر، وعمرو بن محمد الناقد، ثلاثتهم عن سفيان، به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان، به. وعن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد، ثلاثتهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، به. وأبو داود في "الأدب" عن محمد بن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، به. وأخرجه الحميدي برقم ١١٠٥، وأحمد ج ٢ ص ٢٦٩، ج ٥ ص ٢٢٢، وابن خزيمة رقم ١٣٠٧. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الشعر الحسن في المسجد، وأما النهي الوارد في الباب الماضي، فهو محمول على الشعر المشتمل على الخَنَا، والزور، والكلام الساقط، وبهذا يُجْمَعُ بين الأحاديث المختلفة في هذا الباب، كما هو صنيع المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن الإِمام يتعين عليه الإنكار إذا رأى من أتباعه ما ظن أنه منكر حتى يظهر له عدم كونه منكرًا. ومنها: أنه ينبغي للشخص أن يثبت دعواه بالإشهاد تأكيدًا، وإن

стр. 5298

كان لا يتهم. ومنها: جواز هجاء الكفار، قال العلماء: ينبغي أن لا يُبْدأ المشركون بالسب والهجاء، مخافةً من سبهم الإِسلام وأهله، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وتنزيهًا لألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، كابتدائهم به، فيكافئون، كما فعل النبي ﷺ . ومنها: أن فيه منقبة عظيمة لحسان ﵁؛ حيث دعا له رسول الله ﷺ أن يؤيد بروح القدس. والله تعالى أعلم إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5299

٢٥ - النَّهْيُ عَنْ إنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي المَسْجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن طلب الضالة في المسجد. والإنشاد -بكسر الهمزة- مصدر أنشد، رباعيًا، يقال: أنشد الضالة: عَرَّفَهَا، واسترشد عنها، ضدٌّ. ومثله نَشَدَ الضالة ثلاثيًا - نَشْدًا -من باب قتل-، ونِشْدَةً، ونِشْدانًا- بكسرهما: إذا طلبها، وعَرَّفَها. اهـ. "ق". بتصرف، وزيادة. قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا معنى الاسترشاد؛ لأن المراد طلبها. والله أعلم. والضالة: -بالهاء-: الحَيَوان الضائع ذكرًا كان، أو أنثى. قال الفيومي رحمه الله تعالى -في مادة "ضل"-: والأصل في الضَّلال: الغَيْبَةُ، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالة -بالهاء- للذكر والأنثى، والجمع ضَوَال، مثل دابَّة، ودَوَابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائع، ولُقَطَة، وضَلَّ البعيرُ: غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فقدته. قال الأزهري: وأضللت الشيء بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدابة والناقة، وما أشبهها، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: وضَلِلْتُهُ، ولا تقل: أضللته بالألف.

стр. 5300

وقال ابن الأعرابي: أضَلَّنِي كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تقدر عليه. وقال في البارع: ضَلَّنِي فلان، وكذا في غير الإنسان، يَضلُّنِي: إذا ذهب عنك، وعَجَزْت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْتُهُ. وقال الفارابي: أضْلَلتُهُ بالألف: أضَعْتُهُ. اهـ "الصباح" جـ ٢ ص ٣٦٤. والله تعالى أعلم. ٧١٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا وَجَدْتَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المعافى الحرَّاني، صدوق، من [١٠]، توفي سنة ٢٤٣ هـ. قال النسائي: لا بأس به، وقال أيضًا: صالح. وقال مسلمة: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: مات بقرية بحران في رمضان سنة ٢٤٣ هـ، انفرد به المصنف. ٢ - (محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم أبو عبد الله الحراني، ثقة، توفي سنة ١٩١ على الصحيح، من [٩]، أخرج له

стр. 5301

البخاري في "جزء القراءة" ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦. ٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن يزيد سماك بن رستم الأموي، مولاهم الحراني، ثقة، توفي سنة ١٤٤ هـ، من [٦]، وقيل اسم أبيه يزيد، وقيل: اسم جده سمال -بفتح أوله، وتشديد الميم، وآخره لام، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦ أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. ٤ - (زيد بن أبي أنيسمة) الجزري، أبو أسامة، كوفي الأصل، ثم سكن الرها، ثقة له أفراد، توفي سنة ١١٩ هـ، من [٦]، وقيل: غيره، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦. ٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي، صدوق، يدلس، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي المدني، صحابي ابن صحابي ﵄، أخرج له الجماعة. تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، أخرج لهم الجماعة، إلا شيخه،

стр. 5302

فانفرد هو به، ومحمد بن سلمة فما أخرج له البخاري، إلا في "جزء القراءة"، وأبو عبد الرحيم، فانفرد به مسلم، والمصنف، وأبو داود، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد". ومنها: أن فيه رواية الراوي عن خاله, محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم. ومنها: أن فيه جابر بن عبد الله أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر) بن عبد الله ﵄، أنه (قال: جاء رجل ينشد) تقدم أنه من باب قتل، ويحتمل كونه من الإسناد رباعيًا، والمراد به هنا الطلب (ضالة) تقدم أيضًا أنه الحيوان الضائع ذكرًا كان أو أنثى، ويقال لغيره: ضائع، ولقيط (في المسجد) النبوي (فقال رسول الله ﷺ : "لا وجدت") أي صادفت ضالتك، وهو دعاء عليه بعدم مصادفته لضالته. وقال السندي ﵀: يحتمل أنه دعاء عليه، فكلمة "لا" لنفي الماضي، ودخولها على الماضي بلا تكرار في الدعاء جائز، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١]، ويحتمل أن "لا" ناهية، أي لا تنشُدْ، وقوله: "وجدت" دعاء له، لإظهار أن النهي منه نصح له، إذ الداعي لخير لا

стр. 5303

ينهى إلا نصحًا، لكن اللائق حينئذ الفصل، بأن يقال: لا، ووجدت, لأن تركه موهم، إلا أن يقال: الموضع موضع زجر، فلا يضر به الإيهام، لكونه إيهام شيء، هو آكد في الزجر. اهـ. جـ ٢ ص ٤٩. قال الجامع: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لأن الثاني بعيد عن ظاهر النص، فتبصر. والله أعلم. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ حديث صحيح؛ أخرجه المصنف هنا (٢٥/ ٧١٧)، و"الكبرى" (٢٥/ ٧٩٦) بالسند المذكور. وهو من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى في "تحفته" جـ ٢ ص ٣٠٢. المسألة الثانية: حديث الباب يدل على منع إنشاد الضالة في المسجد، وقد وردت أحاديث فيه: منها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع رجلًا ينشد في مسجدنا ضالة، فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا". رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه. ومنها: حديث بريدة ﵁: "أن رجلًا نَشَدَ في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي ﷺ : "لا وجدت، إنما

стр. 5304

بنيت المساجد لما بنيت له". رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه أيضًا، والمصنف في "عمل اليوم والليلة". ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: في أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك" رواه الترمذي، وحسنه، ورواه المصنف في "عمل اليوم والليلة". ومنها: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة"، رواه أحمد والأربعة، وقد تقدم للمصنف (٢٢/ ٧١٤)، ولكن ليس فيه إنشاد الضالة. وفي هذه الأحاديث دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبةً له في ماله، ومعاملَةً له بنقيض قصده. فينبغي لسامعه أن يقول: لا وجدت، فإن المساجد لم تبن لهذا، أو يقول: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له. كما قاله رسول الله ﷺ . قال النووي رحمه الله تعالى: يستفاد من الحديث النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد.

стр. 5305

قال القاضي عياض: قال مالك، وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم، وغيره، وأجاز أبو حنيفة ﵀، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك ﵀ رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم، ولابد لهم منه. وقوله ﷺ : "إنما بنيت المساجد لما بنيت له": معناه لذكر الله، والصلاة والعلم، والمذاكرة في الخير، ونحوها. قال القاضي عياض: فيه دليل على منع الصنائع في المسجد كالخياطة وشبهها، قال: وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد. قال: قال بعض شيوخنا: إنما يمنع في المسجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس، ويكتسب به، فلا يتخذ المسجد متجراً، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة، وإصلاح آلات الجهاد، مما لا امتهان للمسجد في عمله، فلا بأس به، وحكى بعضهم خلافاً في تعليم الصبيان فيها. اهـ. "شرح مسلم" جـ ٥ ص ٥٥. وفي "النيل" جـ ٢ ص ٢٦٩: وكره بعض المالكية تعليم الصبيان في المساجد، وقال: إنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فإن كان بغير أجرة كان مكروهاً، لعدم تحرزهم من الوسخ الذي يصان عنه المسجد. ونقل في "الفتح" جـ ٢ ص ١٢٦ - عن مالك رواية أخرى، وهي

стр. 5306

التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لابد منه, فيجوز، وبين رفعه باللفظ ونحوه؛ فلا. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل المنقول عن مالك في هذه الرواية هو الذي يترجح عندي في المسألة. وحاصله أن يقال: إن رفع الصوت في المسجد إن كان فيما يتعلق به غرض ديني، أو نفع دنيوي فجائز، وإلا فلا، وعلى ذلك يدل عمل الإِمام البخاري ﵀ في صحيحه، حيث ترجم "باب رفع الصوت في المساجد"، ثم ساق بسنده عن السائب بن يزيد، قال: "كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما -أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ". ثم أورد بسنده حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ دينًا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ ، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجْفَ حُجْرَته، ونادى: "يا كعب بن مالك، يا كعب"، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضَعِ الشطر من دينك، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : "قم فاقضه".

стр. 5307

فأورد البخاري ﵀ حديث عمر الدال على المنع، وحديث كعب الدال على الجواز، حيث قرر ﷺ المتخاصمين في رفع أصواتهما في المسجد، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تلجىء الضرورة إليه. وهو تفصيل حسن، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن رفع الصوت في المساجد فإنها -كما قال الحافظ في الفتح جـ ٢ ص ١٣٦ - ضعيفة، فلا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة, وعلى تقدير صحتها، فإنها تحمل على اللغو واللَّغَط، ومما لا فائدة فيه. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5308

٢٦ - إِظْهَارُ السِّلاحِ فِي المَسْجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم إظهار السلاح في المسجد. والسلاح -بالكسر-: ما يقَاتَلُ به في الحرب، ويُدَافَعُ، والتذكير أغلب من التأنيث، فيجمع على التذكير: أسْلحَة، وعلى التأنيث: سِلاحات، والسِّلْح - وِزان حمْل لغة في السلاح، وأخذ القوم أسلحتهم، أي أخذ كل واحد سلاحه. قاله في المصباح جـ ١ ص ٢٨٤. ثم اعلم أن الظاهر أنه أراد بإظهار السلاح حمله ظاهرًا مع الأخذ بنصله، فيكون حكمه الجواز، ويحتمل أن يكون إبداء نصله، فيكون حكمه المنع، لأجل الإيذاء، ويؤيد إلاحتمال الأول -وهو الأقرب لظاهر الحديث- الترجمة التالية، فإنها لبيان جواز تشبيك الأصابع، ويؤيد الاحتمال الثاني الترجمة السابقة، فإنها لبيان النهي عن إنشاد الضالة. والله أعلم. ٧١٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ، بَصْرِيٌّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرًا، يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 5309

"خُذْ بِنِصَالِهَا". قَالَ: نَعَمْ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور) بن مخرمة، أبو بكر الزهري البصري، صدوق، توفي سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، وتقدم في ٤٢/ ٤٨. تنبيه: قوله: "بصري" هكذا في النسخ منكراً، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو بصري، والله أعلم. ٢ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي الجوَّاز المكي، ثقة، من [١٠]، توفي سنة ٢٥٢، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٠/ ٢١. ٣ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الحافظ الحجة المثبت، توفي سنة ١٩٨ هـ، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٤ - (عمرو) بن دينار الجمحي، أبو محمد الأثرم المكي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة تقدم في ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (جابر) بن عبد الله ﵄ المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.

стр. 5310

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعياته، وهو (٣٧) منها. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول لم يخرج له البخاري، والثاني من أفراده. ومنها: أن هذا السند أصح أسانيد أهل مكة، قال أبو عبد الله الحاكم: وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر. انظر تدريب الراوي جـ ١ ص ٨٤. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والقولَ، والسماعَ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) سفيان بن عيينة: (قلت لعمرو) بن دينار: (أسمعت جابرًا يقول: مر رجل بسهام في المسجد) النبوي، ولمسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ أمر رجلًا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها، إلا وهو آخذ بنصالها. قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه إلى الآن. (فقال له رسول الله ﷺ : "خذ بنصالها") "النصال" -بالكسر- جمع "نصل" -بفتح فسكون- وهي -كما في "ق"- حديدة السهمِ والرمحِ والسيفِ ما لم يكن له مَقْبِضٌ، ويجمع أيضًا على أنْصُلٍ ونُصُولٍ.

стр. 5311

وإنما أمره بالأخذ بنصالها, لئلا يؤذي أحدًا من المسلمين، ففي رواية الشيخين من طريق حماد بن زيد، عن عمرو: "أن رجلًا مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصولها، فأمره أن يأخذ بنصولها، كي لا تخدش مسلمًا". قال الجامع عفا الله عنه: حكم المجامع كالأسواق ونحوها حكم المساجد في هذا، لما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا بنبل، فليأخذ على نصالها, لا يعقِرْ مسلمًا". وفي رواية لمسلم: "فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين"، وفي رواية: "فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها". (قال) عمرو بن دينار: (نعم) سمعته يقول ذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا (٢٦/ ٧١٨)، و"الكبرى" (٢٦/ ٧٩٧) بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

стр. 5312

أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه. فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن قتيبة، وفي "الفتن" عن علي بن عبد الله، ومسلم في "الأدب" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، وابن ماجه في "الأدب" عن هشام بن عمار، خمستهم عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز حمل السلاح في المسجد مع الإمساك بنصله، لئلا يؤدي مسلمًا، وأما ما رواه الطبراني في الأوسط -كما في الفتح جـ ٢ ص ١١٨ - من حديث أبي سعيد ﵁، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تقليب السلاح في المسجد", فمحمول على ما إذا خيف منه الضرر. ومنها: تعظيم قليل الدم وكثيره، وتأكيد حرمة المسلمين. ومنها: أن فيه بيان كريم أخلاقه ﷺ ، وشدة رأفته بالمؤمنين، كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: لم يقع في رواية البخاري عن قتيبة في الصلاة جواب عمرو بقوله: نعم، فقال: ابن بطال ﵀: حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد, لأن سفيان لم يقل: إن عمرًا قال له: نعم،

стр. 5313

قال: ولكن ذكره البخاري في غير كتاب الصلاة، وزاد في آخره، "فقال: نعم"، فبان بقوله: نعم إسناد الحديث. قال الحافظ ﵀: قلت: هذا مبني على المذهب المرجوح في اشتراط قول الشيخ: "نعم" إذا قال له القارىء مثلًا: أحدثك فلان؟ والمذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين -ومنهم البخاري- أن ذلك لا يشترط، بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا، وعلى هذا فالإسناد في حديث جابر ظاهر، والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١١٨. قال الجامع عفا الله عنه: المسألة المذكورة قد حقق الاختلاف فيها النووي ﵀ في تقريبه، فقال: إذا قرأ على الشيخ قائلًا: أخبرك فلان، أو نحوه، والشيخ مُصْغٍ إليه، فَاهِمٌ له، غير منكر، ولا مقر لفظًا، صح السماع، وجازت الرواية به، اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار، كقوله: نعم، على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الحديث والفقه والأصول، وشرط بعض الشافعيين، كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسليم الرازي، وبعض الظاهريين نطقه به، وقال ابن الصباغ الشافعي: ليس له أن يقول: حدثني، ولا أخبرني، وله أن يعمل به، وأن يرويه قائلًا: قرأت عليه، أو قرىء عليه، وهو يسمع، وصححه الغزالي، والآمدي، وحكاه عن المتكلمين، وحكى تجويز ذلك عن الفقهاء والمحدثين، وحكاه الحاكم عن الأئمة الأربعة، وصححه ابن الحاجب. وقال

стр. 5314

الزركشي: يشترط أن يكون سكوته لا عن غفلة أو إكراه، وفيه نظر، ولو أشار الشيخ برأسه، أو أصبعه للإقرار، ولم يتلفظ فجزم في المحصول بأنه لا يقول: حدثني، ولا أخبرني، قال العراقي: وفيه نظر. اهـ. "تقريب مع شرحه التدريب" جـ ٢ ص ٢٠. وإلى هذا أشار الحافظ السيوطي في "ألفية الأثر" بقوله: إِذَا قُرِي وَلَمْ يُقِرَّ المُسْمَعُ … لَفْظًا كَفَى وَقِيلَ: لَيَسَ يَنْفَعُ ثَالِثُهَا يَعْمَلُ أوْ يَرُوِيهِ … بِقَدْ قَرَأتُ أوْقُرِي عَلَيْهِ والحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب الجمهور، وهو صحة السماع بذلك، فيكون سكوته مع خلو الموانع مُنَزَّلا منزلة إقراره. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5315

٢٧ - تَشْبِيكُ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز تشبيك الأصابع في المسجد. والتشبيك مصدر شَبَّكَ، بالتشديد. قال العلامة ابن منظور ﵀: الشَّبْك: من قولك: شَبَكْتُ أصابعي بعضها في بعض، فاشتبكت، وشَبَّكتُهَا، فتشَبَّكَتْ، على التكثير، والشَّبْك: الخَلْط، والتداخل، ومنه تشبيك الأصابع، وفي الحديث: "إذا مضى أحدكم إلى الصلاة، فلا يشبكن بين أصابعه، فإنه في صلاة". وهو إدخال الأصابع بعضها في بعض, قيل: كره ذلك كما كره عَقْص الشعر، واشتمال الصماء، والاحتباء، وقيل: التشبيك، والاحتباء مما يجلب النوم، فنهي عن التعرض لما ينقض الطهارة، وتأوله بعضهم أن تشبيك اليد كناية عن ملابسة الخصومات، والخوض فيها، واحتج بقوله ﷺ حين ذكر الفتن، وشبك بين أصابعه، وقال: "اختلفوا، فكانوا هكذا" اهـ. لسان جـ ٤ ص ٢١٨٧. قال الجامع عفا الله عنه: الحديث أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة ﵁ مرفوعًا، بلفظ: "إذا توضأ أحدكم، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة"، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وفي إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ١٤٤.

стр. 5316

ومحل استدلال المصنف من حديث الباب قوله: "إذا ركع شبك بين أصابعه"، فالحديث وإن كان منسوخًا -كما يأتي- من حيث توسط الإِمام بين المأمومَينِ، ومن حيث التطبيق للأحاديث المعارضة له المتأخرة عنه، فهو باق فيما عدا ذلك، إذ لم يوجد دليل يعارضه فيه، فتبصر. والله أعلم، ومنه التوفيق. ٧١٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَلْقَمَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَنَا أَصَلَّى هَؤُلَاءِ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: قُومُوا، فَصَلُّوا. فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، فَصَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، فَجَعَلَ إِذَا رَكَعَ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَجَعَلَهَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، ثقة حافظ حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.

стр. 5317

٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون، من [٨]، تقدم في ٨/ ٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت مدلس، من [٥]، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (إِبراهيم) بن يزيد النخعي، أبو عمران الفقيه، ثقة يرسل كثيراً، من [٥]، تقدم في ٢٩/ ٣٩. ٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، من [٢]، تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٦ - (عبد الله بن مسعود) أبو عبد الرحمن الكوفي ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفق عليهم الجماعة إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش، وإبراهيم، والأسود.

стр. 5318

ومنها: أن فيه رواية الأقران؛ فالأعمش، وإبراهيم كلاهما من الطبقة الخامسة. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والتحديث والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن إِبراهيم، عن الأسود) أنه (قال: دخلت أنا وعلقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة، مات بعد ٦٠ هـ، وقيل: بعد ٧٠ هـ، من [٢]، وتقدمت ترجمته في (٦١/ ٧٧) (على عبد الله بن مسعود) ﵁، ولمسلم: "أتينا عبد الله في داره"، وللمصنف في الرواية الآتية (١٠٢٩): "أنهما كانا مع عبد الله في بيته". (فقال لنا: أصلى هؤلاء؟) ولمسلم: "أصلى هؤلاء خلفكم"، يعني الأمير والتابعين له، وفيه إشارة إلى إنكار تأخيرهم الصلاة (قلنا: لا) أي لم يصلوا (قال: قوموا، فصلوا)، قال النووي ﵀: فيه جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يسقط بها فرض الكفاية، إذا قلنا بالمذهب الصحيح أنها فرض كفاية، بل لابد من إظهارها، وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود ﵁ على فعلها في البيت؛ لأن الفرض كان يسقط بفعل الأمير، وعامة الناس، وإن أخروها إلى أواخر الوقت. اهـ. "شرح مسلم" جـ ٥ ص ١٥.

стр. 5319

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح أن صلاة الجماعة فرض عين، لا يسقط إلا من عذر، ومن جملة الأعذار تأخير الأئمة الصلاة عن وقتها، فيحمل فعل ابن مسعود على هذا. وسيأتي تحقيق المسألة في كتاب الإمامة إن شاء الله تعالى. (فذهبنا) أي أردنا، أو شرعنا (لنقوم خلفه) كما هو مذهب جمهور الصحابة (فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله) أي جعلنا في جنبيه، وقام هو في الوسط، ولمسلم: "فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله". قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإِمام رجلان وقفا وراءه صفًا، لحديث جابر، وجبار بن صخر ﵄، وقد ذكره مسلم في صحيحه في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر ﵁، وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد، فيقف عن يمين الإِمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان فهم مجمعون على أنه يقف عن يمينه. اهـ. "شرح مسلم" جـ ٥ ص ١٦. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة في

стр. 5320

محله من كتاب الإمامة، إن شاء الله تعالى. (فصلى بغير أذان ولا إِقامة) هذا أيضًا مذهب ابن مسعود ﵁ وبعض السلف من أصحابه وغيرهم، أنه لا يشرع الأذان ولا الإقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه، ويقام لصلاة الجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه، ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان، فقال بعضهم: يشرع له، وقال بعضهم: لا يشرع. قال النووي ﵀: ومذهبنا: الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة، وإلا فلا يشرع. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي مشروعية الأذان لكل فصل مطلقًا، لظواهر النصوص، كما تقدم البحث عنه في بابه. والله أعلم. (فجعل إِذا ركع شبك بين أصابعه، وجعلها بين ركبتيه) ولمسلم: "فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطبق بين كفيه، ثم أدخلهما فخذيه". وهذا الفعل هو المسمى بالتطبيق، وهو منسوخ كنسخ توسط الإِمام المتقدم آنفاً، لكنه لم يبلغ ابن مسعود، وطائفة.

стр. 5321

قال النووي ﵀: مذهبنا، ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين على الركبتين، وكراهة التطبيق، إلا ابن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود، فإنهم يقولون: إن السنة التطبيق؛ لأنه لم يبلغهم الناسخ، وهو حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ -يعني الآتي للنسائي برقم (١٠٣٢، ١٠٣٣) - قال: والصواب ما عليه الجمهور، لثبوت الناسخ الصريح. اهـ - وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. (وقال) ابن مسعود ﵁: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) يعني التطبيق. وفي رواية مسلم: "قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء، يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويَخْنُقُونها إلى شَرَقِ الموتَى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلُّوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة، وإذا كنتم ثلاثة، فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم، فليُفْرِش ذراعيه على فخذيه، ولْيَجْنَأ، وليطبق بين كفيه، فلكأني انظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ ، فأراهم"، ومعنى "وليجنأ": ينعطف. والله أعلم ومنه التوفيق وعليه التكلان.

стр. 5322

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا (٢٧/ ٧١٩)، و"الكبرى" (٢٧/ ٧٩٨) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنه. وفي (٧٢٠) و"الكبرى" (٧٩٩) عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر، عن شعبة، عن الأعمش، عن علقمة، والأسود، كلاهما عنه. و (١٠٢٩) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش، به، نحوه، والكبرى عن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم، عن مفضل بن مهلهل، عن الأعمش، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم مطولًا في "الصلاة" عن أبي كريب، عن أبي معاوية، وعن منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن محمد ابن رافع، عن يحيى بن آدم، عن مفضل ابن مهلهل؛ أربعتهم عن الأعمش -وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور- كلاهما

стр. 5323

عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، به، وأخرجه أحمد في "مسنده". والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو جواز التشبيك في المسجد، وقد تقدم وجه الاستدلال من الحديث في أول الباب. ومنها: الإنكار على الأئمة إذا أخروا الصلاة، والمبادرة إلى أدائها في أول وقتها، ثم إذا أدركها معهم يصليها نافلة، إحرازاً لفضيلة أول الوقت، وفضيلة الجماعة، فقد تقدم في رواية مسلم، قال: "فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنُقونها إلى شَرَقِ الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة" … الحديث. وأما التطبيق، وقيام الإِمام بين الاثنين، فقد تقدم أن ذلك مذهب ابن مسعود ﵁، وخالفه في ذلك كافة العلماء، لكونه منسوخاً، وأما الصلاة بغير أذان ولا إقامة فقد تقدم أن الأرجح خلافه. والله أعلم. المسألة الخامسة قد جاءت أحاديث تدل على جواز التشبيك: فمنها: حديث أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك ﷺ أصابعه" متفق عليه.

стр. 5324

ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه" … الحديث. متفق عليه. ومنها: ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه كما ذكره أبو مسعود في الأطراف، عن رواية ابن رميح، عن الفربري، وحماد بن شاكر جميعًا عن البخاري، قال: حدثنا حامد بن عمر، عن بشر ابن المفضل، قال: حدثنا عاصم بن محمد، قال: حدثنا واقد -يعني أخاه-، عن أبيه -يعني محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر- عن ابن عمر -أو ابن عمرو- ﵄، "شبك النبي ﷺ أصابعه". قال البخاري: وقال عاصم بن علي: حدثنا عاصم بن محمد، سمعت هذا الحديث من أبي، فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بقيت في حُثالة من الناس بهذا". وقد ساقه الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" نقلًا عن أبي مسعود، وزاد هو "قد مَرَجَتْ عهودهم، وأماناتهم، واختلفوا، فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه"؟. قال: فكيف أفعل يا رسول الله، قال: "تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك،

стр. 5325

وتدعهم وعوامهم". انظر "الفتح" جـ ٢ ص ١٤٣ - ١٤٤، وعمدة القاري جـ ٤ ص ٢٦٠. والحثالة -بضم المهملة، وتخفيف المثلثة-: الرديء من كل شيء، وقيل: غير ذلك. ومعنى "مرجت عهودهم، وأماناتهم": فسدت، ولم يوفوا بها. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: دل حديث الباب، والأحاديث التي ذكرناها على جواز تشبيك الأصابع، سواء كان في المسجد، أو غيره، وكره إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر، وابنه سالم، فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة. وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة. أفاده العيني في "عمدته" جـ ٤ ص ٢٦١. وقد وردت أحاديث تعارض أحاديث الباب: فمنها: حديث كعب بن عجرة ﵁: "أن النبي ﷺ قال له: "يا كعب إذا توضأت، فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد، فلا تشبك بين أصابعك، فإنك في صلاة". أخرجه ابن حبان
следующие страницы →