قال النووي ﵀: مذهبنا، ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين على الركبتين، وكراهة التطبيق، إلا ابن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود، فإنهم يقولون: إن السنة التطبيق؛ لأنه لم يبلغهم الناسخ، وهو حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ -يعني الآتي للنسائي برقم (١٠٣٢، ١٠٣٣) - قال: والصواب ما عليه الجمهور، لثبوت الناسخ الصريح. اهـ - وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
(وقال) ابن مسعود ﵁: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) يعني التطبيق.
وفي رواية مسلم: "قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء، يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويَخْنُقُونها إلى شَرَقِ الموتَى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلُّوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة، وإذا كنتم ثلاثة، فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك، فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم، فليُفْرِش ذراعيه على فخذيه، ولْيَجْنَأ، وليطبق بين كفيه، فلكأني انظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ ، فأراهم"، ومعنى "وليجنأ": ينعطف.
والله أعلم ومنه التوفيق وعليه التكلان.
стр. 5322
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٢٧/ ٧١٩)، و"الكبرى" (٢٧/ ٧٩٨) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنه. وفي (٧٢٠) و"الكبرى" (٧٩٩) عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر، عن شعبة، عن الأعمش، عن علقمة، والأسود، كلاهما عنه. و (١٠٢٩) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش، به، نحوه، والكبرى عن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم، عن مفضل بن مهلهل، عن الأعمش، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم مطولًا في "الصلاة" عن أبي كريب، عن أبي معاوية، وعن منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن محمد ابن رافع، عن يحيى بن آدم، عن مفضل ابن مهلهل؛ أربعتهم عن الأعمش -وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور- كلاهما
стр. 5323
عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، به، وأخرجه أحمد في "مسنده". والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو جواز التشبيك في المسجد، وقد تقدم وجه الاستدلال من الحديث في أول الباب.
ومنها: الإنكار على الأئمة إذا أخروا الصلاة، والمبادرة إلى أدائها في أول وقتها، ثم إذا أدركها معهم يصليها نافلة، إحرازاً لفضيلة أول الوقت، وفضيلة الجماعة، فقد تقدم في رواية مسلم، قال: "فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنُقونها إلى شَرَقِ الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة" … الحديث.
وأما التطبيق، وقيام الإِمام بين الاثنين، فقد تقدم أن ذلك مذهب ابن مسعود ﵁، وخالفه في ذلك كافة العلماء، لكونه منسوخاً، وأما الصلاة بغير أذان ولا إقامة فقد تقدم أن الأرجح خلافه. والله أعلم.
المسألة الخامسة قد جاءت أحاديث تدل على جواز التشبيك:
فمنها: حديث أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك ﷺ أصابعه" متفق عليه.
стр. 5324
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه" … الحديث. متفق عليه.
ومنها: ما أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه كما ذكره أبو مسعود في الأطراف، عن رواية ابن رميح، عن الفربري، وحماد بن شاكر جميعًا عن البخاري، قال: حدثنا حامد بن عمر، عن بشر ابن المفضل، قال: حدثنا عاصم بن محمد، قال: حدثنا واقد -يعني أخاه-، عن أبيه -يعني محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر- عن ابن عمر -أو ابن عمرو- ﵄، "شبك النبي ﷺ أصابعه".
قال البخاري: وقال عاصم بن علي: حدثنا عاصم بن محمد، سمعت هذا الحديث من أبي، فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بقيت في حُثالة من الناس بهذا".
وقد ساقه الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" نقلًا عن أبي مسعود، وزاد هو "قد مَرَجَتْ عهودهم، وأماناتهم، واختلفوا، فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه"؟. قال: فكيف أفعل يا رسول الله، قال: "تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك،
стр. 5325
وتدعهم وعوامهم". انظر "الفتح" جـ ٢ ص ١٤٣ - ١٤٤، وعمدة القاري جـ ٤ ص ٢٦٠.
والحثالة -بضم المهملة، وتخفيف المثلثة-: الرديء من كل شيء، وقيل: غير ذلك. ومعنى "مرجت عهودهم، وأماناتهم": فسدت، ولم يوفوا بها. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: دل حديث الباب، والأحاديث التي ذكرناها على جواز تشبيك الأصابع، سواء كان في المسجد، أو غيره، وكره إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر، وابنه سالم، فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة.
وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد، وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة. أفاده العيني في "عمدته" جـ ٤ ص ٢٦١.
وقد وردت أحاديث تعارض أحاديث الباب:
فمنها: حديث كعب بن عجرة ﵁: "أن النبي ﷺ قال له: "يا كعب إذا توضأت، فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد، فلا تشبك بين أصابعك، فإنك في صلاة". أخرجه ابن حبان
стр. 5326
في صحيحه جـ ٥ ص ٥٢٤.
وأخرجه أبو داود بلفظ: "إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج إلى الصلاة، فلا يشبكن يده، فإنه في صلاة"، وأخرجه الترمذي، وأحمد، وابن خزيمة، والطبراني. وفي إسناده اختلاف، ضعفه بعضهم بسببه، قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ١٤٤.
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه". أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وروى ابن أبي شيبة: "إذا صلى أحدكم، فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه". قال في "الفتح" جـ ٢ ص ٤٤: وفي إسناده ضعيف، ومجهول.
قال الجامع عفا الله عنه: قد جمع العلماء بين هذه الأحاديث، فقال العلامة ابن المنَيِّر ﵀: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض، إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث -يعني حديث الجواز- إنما هو لمقصود التمثيل، وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس.
стр. 5327
قال الحافظ: هو في حديث أبي موسى، وابن عمر كما قال، بخلاف حديث أبي هريرة ﵁.
وجمع الإسماعيلي ﵀ بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة، أو قاصدًا لها، إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك، أما حديث ابن عمر، وأبي موسى، فظاهران. وأما حديث أبي هريرة، فلأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة. والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة، كما قدمنا، فهي غير معارضة لحديث أبي هريرة، كما قال ابن بطال رحمه الله تعالى. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٤٤.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وأحاديث الباب خالية عن ذلك، فيه نظر؛ لأن حديث ابن مسعود ﵁ الذي استدل به النسائي على جواز التشبيك غير خال عن ذلك؛ لأنه داخل الصلاة، اللهم إلا إذا قلنا بنسخه، كالتطبيق، وقيام الإمام بين الاثنين، وهو خلاف رأي النسائي، فعندي الأولى حمل النهي على فعل ذلك عبثًا، كما تقدم في قول ابن المنير، والله أعلم.
وقوله أيضًا: أحاديث النهي ضعيفة، فيه نظر، إذ هي بمجموعها صالحة للاحتجاج بها، فقد صححها ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي. راجع تحقيق صحيح ابن حبان للشيخ شعيب
стр. 5328
الأرناؤوط جـ ٥ ص ٣٨٣ - ٣٨٥. فالأولى الجمع بينها بما ذكر آنفًا. والله أعلم.
وجمع المجد ابن تيمية ﵀ في المنتقى بأن فعله ﷺ يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة، لكون فعله نادرًا.
قال الشوكاني ﵀: ولكن يبعد أن يفعل ﷺ ما كان مكروهًا، والأولى أن يقال: إن النهي عن التشبيك ورد بألفاظ خاصة بالأمة، وفعله ﷺ لا يعارض قوله الخاص بهم، كما تقرر في الأصول. اهـ. "نيل" جـ ٣ ص ٢٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم غير مرة رد هذه القاعدة التي تبناها الشوكاني، في كثير من الأحاديث الفعلية إذا تعارضت مع القولية، والمسألة مختلف فيها عند الأصوليين، والحق أن فعله ﷺ مثل قوله، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، فالأولى في الجمع هنا أن يقال: إن أحاديث النهي محمولة على من فعل ذلك عبثًا، كما تقدم تقريره قريبًا. والله أعلم. وهو ولي التوفيق.
واختلف في حكمة النهي عن التشبيك، فقيل: لكونه من الشيطان، كما تقدم في رواية ابن أبي شيبة. وقيل: لأن التشبيك يجلب النوم، وهو من مظان الحدث. وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله ﷺ -
стр. 5329
للمصلين: "ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم". اهـ "فتح" جـ ٢ ص ١٤٤.
والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
٧٢٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
كلهم تقدموا في السند الماضي، إلا اثنين:
١ - (النضر) بن شميل المازني أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة، ثبت، من كبار [٩]، توفي سنة ٢٠٤، وله ٨٢ سنة أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٤٥.
٢ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، الإِمام الحجة المثبت العابد، توفي سنة ١٦٠ هـ، من [٧] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
تنبيهات:
الأول: سليمان في هذا السند: هو الأعمش المذكور في السند السابق.
الثاني: السند الأول عال؛ لأن المصنف وصل إلى الأعمش فيه
стр. 5330
بواسطتين، بخلاف الثاني، فقد وصل إليه بثلاث وسائط.
الثالث: قوله: "فذكر نحوه"، الظاهر أن الضمير يرجع إلى إسحاق شيخه، يعني أنه أخبره عن شيخه النضر، عن شعبة إلخ، فذكر نحو ما ذكره عن شيخه عيسى بن يونس، عن الأعمش إلخ.
ويحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى شعبة، يعني أن شعبة ذكر عن الأعمش نحو ما ذكره عيسى بن يونس، عنه.
الرابع: إذا ساق المحدث حديثًا بإسناده، ثم أتبعه إسنادًا آخر، وقال في آخره: "مثله" فأراد السامع منه رواية المتن بالإسناد الثاني، فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه الثوري، وابن معين إذا كان متحفظًا مميزًا بين الألفاظ، وكان جماعة من العلماء إذا روى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد، ثم قال: مثل حديث قبله، متنه كذا، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قال: "نحوه" -كما قال المصنف هنا- فأجازه الثوري، ومنعه شعبة، وابن معين.
قال أبو عبد الله الحاكم ﵀: إن مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان أن يفرق بين "مثله"، و"نحوه"، فلا يحل أن يقول: مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل "نحوه" إذا كان بمعناه، انظر التقريب مع التدريب جـ ٢ ص ١١٩ - ١٢٠.
وإلى هذا أشار السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَلَوْ رَوَى مَتْنًا بِإِسْنَادٍ وَقَدْ … جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتنٌ لَمْ يُعَدْ
стр. 5331
بَلْ قالَ فِيه "نَحْوَهُ" أوْ "مِثْلَهُ" … لا تَرْوِ بِالثَّانِ حَديثًا قبْلَهُ
وَقِيلَ جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ … ذَا مَيْزَةٍ وَقِيلَ لا في "نَحْوِهِ"
الحَاكمْ اخْصصْ "نَحْوَهُ" بِالمَعْنَى … وَ"مِثْلَهُ" بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنّا
وَالوَجْهُ أنْ يَقُولَ مِثْلَ خَبَرِ … قَبْلُ وَمَتْنُهُ كذَا فَلْيَذْكرِ
والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5332
٢٨ - الاسْتِلْقَاءُ فِي المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الاستلقاء في المسجد.
والاستلقاء: مصدر "استلقى"، يقال: استلقى على قفاه: إذا نام. ومحل استدلال المصنف رحمه الله تعالى من الحديث واضح.
٧٢١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، "أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عباد بن تميم) بن غَزِيَّةَ الأنصاري المازني المدني، ثقة، من [٣]، وقد قيل: له رؤية. أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٩/ ٧٤.
стр. 5333
٥ - (عمه) عبد الله بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد، الصحابي الشهير، استشهد بالحرة، سنة ٦٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٠/ ٩٧. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي, ابن شهاب، عن عباد.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه, عباد، عن عبد الله بن زيد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عباد بن تميم) المازني المدني (عن عمه) عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو أخو أبيه تميم لأمه، كما في تهذيب التهذيب، والتقريب، وفي تهذيب الكمال: أخوه لأمه، وقيل: لأبيه (أنه رأى) بمعنى أبصر، فلذا اكتفت بمفعول واحد، وهو قوله: (رسول الله ﷺ ) وقوله: (مستلقيًا) منصوب على الحال من "رسول الله"، وكذا قوله: "واضعاً"، وهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون "واضحًا" حالًا من الضمير المستتر في "مستلقيًا"، فعلى هذا يكون
стр. 5334
الحالان متداخلتين. قاله العيني. (في المسجد) متعلق بما قبله.
(واضعًا إِحدى رجليه على الأخرى) قال الخطابي ﵀: فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة، والجواز حيث يؤمن ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: النهي الوارد في ذلك هو ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب اللباس، عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره".
وفي رواية: "لا تمش في نعل واحد، ولا تَحْتَبِ في إزار واحد، ولا تأكل بشمالك، ولا تشتمل بالصماء، ولا تضع إحدى رجليك على الأخرى إذا استلقيت"، وفي رواية: "لا يستلقين أحدكم، ثم يضعُ إحدى رجليه على الأخرى". انظر "صحيح مسلم" جـ ٦ ص ١٥٤.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الثاني -يعني الوجه الثاني مما قاله الخطابي- أولى من ادعاء النسخ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به البيهقي، والبغوي، وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال، ومن تبعه بأنه منسوخ، وقال المازري: إنما بوب على ذلك؛ لأنه وقع في كتاب أبي داود، وغيره، لا في الكتب الصحاح: النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، لكنه عام؛ لأنه قول يتناول الجميع، واستلقاؤه في المسجد فعل يُدَّعَى قصرُهُ عليه، فلا يؤخذ منه الجواز،
стр. 5335
لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصًا به ﷺ ، بل هو جائز مطلقًا، فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض، فيجمع بينهما، فذكر نحو ما ذكره الخطابي.
قال الحافظ: وفي قوله عن حديث النهي: ليس في الكتب الصحاح إغفال، فإن الحديث عند مسلم في اللباس من حديث جابر، وفي قوله: "فلا يؤخذ منه الجواز" نظر؛ لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظاهر أن فعله ﷺ ، كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة، لا عند مُجْتَمَع الناس، لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام.
قال الخطابي ﵀: وفيه جواز الاتكاء في المسجد، والاضطجاع، وأنواع الاستراحة. وقال الداودي ﵀: فيه أن الأجر الوارد للاَّبِث في المسجد لا يختص بالجالمس، بل يحصل للمستلقي أيضًا. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٤٠.
قال البخاري ﵀: وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك -يعني الاستلقاء في المسجد، ووضع الرجل على الأخرى-. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متفق عليه.
стр. 5336
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٨/ ٧٢١)، و"الكبرى" (٢٨/ ٨٠٠) عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك -وفي اللباس عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد- وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله، عن سفيان - ثلاثتهم، عن الزهري، عنه، به.
ومسلم في "اللباس" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وعن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، خمستهم، عن سفيان، به. وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس - وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حُميد، كلاهما، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهريّ به.
وأبو داود في "الأدب" عن القعنبي، والنفيلي، كلاهما عن مالك، به.
والترمذي في "الاستئذان" عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان، به. وقال: حسن صحيح.
وأخرجه مالك في "الموطأ" (١٢٤)، وأحمد في "مسنده" (٤/ ٣٨)،
стр. 5337
(٤/ ٤٠)، والحميدي رقم ٤١٤، والدارمي (٢٦٥٩). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: اختلف العلماء في جواز الاستلقاء، فذهب محمد بن سيرين، ومجاهد، وطاوس، وإبراهيم النخعي إلى أنه يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عباس، وكعب بن عجرة.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بذلك، وهم الحسن البصري، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وأبو مجلز، ومحمد بن الحنفية، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا وكيع، عن عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر، وعثمان كانا يفعلانه.
حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن يحيى بن عبد الله بن مالك، عن أبيه، قال: دُخل على عمر، روئي مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
حدثنا مروان بن معاوية، عن سفيان بن الحسن، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن الحارث: أنه رأى ابن عمر يضطجع، فيضع إحدى رجليه على الأخرى.
стр. 5338
حدثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع، قال: كان ابن عمر يستلقي على قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، ولا يرى بذلك بأسًا، ويفعل ذلك، وهو جالس، لا يرى بذلك بأساً.
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر بن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه، قال: رأيت ابن مسعود ﵁ مستلقيًا واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى، وهو يقول: ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين.
حدثنا ابن مهدي عن سفيان، عن عمران -يعني ابن مسلم- قال: رأيت أنساً واضعًا إحدى رجليه على الأخرى. ذكره العيني في عمدته جـ ٤ ص ٢٥٥. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5339
٢٩ - النَّوْمُ فِي المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز النوم في المسجد.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى عليه بالحديث واضح، وسيأتي تحقيق أقوال العلماء في ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى.
٧٢٢ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ، وَهُوَ شَابٌّ عَزْبٌ، لَا أَهْلَ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ النَّبِىِّ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنين، توفي سنة ٢٤١ هـ، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإِمام الحجة المثبت، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤، أخرج له الجماعة.
٣ - (عبيد الله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت، من [٥]، تقدم في ١٥/ ١٥، أخرج له الجماعة.
٤ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني، ثقة، ثبت، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
стр. 5340
٥ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
ولطائف هذا الإسناد تقدمت غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أنه كان ينام، وهو شاب) جملة اسمية في محل نصب حال من الفاعل (عزب) وللبخاري: "أعزب" بالهمزة، والمشهور الأول، والثاني لغة قليلة، وقد أنكرها القزاز.
والعَزَبُ -بفتحتين-: من لا أهل له. قال الفيومي ﵀: وعَزَب الرجل، يَعْزُبُ، من باب قتل، عُزْبَةً، وزان غرفة، وعُزُوبة: إذا لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ -بفتحتين- وامرأة عَزَب، أيضًا كذلك، قال الشاعر [من الرجز]:
يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبْ … عَلَى ابْنَةِ الحُمَارِسِ الشَّيْخ الأزَبْ
والحمارس -بالضم: الشديد، والأزب: الكريه الذي لا يُدْنِي من حُرْمَتِه.
وجمع الرجل: عُزَّاب، باعتبار بنائه الأصلي، وهو عازب، مثل كافر، وكفار. قال أبو حاتم: ولا يقال: رجل أعزب. قال الأزهري: وأجازه غيره. وقياس قول الأزهري: أن يقال: امرأة عَزْباء، مثل أحمر وحمراء. اهـ."المصباح" جـ ٢ ص ٤٠٧.
стр. 5341
وفي "المحكم": رجل عَزَب، ومِعْزَابة: لا أهل له، وامرأة عَزَبَة، وعَزَبٌ، والجمع أعْزَاب، وجمع العازب: عُزَّاب. والعزَبُ: اسم للجمع، وكذلك العَزِيب اسم للجمع. وقال صاحب "المنتهى":
العزَب -بفتحتين-: نعت للذكر، والأنثى. وقال الكسائي: العَزَبَة التي لا زوج لها، والأول أشهر. نقله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٩٨.
(لا أهل له) أي لابن عمر ﵁، قيل: العزب، هو الذي لا زوج له، فما فائدة قوله: "لا أهل له"، وأجيب بأنه للتأكيد، أو للتعميم؛ لأن الأهل أعم من الزوجة.
(على عهد رسول الله ﷺ ، في مسجد النبي ﷺ ) الجاران متعلقان بينام. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٩/ ٧٢٢)، و"الكبرى" (٢٩/ ٨٥١) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه.
стр. 5342
فأخرجه البخاري في "الصلاة" بنحوه، وفي "فضل قيام الليل" مطولًا، وفي "باب فضل من تعار من الليل"، وفي مناقب ابن عمر، وأخرجه مسلم في فضائل عبد الله بن عمر مطولاً، أيضًا.
وأخرجه ابن ماجه في "كتاب المساجد"، بلفظ: "كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ".
وأخرجه الترمذي من رواية سالم عن ابن عمر ﵄، بلفظ: "كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، ونحن شباب". والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم فى جواز النوم فى المسجد:
قال الإِمام الترمذي ﵀: وقد رخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد، وقال ابن عباس: لا يتخذه مبيتًا، ولا مقيلًا. وذهب قوم من أهل العلم إلى قول ابن عباس ﵄.
وقال الحافظ ﵀: ذهب الجمهور إلى جوازه. وروي عن ابن عباس ﵄ كراهيته، إلا لمن يريد الصلاة. وعن ابن مسعود كراهته مطلقاً. وعن مالك التفصيل بين من له مسكن، فيكره، وبين من لا مسكن له فيباح. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٠٣.
وقال العلامة العيني ﵀: وقد اختلف العلماء في ذلك، فممن رخص في النوم فيه ابن عمر، وقال: "كنا نبيت فيه، ونقيل
стр. 5343
على عهد رسول الله ﷺ "، وعن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومحمد بن سيرين مثله، وهو أحد قولي الشافعي، واختلف عن ابن عباس، فروي عنه أنه قال: "لا تتخذوا المسجد مرقداً"، وروي عنه أنه قال: "إن كنت تنام فيه لصلاة، فلا بأس". وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد، ويقيل فيه. وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال مالك: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يبيتون في المسجد.
وكره النوم فيه ابن مسعود، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الأوزاعي، وقد سئل سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار عن النوم فيه، فقالا: كيف تسألون عنها، وقد كان أصحاب الصفة ينامون فيه، وهم قوم كان مسكنهم المسجد.
وذكر الطبري عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان نائماً فيه، ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين. قال: وقد نام في المسجد جماعة من السلف بغير محذور للانتفاع به فيما يحل، كالأكل، والشرب، والجلوس، وشبه النوم من الأعمال، والله أعلم. اهـ. "عمدة القاري". جـ ٤ ص ١٩٨ - ١٩٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح من هذه الأقوال قول الجمهور، وهو جواز النوم في المسجد مطلقًا، لحديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب، وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر
стр. 5344
رضي الله عنهما: "كان أصحاب الصفة الفقراء" الحديث. أخرجه البخاري.
والصفة كانت موضعًا مظللًا في مسجد النبي ﷺ كان الفقراء المهاجرون الذين ليس لهم منزل يسكنونها.
ولحديث سهل بن سعد ﵁، قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة ﵂، فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج، فلم يقل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو؟ " فجاء، فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه، ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب". متفق عليه.
فهذه الأحاديث تدل على أن النوم في المسجد جائز مطلقًا، للفقير، والغني والغريب، والحاضر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5345
٣٠ - البُصَاقُ فِي المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم البصاق في المسجد.
وفي الكبرى "البزاق" -بالزاي-.
والبُصَاقُ -بضم الباء الموحدة، والصاد المهملة-: لغة في البزاق -بالزاي- يقال: بصَقَ، يبْصُقُ، بَصْقًا، من باب قتل، وقال الليث: بصَقَ: لغة في "بَزَقَ"، و"بَسَقَ". أفاده في اللسان.
وقال المجد: البُصَاق، كغُراب، البُسَاق، والبزاق: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه، فهو رِيقٌ. اهـ. "ق". والله تعالى أعلم.
٧٢٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قبل باب.
٢ - (أبو عوانة) وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ٤١/ ٤٦.
٣ - (قتادة) بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة،
стр. 5346
ثبت مدلس، من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٣٨) منها، وهي أعلى ما وقع له من الأسانيد.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفق الأئمة بالتخريج لهم.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه، فواسطي.
ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من يسمى بقتيبة غير شيخه، ولا بالوضاح، ولا من يكنى بأبي عوانة غير شيخ شيخه.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، وعند البخاري: "سمعت أنس بن مالك" فصرح قتادة بالسماع، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : (البصاق) تقدم في أول الباب ضبطه، ومعناه، وفي "الكبرى" "البزاق" -بالزاي- وهي رواية البخاري، ولمسلم "التفل"، والتفل -
стр. 5347
بالمثناة من فوق- أخف من البزاق، والنفث -بمثلثة آخره- أخف منه. قاله في "الفتح".
(في المسجد) متعلق بحال محذوف، تقديره من البصاق، أي حال كونه كائنًا في المسجد. وقال الحافظ ﵀: قوله: "في المسجد" ظرف للفعل، فلا يشترط كون الفاعل فيه، حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه يتناوله النهي. اهـ.
(خطيئة) أي إثم، وهي بالهمز، ويجوز إبدالها ياء، وإدغام الياء فيها. أفاده العيني.
قال القاضي عياض ﵀: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا، ورده النووي ﵀، فقال: هو خلاف صريح الحديث.
وحاصل النزاع -كما قال الحافظ- أن هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: "البزاق في المسجد خطيئة"، وقوله: "يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى" كما في الحديث الآتي برقم (٧٢٥)، فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه، يجعل الثاني عامًا، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها.
وقد وافق القاضيَ جماعةٌ، منهم ابن مكي في التنقيب، والقرطبي في المفهم، وغيرهما. ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من
стр. 5348
حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا، قال: "من تنخم في المسجد فَلْيُغَيِّبْ نخَامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه".
وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضًا بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا، قال: "من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة"، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوُهُ حديثُ أبي ذر عند مسلم مرفوعًا، قال: "ووجدت في مساوي أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن". قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به، وبتركها غير مدفونة. اهـ.
وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح: "أنه تنخم في المسجد ليلة، فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء, فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة"، فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها, لا بمن دفنها، وعلة النهي ترشد إليه، وهي تأذي المؤمن بها.
ومما يدل على أن عمومه مخصوصٌ جوازُ ذلك في الثوب، ولو كان في المسجد بلا خلاف، وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشِّخِّير: "أنه صلى مع النبي ﷺ ، فبصق تحت قدمه اليسرى، ثم دلكه بنعله"، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم. والظاهر أن ذلك كان في المسجد، فيؤيد ما تقدم.
стр. 5349
وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر، كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن، والله أعلم.
وينبغي أن يفصل أيضًا بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل، كمن حفر أوّلا، ثم بصق، ووارى، وبين من بصق أوَّلاً بنية أن يدفن مثلًا، فيجري فيه الخلاف، بخلاف الذي قبله؛ لأنه إذا كان المكفِّر إثمَ إبرازها هو دفنَهَا، فكيف يأثم مَنْ دفنها ابتداء؟. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧٢ - ٧٣.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن ما ذهب إليه عياض ومن وافقه ﵏ من أنه إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا يكون خطيئة هو الراجح، لما سمعت في تقرير الحافظ رحمه الله تعالى.
(وكفارتها دفنها) أي مزيل هذه الخطيئة سترها. وإنما أنث الضمير مع أن البصاق مذكر، نظرًا لمعنى الخطيئة.
واختلف العلماء في كيفية دفنها، فقال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد، أو رمله، أو حصبائه. وحكى الروياني أن المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلاً، قال الحافظ: الذي قاله الروياني يجري على ما يقول النووي من المنع مطلقًا، وقد عرفت ما فيه.
وقال السندي ﵀: ومفاده -يعني مفاد قوله: "وكفارتها"-: أنه ليس لتعظيم المسجد، وإلا لما أفاد الدفن شيئًا، بل لتأذي الناس به،
стр. 5350
وبالدفن يندفع التأذي، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، قال: وزعم بعض أنه لتعظيم المسجد، فقال: إن اضطر إلى ذلك كان البصاق فوق البواري والحصر خيرًا من البصاق تحتها؛ لأن البواري ليست من المسجد حقيقة، ولها حكم المسجد، بخلاف ما تحتها، وهذا بعيد بالنظر إلى الأحاديث، والأقرب عكس ذلك؛ لأن التأذي في البواري أكثر من التأذي فيما تحتها بمنزلة الدفن لها (١). والله أعلم. اهـ. كلام السندي جـ ٢ ص ٥١.
والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٠/ ٧٢٣)، و"الكبرى" (٣٠/ ٨٠٢) عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما طريق أبي عوانة، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد -وأبو داود فيه عن مسدد- والترمذي فيه عن
стр. 5351
قتيبة- ثلاثتهم عن أبي عوانة به.
وأخرجه من طريق شعبة البخاري في "الصلاة" عن آدم بن أبي إياس -ومسلم فيه عن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث- وأبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم - ثلاثتهم عنه به.
وأخرجه أحمد (٣/ ١٧٣)، و (٢٧٧ و٢٧٧) والدارمي رقم (١٤٠٢) وابن خزيمة رقم (١٣٠٩)، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5352
٣١ - النَّهْيُ عَنْ أنْ يَتَنَخَّم الرَّجُلُ فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن تنخم الرجل في قبلة المسجد.
ووجه مطابقة الحديث للباب من حيث إن النبي ﷺ قال ذلك وهو في المسجد، حين رأى البصاق في جداره. والله أعلم.
٧٢٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى".
رجال هذا الإسناد: أربعة
كلهم تكرر الكلام فيهم، وأن السند أعلى ما وقع للمصنف من الأسانيد، كسابقه، وهو (٣٩) من رباعياته، وأنه السند المسمى بسلسلة الذهب.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ رأى
стр. 5353
بصاقاً) تقدم معنى "البصاق" في الباب السابق (في جدار القبلة) وللبخاري في رواية المستملي: "في جدار المسجد"، وفي رواية له في أواخر الصلاة من طريق أيوب، عن نافع: "في قبلة المسجد"، وزاد فيه: "ثم نزل، فحكها بيده"، وفيه إشعار بأنه كان في حال الخطبة، وقد صرح به أبو داود في روايته، قال: "بينما رسول الله ﷺ يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران، فلطخه به" … الحديث.
(فحكه) أي قَشَره، يقال: حككت الشيء حكًّا، من باب قتل: قَشَرْتُهُ. قاله في المصباح. ولم يبين في هذه الرواية بأي شيء حكه، وسيأتي في حديث أبي سعيد ﵁ الآتي في الباب التالي (٧٢٥) "فحكها بحصاة"، وفي حديث أنس ﵁ عند البخاري "فحكه بيده"، وفي حديث جابر ﵁ عند أبي داود "حكها بعرجون"، فالظاهر حمل المطلق هنا على المقيد في هذه الروايات، وأما اختلافها في كون الحك باليد، أو الحصى، أو العرجون، فيحمل على تعدد الواقعة، والله أعلم.
(ثم أقبل على الناس، فقال: إِذا كان أحدكم يصلي، فلا يبصقن قبل وجهه) -بكسر القاف، وفتح الباء- أي جهة قدامه.
وفيه تعظيم المساجد عن أثْفَال البدن، وعن القاذورات بالطريق
стр. 5354
الأولى، وفيه احترام جهة القبلة، وقد بين علة النهي بقوله: (فإِن الله قبل وجهه) هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباته كما صح عن رسول الله ﷺ ، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولاتعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله ﷺ : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه" … الحديث. حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي.
بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضًا قبل وجهه.
وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك- ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه, لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به"، فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ : "سأنبيك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليًا به، وهو آية من آيات الله، فالله أكبر". انظر تمام كلامه في "مجموع الفتاوى" جـ ٥ ص ١٠٧، فقد حقق هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا لا
стр. 5355
تجده عند غيره ممن تكلم فيه.
وقال الحافظ: قال الخطابي: معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فان مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة الله، أو ثواب الله.
وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان، وهو جهل واضح، لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصلوه، وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تؤول به هذا جاز أن يتأول به ذاك، والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٨.
وقد رد على ما قاله صاحب "الفتح" هنا بعض الأفاضل المحققين، فقال: ليس في الحديث المذكور رد على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته؛ لأن النصوص من الآيات، والأحاديث في إثبات استواء الرب على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل.
وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها والإيمان بما دلت عليه على الوجه الذي يليق بالله سبحانه من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته.
وأما قوله في هذا الحديث: "فإن الله قبل وجهه إذا صلى"، وفي لفظ: "فإن ربه بينه وبين القبلة" فهذا لفظ محتمل أن يفسر بما يوافق
стр. 5356
النصوص المحكمة، كما أشار الإِمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة. والله أعلم. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الرد حسن جداً، إلا قوله: "بذاته" فإنها وإن وجدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها لئلا يكون زيادة على النص، وقد أنكر الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه "العلو للعلي الغفار" على من قال: "هو تعالى فوق عرشه بذاته" لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام، انظر "مختصر العلو" للعلامة الألباني ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
وأما ما نقله عن الخطابي، وكذا قول السندي: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. اهـ. ففيه نظر لا يخفى.
والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده الله تعالى مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والله اعلم، ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان.
(إِذا صلى) أي دخل في الصلاة، ونص في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر
стр. 5357
الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقًا، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريبًا، خلافًا لمن خصه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة.
وقال الباجي ﵀: يحتمل أن يكون خص بذلك حال الصلاة لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. اهـ ذكره في "المنهل" جـ ٤ ص ٩٩. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣١/ ٧٢٤)، و"الكبرى" (٣١/ ٨٠٣) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية إنكار المنكر لمن رآه، وإزالته باليد، وفي حديث
стр. 5358
أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". أخرجه مسلم وأصحاب السنن.
ومنها: غضب الإِمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالاً بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود "فتغيظ على الناس". وفي حديث أنس في الصحيح "فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه".
ومنها: وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد علل ذلك بقوله: "فإن الله قبل وجهه".
قال في "الفتح": وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا. ولاسيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم.
وفي صحيحي ابن خزيمة، وابن حبان من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه"، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه"، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد ﵁: "أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في
стр. 5359
القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: "لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "نعم"، وحسبت أنه قال: "إنك آذيت الله ورسوله ﷺ ". والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في "التمهيد" عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها.
قال العراقي ﵀: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبي ﷺ حكه من القبلة وهو في الصلاة، وهو الظاهر، فقد روى البخاري من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف … الحديث".
وفي بعض طرقه أنه كان يخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "بينما رسول الله ﷺ يخطب يوماً إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها، قال: -وأحسبه- قال: فدعا بزعفران، فلطخه به". اهـ. "طرح التثريب". والله تعالى أعلم.
стр. 5360
المسألة السادسة: قال الحافظ العراقي ﵀: اختلفت الأحاديث أيضًا في البصاق الذي وجده النبي ﷺ في القبلة، هل كان ذلك في مسجده ﷺ ، أو في مسجد آخر؟
فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابرًا، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون" … الحديث. لفظ أبي داود.
وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتها بالعرجون، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أنه حكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار "أروني عبيرًا"، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة.
وعند النسائي (٧٢٨) من حديث أنس ﵁: أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله ﷺ : "ما أحسن هذا".
وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما