← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٣٢ - كراهية البول في المُسْتَحَمِّ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كراهية البول في المستحم، أي المُغْتَسَل فيه. والكراهية: مصدر كره، يقال: كره الأمر، والمنظر كراهة فهو كريه، مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى، وكراهية بالتخفيف أيضا. اهـ المصباح. وتقدم في الباب ٣٠ بأوضح من هذا فارجع إليه. والمستحم: بفتح الحاء وتشديد الميم أصله الموضع الذي يغتسل فيه بالماء الحميم، وهو الحار، ثم شاع في مطلق المُغْتَسَل. وذكر ثعلب أن الحميم يطلق أيضا على الماء البارد من الأضداد، أفاده في الزهر. ٣٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ". رجال الإسناد: ستة ١ - "علي بن حجر" بضم فسكون بن إياس السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.

стр. 562

٢ - "ابن المبارك" هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام، وشيوخ الإسلام. عن حميد، وإسماعيل بن أبي خالد، وحسين المعلم، وسليمان وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، وخلق. ويروي عنه السفيانان من شيوخه، ومعتمر، وبقية، وابن مهدي، وسعيد بن منصور، وخلائق، قال ابن المبارك: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف، قال ابن عيينة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام. وقال ابن معين: ثقة صحيح الحديث. وقال ابن مهدي: كان نسيج وحده، ولد ابن المبارك سنة ١١٨، ومات سنة ١٨١ وترجمته كبيرة في الحلية لأبي نعيم، وتاريخ الحاكم. اهـ. صه، من الطبقة الثامنة. ٣ - "معمر" بن راشد الأزدي، أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت من كبار [٧] تقدم. في ١٠/ ١٠. ٤ - "الأشعث بن عبد الله" بن جابر الحداني بمهملتين مضمومة، ثم مشددة، الأزدي، أبو عبد الله البصري، وقد ينسب إلى جده، وهو الحملي بضم المهملة، وسكون الميم، صدوق -٥ - (خت ٤). وثقه النسائي وأورده الذهبي في ميزانه، وتعجب من عدم تخريج الشيخين عنه. (تنبيه) وقع في أكثر نسخ "المجتبى" أشعث بن عبد الملك، وهو خطأ، والصواب ابن عبد الله، فتنبه. ٥ - "الحسن" بن أبي الحسن، واسمه يسار البصري، مولى أم سلمة، والرُّبَيِّع بنت النضر، أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام أحد أئمة الهدى والسنة، رُمى بالقدر، ولا يصح. عن جندب بن عبد الله، وأنس، وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكر،

стр. 563

وسمرة، قال سعيد: لم يسمع منه، وأرسل عن خلق من الصحابة. وروى عنه أيوب، وحميد، ويونس، وقتادة، ومطر الوراق، وخلائق، قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه، وكان عرض زَنْده شبرًا، قال ابن عيينة: مات سنة ١١٠، قيل: ولد سنة ٢١ لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا مَليًا خلا أربعة أحاديث اهـ. صه. من رأس الطبقة الثالثة. ٦ - "عبد الله بن مُغَفَّل" بمعجمة وفاء كمعظم بن عبد نَهْم بن عفيف ابن أسحم المزني، أبو زياد بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، له ثلاثة وأربعون حديثا اتفاق على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. وعنه ابن بريدة، وسعيد بن جبير، قال معاوية: ابن قرة أول من دخل تستر حين فتحت عبد الله بن مغفل، وقال الحسن: كان من نقباء الصحابة، مات ٥٧، وقيل سنة ٦٠. اهـ. صه. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، ومنها أن رواته كلهم بصريون إلا شيخ المصنف، وشيخه فإنهما مروزيان. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة. شرح الحديث "عن عبد الله بن مغفل" بصيغة اسم المفعول المضعف ﵁ "عن النبي ﷺ " أنه قال "لا" ناهية "يبولن أحدكم" النهي فيه متوجه لجميع الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨.

стр. 564

"في مستحمه" بصيغة اسم المفعول، أي مُغْتَسَله كما فسره حديث أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن رجل صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله" وأخرجه المصنف في الزينة مختصرا على الجزء الأول، وقد قدمنا في أول الباب أنه الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام. وقال في المنهل: والإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان الاغتسال ولو غير مملوك اهـ جـ ١/ ص ١٠٧. وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان المكان صلبا فيوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء فيحصل منه الوساوس كما علله بقوله "فإن عامة الوسواس" أي أكثره، لأن عامة الشيء جميعه، أو أكثره وهو المراد هنا. والوسواس: حديث النفس بما لا خير فيه، أو بما فيه شر، وهو مصدر وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا بكسر الواو ووسواسا بفتحها، والوسواس بالفتح اسم للشيطان أيضا، وكل منهما يصح هنا إرادته، أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فعلى تقدير مضاف، أي فإن عامة فعل الوسواس منه، والمراد بفعل الوسواس وسوسته اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨. وقال في المصباح: الوسواس بالفتح اسم من وسوست إليه نفسه إذا حدثته، وبالكسر مصدر وسوس متعد بإلى، وقوله تعالى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] اللام بمعنى إلى، فإن بني للمفعول قيل: موسوس إليه مثل المغضوب عليهم، والوسواس بالفتح مرض يحدث من غلبة السوداء، يختلط معه الذهن، ويقال لما يخطر بالقلب

стр. 565

من شر، ولما لا خير فيه وسواس اهـ (منه) أي من البول في المستحم، يعني أن أكثر الوسواس يحصل من البول في المغتسل، لأنه يصير الموضع نجسا، فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه شيء من رشاشه أم لا؟ قال الشيخ ولي الدين: علل النبي ﷺ هذا النهي بأن هذا الفعل يورث الوسواس، ومعناه أن المغتسل يتوهم أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه، فيحصل له وسواس، وروى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللَّمَم. وذكر صاحب الصحاح وغيره أن اللَّمَمَ طرف من الجنون، قال: ويقال أيضا أصابت فلانا لَمَّه من الجن وهو المس، والشيء القليل، وهذا يقتضي أن العلة في النهي عن البول في المغتسل، خشية أن يصيبه شيء من الجن، وهو معنى مناسب؛ لأن المغتسل محل حضور الشياطين، لما فيه من كشف العورة، فهو في معنى البول في الجُحْر، لكن المعنى الذي عَلَّلَ به النبي ﷺ أولى بالاتباع، قال: ويمكن جعله موافقا لقول أنس بأن يكون المراد بالوسواس في الحديث الشيطان، وفيه حذف تقديره فإن عامة فعل الوسواس أي الشيطان منه، لكنه خلاف ما فهمه العلماء من الحديث ولا مانع من التعليل بهما، فكل منهما علة مستقلة. انتهى كلام العراقي. قال السيوطي: قلت: بل هو هنا علة واحدة، ولا منافاة فإن اللمم الذي ذكره أنس هو الوسواس بعينه، وذلك طرف من الجنون، فإن الذي يسمى في لغة العرب الوسواس هو الذي في لغة اليونان الماليخوليا وهي عبارة عن فساد الفكر، وقد أكثر في أشعار العرب، والأحاديث، والآثار إطلاق الوسواس مرادًا به ذلك. منها: حديث أحمد عن عثمان ﵁ قال "لما تُوُفي النبي ﷺ حزن أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس" أي يجن، وقيل: "ولولا

стр. 566

مخافة الوسواس لسكنت في أرض ليس بها ناس" فالذي قاله أنس هو عين الذي قاله النبي ﷺ اهـ كلام السيوطي زهر جـ ١/ ص ٣٥. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته: هذا الحديث جزم النووي بأنه حسن. ونقل في المنهل جـ ١/ ص ١١١ عن المنذري قال: إسناده صحيح متصل وأشعث بن عبد الله ثقة صدوق وكذا بقية رواته. اهـ، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، وذكر في العلل أنه سأل عنه البخاري فقال: لا أعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقال ابن سيد الناس: وهو مع غرابته يحتمل أن يكون من قسم الحسن، لأن أشعث مستور. اهـ. قال المناوي بعد ذكر ما ذكر عن ابن سيد الناس: ولذا جزم النووي بأنه حسن اهـ. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة أشعث بن عبد الله: جـ ١/ ص ٢٦٦ وثقة النسائي وغيره وقد أورده العيقلي في الضعفاء، وقال: في حديثه وَهَم، ثم أورد حديث الباب بسنده. قال الذهبي: قلت: قول العقيلي في حديثه وَهَم ليس بمسلم له، وأنا أتعجب كيف لم يخرج له البخاري ومسلم اهـ. ومال الشيخ الألباني إلى تضعيفه لعنعنة الحسن فإنه مدلس، قال: لكن في النهي عن البول في المغتسل حديث صحيح. انظر تحقيقه للمشكاة جـ ١/ ص ١١٥. وقال في صحيح النسائي. صحيح دون قوله: "فإن عامة الوسواس منه" انظر صحيح النسائي، ١/ ١٠٠. "المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 567

أخرجه هنا -٣٢/ ٣٦، وفي الكبرى -٢٧/ ٣٦ - بالسند المذكور، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل، والحلواني كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل. وأخرجه الترمذي في الطهارة عن علي بن حجر، وأحمد بن محمَّد ابن موسى كلاهما عن ابن المبارك، عن معمر به. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر به. أفاده المزي، وأخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وعبد الرزاق في الجامع، والعقيلي، والضياء المقدسي، وأخرجه البيهقي من عدة طرق مرفوعًا موقوفًا. "المسألة الثالثة": أنه وقع في هذا الحديث عند أبي داود وغيره زيادة ثم يغتسل منه وفي رواية أحمد عند أبي داود "ثم يتوضأ فيه" و "ثم" هنا استباعدية، يعني يُسْتَبْعد من العاقل أن يغتسل أو يتوضأ في محل بال فيه، لما يترتب على ذلك من الوسوسة، ونظيره قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: آية ١] أي يستبعد كفر من كفر بعد قيام الأدلة على وحدانية الله تعالى. وقوله: "يغتسل" الرواية فيه بالرفع فيكون خبرا لمبتدإ محذوف، أي ثم هو يغتسل فيه، والمعنى عليه لينْتَه أحدكم عن البول في المستحم، وله أن يغتسل فيه، وإن لم ينته فليس له أن يغتسل فيه، ويجوز نصبه في جواب النهي على أن "ثم" بمعنى الواو، وقول النووي: لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقل به أحد، بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه

стр. 568

أم لا، غير مسلم، فإن النهي عن الجمع بين البول والاغتسال في مكان واحد لا مانع من إرادته في الحديث بدليل التعليل الآتي، وكونه يترتب عليه جواز البول في المستحم، ولم يقل به أحد هذا وإن كان مسلما إلا أنه جاء من طريق المفهوم، وهو معارض بالتعليل المذكور في الحديث، فإنه لو بال في المغتسل أحد واغتسل فيه آخر أورثه ذلك الوسوسة، ومعارض أيضا بنحو قوله ﷺ "لا ضرر، ولا ضرار" رواه أحمد، وابن ماجه عن ابن عباس. وقال ابن دقيق العيد: المنهي عن الجمع بينهما يؤخذ من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر اهـ. وأما لو بال في المستحم وهَجَرَه من الاغتسال فيه جاز له ذلك. ويجوز جزم "يغتسل" عطفا على "يبولن" والمعنى عليه النهي، عن البول في المستحم، وهو ظاهر، وعن الاغتسال فيه على معنى الانغماس فيه لما يترتب عليه من قذارة الماء، وعليه فالنهي للتنزيه. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨. "المسألة الرابعة": في اختلاف العلماء في البول في المغتسل. قال الإمام الترمذي ﵀: وقد كره قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعض أهل العلم، منهم ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال: إن عامة الوسواس منه، فقال "ربنا الله لا شريك له" أي: فهو المتوحد في خلقه، لا دخل للبول في المغتسل في شيء من الخلق. قاله أبو الطيب السندي، وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء. اهـ كلام الترمذي بزيادة. قال الحافظ ولي الدين العراقي: حمل جماعة من العلماء هذا

стр. 569

الحديث على ما إذا كان المغتسل لَيّنا وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض، واستقر فيها فإن كان صلبا ببلاط ونحوه بحيث يجري عليه البول، ولا يستقر، أو كان فيه منفذ كالبالوعة ونحوها فلا نهي. روى ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: إذا كان يسيل فلا بأس، وقال ابن ماجه في سننه: سمعت علي بن محمَّد الطنافسي يقول: إنما هذا في الحفيرة، فأما اليوم فلمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير، فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس به. وقال الخطابي: إنما ينهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جددا مستويا لا تراب عليه، وصلبا، أو مُبَلَّطا، أو لم يكن له مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل منه الماء، فيَتَوهَّم المغتسل أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه فيورثه الوسواس. وقال النووي في شرحه: إنما نُهي عن الاغتسال فيه إذا كان صلبا يخاف إصابة رشاشه، فإن كان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ، أو غير ذلك فلا كراهة. قال الشيخ ولي الدين: وهو عكس ما ذكره الجماعة، فإنهم حملوا النهي على الأرض اللَّيِّنَة، وحمله هو على الصلبة وقد لمح هو معنى آخر وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة، وهم نظروا إلى أنه في الرخوة يستقر موضعه، وفي الصلبة يجري، ولا يستقر، فإذا صب عليه الماء ذهب آخره بالكلية. قال السيوطي: قلت: الذي قاله النووي ﵁ سبقه إليه صاحب النهاية، فإنه قال: وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان صلبا فيتوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء،

стр. 570

فيحصل منه الوسواس. ثم قال الشيخ ولي الدين: إذا جعلنا الاغتسال منهيا عنه بعد البول فيه، فيحتمل أن سبب الوسواس البول فيه على انفراده، ويحتمل أن سببه الاغتسال بعد البول فيه، ويكون قوله: فإن عامة الوسواس منه أي من مجموع ما تقدم أو من الاغتسال أو الوضوء فيه الذي هو أقرب مذكور، ويؤيده حديث "من توضأ في موضع بوله، فأصابه الوسواس فلا يلومن إلا نفسه" رواه ابن عدي من حديث ابن عمرو (١) فجعل سبب الوسواس الوضوء في موضع بوله انتهى اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٧. وقال العلامة المباركفوري: قلت: والأولى أن يحمل الحديث على إطلاقه، ولا يقيد المستحم بشيء من القيود، فيحترز عن البول في المغتسل مطلقا سواء كان له مسلك، أم لا، وسواء كان المكان صلبا، أو لينا، فإن الوسواس قد يحصل من البول في المغتسل الذي له مسلك أيضا، وكذلك قد يحصل الوسواس منه في المغتسل اللين والصلب كما لا يخفى. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص١٠١. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العلامة المباركفوري ﵀ تحقيق حقيق بالقبول. والله أعلم. "المسألة الخامسة": أنه يستفاد من هذا الحديث منع البول في محل التطهر، وأنه يُطلب ممن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يبين السبب ليقع كلامه عند المأمور والمنهي موقع القبول، وأنه يطلب من الإنسان البعد عما يضره، وأنه يطلب إيقاع الغسل والوضوء في محل طاهر، وأنه يطلب من الرئيس أن يُرشد رعيته إلى ما فيه صلاحهم، وترك ما لا خير فيه. أفاده في المنهل.

стр. 571

"المسألة السادسة": قال العلامة محمود محمَّد خطاب السبكي في المنهل العذب المورود جـ ١/ ص ١٠٩: اعلم أن رسول الله ﷺ كان أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم إلى ما فيه فلاحهم دينا وأخرى، فلم يدع سبيلا يرشد إلى الخير إلا وقد أمر به، ولا طريقا يوصل إلى الشر إلا وقد نهى عنه، كما قال ﷺ "ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه" رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن أرقم. وقد امتن الله تعالى على أمته ببعثته، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: آية ١٦٤] فهو ﷺ رحمة عامة، ونعمة تامة، فمن هدايته ﷺ وشفقته علينا نهيه لنا عن البول في محل الطهارة، وإعلامه أن عامة الوسواس منه ذلك الأمر الذي يترتب عليه الخروج عن هدي رسول الله ﷺ واستحواذ الشيطان على من قام به، حتى يوقعه في المشقة والعناء، فيخيل لمن رآه أن به جنونا، وحسبك أن فحول العلماء المحققين قد ألفوا في ذم الوسواس كتبا مستقلة، وأطالوا الكلام بما يشفي، ويكفي. فمن ذلك: ما ذكره ابن قدامة المقدسي في كتابه ذم الموسوسين قال: إن طائفة من الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حيث اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله، وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله ﷺ وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله ﷺ في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين

стр. 572

أنه قد صار نجسا، يجب عليه تسبيع يده وفمه، كما لو ولغ فيها كلب، ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره، ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه، ويعلمه قلبه، بل يعلمه غيره منه، ويتقنه، ثم يشك هل فعل ذلك، وكذلك يشككه الشيطان في نيته التي يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع هذا يقبل قول إبليس له أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها مكابرة منه لعيانه، وجحدا ليقين نفسه حتى تراه مترددا متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه، أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه، كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد، فقد بلغ النهاية في طاعته، ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده تارة، بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله، وإطالة العرك، وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، ووبما صار إلى حال يسخر منه الشيطان، ويستهزىء به من يراه. وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل: أن رجلا قال له: أنغمس في الماء مرارا كثيرة، وأشك هل صح لي الغسل، فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال "رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ" رواه أحمد، وأبو داود، عن علي، وعمر ﵄، ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء فهو مجنون، قال: وربما

стр. 573

شغله بوسواسه حتي تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوَّت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذه، ويكذب. وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا، فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد وأقاما متفرقين دهرًا طويلا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد، ثم إنه حنث في يمين حلفها، ففرق بينهما، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها. وبلغني عن آخر كان شديد التنطع في التلفظ بالنية، فاشتد به التنطع والتشديد يوما إلى أن قال: أصلي أصلي مرارا صلاة كذا وكذا، وأراد أن يقول أداء فأعجم الدال، وقال أذاء لله، فقطع الصلاة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله، وملائكته، وجماعة المصلين. قال: ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرره مرارا، قال: فرأيت منهم من يقول الله أكككبر، قال: وقال لي إنسان منهم: قد عجزت عن قولي السلام عليكم، فقلت له: قل مثل ما قلت الآن وقد استرحت، وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا والآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول ﷺ وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله ﷺ في قوله، وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما سوى ذلك فهو من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: آية ٦]

стр. 574

وليترك التعريج على كل ماخالف طريقة رسول الله ﷺ كائنا ما كان فإنه لا شك أن رسول الله ﷺ كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم. اهـ ملخصا، وقد أطال البحث في هذا المقام. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١١١. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 575

٣٣ - السلام على من يبول أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على أن من سلم على من يبول لا يستحق الجواب. ثم إن ظاهر حديث الباب يدل على جواز السلام على من يبول، وكذا حديث الباب الذي بعده. لكن يعارضه حديث جابر عند ابن ماجه: "أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك". فهذا يدل على عدم مشروعيته وأجيب بأن الحديث ضعيف، لأن في سنده سويد بن سعيد، وفيه مقال. قاله في المنهل. قال الجامع: قلت: لكن قال البوصيري: إسناده حسن، وسويد لم ينفرد به، فله متابع عن عيسى بن يونس في مسند أبي يعلى وغيره. اهـ وصححه الشيخ الألباني. ٣٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، وَقَبِيصَةُ، قَالَا: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ ﵇. رجال الإسناد: سبعه ١ - "محمود بن غيلان" بفتح الغين وسكون الياء العدوي مولاهم

стр. 576

أبو أحمد المروزي الحافظ، عن ابن عيينة، والفضل بن موسى، وأبي معاوية، وخلق. وعنه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، ووثقه، وابن ماجه، وخلق. قال أحمد: صاحب سنة، قال البخاري: مات سنة ٢٣٩. اهـ صه، من الطبقة [١٠]. ٢ - "زيد بن الحُباب" بضم أوله وبموحدتين العُكْلي، أبو الحسين الخراساني الكوني الحافظ الجوّال، دخل الأندلس في طلب العلم، وجاب البلاد، روى عن مالك بن مغول، وقرة بن خالد، وأسامة بن زيد، وحسين بن واقد، وخلق. وروى عنه أحمد، وابن المديني، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن رافع، وخلق. وثقه ابن المديني، وأبو حاتم. قال ابن معين: ثقة يقلب حديث الثوري، توفي سنة ثلاث ومائتين اهـ صه، من [٩]. ٣ - "قبيصة" بفتح القاف وكسر الباء بن عقبة بن محمَّد بن سفيان بن عقبة السوائي أبو عامر الكوفي الحافظ، روى عن فطر بن خليفة، ويونس بن أبي إسحاق. وعنه البخاري، وأحمد، ومحمود بن غيلان، وثقه ابن معين إلا في الثوري، وقال ابن نمير: لوحدثنا قبيصة عن النخعي لقبلناه، أي وهو أقدم من الثوري، وحديثه عنه في البخاري، قال مطين: مات سنة ٢١٥، أخرج له الجماعة ج صه من [٩]. ٤ - "سفيان" بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة وكان ربما دلس، مات سنة ١٦١، وله ٦٤ سنة، وستأتي ترجمته بأطول من هذا في ٨٩/ ١١١. ٥ - "الضحاك بن عثمان" بن عبد الله بن خالد بن حزَام بكسر المهملة الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني، يروي عن إبراهيم بن حنين، وسعيد المقبري، وزيد بن أسلم، ونافع. وعنه الثوري، وابن وهب،

стр. 577

ويحيى القطان، وزيد بن الحباب، وخلق. وثقه ابن معين، وأبو داود، وابن سعد، وقال: توفي بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، أخرج له مسلم، والأربعة اهـ، صه وفي التقريب صدوق يهم من السابعة. اهـ. ٦ - "نافع" العدوي مولى ابن عمر المدني ثقة من [٣] تقدم. في ١٢/ ١٢. ٧ - "عبد الله بن عمر" بن الخطاب ﵄ تقدم، في ١٢/ ١٢. لطائف الإسناد فيه: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته ما بين مروزي، وهو الأول، وكوفيين وهم الثلاثة بعده، ومدنيين وهم من الضحاك إلى آخره، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة، والقول. شرح الحديث "عن ابن عمر" بن الخطاب ﵄ أنه "قال: مر رجل على النبي ﷺ " هو أبو الجهيم بالتصغير عبد الله بن الحارث بن الصمة كما بينه الشافعي رحمه الله تعالى في روايته لهذا الحديث من طريق الأعرج، وصرح به في مشكاة المصابيح. قال في باب التيمم، وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال "مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يديه على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليَّ" ذكره البغوي في شرح السنة:، وقال: هذا حديث حسن. اهـ. ويحتمل أن يكون المراد بالرجل هو المهاجر بن قنفذ الآتي في الباب التالي. ومعنى مر عليه: اجتاز عليه،

стр. 578

يقال: مررت يزيد، وعليه مَرًا ومُرورا وممَرًا: اجتزت. قاله في المصباح. وعبارة القاموس وشرحه: مرَّ عليه يمر، مرا، ومرورا. جاز، ومَرَّ مَرًا، ومُرورا: ذهب كاستمر، وقال ابن سيده: مر يمر مرا ومرورا: جاء وذهب، ومره، ومر به جاز عليه، وهذا قد يجوز أن يكون مما يتعدى بحرف وغير حرف، ويجوز أن يكون مما حذف فيه الحرف فأوصل الفعل، وعلى هذين الوجهين يحمل بيت جرير (من الوافر): تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا .... كَلامُكُمُو عَلَيَّ إذَنْ حَرَامُ وقال بعضهم: إنما الرواية مَرَرْتم بالدِّيَار ولم تَعُوجوا فدل هذا على أنه فرق من تعديه بغير حرف، وأما ابن الأعرابي فقال: مر زيدا في معنى مر به، لا على الحذف، ولكن على التعدي الصحيح، ألا ترى أن ابن جني قال: لا تقولوا مررت زيدا في لغة مشهورة إلا في شيء حكاه ابن الأعرابي، قال: ولم يروه أصحابنا. اهـ ق وتاج جـ ٣/ ص ٥٣٧. "وهو" ﷺ "يبول" جملة حالية أي والحال أن النبي ﷺ يبول "فسلم" ذلك الرجل "عليه" ﷺ "فلم يرد" النبي ﷺ "عليه" أي الرجل المسلم "السلام" يحتمل أنه أخر الرد حتى تطهير كما في الرواية الآتية في الباب الآتي، تعظيما لذكر اسم الله؛ لأن السلام اسم من أسماء الله كما ورد في الحديث، ويؤيده أن في رواية أبي داود وغيره زيادة "ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر". ويحتمل أنه ترك الرد عليه أصلا تأديبا له، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه من طريق جابر قال "إن رجلا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ إذا رأيتني على مثل هذه الحال فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك" وفي سنده سويد بن سعيد وفيه مقال إلا أنه لم ينفرد به.

стр. 579

قال الحافظ أبو بكر البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد حسن؛ لأن سويدا لم ينفرد به فله متابع عن عيسى بن يونس في مسند أبي يعلى وغيره اهـ، ١/ ١٤٩. وقد مر قريبا. وقال العلامة السندي: ويحتمل أنه ترك الرد أحيانا، وأخره أحيانا على حسب اختلاف الناس في التأديب وغيره اهـ جـ ١/ ص ٣٧. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته: حديث ابن عمر ﵄ أخرجه مسلم. "المسألة الثانية": في بيان موضع ذكره عند المصنف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنف هنا -٣٣/ ٣٧ - بالسند المذكور، وأخرجه مسلم في الطهارة عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَيْر، عن أبيه، عن سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وأخرجه أبو داود فيه أي الطهارة عن أبي بكر، وعثمان ابني شيبة كلاهما عن عمر بن سعد الحَفَري، والترمذي فيه أي الطهارة، وفي الاستئذان عن نصر بن علي، ومحمد بن بشار كلاهما عن أبي أحمد الزُّبَيري، وفي الاستئذان أيضا عن محمَّد بن يحيى النيسابوري. عن محمَّد بن يوسف، وابن ماجه في الطهارة عن عبد الله بن سعيد، والحسين بن أبي السَّريّ، كلاهما عن أبي داود الحَفَري، كلهم عن سفيان الثوري، عن الضحاك بن عثمان به. أفاده الحافظ المزي. وأخرجه أحمد، والبيهقي. "المسألة الثالثة": زاد أبو داود من طريق ابن عمر وغيره "أن النبي ﷺ -

стр. 580

تيمم ثم رد على الرجل السلام" فيستفاد من مجموع الأحاديث كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبا باعتبار الأصل كرد السلام، وكونُ المسلم في هذا الحال لا يستحق جوابا، وهذا متفق عليه، وأما رده ﷺ بعد ذلك فمن مكارم أخلاقه، ولذا نهى ذلك الرجل عن السلام عليه، وإن سلم فلا يرد عليه، كما قدمناه في حديث ابن ماجه. قال العلماء: وكما لا يرد السلام حال قضاء الحاجة لا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس، ولا يجيب المؤذن، وكذا لا يأتي بشيء من ذلك حال الجماع، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه. وكراهة الذكر في هذه الأحوال كراهة تنزيه، لا تحريم كما عليه الأكثرون. وحكي عن إبراهيم النخعي، وابن سيرين، أنه لا بأس بالذكر حال قضاء الحاجة، لكن لا وجه لهما. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٦٧. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 581

٣٤ - رد السلام بعد الوضوء أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية رد السلام على من سلم على من يبول بعد الوضوء. ذكر المصنف في الباب المتقدم السلام على من يبول وذكر هنا الرد بعد الوضوء، وكأنه والله أعلم يشير إلى أن عدم رده ﷺ المذكور في الحديث الأول ليس إبطالا للسلام، بل المراد أنه أخر جوابه حتى يكون على أكمل حال. والحاصل: أن المفهوم من الترجمتين كون المسلم على من يبول لا يستحق جوابا في الحال بل بعد إنتهاء البول والطهارة. لكن قدمنا في حديث ابن ماجه أنه لا يستحق جوابا فيحتمل أنه لا يستحق جوابا في الحال، ويحتمل أنه لا يستحق أصلا ويكون رده ﷺ بعد الوضوء من مكارم أخلاقه ﷺ ، وهذا الثاني هو الأقرب، لحديث ابن ماجه المتقدم، فتبصر. ٣٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُضَيْنٍ أَبِي سَاسَانَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ.

стр. 582

رجال الإسناد: سبعة ١ - "محمَّد بن بشار" بن عثمان العَبْدي أبو بكر البصري الحافظ بُنْدار بضم الباء وفتحها وسكون النون أحد أوعية السنة، عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وغندر، ويحيى القطان، وخلق من طبقتهم. وعنه الجماعة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وخلق، قال الخطيب: كان يحفظ حديثه، وقال ابن خزيمة: حدثنا الإمام محمَّد بن بشار، وقال العجلي: بندار ثقة كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الذهبي: انعقد الإجماع بعدُ على الاحتجاج ببندار، مات سنة ٢٥٢.اهـ صه بزيادة يسيرة [١٠] وتقدم في ٢٤/ ٢٧. ٢ - "معاذ بن معاذ" التميمي العنبري أبو المُثَنَّى البصري الحافظ قاضي البصرة. عن سليمان التيمي، وحميد، وابن عون، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، وخلق. قال القطان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ. قال ابن سعد: مات سنة ست وتسعين ومائة، من كبار [٩]. أخرج أحاديثه الجماعة اهـ صه ج ٣/ ص ٣٧. ٣ - "سعيد" هو ابن أبي عروبة واسم أبيه مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري الحافظ العلم، عن الحسن، والنضر بن أنس، حديثا واحدا، وأبي التَّيَاح، ومطر الورَّاق. وخلق. وعنه شعبة، وابن علية، ويزيد بن زريع، ومحمد بن جعفر، وخلق. قال أحمد: قدري لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ، وقال ابن معين: ثقة من أثبتهم في قتادة، وقال أبو حاتم: ثقة قبل أن يختلط، وقال دُحيم: اختلط سنة خمس وأربعين ومائة، وقال النسائي: لم يسمع من عمرو بن دينار

стр. 583

وزيد بن أسلم، والحكم بن عُتيبة، قال عبد الصمد بن عبد الوارث: مات سنة ١٥٦، أخرج له الجماعة اهـ صه. من [٧]. ٤ - "قتادة" بن دعامة بالكسر، أبو الخطاب البصري ثقة ثبت تقدم. في ٣٠/ ٣٤ رأس الطبقة [٤]. ٥ - "الحسن" بن أبي الحسن يسار البصري العلم المشهور ثقة حجة من [٣] تقدم في ٣٢، ٣٦. ٦ - "حضين" بضاد معجمة مصغرا ابن المنذر بن الحارث الرَّقَاشي "أبو ساسان" بمهملتين وهو لقب وكنيته أبو محمد، كان من أمراء علي بصفين، وهو ثقة من الثانية، مات على رأس المائة اهـ تقريب، ١/ ٧٧، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، قال أبو أحمد العسكري: لا أعرف من يُسمَّى حضينا بالضاد غيره، وحكى مغلطاي أنه قيل فيه بالصاد المهملة، قال الشيخ ولي الدين: وفيه نظر. من الثانية. ٧ - "المهاجر بن قنفذ" بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة ابن عمير ابن جُدعان بضم فسكون التيمي صحابي أسلم يوم الفتح، وولاه عثمان شرطته أفاده في التقريب. وفي المنهل قيل إن اسم المهاجر عمرو، واسم قنفذ خلف، وإن مهاجرا وقنفذا لقبان، وإنما قيل له المهاجر لأنه لما أراد الهجرة أخذه المشركون، فعذبوه، ثم هرب منهم، وقدم على رسول الله ﷺ مسلما، فقال رسول الله ﷺ "هذا المهاجر حقا، وقيل: إنه أسلم يوم فتح مكة، وسكن البصرة، ومات بها. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. اهـ. لطائف الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف.

стр. 584

ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أنهم ثقات. ومنها: أن فيه رجلا لا يشاركه في اسمه أحد وهو حضين كما أشار إليه السيوطي في الألفية بقوله: وليسَ في الرُّوَاه من حُضَيْن .... إلا أبُو سَاسَانَ عَنْ يَقين ومنها: أن شيخ المصنف هو أحد المشايخ الذين اشترك أصحاب الأصول في الأخذ عنهم، وهم تسعة نظمتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأئمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأصُول السِّتَّة الوُعَاةُ في تسْعَة منَ الشُّيُوخ المَهَرَهْ .... البَارعينَ النَّاقدينَ البَرَرَه أولئكَ الأشَجُّ وابنُ مَعْمَر … نَضْرٌ ويَعْقُوبُ وعَمْروٌ السَّري وابنُ العَلاء وابنُ بَشَّار كَذَا .... ابنُ المُثَنَّى وزيَادٌ يُحْتَذَى شرح الحديث "عن المهاجر" بصيغة اسم الفاعل "ابن قنفذ" بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة ﵁ "أنه" أي المهاجر "سلم على النبي ﷺ وهو" الواو للحال أي والحال أنه ﷺ "يبول" وكذا في رواية أبي داود ومثله رواية أبي الجُهَيم عند البغوي في شرح السنة، ورواية أبي هريرة عند ابن ماجه، والظاهر من هذه الروايات أن السلام كان حال قضاء الحاجة، وظاهر رواية أحمد، وابن ماجه، والبيهقي من حديث المهاجر بن قنفذ "أنه سلم على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه" الحديث. وثبت في رواية الشيخين وغيرهما من حديث أبي الجهيم، وابن عمر، وابن عباس أن السلام كان بعد قضاء الحاجة.

стр. 585

قال في المنهل: ولا تنافي بين هذه الروايات لأن الواقعة متعددة اهـ جـ ١/ ص ٧٠. وسيأتي قريبا جمع آخر في قول ابن العربي، إن شاء الله تعالى. "فلم يرد عليه" سلامه لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى، ففي حديث أنس مرفوعا "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم" رواه البخاري في الأدب المفرد، فكره ﷺ أن يذكر الله تعالى إلا على طهارة، بل آخره "حتى توضأ فلما توضأ رد عليه" وفي رواية أبي داود "ثم اعتذر إليه، فقال إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر" واعتذاره ﷺ إليه تطييب لقلبه إذ أخر رد سلامه إلى أن فرغ من الوضوء وإلا فترك الرد حال البول لا يعتذر منه، لأن السلام في مثل هذه الحال غير مشروع كما قدمناه في رواية ابن ماجه بإسناد حسن، أنه ﷺ قال لمن سلم عليه وهو يبول: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك". مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته: حديث المهاجر ﵁ صحيح. "المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٤/ ٣٨ - وفي الكبرى ٢٨/ ٣٧ عن محمَّد بن بشار، عن معاذ بن معاذ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر ﵁. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن سعيد بسند المصنف، وأخرجه ابن ماجه فيه عن إسماعيل بن محمَّد الطَّلْحي،

стр. 586

وأحمد بن سعيد الدارمي، كلاهما عن روح، عن سعيد، الخ. أفاده المزي. وأخرجه أحمد، والبيهقي. "المسألة الثالثة": أنه وقع هنا وفي الباب السابق أن السلام كان في حالة البول ووقع في رواية ابن ماجه، وأحمد من حديث المهاجر أنه سلم عليه وهو يتوضأ، ووقع عند أبي داود في باب التيمم من رواية محمَّد بن ثابت العبدي عن نافع، عن ابن عمر قال "مر رجل على رسول الله ﷺ في سكَّة من السِّكك، وقد خرج من غائط، أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه" وهذا صريح في أن السلام كان بعد البول. فالتوفيق بين هذه الروايات أن تحمل رواية وهو يتوضأ على مقدماته وهو البول بطريق الاستعارة. وأما رواية وقد خرج من غائط أو بول فلا تُعارض غيرها لأن في سندها محمَّد بن ثابت العبدي قال ابن العربي في شرح الترمذي بعد ذكر رواية الضحاك بن عثمان عن نافع التي تقدمت في الباب السابق هذا حديث صحيح اتفق عليه العلماء، فلا تُعارض حديثَ الصحيحين أو أحدهما روايةُ السنن على أن كل الروايات موافقة له، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف الحديث، أو تكونان واقعتين مختلفتين اهـ. "المسألة الرابعة": دل قوله ﷺ "إني كرهت أن اذكر الله إلا على طهر" على كراهة ذكر الله حال قضاء الحاجة ولو كان واجبا كرد السلام ولا يستحق المسلم في تلك الحالة جوابا، قال النووي ﵀: وهذا متفق عليه. اهـ. لكن قدمنا عن إبراهيم وابن سيرين عدم كراهة الذكر حال قضاء الحاجة فتأمل. وفيه أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يَدَعَ الرد حتى يتوضأ، أو يتيمم، ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المسلم، أما إذا خشي فوته

стр. 587

فالحديث لا يدل على المنع، لأن النبي ﷺ تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الرواية، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلبا للأشرف وهو الرد حال الطهارة. ويبقى الكلام في الحمد حال العطاس فالقياس على التسليم المذكور في حديث الباب وكذلك التعليل بكراهة الذكر إلا على طهر يشعران بالمنع من ذلك، ولكن ظاهر حديث "إذا عطس أحدكم فليحمد الله" يشعر بشرعيته في جميع الأوقات التي منها وقت قضاء الحاجة فهل يخصص عموم كراهة الذكر المستفادة من المقام بحديث العطاس، أو يجعل الأمر بالعكس، أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه فيتعارضان فيه تردد، وقد قيل: إنه يحمد بقلبه وهو المناسب لتشريف مثل هذا الذكر وتعظيمه وتنزيهه قاله الشوكاني، ١/ ١١٩، ١٢٠. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح لديَّ أنه يؤخر الحمد إلى أن يفرغ كما فعل النبي ﷺ في رد السلام جمعا بين المصلحتين، إذ كل منهما واجب فإذا لم يمكن أداؤه في الحال استدركه فيما بعدُ، وأما الحمد بالقلب فلا يسقط الطلب بالحمد اللفظي ما دام ممكنا والله أعلم. وفي الحديث أيضا: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق وعظيم الشِّيَم وكمال الشفقة. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 588

٣٥ - النهي عن الاستطابه بالعظم أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الاستطابة بالعظم. والاستطابة: الاستنجاء، يقال: استطاب، وأطاب إطابة أيضا: إذا استنجى؛ لأن المستنجى تَطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج. أفاده في المصباح. والعظم: بفتح فسكون جمعه عظام، وأعظم، مثل سهام، وأسهم. أفاده في المصباح، والمناسبة بين البابين من حيث إن الاستطابة يطلب لإزالة البول ونحوه، والأبواب تسلسلت في موضوع البول والبحث عن السلام عنده، والردّ بعده. ٣٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ سَنَّةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدُكُمْ بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ. رجال الإسناد: سته ١ - "أحمد بن عمرو بن السرح" هو أحمد بن عمرو بن عبد الله ابن عمرو بن السَّرْح بمهملات، الثانيةُ ساكنة، الأموي مولاهم أبو الطاهر المصري الفقيه. عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، ووكيع، وابن القاسم، والشافعي، وخلق، وعنه مسلم، وأبو داود،

стр. 589

والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وقالا: لا بأس به. ووثقه أبو داود، والنسائي، وقال علي بن الحسن بن خلف بن فديد: كان ثقة ثبتا صالحا، وقال ابن يونس: كان فقيها من الصالحين الأثبات، توفي سنة تسع وأربعين، وقيل سنة ٢٥٠ من [١٠]. ٢ - "ابن وهب" هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد البصري الفهري ثقة حافظ عابد من [٩] تقدم في ٩/ ٩. ٣ - "يونس" بن يزيد الأيلي ثقة من [٧] ثقة تقدم. في ٩/ ٩. ٤ - "ابن شهاب" أبو بكر محمَّد بن مسلم الزهري العلم المشهور [٤] تقدم. في ١/ ١. ٥ - "أبو عثمان بن سَنَّة الخُزَاعي" بفتح السين المهملة وتشديد النون الدمشقي مقبول من الثانية، ووهم من زعم أن له صحبة، فإن حديثه مرسل، وأخرج له المصنف، وابن ماجه في تفسيره. قاله في التقريب. ٦ - "عبد الله بن مسعود" بن غافل -بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف- بن حبيب بن شَمْخ -بفتح المعجمة الأولى وسكون الميم- بن مخرمة بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل الهذلي أبو عبد الرحمن الكوفي، أحد السابقين الأولين، وصاحب النعلين، شهد بدرا والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وروى عنه خلق من الصحابة، ومن التابعين علقمة، ومسروق، والأسود، وقيس بن أبي حازم، والكبار، تلقن من النبي ﷺ سبعين سورة، قال علقمة: كان يشبه النبي ﷺ في هديه، ودله وسمته، قال أبو نعيم: مات بالمدنية سنة ٣٢ عن بضع وستين سنة، أخرج أحاديثه الجماعة اهـ صه، جـ ١/ ص ٩٩.

стр. 590

لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته ما بين مصريَّين وهما الأول والثاني، وأيلي وهو يونس، ومدنيين وهما ابن شهاب والصحابي، ودمشقي وهو ابن سنة. ومنها: أن فيه راويا انفرد المصنف بإخراج حديثه في الأصول الستة وهو أبو عثمان بن سنة الخزاعي. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن أبا عثمان هذا قال الذهبي في الميزان ما أعرف روى عنه غير الزهري، وقال أبو زرعة الرازي: لا أعرف اسمه. قاله في تهذيب الكمال. تنبيه: قد وهم من عد ابن مسعود من العبادلة لأنه مات قبل أن يشتهر هذا اللقب. شرح الحديث "عن عبد الله بن مسعود" الهُذَلي ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى" قال في المختار نهاه عن كذا ينهاه نَهْيًا، وانتهي عنه، وتناهى: أي كف. اهـ. وفي المصباح نهيته عن الشيء أنهاه نهيا فانتهى عنه، ونهوته نهوا لغة، ونهى الله تعالى أي حَرَّم اهـ. أي منع النبي ﷺ "أن" مصدرية "يستطيب أحدكم" أي يستنجي، قال في لسان العرب: الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء، وسمي بهما من الطيب، لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء، أي يطهره، ويقال منه: استطاب الرجل، فهو مستطيب، وأطاب نفسه فهو مطيب، قال الأعشي (من الرجز):

стр. 591

يَارَخَمًا قَاظَ عَلَى مَطْلُوبِ … يُعْجلُ كَفَّ الخَارِيءِ المُطِيبِ اهـ. وأن وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسا كما قال ابن مالك: وَعَدِّ لازمًا بحَرْف جَرٍّ … وإنْ حُذفْ فَالنَّصْبُ للمُنْجَرِّ نَقْلا وفي أنَّ وأنْ يَطَّردُ … مَعْ أمْن لَبْس كَعَجبْتُ أنْ يَدُوا أي نَهَى عن استطابة أحدكم، وهو يشمل المذكور والإناث "بعظم أو روث" بفتح فسكون، قال ابن سيده: الروث رجيع ذي الحافر، والجمع أرواث. اهـ لسان، وفي المصباح رَاثَ الفرسُ ونحوه رَوْثا، من باب قال، والخارج رَوْث تسميةً بالمصدر، والروثة الواحدة. اهـ. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وإن كان في سنده أبو عثمان بن سنة. وهو كما في التقريب مقبول لكن لحديثه شواهد عند الشيخيين وغيرهما فيكون صحيحا. فقد أخرج البخاري في باب ذكر الجن عن أبي هريرة ﵁ "أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها قال: مَن هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: ابغني أحجارًا استنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وَفْد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمرُّوا بعظم ولا بروثة، إلا وجدوا عليها طعاما". وأخرج مسلم، وأحمد، عن ابن مسعود ﵁ "أن النبي ﷺ -

стр. 592

قال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، وقال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحما، وكل بَعْرة علف لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" ورواه أيضا أبو داود، والحاكم، والدارقطني. وأخرج مسلم، وأبو داود، وأحمد، عن جابر ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ أن يتمسح بعظم أو بعرة". وعن أبي هريرة "أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو بعظم، وقال: إنهما لا يطهران" رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح. وقد ورد في الباب أحاديث متعددة مصرحة بالنهي عن العظم والروث. قاله الشوكاني ﵀. وقال الحافظ في التلخيص: وفي الباب عن الزبير بن العوَّام رواه الطبراني بسند ضعيفه، وعن سلمان رواه مسلم، وعن رُوَيفع بن ثابت رواه أبو داود، والنسائي، وعن سهل بن حُنيف رواه أحمد وإسناده واه، وعن رجل من الصحابة رواه الدارقطني وزاد فيه "أو جلد" قال: ولا يصح ذكر الجلد فيه، وروى ابنُ خزيمة، والدارقطني من طريق الحسن بن فرات، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران" اهـ جـ ١/ ص ١٠٩. "المسألة الثانية": حديث الباب بهذا السند مما انفرد به المصنف من بين الستة كما أشار إليه أبو الحجاج المزي في التحفة جـ ٧/ ص ١٦٧. "المسألة الثالثة": في اختلاف العلماء فيما دل عليه الحديث.

стр. 593

دل حديث الباب والأحاديث التي ذكرناها على منع الاستنجاء بالعظم والروث. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحق، والظاهرية: لا يصح الاستنجاء بهما، واستدلوا بهذه الأحاديث وغيرها. وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك، وهو قول أبي حنيفة، قال في البدائع: فإن فعل يعني الاستنجاء بالعظم يعتد به عندنا، فيكون مقيما للسنة، ومرتكبا للكراهة. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: ويرده ما رواه الدارقطني، وصححه عن أبي هريرة كما تقدم قريبا. وفيه وقال "إنهما لا يطهران" فإنه نص صريح في عدم الجواز. وقال الحافظ في الفتح: من قال: علة النهي عن الروث كونه نجسا ألحق به كل نجس، ومتنجس، وعن العظم كونه لزجا فلا يزيل إزالة تامة ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس، ويؤيده ما رواه الدارقطني، وصححه من حديث أبي هريرة، فذكر الحديث الذي مر آنفا. وقال النووي في شرح مسلم: نبه النبي ﷺ بالرجيع على جنس النجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه به على جميع المطعومات، وتلحق به المحترمات، كأجزاء الحيوان، وأوراق كتب العلم، ولا فرق في النجس بين المائع والجامد. فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر؛ لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من

стр. 594

موضعها، وقيل: إن استنجاءه الأول يجزئ مع المعصية. اهـ. وقال الشوكاني: قيل: والعلة في النهي عن العظم اللزوجة المصاحبة له التي لا يكاد يتماسك معها، وقيل: عدم خلوه في الغالب عن الدسومة، وقيل: لكونه طعام الجن، وهذا هو المتعين لورود النص به فيلحق به سائر المطعومات، وأما الروث فعلة النهي عنه النجاسة، والنجاسة لا تزال بمثلها. اهـ نيل جـ ١/ ص ١٥٠. وقال الصنعاني في سبل السلام: وعلل هنا بأنهما لا يطهران، وعلل بأنهما طعام الجن، وعللت الروثة بأنها ركس، والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا، وأما عدم تطهير العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة، ولا يقطع البلة، ولما علَّلَ ﷺ بأن العظم والورثة طعام الجن قال له ابن مسعود: "وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان يوم أخذ، ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حَبَّهُ الذي كان يوم أكل" رواه أبو عبد الله الحاكم في الدلائل، ولا ينافيه ما ورد أن الروث علف لدوابهم كما لا يخفى. اهـ. أي لإمكان حمل الطعام فيه على طعام الداوب اهـ المنهل، جـ ١/ ص ١٤٥. وقال المجد ابن تيمية في المنتقى: وفيه تنبيه على النهي عن إطعام الدواب النجاسة اهـ. قال الشوكاني: لأن تعليل النهي عن الاستنجاء بالبعرة بكونها طعام داوب الجن يشعر بذلك اهـ، جـ ١ / ص ١٥١. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 595

٣٦ - النهي عن الاستطابة بالروث أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الاستنجاء بالروث وتقدم معنى الاستطابة في الباب السابق. ٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَعْقَاعُ عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ. رجال الإسناد: ستة ١ - "يعقوب بن إبراهيم" بن كثير العبدي الدَّوْرَقي الحافظ أخو أحمد الحافظ أبو يوسف البغدادي، رَوَى عن يحيى بن أبي زائدة، ومعتمر بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي حازم، وخلق. وعنه الجماعة، قال الخطيب: كان ثقة حافظا متقنا صنف المسند، قال السراج: مات سنة ٢٥٢. اهـ صه من [١٠]، وتقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - "يحيى بن سعيد" بن فَرُّوخ القطان أبو سعيد البصري الثقة العلم

стр. 596

من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤. ٣ - "محمَّد بن عجلان" القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين، عن أنس، وأبي حازم الأعرج، وعكرمة، وطائفة، وعنه عبد الوهاب بن بَخْت، ومنصور، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق، وثقه أحمد، وابن معين، وذكره البخاري في الضعفاء، وحُمل به ثلاث سنين، توفي سنة ١٤٨، أخرج له الأربعة، وروى له البخاري تعليقا ومسلم متابعة. اهـ صه. وقال في التقريب: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة. وقال يحيي القطان: كان مضطربا في حديث نافع، وقال مالك: لما بلغه أن ابن عجلان حدث بحديث "خلق الله آدم على صورته" لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالما، ولكن لابن عجلان فيه متابعون، وقال الذهبي: كان ابن عجلان من الرفعاء، والأئمة أولي الصلاح والتقوى، ومن أهل الفتوى، ومع كونه متوسطا في الحفظ فقد كان جيد الذكاء، مجاب الدعوة. اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٤٤. ٤ - "القعقاع" بن حكيم الكناني المدني، رَوَى عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وعلي بن الحسين، وغيرهم. وعنه سعيد المقبري، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عجلان، وكثيرون، وثقه أحمد، وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٤٤٤. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة من [٤]. ٥ - "أبو صالح" ذكوان السمان المدني، روى عن أبي سعيد، وأبي الدرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه بنوه سهيل، وعبد الله

стр. 597

وصالح، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وسمع منه الأعمش ألف حديث. قال أحمد: ثقة من أجل الناس، وأوثقهم، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال: صالح الحديث، يحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث، توفي سنة ١٠١، روى له الجماعة. من [٣]. ٦ - "أبو هريرة" عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي الشهير ﵁ تقدم. في ١/ ١. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي وهو الأول، وبصري وهو يحيى، ومدنيين وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، وقد تقدم أنه روى ٥٣٧٤ حديثا، وأن المكثرين سبعة. ومنها: أن شيخ المصنف أحد التسعة الذين روى الأئمة الستة في كتبهم عنهم من دون واسطة، وقد تقدم الكلام فيهم قريبًا. ومنها: أن في قول المصنف: يعني ابن سعيد لطيفة إسنادية، وهي أنه إذا لم يكن الشيخ ذكر نسب شيخه، وأراد الراوي عنه أن ينسبه ينبغي له أن يفصل ذلك بيعني أو نحوها، لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، قال السيوطي في الألفية. ولا تَزدْ في نَسَب أوْ وَصْف مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بنَحْو يَعْني أوْ بأنَّ أوْ بهُو الخ

стр. 598

شرح الحديث "عن أبي هريرة" ﵁ "عن النبي ﷺ " أنه "قال إنما أنا لكم مثل الوالد" ولفظ أبي داود "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد" ولفظ ابن ماجه كلفظ المصنف إلا أنه زاد "لولده". والمعنى: أنه مثل الوالد لولده في الشفقة والحُنُوّ، لا في الرتبة والعُلُوّ، لأنه لا يماثل النبي ﷺ فيهما أحد قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٤٥. "أعلمكم" جملة حالية من "أنا" وحذف المفعول لأفادة التعميم، أي كل ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، ولا يمنعني من ذلك التصريح بما يُستهجن، ولا أبالي بما يُستحيى من ذكره، وهذا تمهيد لما يُبَيّن لهم من آداب الخلاء إذ الإنسان كثيرا ما يستحي من ذكرها، ولا سيما في مجلس العظماء، قاله السندي ﵀، جـ ١/ ص ٣٨. "إذا ذهب أحدكم" يشمل الذكر والأنثي، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، وهو الذي يقع جوابا لسؤال مقدر، فكأنهم قالوا له ماذا تعلمنا؟ فأجابهم قائلا إذا ذهب أحدكم "إلى الخلاء" ولفظ أبي داود إلى الغائط. والخلاء: كالفضاء وزنا ومعنى، والخلاء أيضا المتوضأ، وقد تقدم أن الخلاء بالمد موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحُشّ والمرفق والمرحاض أيضا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجُوِّزَ به عن الخارج، يعني أنه إذا ذهب أحدكم إلى المكان الخالي لأجل أن يقضي فيه حاجته، أو ذهب لقضاء الخلاء أي الخارج من البول والغائط فإلى بمعنى اللام، والخلاء بمعنى الخارج إطلاقا للمحلّ على الحالّ. "فلا يستقبل القبلة" جواب إذا ولا ناهية، أي لا يتوجه إليها "ولا يستدبرها" أي لا يولّها ظهره "ولا يستنج بيمينه" أي لا يغسل موضع

стр. 599

النّجْو بفتح فسكون وهو الخرء، أو لا يمسح ذلك بحجر أو نحوه. قال في المصباح: واستنجيت: غسلت موضع النجو، أو مسحته بحجر أو مدر، والأول مأخوذ من استنجيت الشجر: إذا قطعته من أصله؛ لأن الغسل يزيل الأثر، والثاني من استنجيت النخلة: إذا التقطت رُطَبَهَا؛ لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يُبقي أثرها. اهـ. "بيمينه" قال ابن سيده اليمين نقيض اليسار جمعه أيمان، وأيمُن، ويمان. قاله في اللسان، أي بيده اليمين "وكان" ﷺ "يأمر بثلاثة أحجار" أي بالاستنجاء بثلاثة أحجار كما سيأتي التصريح به في حديث عائشة في باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها "ونهى" ﷺ "عن الروث" بفتح فسكون رجيع ذوات الحافر، والأشبه أن المراد هنا رجيع الحيوان مطلقا فيكون من إطلاق اسم الخاص على العام، أي نهى عن الاستنجاء بالروث "والرِّمِّة" بكسر الراء وتشديد الميم: هي العظم البالي، وتجمع على رمم، مثل سدرة وسدر، والرميم مثل الرِّمة، والمراد هنا مطلق العظم، لما تقدم من عموم النهي عن الاستنجاء به، ونص على الرمة بخصوصها لدفع توهم أن الجن لا ينتفعون بها فيجوز الاستنجاء بها اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٤٦. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته: حديث الباب فيه محمَّد بن عجلان وقد تقدم الكلام في أحاديثه في ترجمته لكن لحديثه شواهد كما تقدم فيصح. "المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 600

أخرجه هنا -٣٦/ ٤٠، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن عبد الله بن محمَّد النفيلي، عن ابن المبارك عن محمَّد بن عجلان بسند المصنف. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة أيضا عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن عجلان الخ. وعن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الله بن رجاء المكي كلاهما عن محمَّد بن عجلان الخ مختصرا "إذا استطاب أحدكم" الحديث أفاده أبو الحجاج المزي. وأخرجه مالك، وأحمد، وليس في روايته الأمر بالأحجار، وأخرجه مسلم بلفظ "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" وأخرجه ابن حبان كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٤٧. "المسألة الثالثة" أنه: دل الحديث على أنه يُطلب من الأبناء طاعة الآباء، وعلى الآباء إرشاد أولادهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه من الدين، وعلى أن النبي ﷺ بالنسبة لجميع الأمة كالأب كما أن أزواجه أمهاتهم؛ لأن منه ﷺ ومن أزواجه تعلم أحكام الدين، فبره، وبرهن أوجب من بر الوالدين، لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦]. ولقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" متفق عليه.
следующие страницы →