أوجه. والله أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح هو ما دل عليه ظاهر الحديث من منع المرور مطلقاً. والله أعلم.
تنبيه:
قال في الفتح: وقع في رواية أبي العباس السراج من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر: "لو يعلم المار بين يدي المصلِّي والمصلَّى" فحمله بعضهم على ما إذا قصر المصلِّي في دفع المار، أو بأن صلى في الشارع. ويحتمل أن يكون قوله: "والمصلى بفتح اللام، أي بين يدي المصلى من داخل سترته، وهذا أظهر. والله أعلم. قاله في الفتح (٢). والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ".
стр. 5672
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد.
٢ - (مالك).
تقدما في السند السابق.
٣ - (زيد بن أسلم) العدوي المدني، ثقة عالم يرسل، توفي سنة ١٣٦، من [٣]، تقدم في (٦٤/ ٨٠).
٤ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري المدني، ثقة توفي سنة ١١٢، من [٣]، تقدم في (١/ ٣٢٦).
٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري الصحابي المشهور ابن الصحابي ﵄. تقدم في (١٦٩/ ٢٦٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم، فقد علق البخاري لعبد الرحمن بن أبي سعيد، وأخرج له الباقون.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فإن زيداً، وعبد الرحمن تابعيان كلاهما من الطبقة الثالثة، ورواية الراوي عن أبيه.
стр. 5673
ومنها: أن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة، روى ١١٧٠ حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إِذا كان أحدكم يصلي) أي إلى شيء يستره، كما قيد في الرواية الأخرى؛ ففي رواية أبي سعيد ﵁ عند الشيخين: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه" الحديث. فإطلاق حديث الباب مقيد بهذا الحديث، ونحوه.
قال أبو بكر بن المنذر ﵀: ليس لأحد أن يمر بين يدي من يصلي إلى سترة، وإن مر بين يديه، وهو يصلي إلى سترة كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله إن أبى إلا أن يمر بين يديه. وقد رخص في المرور بين يدي من يصلي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتج بحديث المطلب ابن أبي وداعة. يعني الآتي للمصنف في الباب التالي (١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقد يستدل بالحديث على أنه إذا لم يكن له سترة لم يثبت هذا الحكم من حيث المفهوم، وبعض المصنفين من أصحاب الشافعي نص على أنه إذا لم يستقبل شيئاً، أو تباعد عن السترة، فأراد أن يمر وراء موضع السجود لم يكره، وإن أراد أن يمر في موضع السجود كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلل ذلك
стр. 5674
بتقصيره. حيث لم يقرب من السترة. اهـ (١).
تنبيه:
ذكر عند الشيخين سبب ذكر أبي سعيد الخدري ﵁ لهذا الحديث، فقد أخرجا من طريق حميد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة، يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب، فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟. قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان".
(فلا يدع) أي لا يترك (أحدًا أن يمر) هكذا نسخ "المجتبى" بزيادة "أن" المصدرية، وفي الكبرى: "يمر" بدونها، وهي التي عند مسلم، وأبي داود، وهي واضحة؛ إذ الجملة في محل جر صفة لـ "أحد"، ويمكن توجيه ما في "المجتبى" بجعل المصدر المئَول مجروراً بحرف جر محذوف، أي في مروره، يعني أنه لا يترك أحداً في حال مروره.
стр. 5675
(بين يديه) متعلق بـ "يمر"، أي أمامه، والمراد المرور بينه وبين السترة. زاد في رواية مسلم، وأبي داود: "وليدرأ ما استطاع". أي ليدفع المصلي من أراد المرور بينه وبينها قدر استطاعته.
ثم إن ظاهر الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر. وقال النووي ﵀: الأمر بالدفع أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب. اهـ (١).
قال الحافظ ﵀: فكأنه لم يراجع كلام أهل الظاهر، أو لم يعتد بخلافهم. اهـ (٢).
قال القاضي عياض ﵀: اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده، وإنما يدفعه، ويرده من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح لى قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإشارة، أو التسبيح. اهـ.
(فإِد أبى) أي امتنع المار من عدم المرور. يقال: أبَى الرجل يَأبَى إباء -بالكسر والمد- وإباءة: امتنع، فهو آب، وأبِيّ، على فاعل، وفَعِيل، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذ؛ لأن فَعِلَ يَفْعَل -بفتحتين- يكون
стр. 5676
حلقيَّ العين، أو اللام. وحكى ابن سِيدَهْ عن قوم: أبِيَ يَأبَى، كنَسِي يَنْسَى، وحكى ابن جني، وصاحب القاموس: أبَى يَأبِي، كضرب يضرب.
(فليقاتله) زاد في الكبرى: "فإن معه القرين"؛ أي الشيطان. وفي رواية البخاري: "فليدفعه"، ولمسلم "فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله"؛ أي يدفع بيده في نحره، فإن لم يندفع بذلك، فليدفعه، ولو بما يؤدي إلى قتله.
وقال في الفتح: قوله: "فليدفعه"؛ قال القرطبي ﵀: أي بالإشارة، ولطيف المنع. وقوله: "فليقاتله"؛ أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول. قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها. اهـ.
قال الجامع: ما قاله القرطبي مخالف لظاهر الحديث؛ فإن رواية مسلم صريحة في الدفع باليد، لا بالإشارة. وأصرح منه رواية الإسماعيلي، ولفظه: "فإن أبى فليجعل يده في صدره، ويدفعه"، وأما دعواه مخالفة الإقبال على الصلاة، والخشوع، فليس بمسلم؛ لأن من أمر بالخشوع في الصلاة هو الذي شرع المقاتلة فيها، فلا منافاة، ولا معارضة؛ إذ كل من عند الله. فتبصر.
قال الحافظ ﵀: وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله
стр. 5677
حقيقة.
واستبعد ابن العربي ذلك في "القبس" وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجي، فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن، أو التعنيف. وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير. ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعياً، لا مخاطباً، لكن فعل الصحابي يخالفه، وهو أدرى بالمراد. وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: "فإن أبى فليجعل يده في صدره، ويدفعه" وهو صريح في الدفع باليد.
ونقل البيهقي ﵀ عن الشافعي ﵀ أن المراد بالمقاتلة، دفع أشد من الدفع الأول.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر ﵄، قال: "لا تدع أحداً يمر بين يديك، وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله". وهذا يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه. قال الحافظ: وبنحوه صرح أصحابنا -يعني الشافعية- فقالوا: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، ولو أدى إلى قتله. فلو قتل، فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.
ونقل عياض وغيره أن عندهم -يعني المالكية- خلافاً في وجوب الدية في هذه الحالة. ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور.
стр. 5678
وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر، ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده؛ لأن فيه إعادة للمرور. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، وغيره أن له ذلك. أفاده في الفتح.
وقال أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في رد المصلي من مر بين يديه من حيث جاء، فرخص قوم في رده إذا مر. روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود، وكذلك فعله سالم. وروي هذا عن الحسن البصري.
وقال آخرون: لا يرده بعد أن جاز، كذلك قال الشعبي، والثوري، وإسحاق بن راهويه. وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث جاء يكون مروراً ثانياً بين يدي المصلي، وليس لذلك وجه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر رحمه الله تعالى هو القول الراجح عندي. لما ذكره. والله أعلم.
تنبيه:
قدمنا أنه زاد في الكبرى "فإن معه القرين"، ولمسلم، وأبي داود: فإنما هو شيطان".
قال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان. وقيل: معناه يفعل فعل الشيطان؛ لأن
стр. 5679
الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة. وقيل: المراد بالشيطان القرين. كما جاء في الحديث الآخر "فإن معه القرين". والله أعلم.
وقال في "الفتح": أي فعله فعل الشيطان؛ لأنه أبَى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وقال ابن بطال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المار شيطاناً بمجرد مروره. انتهى.
وهو مبني على أن لفظ "الشيطان" يطلق حقيقة على الجني، ومجازاً على الإنسي، وفيه بحث. ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له على ذلك الشيطان. وقد وقع في رواية الإسماعيلي: "فإنما معه الشيطان"، ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: "فإن معه القرين".
قال الجامع: عندي أن الاحتمال الأخير هو الأولى؛ لأن أولى ما تفسر به الرواية رواية جاءت من طريق آخر. كما قال السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث":
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أِوْ … عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
أي خير ما فسر به الغريب التفسير الذي جاء من طريق آخر، أو جاء
стр. 5680
عن الصحابي، أو جاء عن بعض الرواة. والله أعلم.
واستنبط ابن أبي جمرة من قوله: "فإنما هو شيطان" أن المراد بقوله: "فليقاتله" المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأن مقاتلة الشيطان إنما هو بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها. وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشد على صلاته من المار.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى هو حمل المقاتلة على حقيقته، كما تقدم تحقيقه. والله أعلم.
قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارّ؟ فالظاهر الثاني. انتهى.
وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ "أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته".
وروى أبو نعيم عن عمر: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس" (١). فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص
стр. 5681
بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظاً، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن مثلهما لا يقال بالرأي. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٨/ ٧٥٧)، و"الكبرى" (٧/ ٨٣٣) عن قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
اعلم أن حديث أبي سعيد له طريقان أحدهما: طريق عبد الرحمن ابن أبي سعيد، عن أبيه، فأخرجه منها المصنف هنا كما ذكر آنفاً، ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. وعن محمد بن العلاء، عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، به نحوه. وابن ماجه فيه عن أبي كريب محمد بن العلاء، به.
الثانية: طريق أبي صالح السمان، فأخرجه منها البخاري،
стр. 5682
ومسلم، وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن يونس بن عبيد -وعن آدم بن أبي إياس، عن سليمان ابن المغيرة- كلاهما عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي صالح، عنه. وأعاده عن أبي معمر في "صفة إبليس" من "بدء الخلق". ومسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فَرُّوخ، وأبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل كلاهما عن سليمان بن المغيرة به (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته، حيث إن المار شرع دفعه، ولو أدى إلى قتله، وحيث سمي شيطاناً.
ومنها: مشروعية دفع المار بين المصلي وسترته، وهذا إذا اتخذ سترة، أما إذا لم يتخذها، أو ابتعد عنها، فليس له الدفع على الراجح.
ومنها: أن دفع المار يكون بالأسهل فالأسهل، فإن لم يرتدع، فبالأشد، ولو بقتله.
ومنها: أن المار بين يدي المصلي شيطان، في كونه يشغل قلب المصلي عن المناجاة لربه، وأنه يجوز أن يقال لمن يفسد في الدين
стр. 5683
شيطان. والله الهادي إلى سواء السبيل.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5684
٩ - الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التسهيل في المرور بين يدي المصلي، لكن الحديث ضعيف، فلا يصلح دليلاً للرخصة المذكورة، كما يأتي تحقيق الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
٧٥٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِحِذَائِهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَقَامِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطُّوَّافِ أَحَدٌ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة حجة فقيه، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون، من [٨]، تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج) المكي، ثقة فقيه
стр. 5685
فاضل يدلس ويرسل، من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (كثير بن كثير) بن المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي المكي، ثقة من [٦].
روى عن أبيه، وسعيد بن جبير، وعلي بن عبد الله البارقي، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، ومعمر، وهشام بن حسان، وإبراهيم ابن نافع، وسالم الخياط، وابن عيينة، وآخرون. قال ابن سعد: كان شاعراً قليل الحديث. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١).
٥ - (كثير بن المطلب) بن أبي وداعة السهمي المكي، مقبول من [٣] روى عن أبيه. وعنه بنوه: كثير، وجعفر، وسعيد. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث الباب فقط (٢).
٦ - (المطلب بن أبي وداعة) الحارث بن أبي صبيرة (٣) بن سُعَيد ابن سعد بن سهم السهمي القرشي، أمه أروَى بنت الحارث بن عبد المطلب. روى عن النبي ﷺ ، وعن حفصة، وعنه أولاده: جعفر،
стр. 5686
وعبد الرحمن، وكثير، وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب، والسائب بن يزيد، وعكرمة بن خالد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل على خلاف فيه.
روى له مسلم حديثه عن حفصة في صلاة السبحة قاعدًا، وأخرج له الأربعة.
وقال الواقدي: نزل المدينة، وله بها دار، وبقي دهراً، ومات بها. وذكره ابن سعد في مسلمة الفتح (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن كثير بن كثير، عن أبيه) كثير بن المطلب (عن جده) المطلب بن أبي وداعة ﵁، أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى ركعتين) وهما ركعتا الطواف ففي رواية ابن خزيمة، وابن حبان قال: رأيت النبي ﷺ حين فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطوّافين أحد".
(بحذائه) أي بمُوازاة البيت، ولأبي داود: "يصلي مما يلي باب بني سهم" قال بعضهم: باب بني سهم في الشمال الغربي من المسجد الحرام، وهو المعروف بباب العمرة؛ لأن الناس يخرجون منه إلى التنعيم للإحرام بالعمرة. وبنو سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن
стр. 5687
لؤيّ بن غالب، قبيلة من قريش.
(في حاشية المقام) أي بجانب المقام، والحاشية: الجانب. قال الفيومي رحمه الله تعالى: وحاشية الثوب: جانبه، والجمع الحواشي، وحاشية النسب: كأنه مأخوذ منه، وهو الذي يكون على جانبه، كالعم، وابنه، وحاشية المال: جانب منه غير معين. اهـ (١).
يعني أنه صلى في جانب مقام إبراهيم ﵊، وفي الرواية الآتية (٢٩٥٩) "جاء حاشية المطاف، فصلى ركعتين"، ولا تنافي بين الروايتين؛ لأن المقام قريب من المطاف.
(وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد) الطُّواف جمع طائف، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِ لَهْ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرًا
وفي الرواية الآتية: "وبين الطوافين" بصيغة جمع المذكر السالم، والجملة في محل نصب على الحال، من فاعل "صلى": يعني أنه صلى جنب المقام بلا سترة تستره عن المارين. وفي رواية أبي داود: "والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة".
واستدل به المصنف على الرخصة في جواز المرور بين يدي المصلي
стр. 5688
إذا لم يتخذ سترة. واستدل به غيره على أنه يباح ترك اتخاذ السترة في المسجد الحرام. وكل ذلك غير مسلم لعدم صحة الدليل، كما سيأتي تحقيق القول في ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
وقال السندي عند قوله: "وليس بينه وبين الطُّوّاف أحد" ما نصه: قلت: لكن المقام يكفي سترة، وعلى هذا فلا يصح هذا الحديث دليلاً لمن يقول: لا حاجة في مكة إلى سترة. فليتأمل (١).
قال الجامع: في قوله: لكن المقام يكفي سترة. نظر؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه جعل المقام سترة. بل إنما صلى إلى جنبه. كما قدمنا قريباً فتبصر. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث المطلب بن أبي وداعة ﵁ هذا ضعيف؛ لكونه معلولاً؛ لأن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، كما بينه ابن عيينة رحمه الله تعالى.
قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان ابن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده، أنه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم،
стр. 5689
والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة. قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة. قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير، عن أبيه، فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي (١).
ولفظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسن بن عبدوس، قال: سمعت عثمان بن سعيد، يقول: سمعت علياً -يعني ابن المديني- يقول في هذا الحديث: قال سفيان: سمعت ابن جريج يقول: أخبرني كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي، والناس يمرون … قال سفيان: فذهبت إلى كثير، فسألته، قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي عن جدي المطلب. قال علي قوله: "لم أسمعه من أبي" شديد على ابن جريج. قال أبو سعيد عثمان: يعني ابن جريج لم يضبطه (٢).
قال الجامع: فتبين بهذا أن قوله: "عن أبيه، عن جده" خطأ أخطأ فيه ابن جريج، والصواب عن بعض أهله، عن جده، فيكون الحديث ضعيفاً؛ لأن في سنده مجهولاً فتبصر. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٩/ ٧٥٨)، وفي "الكبرى" (٨/ ٨٣٤) عن إسحاق بن
стр. 5690
إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده. وفي (١٦٢/ ٢٩٥٩)، وفي "الكبرى" (١٦٢/ ٣٩٥٣) من كتاب الحج عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الحج" عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن ابن جريج، بسند المصنف (١)، وأخرجه أحمد في مسنده، وابنا خزيمة، وحبان في صحيحيهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الحديث:
قال الإمام عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى في مصنفه:
"باب لا يقطع الصلاة شيء بمكة" فأخرج عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لا يقطع الصلاة بمكة شيء، لا يضرك أن تمر المرأة بين يديك.
وعن ابن جريج، قال: أخبرني أبي عن أبي عامر، قال: رأيت ابن الزبير يصلي في المسجد، فتريد المرأة أن تُجِيز أمامه، وهو يريد السجود
стр. 5691
حتى إذا هي جازت سجد في موضع قدميها.
وعن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت محمد بن الحنفية يصلي في مسجد منى، والناس يمرون بين يديه، فجاء فتى من أهله، فجلس بين يديه، قال عبد الرزاق: ورأيت أنا ابن جريج يصلي في مسجد منى على يسار المنارة، وليس بين يديه سترة، فجاء غلام، فجلس بين يديه (١).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة. وروي ذلك عن ابن الزبير، وعطاء، ومجاهد. قال الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ فقال: قد روي عن النبي ﷺ أنه صلى ثَمَّ ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأن مكة مخصصة؛ وذلك كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده، فذكر حديث الباب.
وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطُّوَّاف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدمها. رواه حنبل في كتاب "المناسك".
وقال المعتمر: قلت لطاوس: الرجل يصلي -يعني بمكة- فيمر بين يديه الرجل والمرأة؟ فقال: أو لا يرى الناس بعضهم بعضاً. وإذا هو يرى أن لهذا البلد حالاً ليس لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون
стр. 5692
بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، ولذلك سميت بمكة؛ لأن الناس يتباكون فيها، أي يزدحمون، ويدفع بعضهم بعضاً، فلو مَنَعَ المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس.
وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا؛ بدليل ما روى ابن عباس؛ قال: أقبلت راكباً على حمار أتان، والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار. متفق عليه. ولأن الحرم كله محل المشاعر، والمناسك، فجرى مجرى مكة في ما ذكرناه. اهـ كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى (١).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في "صحيحه": "باب السترة بمكة وغيرها" حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي جحيفة، قال: "خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونَصَبَ بين يديه عَنَزَةً، وتوضأ، فجعل الناس يتمسحون بوَضُوئه".
وأراد البخاري -كما قال الحافظ ﵀ أن ينكت على ترجمة عبد الرزاق المذكورة، وأن الحديث الذي استدل به ضعيف, للعلة المتقدمة، وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة ﵁. وهذا هو المعروف عند الشافعية، وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها.
стр. 5693
واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الراجح في هذه المسألة وجوب اتخاذ السترة ومنع المرور بين يدي المصلي مطلقاً في مكة وغيرها؛ لعموم الأدلة، والحديث الذي استدلوا به على الجواز ضعيف كما سمعت، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة الموجبة لذلك. فتبصر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5694
١٠ - الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التسهيل في الصلاة خلف الشخص النائم.
والظاهر من الرخصة هنا مطلق الجواز، لا الرخصة المقابلة للنهي السابق؛ إذ لم يصح نهي عن ذلك.
والحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم غير صحيح، وعلى تقدير الصحة لا يعرف تاريخه حتى يقال: نسخ بهذا الحديث. وسيأتي تحقيقه في المسائل، إن شاء الله تعالى.
٧٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
стр. 5695
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام) بن عروة أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات أجلاء، من رجال الجماعة، إلا شيخه، فإنه من أفراد الشيخين، والمصنف. وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فسرخسي، ويحيى فبصري، وأن فيه رواية الراوي، عن خالته، وأن عروة أحد الفقهاء السبعة، وأن عائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل) "من" بمعنى بعض، أي بعض الليل، ويحتمل أن تكون بمعنى "في"، أي يصلي في الليل (وأنا راقدة) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنا راقدة، و"الراقدة": النائمة، يقال: رَقَدَ
стр. 5696
رَقْداً، ورُقوداً، ورُقَاداً: نام، ليلاً كان، أو نهاراً، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. قال المفسرون: إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظاً؛ لأن أعينهم مفتحة، وهم نيام. قاله الفيومي (١).
(معترضة بينه وبين القبلة) أي نائمة عَرْضًا، وفي رواية للبخاري: "كان يصلي، وهي معترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة".
يقال: عَرَضَ الشيء يَعرِض، واعترض: انتصب، ومنع، وصار عارضاً، كالخشبة المنتصبة في النهر، والطريق، ونحوها، تمنع السالكين
سلوكها. ويقال: اعترض الشيءُ دون الشيءِ: أي حال دونه. قاله ابن منظور (٢).
والمراد أنها متوسطة بينه ﷺ ، وبين قبلته.
(على فراشه) أي الفراش الذي ينام عليه، ففي رواية أبي داود: "على الفراش الذي يرقد عليه".
(فإِذا أراد أن يوتر أيقظني، فأوترت) فيه أن عائشة كانت تؤخر الوتر اعتماداً على أنه ﷺ يوقظها. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5697
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البخاري، في "الصلاة"، وفي الوتر عن مسدد، عن يحيى القطان. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٠/ ٧٥٩)، وفي "الكبرى" (٩/ ٨٣٥) عن عبيد الله ابن سعيد، عن يحيى القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة خلف النائم:
الصلاة خلف النائم جائزة عند الجمهور؛ لحديث الباب، وأما ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا خلف النائم، ولا المتحدث". فحديث ضعيف باتفاق الحفاظ، كما قاله النووي.
وقال الخطابي: هذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ لضعف سنده. وعبد الله بن يعقوب لم يُسَمِّ من حدثه، عن محمد بن كعب، وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما ضعيفان، تمام بن بَزِيع، وعيسى بن ميمون، وقد تكلم فيهما يحيى بن معين، والبخاري.
ورواه أيضاً عبد الكريم أبو أمية، عن مجاهد، عن ابن عباس،
стр. 5698
وعبد الكريم متروك الحديث. قال أحمد: ضربنا عليه، فاضربوا عليه، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، ولا يحمل عنه. اهـ (١).
وأخرج الحديث أيضاً ابن ماجه، وفي سنده أبو المقدام هشام بن زياد البصري، ولا يحتج بحديثه. قاله المنذري.
وقال مالك: لا يصلي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاوس، قال ابن بطال: كرهت طائفة من العلماء الصلاة خلف النائم خوف ما يحدث منه، فيشغل المصلي، أو يضحكه، فتفسد صلاته. وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إليّ من أن أصلي وراء نائم. قال ابن بطال: والقول الأول قول من أجاز ذلك للسنة الثابتة. اهـ.
وقال الخطابي: فأما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعي، وأحمد من أجل أن كلامهم يشغل المصلي. وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن قول الجمهور بجواز الصلاة خلف النائم من غير كراهة هو الصحيح؛ لصحة دليله من غير معارض. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5699
١١ - النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ إِلَى الْقَبْرِ
٧٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (علي بن جُحْر) السعدي المروزي، ثقة، تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، توفي سنة ١٩٤، من [٨]، أخرج له الجماعة تقدم في ٥/ ٤٥٤.
٣ - (ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، توفي سنة بضع وخمسين ومائة، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٩٥.
٤ - (بُسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة حافظ، من [٤]، أخرج له الجماعة.
روى عن واثلة، وعمرو بن عبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن
стр. 5700
مُحَيريز، وأبي إدريس الخَوْلاني، وغيرهم. وعنه عبد الله بن العلاء بن زبر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وزيد بن واقد، وغيرهم. قال العجلي، والنسائي: ثقة. قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس. وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة.
٥ - (واثلة بن الأسقع) (١) بن كعب بن عامر بن ليث بن عبد مناة.
ويقال: ابن الأسقع بن عبد الله بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث، أبو الأسقع، ويقال: أبو قرصافة، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو الخطاب، ويقالى: أبو شداد الليثي، أسلم قبل تبوك، وشهدها، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي مرثد الغنوي، وأبي هريرة، وأم سلمة. وعنه ابنته فسيلة، ويقال: حصيلة، ويقال: جميلة، وأبو إدريس الخولاني، وبُسْر بن عبيد الله الحضرمي، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان من أهل الصفة، فلما قبض رسول الله ﷺ خرج إلى الشام. وقال أبو حاتم: نزل الشام. وكان يشهد المغازي بدمشق، وحمص. وقال أبو الحسن بن سميع، عن دُحَيم: مات بدمشق في خلافة عبد الملك. وقال أبو المغيرة، عن ابن عياش، عن سعيد بن خالد: مات سنة ٨٣ وهو ابن ١٠٥، وكذا قال الدوري وغيره
стр. 5701
عن ابن معين. وقال أبو مسهر، وجماعة: مات سنة خمس.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: كان آخر الصحابة موتاً بدمشق. أخرج له الجماعة.
قال الحافظ ﵀: صحح ابن عبد البر ﵀ القول الثاني في نسبه. وهو الصواب، أو يكون سقط من الأول عدة آباء. وحكى ابن أبي خيثمة أنه واثلة بن عبد الله بن الأشج. وقال البخاري: قال بعضهم: كنيته: أبو قرصافة، وهو وهم (١).
٦ - (أبو مرثد الغَنَوِيّ) كَنَّاز (٢) بن الحُصَين، ويقال: ابن حصين ابن يَربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طَريف بن جلان بن غَنْم بن غَنِيّ بن أعصُر بن سَعْد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد. أبو مرثد بن أبي مرثد، وجد أُنَيس بن مرثد بن أبي مرثد، وثلاثتهم لهم صحبة، وهو حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان تربه.
قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بدري بن بدري إلا مرثد بن أبي مرثد. روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا. وروى عنه واثلة بن الأسقع. قال الواقدي: توفي سنة ١٢ من الهجرة. زاد غيره: بالشام في خلافة أبي بكر الصديق. واستشهد ابنه مرثد بن أبي مرثد يوم الرجيع في حياة
стр. 5702
رسول ﷺ .
روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١). قال الحافظ: آخى النبي ﷺ بينه، وبين عبادة بن الصامت (٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، فكل رواته شاميون إلا شيخ المصنف، فمروزي، فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي.
ومنها: أن أبا مرثد من المقلين، ليس له غير حديث واحد، وهو حديث الباب، كما مر قريياً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي مَرْثَد) كَنَّاز بن الحصين. (الغَنَوي) نسبة إلى غَنِيّ أحد أجداده كما مر في نسبه؛ لأن القاعدة في النسبة إلى فَعِيل معتلِّ اللام، كغَنِيّ، وعَديّ، وفُعَيل، كقُصَيّ، وجوب حذف يائه، وفتح عينه، فتقول: غَنَويّ، وعَدَويّ، وقُصَويّ، كما قال في "الخلاصة":
стр. 5703
وَفَعَلِيُّ فِي فَعِلَةَ الْتُزِمْ … وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
وَأَلْحَقُوا مُعَلَّ لَامٍ عَرِيَا … مِنَ الْمِثَالَيْنِ بِمَا التَّا أُولِيَا
أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُصلّوا إلى القبور) أي بالاستقبال إليها؛ لما فيه من التشبه بعبادتها. قاله السندي ﵀ (١).
وقال النووي ﵀: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً، مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس (٢).
قال الجامع: ظاهر النهي للتحريم، إذ لا صارف له، فلا تصح إلى القبر مطلقاً. والله أعلم.
(ولا تجلسوا عليها") قال السندي ﵀: الظاهر أن المراد بالجلوس معناه المتعارف، وقيل: كناية عن قضاء الحاجة. والله أعلم. وفيه تحريم الجلوس على القبور. وسيأتي تمام البحث فيه في كتاب الجنائز برقم (١٠٥/ ٢٠٤٤) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي مرثد الغَنَويّ أخرجه مسلم.
стр. 5704
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١١/ ٧٦٠) وفي "الكبرى" (١٠/ ٧٣٦) عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن بُسْر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغَنَويّ ﵁. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي: فأخرجه مسلم في "الجنائز" عن علي بن حجر، بسند المصنف بلفظ "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" … وعن الحسن بن الربيع البجلي، عن ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن واثلة، عن أبي مرثد الغنوي، بلفظ المصنف.
وأبو داود فيه عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناد الوليد بن مسلم.
والترمذي فيه عن هناد بن السَّرِيّ، وعن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي -كلاهما عن عبد الله بن المبارك به. وعن علي ابن حجر، وأبي عمار الحسين بن حريث، كلاهما عن الوليد بن مسلم به. وقال: قال محمد بن إسماعيل: حديث ابن المبارك خطأ، إنما هو عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة. هكذا روى غير واحد، عن ابن جابر، وبُسرٌ سمع من واثلة.
стр. 5705
قال أبو الحسن الدارقطني: زاد ابن المبارك في إسناد هذا الحديث: "أبا إدريس الخولاني" ولا أحسبه إلا أدخل حديثاً في حديث؛ لأن وهيب بن خالد رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ . ذكره الحافظ المزيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في
مقدمته رواية ابن المبارك المذكورة مثالاً للمزيد في متصل الأسانيد، وهاك نصه:
(النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد) مثاله ما روى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس، يقول: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
فذكر سفيان في هذا الإسناد زيادة وهم، وهكذا ذكر أبي إدريس. أما الوهم في ذكر سفيان فممن دون ابن المبارك لا من ابن المبارك؛ لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرح فيه بلفظ الإخبار بينهما.
стр. 5706
وأما ذكر أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة، وفيهم من صرح فيه بسماع بسر من واثلة.
قال أبو حاتم الرازي يرون أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا، وكثيراً ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك، وظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه.
قال: قد ألف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتاباً سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة "عن" في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللاً بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإن كان فيه تصريح بالسماع، أو بالإخبار، كما في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه، فيكون بُسْر في هذا الحديث قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة، ثم لقي واثلة، فسمعه منه، كما جاء مثله مصرحاً به في غير هذا. اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهماً، كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور، وأيضاً فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجىء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١).
стр. 5707
قال الجامع: لكن الإمام مسلماً يرى صحة الطريقين، فلذا أخرج الحديث بالطريقين، وهو الظاهر، فإن ابن المبارك إمام حافظ ثبت تقبل زيادته، فالظاهر ما مشى عليه مسلم.
وقد أخرج ابن حزم ﵀ الحديث في "الْمُحَلَّى" جـ ٤ ص ٢٩، محتجاً به، وهاك نصه: حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد ابن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بُسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" ..
قال العلامة أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المحلَّى" ما نصه: ويظهر أن بسراً سمع الحديث من أبي إدريس، عن واثلة، ثم من واثلة، ولذلك جاء عنه بالإسنادين في مسند أحمد، وصحيح مسلم، وصرح بالسماع من واثلة في أبي داود، و"المسند". اهـ.
ونص "المسند" جـ ٤ ص ١٣٥: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت ابنُ جابرٍ يقول: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله ﷺ … الحديث.
стр. 5708
فقد صرح بُسْرٌ بسماعه من أبي إدريس، كما في المسند، والمحلَّى، ومن واثلة كما في "المسند" وأبي داود جـ ٣ ص ٢١٧، فظهر صحة الطريقين، وهذا أولى من تخطئة ابن المبارك الإمام الجبل في الحفظ. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في حكم الصلاة إلى المقبرة، ومثله الصلاة فيها، وعليها:
وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب أحمد ﵀ إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئاً يقيه من النجاسة، أم لا، ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان منفرد عنها كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار. قال أبو محمد بن حزم ﵀: وبه يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير بن مطعم أنه قال: ينهى أن يصلى وسط القبور، والحمام، والحُشّان (١).
وعن ابن عباس قال: لا تصلين إلى حش، ولا في حمام، ولا في مقبرة. وعن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاث أبيات قبلة: الحش، والحمام، والقبر. وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وعن خيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصل إلى حمام، ولا إلى
стр. 5709
حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام أعاد أبداً.
وعن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك. وعن ثابت البناني، عن أنس، قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا تصلي إليه. قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أردا أن يصلي، فيتنحى عن القبور.
وعن علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد. وعن ابن عباس رفعه: "لا تصلوا إلى قبر، ولا على قبر". وعن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور، أو إلى قبر؟ قال: نعم، كان ينهى عن ذلك، لا تصل وبينك وبين القبلة قبر، فإن كان بينك وبينه سترة ذراع فصلّ. قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط القبور؟، فقال: ذكروا أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله".
قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: لا أعلمه إلا أنه كان يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. وعن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا إذا خرجوا في جنازة تنحوا عن القبور للصلاة. وقال أحمد: من صلى في مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبداً.
стр. 5710
فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة ﵃ (١). انتهى كلام ابن حزم باختصار (٢).
وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة، وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته (٣).