← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤. ٣ - "محمَّد بن عجلان" القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين، عن أنس، وأبي حازم الأعرج، وعكرمة، وطائفة، وعنه عبد الوهاب بن بَخْت، ومنصور، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق، وثقه أحمد، وابن معين، وذكره البخاري في الضعفاء، وحُمل به ثلاث سنين، توفي سنة ١٤٨، أخرج له الأربعة، وروى له البخاري تعليقا ومسلم متابعة. اهـ صه. وقال في التقريب: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة. وقال يحيي القطان: كان مضطربا في حديث نافع، وقال مالك: لما بلغه أن ابن عجلان حدث بحديث "خلق الله آدم على صورته" لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالما، ولكن لابن عجلان فيه متابعون، وقال الذهبي: كان ابن عجلان من الرفعاء، والأئمة أولي الصلاح والتقوى، ومن أهل الفتوى، ومع كونه متوسطا في الحفظ فقد كان جيد الذكاء، مجاب الدعوة. اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٤٤. ٤ - "القعقاع" بن حكيم الكناني المدني، رَوَى عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وعلي بن الحسين، وغيرهم. وعنه سعيد المقبري، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عجلان، وكثيرون، وثقه أحمد، وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٤٤٤. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة من [٤]. ٥ - "أبو صالح" ذكوان السمان المدني، روى عن أبي سعيد، وأبي الدرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه بنوه سهيل، وعبد الله

стр. 597

وصالح، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وسمع منه الأعمش ألف حديث. قال أحمد: ثقة من أجل الناس، وأوثقهم، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال: صالح الحديث، يحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث، توفي سنة ١٠١، روى له الجماعة. من [٣]. ٦ - "أبو هريرة" عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي الشهير ﵁ تقدم. في ١/ ١. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي وهو الأول، وبصري وهو يحيى، ومدنيين وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، وقد تقدم أنه روى ٥٣٧٤ حديثا، وأن المكثرين سبعة. ومنها: أن شيخ المصنف أحد التسعة الذين روى الأئمة الستة في كتبهم عنهم من دون واسطة، وقد تقدم الكلام فيهم قريبًا. ومنها: أن في قول المصنف: يعني ابن سعيد لطيفة إسنادية، وهي أنه إذا لم يكن الشيخ ذكر نسب شيخه، وأراد الراوي عنه أن ينسبه ينبغي له أن يفصل ذلك بيعني أو نحوها، لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، قال السيوطي في الألفية. ولا تَزدْ في نَسَب أوْ وَصْف مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بنَحْو يَعْني أوْ بأنَّ أوْ بهُو الخ

стр. 598

شرح الحديث "عن أبي هريرة" ﵁ "عن النبي ﷺ " أنه "قال إنما أنا لكم مثل الوالد" ولفظ أبي داود "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد" ولفظ ابن ماجه كلفظ المصنف إلا أنه زاد "لولده". والمعنى: أنه مثل الوالد لولده في الشفقة والحُنُوّ، لا في الرتبة والعُلُوّ، لأنه لا يماثل النبي ﷺ فيهما أحد قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٤٥. "أعلمكم" جملة حالية من "أنا" وحذف المفعول لأفادة التعميم، أي كل ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، ولا يمنعني من ذلك التصريح بما يُستهجن، ولا أبالي بما يُستحيى من ذكره، وهذا تمهيد لما يُبَيّن لهم من آداب الخلاء إذ الإنسان كثيرا ما يستحي من ذكرها، ولا سيما في مجلس العظماء، قاله السندي ﵀، جـ ١/ ص ٣٨. "إذا ذهب أحدكم" يشمل الذكر والأنثي، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، وهو الذي يقع جوابا لسؤال مقدر، فكأنهم قالوا له ماذا تعلمنا؟ فأجابهم قائلا إذا ذهب أحدكم "إلى الخلاء" ولفظ أبي داود إلى الغائط. والخلاء: كالفضاء وزنا ومعنى، والخلاء أيضا المتوضأ، وقد تقدم أن الخلاء بالمد موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحُشّ والمرفق والمرحاض أيضا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجُوِّزَ به عن الخارج، يعني أنه إذا ذهب أحدكم إلى المكان الخالي لأجل أن يقضي فيه حاجته، أو ذهب لقضاء الخلاء أي الخارج من البول والغائط فإلى بمعنى اللام، والخلاء بمعنى الخارج إطلاقا للمحلّ على الحالّ. "فلا يستقبل القبلة" جواب إذا ولا ناهية، أي لا يتوجه إليها "ولا يستدبرها" أي لا يولّها ظهره "ولا يستنج بيمينه" أي لا يغسل موضع

стр. 599

النّجْو بفتح فسكون وهو الخرء، أو لا يمسح ذلك بحجر أو نحوه. قال في المصباح: واستنجيت: غسلت موضع النجو، أو مسحته بحجر أو مدر، والأول مأخوذ من استنجيت الشجر: إذا قطعته من أصله؛ لأن الغسل يزيل الأثر، والثاني من استنجيت النخلة: إذا التقطت رُطَبَهَا؛ لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يُبقي أثرها. اهـ. "بيمينه" قال ابن سيده اليمين نقيض اليسار جمعه أيمان، وأيمُن، ويمان. قاله في اللسان، أي بيده اليمين "وكان" ﷺ "يأمر بثلاثة أحجار" أي بالاستنجاء بثلاثة أحجار كما سيأتي التصريح به في حديث عائشة في باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها "ونهى" ﷺ "عن الروث" بفتح فسكون رجيع ذوات الحافر، والأشبه أن المراد هنا رجيع الحيوان مطلقا فيكون من إطلاق اسم الخاص على العام، أي نهى عن الاستنجاء بالروث "والرِّمِّة" بكسر الراء وتشديد الميم: هي العظم البالي، وتجمع على رمم، مثل سدرة وسدر، والرميم مثل الرِّمة، والمراد هنا مطلق العظم، لما تقدم من عموم النهي عن الاستنجاء به، ونص على الرمة بخصوصها لدفع توهم أن الجن لا ينتفعون بها فيجوز الاستنجاء بها اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٤٦. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته: حديث الباب فيه محمَّد بن عجلان وقد تقدم الكلام في أحاديثه في ترجمته لكن لحديثه شواهد كما تقدم فيصح. "المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 600

أخرجه هنا -٣٦/ ٤٠، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن عبد الله بن محمَّد النفيلي، عن ابن المبارك عن محمَّد بن عجلان بسند المصنف. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة أيضا عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن عجلان الخ. وعن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الله بن رجاء المكي كلاهما عن محمَّد بن عجلان الخ مختصرا "إذا استطاب أحدكم" الحديث أفاده أبو الحجاج المزي. وأخرجه مالك، وأحمد، وليس في روايته الأمر بالأحجار، وأخرجه مسلم بلفظ "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" وأخرجه ابن حبان كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٤٧. "المسألة الثالثة" أنه: دل الحديث على أنه يُطلب من الأبناء طاعة الآباء، وعلى الآباء إرشاد أولادهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه من الدين، وعلى أن النبي ﷺ بالنسبة لجميع الأمة كالأب كما أن أزواجه أمهاتهم؛ لأن منه ﷺ ومن أزواجه تعلم أحكام الدين، فبره، وبرهن أوجب من بر الوالدين، لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦]. ولقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" متفق عليه.

стр. 601

ودل أيضا على منع استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط، وقد تقدم تحقيقه في باب النهي عن استقبال القبلة، وعلى منع الاستنجاء باليمين، وبالروث، والعظم، وعلى وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار. "المسألة الرابعة": قال في المنهل: وقد استنبط ابن التين من الحديث المذكور منع استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة، وكأنه قاسه على استقبال القبلة، وقياسه غير ظاهر على ما لا يخفى، ومردود بما يؤخذ من حديث أبي أيوب المتقدم، فإن قوله فيه "ولكن شرّقوا أو غرّبوا" صريح في جواز استقبال القمرين، واستدبارهما، إذ لا بد أن يكونا في الشرق أو الغرب غالبا. وبهذا تعلم أنه لا وجه لمن قال من الفقهاء بكراهة استقبال الشمس، أو القمر، أو استدبارهما عند قضاء الحاجة. وأما ما رواه الترمذي عن الحسن، قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم أبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، يزيد بعضهم على بعض في الحديث "أن النبي ﷺ نهى أن يبال في المغتسل ونهى عن البول في الماء الراكد ونهى عن البول في الشارع ونهي أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر" فقال: الحافظ هو حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد بن كثير وذكر أن مداره عليه، وقال النووي في شرح المهذب إن هذا حديث باطل، وقال ابن الصلاح لا يعرف وهو ضعيف اهـ انتهى المنهل، ١/ ٤٦. ببعض تصرف.

стр. 602

٣٧ - باب النَّهْىِ عَنْ الاِكْتِفَاءِ فِي الاِسْتِطَابَةِ بِأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الاجتزاء في الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار. ٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، أَوْ نَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. رجال الإسناد: ستة ١ - "إسحق بن إبراهيم" بن مَخْلد الحنظلي، أبو محمَّد المشهور بابن راهويه المروزي الحافظ الثقة [١٠]، تقدم ذكره. في ٢/ ٢. ٢ - "أبو معاوية" محمَّد بن خازم بمعجمة التميمي مولاهم الضرير، أحد الأعلام الكوفي. روى عن الأعمش، وسهيل بن أبي صالح، وعاصم الأحول، وخلق. وعنه أحمد، وإسحق، وابن المديني، وابن معين، وأبو خيثمة، وخلق. وروى عنه من شيوخه الأعمش، وابن

стр. 603

جريج. قال أحمد: كان في غير الأعمش مضطربا، وقال العجلي: ثقة يرى الإرجاء، وقال يعقوب بن شيبة: ربما دلس، قال ابن معين: مات سنة ١٩٥، أخرج له الجماعة اهـ صه، وفي "ت" ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار -٩ - وتقدم في ٢٦/ ٣٠. ٣ - "الأعمش" سليمان بن مهْران أبو محمد الكاهلي مولاهم الكوفي ثقة من [٥]، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - "إبراهيم" بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي ثقة ثبت من [٥]، تقدم. في ٢٩/ ٣. ٥ - "عبد الرحمن بن يزيد" بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي. روى عن ابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى، وعائشة. وعنه ابنه محمَّد، والشعبي، وسلمة بن كهيل، وغيرهم. وثقه ابن معين، والعجلي، والدارقطني، وابن سعد، وقال: له أحاديث كثيرة، قيل: مات سنة ٨٣، أخرج له الجماعة. من كبار الطبقة الثالثة. ٦ - "سلمان" هو أبو عبد الله الفارسي ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ قد سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، أصله من جبا قرية من قرى أصبهان، وقيل: من رامهرمز، وكان أبوه دهقانها وسيدها، قال ابن إسحاق وغيره ما معناه: مَرَّ سلمان على النصارى المجاورين للفرس، وهم في كنائسهم، فأعجبه دينهم، فلزمهم فقيده أبوه على ذلك، وطلب منه خدمة بيت النار، ففكّ القيد، وخرج إلى الشام، فسأل عن عالم النصارى، فَدُلَّ عليه، فخدمه، واطلع منه على خيانة في دينه، فأخبر النصارى بذلك، فرجموه، وأقاموا مكانه رجلا صالحا، فصحبه سلمان حتى قارب الموت، فسأله أن يوصيه، فذكر له رجلا صالحا بالمَوْصل، فلما مات الأول، أتى هذا، وصحبه، فلما

стр. 604

حضرته الوفاة، قال له: أوصني، فذكر له رجلا بعمورية، فصحبه، فلما أشرف على الوفاة سأله الوصية، فقال: لا أجد اليوم أحدًا على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان نبي يبعث بدين إبراهيم مهاجره بأرض ذات نخل له آيات وعلامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فلما مر به ركب من العراق من كَلْب صحبهم، فباعوه بوادي القرى من يهودي، ثم اشتراه يهودي آخر من بني قريظة، وقدم به إلى المدينة، فأقام بها إلى أن قدم رسول الله ﷺ فأسلم بعد أن رأى الصفات التي وصفت له وكان من خيار الصحابة. قال فيه النبي ﷺ : "سلمان منا أهل البيت" رواه الطبراني، والحاكم عن عمرو بن عوف، وقال: سنده ضعيف، وفي حديث آخر "سلمان سابق فارس" أخرجه ابن سعد عن الحسن مرسلا، وعن بريدة، أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد" أخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: آية ٣٨] فقالوا: من يستبدل بنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان ﵁، ثم قال: "هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" أخرجه الترمذي (٢)، وقال الحسن: كان سلمان أميرًا على ثلاثين ألفا، فخطب فيهم في عباءة يفترش نصفها، وقال سليمان ابن المغيرة، عن حميد بن هلال: آخى النبي ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان، وقال لأبي الدرداء: "سلمان أفقه منك". وكان سلمان إذا خرج عطاؤه يتصدق به، وينسج الخوص، ويأكل

стр. 605

من كسب يده، له ستون حديثا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بثلاثة، وروى عنه ابن عباس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وغيرهم، قال ابن الأثير: صح أنه أدرك وصي عيسى، وقرأ الكتابين. وذكر البغوي أن سلمان لما حضره الموت بكى، وقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهدًا فتركنا عهده، أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب، فلما مات، نظر فيما ترك، فهذا هو نحو ثلاثين درهما، توفي سنة ٣٥ عن مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمائة وقيل: غير ذلك. أخرج أحاديثه الجماعة. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ المصنف فإنه مروزي، وأن فيه راويا لا مشارك له في اسم أبيه، وهو محمَّد بن خازم أبو معاوية، وفيه رواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم فإن عبد الرحمن خاله، وكذا أخوه الأسود بن يزيد، فأمه مُليكة بنت يزيد بن قيس، وأن رواته كلهم ثقات. وفيه: رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، الأعمش، وإبراهيم، وعبد الرحمن. وفيه: أن صحابيه معمّر لا يشاركه في عمره على بعض الأقوال غيره. وفيه: من ألفاظ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث "عن سلمان" الفارسي ﵁ وقد "قال له" أي لسلمان "رجل" أي من المشركين، ففي رواية لمسلم، قال يعني سلمان قال لنا

стр. 606

المشركون، وفي ابن ماجه: قال: قال له بعض المشركين، وهم يستهزئون به: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء. الخ. والحاصل أنهم قالوا ذلك استهزاء "إن صاحبكم" يريد النبي ﷺ "ليعلمكم" أي كل شيء كما في رواية أبي داود، وابن ماجه "حتى الخراءة" بالكسر والمد التخلي والقعود للحاجة قاله ابن الأثير، وقال الخطابي: وأكثر الرواة يفتحون الخاء قال: وقد يحتمل أن يكون بالفتح مصدرا وبالكسر اسما يقال: خَرىءَ خراءة وخرؤة وخرءًا سلح، مثل كره كراهة، وكرْها، والاسم الخِراء، والخُرء بالضم العذرة، أفاده في اللسان، وفي السندي الخراءة بكسَر خاء وفتح راء بعدها ألف ممدودة ثم هاء: هو القعود عند الحاجة، وقيل: هو فعل الحدث، وأنكر بعضهم فتح الخاء، لكن في الصحاح خرئ خَرَاءة، ككره كراهة، وهو يفيد صحة الفتح، وقيل: لعله بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، وقيل: المراد هيئة القعود للحديث، قلت: وهذا المعنى يقتضي أن يكون بكسر الخاء وسكون الراء وهمزة، كجلسة لهيئة الجلوس. اهـ كلام السندي. وفي المصباح: خرىء يخرأ، من باب تعب إذا تغوط، واسم الخارج خَرء، مثل فلس وفلوس، يعني أنه يعلمكم آداب التخلي والقعود عند قضاء الحاجة. "قال" سلمان "أجل" بفتحتين، وسكون اللام، كنعم وزنا ومعنى. قال في اللسان: وقولهم: أجل إنما هو جواب مثل نعم، قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم. وكان أحسن من أجل، وأجل تصديق لخبر يخبرك به صاحبك، فيقول: فعل ذلك، فتصدقه بقولك له: أجل، وأما نعم فهو جواب المستفهم بكلام لا جحد فيه، تقول له:

стр. 607

هل صليت؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم. اهـ. يقول سلمان ﵁: نعم علَّمنا رسول الله ﷺ كلَّ شيء نحتاج إليه في ديننا. قال الطيبي: جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يُهَدَّد، أو يُسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأجاب جواب المرشد للسائل المُجدّ. اهـ. ويحتمل أنه رد له بأن ما زعمه سببا للاستهزاء ليس بسبب له بل المسلم يصرح به عند الأعداء؛ لأنه أمر يحسنه العقل عند معرفة تفصيله فلا عبرة بالاستهزاء به لإضافته إلى أمر مستقبح ذكره، والجواب بالرد لا يسمى أسلوب الحكليم. اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٣٨. ومثله للسندي. قال الجامع عفا الله عنه: قلت: أسلوب الحكيم نوع من أنواع المحسنات البديعية المعنوية: وهو: تلقى المخاطب بغير ما يترقبه إما بترك سؤاله، والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد إشارة إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى. فكلام سلمان من النوع الثاني فهو من الأسلوب الحكيم كما قاله الطيبي، فتأمل. "نهانا" أي منعنا "أن نستقبل القبلة" أي بفروجنا كما في الموطأ "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم" و"أل" في القبلة للعهد. والمعهود الكعبة كما فسرها حديث أبي أيوب حيث قال: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة" الحديث "بغائط" هكذا عند المصنف بالباء، قال وليّ الدين العراقي: ضبطناه في سنن أبي داود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام اهـ.

стр. 608

ومثله للنووي في شرح مسلم، وزاد وروي "للغائط" باللام والباء، وهما بمعنى اهـ، أي لأجل غائط، أو بسببه. والغائط في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، ثم صار اسما للخارج المعروف من دبر الآدمي. "أو بول" هو في الأصل: مصدر بال، من باب قال، ثم استعمل في الخارج المعروف من القبل. قال الشيخ ابن دقيق العيد: والحديث دل على المنع من استقبالها ببول أو غائط، وهذه الحالة تتضمن أمرين: أحدهما: خروج الخارج المستقذر، والثاني كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع للخارج، لمناسبته لتعظيم القبلة عنه، ومنهم من قال: المنع لكشف العورة، وينبني على هذا الخلافُ في جواز الوطء مستقبلَ القبلة مع كشف العورة فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج، ومن علل بالعورة منعه. اهـ شرح العمدة، جـ ١/ ص ٥٣. وتقدم تحقيق المسألة في باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة. "أو نستنجي" بالنصب عطفا علي نستقبل أي نهانا أن نستنجي أي نغسل موضع النجو، أي الخرء بالماء، أو نمسحه بالحجر ونحوه كما تقدم قريبا تفسير الاستنجاء بهما "بأيماننا" جمع يمين خلاف الشمال، والنهي عن الاستنجاء باليمين على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها، لأن اليمين للأكل والشرب، والأخذ، والإعطاء، ومصونة عن مباشرة الثُّفْل، وعن مماسة الأعضاء التي هى مجاري الأثفال (١) والنجاسات، خلاف الشمال، فإنها لخدمة أسفل البدن بإماطة ما هنالك من القَذَرات وتنظيف ما يحدث من الإنسان، وغيره، وسيأتي قريبًا تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى.

стр. 609

"أو نكتفي" بالنصب أيضا أي نجتزىء "بأقل من ثلاثة أحجار" أي نهانا عن الاكتفاء في حالة الاستنجاء بالأحجار بأقل من ثلاثة أحجار، وهذا نص صريح في استيفاء ثلاث مسحات لابد منه. قال الخطابي: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد المطهرَين وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة، أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل اهـ. وفي رواية غير المصنف زيادة "أو نستنجي برجيع أو عظم" والرجيع: فعيل بمعني فاعل، وهو الروث والعذرة؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولي" في درجته: حديث سلمان ﵁ أخرجه مسلم. "المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٧/ ٤١ - وفي الكبرى -٣٠/ ٤٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، وفي -٤٢/ ٤٩ - عن عمرو ابن علي، وشعيب بن يوسف، كلاهما عن ابن مهدي، عن سفيان، كلاهما عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان ﵁. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية، ووكيع، وعن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، وعن أبي موسى، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش،

стр. 610

ومنصور، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان ﵁. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد، عن أبي معاوية بالسند المذكور. وأخرجه الترمذي في الطهارة عن هناد، عن أبي معاوية الخ وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن علي بن محمَّد، عن وكيع بالسند المذكور، وعن بندار عن ابن مهدي به. أفاده المزي. وأخرجه أحمد في المسند، والدارقطني "المسألة الثالثة": حديث الباب اشتمل على مسائل: منها: النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وتقدم الكلام عليه مستوفى في باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، والباب الذي بعده، فأرجع إليه في ١٩/ ٢٠ وفي ٢٠/ ٢١. ومنها: النهي عن الاستنجاء باليمين ويأتي الكلام عليه في بابه. ومنها: النهي عن الاكتفاء بأقل من ثلاثة أحجار، وهذا هو الذي ترجم له المصنف وهو الذي نبحث عنه في المسألة التالية. "المسألة الرابعة" أنه اختلف العلماء في اشتراط الثلاث في الاستنجاء بالأحجار: فمنهم: من اشترطه، ومنهم من استحبه. فالأول: مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث، فإنهم اشترطوا أن لا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها فيزاد حتى ينقي، ويستحب حينئذ الإيتار، لقوله: "ومن استجمر فليوتر" وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال:

стр. 611

"ومن لا فلا حرج" وبهذا يحصل الجمع بين الروايات، قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٠٩ مع زيادة يسيرة من المجموع. المذهب الثاني: مذهب مالك، وداود قالا: الواجب الإنقاء فإن حصل بحجر أجزأه، وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب ﵁ وبه قال أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء. واحتج هؤلاء: بحديث أبي هريرة "من استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" قالوا: ولأن المقصود الإنقاء، ولأنه لو استنجى بالماء لم يشترط عدد فكذا الحجر. واحتج أصحاب المذهب الأول: بحديث سلمان المذكور في الباب وهو صريح في وجوب الثلاث. وبحديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح، وبحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار" الحديث الآتي، وهو صحيح. وبحديث أبي هريرة "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرِّمّة" المتقدم، وهو صحيح، وبحديث خزيمة بن ثابت "سئل النبي ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: بثلاثة أحجار" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (١)، وبحديث ابن مسعود "أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس" رواه البخاري هكذا، ورواه أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وفي بعض رواياته زيادة "فألقى الروثة، وقال: ائتني بحجر" يعني ثالثا، وفي بعضها "ائتني بغيرها".

стр. 612

وبحديث جابر "أن النبي ﷺ قال "من استجمر فليوتر" رواه مسلم. وفي رواية لأحمد، والبيهقي، "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا" قال البيهقي: هذه الرواية تُبَيّنُ أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد على الواحد. قال الخطابي: في حديث سلمان "أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار" في هذه البيانُ الواضحُ أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بدونها، ولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد معنى، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد. وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى، لأنه يزيل الين، والأثر، فدلالته قطعية فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرا لا قطعا فاشترط فيه العدد كالعدة بالأقراء لما كانت دلالتها ظنا اشترط فيها العدد، وإن كان قد تحصل براءة الرحم بقرء، ولهذا اكتُفي بقرء في استبراء الأمة، ولو كانت العدة الولادة لم يشترط العدد، لأن دلالتها قطعية هذا مختصر كلام الخطابي. فإن قيل: التقييد بثلاثة أحجار إنما كان لأن الإنقاء لا يحصل بدونها غالبا، فخرج مخرج الغالب، قلنا: لا يجوز حمل الحديث على هذا، لأن الإنقاء شرط بالاتفاق، فكيف يُخلُّ به، ويذكر ما ليس بشرط مع كونه موهما للاشتراط. فإن قيل: فقد ترك ذكر الإنقاء، قلنا: ذلك من المعلوم الذي يستغنى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد، فإنه لا يعرف إلا بتوقيف، فنص على ما يخفى وترك ما لا يخفى، ولو حمل على ما قالوه، لكان إخلالا بالشرطين معا، وتعرضا لما لا فائدة فيه، بل فيه إيهام. والجواب عن الحديث الذي احتجوا به أن الوتر الذي لا حرج في

стр. 613

تركه هو الزائد على ثلاثة، جمعا بين الأحاديث، والجواب عن الدليلين الآخرين سبق في كلام الخطابي، والله أعلم قاله الإمام النووي ﵀ في المجموع، جـ ٢/ ص ١٠٤. وقال العلامة الشوكاني: وقد عارضت الحنفية هذا الحديثَ الدالّ على وجوب الثلاث يعني حديث سلمان بحديث ابن مسعود الآتي في الباب التالي، وفيه "فأخذ الحجرين وألقى الروثة"، قال الطحاوي: هو دليل على أن عدد الأحجار ليس بشرط، لأنه قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار، لقوله: "ناولني" فلما ألقى الروثة دل على أن الاستنجاء بالحجرين يجزئ، إذ لو لم يكن ذلك لقال: ابغني ثالثا، وردّة الحافظ، وقال قد روى أحمد فيه هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات، قال في آخره فألقى الروثة وقال: "إنها ركس ائتني بحجر" قال: مع أنه ليس فيما ذكر استدلال لأنه مجرد احتمال وحديث سلمان نص في عدم الاقتصار على مادونها، ثم حديث سلمان قول، وحديث ابن مسعود فعل، وإذا تعارضا قدم القول. اهـ. وأيضا في سائر الأحاديث الناصة على وجوب الثلاث زيادة يجب المصير إليها مع عدم منافاتها بالاتفاق، ولم تقع هنا منافية فالأخذ بها متحتم. اهـ نيل الأوطار، جـ ١/ ص ١٤٩. قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الحق هو ما هذب إليه المشترطون للثلاث، لقوة دليله. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 614

٣٨ - الرُّخْصَةِ فِي الاِسْتِطَابَةِ بِحَجَرَيْنِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في الاستنجاء بحجرين، والرُّخصة وزان غُرْفة، وتضم الخاء للاتباع، ومثله ظُلْمة وظُلُمة وهُدْنة وهُدُنة، وقُرْبة وقُرُبة، وجُمْعة وجُمُعة، وخُلْبة وخُلُبة، لليف، وجُبْنَة وجبنة، لما يؤكل، وهُدْبة وهُدُبة الثوب، والجمع رُخَص ورُخُصات، مثل غُرَف وغُرُفات. والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا، وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله. قاله في المصباح. وتقدم تفسير الاستطابة قريبا. أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أن الأمر بثلاثة أحجار ليس على سبيل الوجوب، مستدلا بحديث الباب، وقد عرفت ما فيه في الباب السابق. ٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِىُّ ﷺ الْغَائِطَ، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُ بِهِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ،

стр. 615

وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هَذِهِ رِكْسٌ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الرِّكْسُ طَعَامُ الْجِنِّ. رجال الإسناد: ثمانية ١ - "أحمد بن سليمان" بن عبد الملك الجزري الرُّهاوي بضم المهملة، أبو الحسين، الحافظ أحد الأثبات المشاهير. عن حسين الجعفي، ويزيد بن هارون، وجعفر بن عون، وزيد بن الحُباب، وعبد الله ابن واقد. وعنه المصنف فأكثر (١) وقال: ثقة، مأمون. قال عروبة: كان ثبتا في الأخذ، والأداء، مات سنة ٢٦١ اهـ صه بتغيير يسير، وفي "ت" ثقة حافظ من [١١]. ٢٠ - "أبو نعيم" الفضل بن دُكَين، واسمه عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولى آل طلحة الكوفي المُلائي الأحول الحافظ العلم، عن الأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، وجعفر بن بُرْقان، وأفلح بن حميد، وخلق. وعنه البخاري، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وخلق، قال أحمد: ثقة، يقظان، عارف بالحديث. وقال الفسوي: أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان قال يعقوب ابن شيبة: مات سنة ٢١٩ أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي "ت" ثقة ثبت من [٩]. ٣ - "زهير" بن معاوية بن حُدَيج بضم المهملة الأولى مصغرًا وآخره

стр. 616

جيم ابن الرُّجَيل بجيم مصغرا ابن زهير بن خيثمة الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، أحد الحفاظ والأعلام، عن سماك بن حرب، والأسود بن قيس، وزياد بن علاقة، وأبي الزبير، وخلق، وعنه القطان، وابن مهدي، وأبو نعيم، والأسود بن عامر، وعمرو بن خالد، وخلق. قال شعيب بن حرب: زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة وقال أحمد: زهير ثبت، سمع من أبي إسحاق بأخرة. قال الخطيب: حدث عنه ابن جريج، وعبد الغفار الحراني، وبين وفاتيهما بضع وستون سنة، توفي سنة ١٧٣، ومولده سنة ١٠٠ أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي "ت" ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخرة، من [٧]. ٤ - "أبو إسحق" عمرو بن عبد الله السَّبيعي الهمداني، أبو اسحق الكوفي أحد أعلام التابعين. عن جرير البجلي، وعدي بن حاتم، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وطائفة، وعنه ابنه يونس، وحفيده إسرائيل، وقتادة، وسليمان التيمي، وخلق، قال أبو حاتم: ثقة يشبه الزهري في الكثرة. قال محمَّد بن فضيل، عن أبيه: كان أبو إسحاق يقرأ في ثلاث. وقال حميد الرؤاسي: سمع منه ابن عيينة بعد ما اختلط، قال الواقدي: مات سنة سبع وعشرين ومائة، أخرج له الجماعة. اهـ صه. وفي "ت" مكثر ثقة عابد، اختلط بآخره، من [٣]. ٥ - "أبو عُبَيْدة" بن عبد الله بن مسعود فشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه من -٣ - اهـ "ت". مات بعد سنة ٨٠. وقال في الخلاصة: عامر بن عبد الله بن مسعود الهُذلي أبو عبيدة الكوفي، عن أبيه في السنن الأربعة، قال عمر وبن مرة: سألته هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا. وعن أبي موسى، وكعب بن عجرة. وعنه إبراهيم النخعي، ومجاهد، ونافع بن جبير، فُقد سنة إحدى وثمانين. اهـ.

стр. 617

٦ - "عبد الرحمن بن الأسود" بن يزيد النخعي، أبو حفص الفقيه، عن أبيه، وعائشة، وعنه الأعمش، وأبو إسحاق الشيباني: وثقه ابن معين. حج ثمانين حجة، واعتمر ثمانين عمرة، مات سنة ثمان وتسعين، روى له الجماعة. اهـ صه. وفي "ت" ثقة -٣ - ت ٩٩. ٧ - "عن أبيه" هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفي مخضرم فقيه، عن ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وطائفة. وعنه إبراهيم النخعي، وابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعمار: بن عمير، وطائفة. وثقه ابن معين، والناس. قال إبراهيم: كان يختم في كل ليلتين، وروي أنه حج ثمانين حجة. توفي سنة أربع، أو خمس وسبعين. أخرج له الجماعة اهـ صه. وفي "ت" مخضرم ثقة مكثر فقيه الطبقة الثانية. ٨ - "عبد الله" هو ابن مسعود ﵁ الهذلي تقدم. في ٣٥/ ٣٩. لطائف الإسناد منها: أنه من سُبَاعيات المصنف. ومنها: أن شيخ المصنف ممن انفرد هو به عن بقية الستة. ومنها: أن فيه رواية الشخص عن أبيه. ومنها: أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ المصنف فإنه جزري. ومنها: أن فيه عبد الله بالإطلاق والقاعدة: أنه إذا أطلق الكوفيون ذلك فهو ابن مسعود كما أنه إذا أطلقه المدنيون فهو ابن عمر، أو المكيون، فهو ابن الزبير، أو البصريون فهو ابن عباس، أو المصريون، والشاميون فهو ابن عمرو بن العاص، كما ذكر السيوطي ذلك في الألفية بقوله:

стр. 618

وَحَيْثُمَا أطْلقَ عَبدُ الله في … طيْبَةَ فَابْنُ عُمَر وَإنْ يَفي بمكَّة فَابْنُ الزُّبَيْر أوْ جَرَى … بكُوفَة فَهُوَ ابْنُ مَسْعُود يُرَى والبصرَة البحْرُ وَعنْدَ مصْرِ .... وَالشَّام مَهْمَا أطلقَ ابْنُ عَمْرِو شرح الحديث "عن أبي إسحق" السبيعي أنه "قال ليس أبو عبيدة" بن عبد الله بن مسعود "ذكره" أي لي أي لست أرويه الآن عن طريقه "ولكن عبد الرحمن بن الأسود" هو الذي ذكره لي فأرويه عن طريقه. ومعنى كلام أبي إسحاق هذا: أنه يروي هذا الحديث هنا عن طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، لا عن طريق أبي عبيدة عن أبيه، وإن كان أيضًا نقله عنه. والحاصل: أنه يرويه عنهما جميعا إلا أنه الآن لا يريد أن يرويه عن طريق أبي عبيدة لأنها منقطعة كما بينه الحافظ في الفتح، ونص عبارته في جـ ١/ ص ٣٠٩ وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى، لأنها بدون واسطة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها بواسطة أبيه، لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة. ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق. فمراد أبي إسحاق هنا بقوله ليس أبو عبيدة ذكره أي لست أرويه الآن عن أبي عبيدة وإنما أرويه عن عبد الرحمن. اهـ عبارة الحافظ ﵀. واعترضه العيني بما فيه نظر، ولذا تركته.

стр. 619

"عن أبيه" هو الأسود بن يزيد النخعي، قال الحافظ: وقال ابن التين: هو الأسود بن عبد يغوث الزهري وهو غلط فاحش، فإن الأسود الزهري لم يُسْلم فضلا عن أن يعيش حتى يروي عن عبد الله بن مسعود اهـ، جـ ١/ ص ٣٠٩ "أنه" أي أباه "سمع عبد الله" بن مسعود ﵁ حال كونه "يقول: أتي النبي ﷺ من الغائط" أي الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة والمراد به هنا: معناه اللغوي قاله العلامة العيني، ٢/ ٢٩٢ "وأمرني أن" مصدرية "آتيه بثلائة أحجار فوجدت" أي أصبت، ولهذا اكتفى بمفعول واحد وهو قوله "حجرين والتمست الثالث" أي طلبت الحجر الثالث "فلم أجده" أي الثالث "فأخدت روثة" واحدة الروث، والأرواث، قيل: الروثة إنما تكون للخيل والبغال والحمير. نقله العيني في عمدته عن التيمي، ١/ ٢٦٢. وقال الحافظ: زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث "انها كانت روثة حمار" اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الزيادة هى المتعينة في تفسير الروثة هنا لأن تفسير الرواية بالرواية أولى "فأتيت بهن" أي بالثلاثة من الحجرين والروثة "النبي ﷺ " منصوب بأتيت "فأخذ الحجرين وألقى الروثة" أي رماها "وقال" مبينا سبب الإلقاء "هذه ركس" أي الروثة ركس بكسر الراء وإسكان الكاف "قال أبو عبد الرحمن" صاحب الكتاب مُبَينا معنى الركس "الركس طعام الجن". قال الجامع عفا الله عنه: اختلفوا في معنى الركس، فقيل هي لغة في الرجس بالجيم ويدل عليه رواية ابن ماجه، وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم. وقيل: "الركس" الرجيع رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. قال الحافظ: والأولى

стр. 620

أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقال ابن بطال. لم أر هذا الحرف في اللغة يعني الركس بالكاف، وتعقبه أبو عبد الملك بان معناه الردّ كما قال تعالى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: آية ٩١] أي ردوا فكأنه قال هذا رد عليك انتهى. قال الحافظ: ولو ثبت لكان بفتح الراء يقال: ركسه ركسا إذا رده اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قلت: قول ابن بطال فيه نظر، لأن أهل اللغة ذكروا الركس بالكسر، قال في المصباح: الركس بالكسر، هو الرجس اهـ. وقال في اللسان: والركس شبيه بالرجيع اهـ. وفى رواية الترمذي "هذا ركس" يعني نجسا هكذا نقله في الفتح لكن لم أر هذا، التفسير في نسخة الترمذي التي بين يدي. وأما تفسير المصنف المذكور، فقد قال الحافظ: ما حاصله وأغرب النسائي في هذا فإن ثبت في اللغة فهو مريح من الإشكال. وقال العلامة بدر الدين العيني ﵀ ما نصه: وقال ابن التين: الرجس والركس في هذا الحديث قيل النجس، وقيل القذر، وقال ابن بطال: يمكن أن يكون معنى ركس رجس، قال ولم أجد لأهل اللغة شرح هذه الكلمة، والنبي ﷺ أعلم الأمة باللغة، وقال الداودي: يحتمل أن يريد بالركس النجس، ويحتمل أن يريد بها طعام الجن، وفي العباب الركس بمعنى مفعول كما أن الرجيع من رجعته، والرجس بالكسر والرجس بالتحريك والرجس مثال كتف: القذر، يقال: رجس نجس، ورجس نجس، ورجس نجس اتباع، وقال الأزهري: الرجس اسم لكل ما استقذر من العمل، ويقال: الرجس المأثم اهـ عمدة القارىء جـ ٢/ ص ٢٩٢.

стр. 621

مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى" في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه البخاري. "المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٨/ ٤٢ - وفي الكبرى -٣٢/ ٤٣ عن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عنه. وأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي نعيم بسند المصنف. ثم قال تعليقًا: وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن، فبيّن به أن أبا إسحاق سمعه من عبد الرحمن، فانتفت تهمة التدليس. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، عن زهير بالسند المذكرر. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة. "المسألة الثالثة": حديث الباب اختلف فيه المحدثون تصحيحًا وتضعيفًا، وإن كان الراجح صحته، قال الإمام الترمذي في جامعه حدثنا هناد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: "خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: "التمس ثلاثة أحجار" الحديث. قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، نحو حديث إسرائيل، وروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله، وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود بن يزيد، عن عبد الله، وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي

стр. 622

إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب. قال أبو عيسى: سألت عبد الله (١) بن عبد الرحمن أيّ الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتابه الجامع. قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل، وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع. قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم قال أبو عيسى وزهير في أبي إسحاق: ليس بذلك لأن سماعه منه بأخرة. قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق اهـ كلام الترمذي رحمه الله تعالى. والحاصل: أن الترمذي ﵀ يرى ترجيح رواية إسرائيل على رواية زهير التي أخرجها البخاري في الصحيح، وعلى روايات معمر وغيره بثلاثة وجوه: الأول: أن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعمر وغيرهما.

стр. 623

الثاني: أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل على روايته، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله. الثالث: أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في آخر عمره وسماع زهير منه في آخر عمره. قال العلامة المباركفوري ﵀: قلت في كل من هذه الوجوه الثلاثة نظر، فما قال في الأول فهو معارض بما قال الآجريّ: سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال زهير فوق إسرائيل بكثير، وما قال في الوجه الثاني من متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإن شريكا القاضي تابع زهيرا وشريك أوثق من قيس، وأيضا تابع زهيرًا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، وابن حماد الحنفي، وأبو مريم، وزكريا بن أبي زائدة. وما قال في الوجه الثالث فهو معارض بما قال الذهبي في الميزان قال أحمد بن حنبل: حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين، سمعا منه بآخره فظهر الآن أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجه صحيح، بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجحها البخاري ووضعها في صحيحه. قال الحافظ في مقدمة الفتح: حكى ابن أبي حاتم عن أبيه، وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح. وبيان ذلك: أن مجموع كلام هؤلاء الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة، عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فيكون الإسناد منقطعًا، أو رواية زهير، وهي عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، فيكون متصلا،

стр. 624

وهو تصرف صحيح، لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كان دعوى الاضطراب في الحديث منفية، لأن الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح. وثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف على الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك، وههنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير، وعن إسرائيل، مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير، لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيرًا، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم،، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق، وليث وان كان ضعيف الحفظ فإنه يعتبر به ويستشهد فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلا اهـ كلام الحافظ مقدمة الفتح ص ٣٦٦ - ٣٦٧، وقال في الفتح: ومما يرجحها أيضا استحضار أبي إسحاق لطريق أبي عبيدة، وعدوله عنها بخلاف رواية إسرائيل عنه عن أبي عبيدة، فإنه لم يتعرض فيها لرواية عبد الرحمن، كما أخرجه الترمذي وغيره، فلما اختار في رواية زهير طريق عبد الرحمن على طريق أبي عبيدة دل على أنه عارف

стр. 625

بالطريقين، وأن رواية عبد الرحمن عنده أرجح. والله أعلم. اهـ فتح جـ ١ ص ٣١٠. "المسألة الرابعة": زعم سليمان الشاذكوني أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر، وقال لم يسمع في التدليس بأخفى من هذا قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن ولم يقل ذكره لي اهـ. وهذا الزعم مردود، لأنه ثبت أن أبا إسحاق قال حدثني عبد الرحمن كما ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم، عن إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق. قال الحافظ بعد ذكره نحو هذا: ما نصه: وقد استدل الإسماعيلي أيضا على صحة سماع أبي إسحق لهذا الحديث من عبد الرحمن يكون يحيى القطان رواه عن زهير، فقال بعد أن أخرجه من طريقه: والقطان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق، وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان، أو بالتصريح من قوله فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس. اهـ كلام الحافظ ١/ ٣١٠. "المسألة الخامسة": قد اشتمل حديث الباب على أحكام قد مر معظمها في الأبواب المتقدمة، ومن جملتها ما بوَّب عليه المصنف هنا، وهو الرخصة في الاستطابة بحجرين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وداود قالوا: المدار على الإنقاء، لا على العدد المعين، واستدلوا بهذا الحديث؛ لأنه لو كان العدد شرطًا لطلب ثالثًا، وقد عرفت أن الصواب مع من اشترط الثلاثة، والجوابُ عما تمسك به هؤلاء قد مر في الباب الذي قبل هذا. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 626

٣٩ - بابُ الرُّخْصَةِ فِي الاسْتِطَابَةِ بِحَجَرٍ وَاحدٍ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في الاستنجاء بحجر واحد، واستدلال المصنف على هذا الحكم بحديث الباب غير واضح لما يأتي. ٤٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاَهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ". رجال الإسناد: خمسة ١ - "إسحاق بن إبراهيم" المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي الثقة المثبت [١٠] ت ٢٣٨ تقدم، في ٢/ ٢. ٢ - "جرير" بن عبد الحميد بن قُرط الضبي الكوفي نزيل الرّيّ وقاضيها ثقة ثبت [٨] تقدم في ٢/ ٢. ٣ - "منصور" بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب الكوفي ثقة ثبت من [٦] تقدم. في ٢/ ٢. ٤ - "هلال بن يَساف" بفتح التحتانية والسين الأشجعي مولاهم أبو الحسن الكوفي، عن البراء، وعمران بن حصين، وحماد. وعنه عمرو ابن مرة، وعبدة بن أبي لبابة، وسَلَمة بن كُهَيل، وطائفة، وثقه ابن معين، والعجلي. اهـ صه بزيادة، أخرج له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة.

стр. 627

وفي التقريب: ضبط يساف بكسر الياء قال: ويقال فيه اساف بالهمز بدل الياء. وقال: ثقة من الثالثة. ٥ - "سلمة بن قيس" الأشجعي صحابي نزل الكوفة له سبعة أحاديث، وعنه هلال بن يساف، وأبو إسحاق أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، له عندهم فرد حديث (١). وفي تهذيب التهذيب: وقال أبو القاسم البغوي: روى ثلاثة أحاديث، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح، أن عمر استعمله على بعض مغازي فارس اهـ. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ المؤلف فإنه مروزي. ومنها: أن صحابيه لا رواية له في هذه الكتب المذكورة إلا حديث واحد، وهو هذا الحديث المذكور في الباب. ومنها: أنه تفرد بالرواية عنه هلال بن يساف على ما ذكره أبو الفتح الأزدي، وأبو صالح المؤذن، لكن الصحيح: أنه روى عنه أيضا أبو إسحاق السبيعي. شرح الحديث "عن سلمة" بفتحتين "بن قيس" الأشجعي، الغطفاني، ﵁ "عن رسول الله ﷺ " أنه "قال: إذا استجمرت" أي أردت قلع النجاسة بالجمار. يقال: استجمر الإنسان في الاستنجاء: قلع النجاسة بالجمرات قاله في المصباح، والجمرات واحدها جمرة: الحجارة الصغار.

стр. 628

وفي اللسان: والاستجمار: الاستنجاء بالحجارة، واستجمر، واستنجى واحد: إذا تمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج للحصى التي يُرمى بها. اهـ بتصرف. وفي السندي: قوله: إذا استجمرت، أي استعملت الأحجار الصغار للاستنجاء، أو بَخَّرت الثياب، أو كفان الميت، والأول أشهر، وعليه بني المصنف كلامه. اهـ جـ ١/ ص ٤١. "فأوتر" أي استعمله وترا، أي واحدًا أو ثلاثًا، أو خمسًا، أو نحوها، وهذا مراد المصنف في تفسير الوتر، حيث إنه أورده دليلا على الاكتفاء بحجر واحد، لكن المُتَعَيِّنُ حمله على الثلاث فأكثر كما سيأتي. قال العلامة السنذي: يريد يعني المصنف أن إطلاقه يشمل الاكتفاء بالواحد أيضا، وقد يقال: المطلق يحمل على المقيد في الروايات الأخرى، لا سيما والعادة تقتضيه والإنقاء لا يحصل بالواحد اهـ. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى": في درجته. قال الترمذي ﵀: حديث سَلَمة بن قيس حديث حسن صحيح. "المسألة الثانية": في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٤٣ بهذا السند، وفي الأمر بالاستنثار حديث ٨٩، عن قتيبة، عن حماد، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس، "أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأت فاستنثر، وإذا استجمرت فأوتر" وفي الكبرى ٣٣، ٤٤، ٥٤ بالإسنادين المذكورين. "المسألة الثالثة": فيمن أخرجه معه: أخرجه الترمذي في الطهارة

стр. 629

بالنص المذكور عن قتيبة، عن حماد بن زيد، وجرير بن عبد الحميد كلاهما عن منصور الخ. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أحمد بن عبدة، عن حماد بالسند المذكرر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن منصور به. "المسألة الرابعة": استدل المصنف بحديث الباب على الاكتفاء بحجر واحد، وقد تقدم أنه مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، وداود، وحُكي عن عمر بن الخطاب ﵁، قالوا: الواجب الإنقاء، فإذا حصل بحجر واحد أجزأ، واحتجوا بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج". واستدل المصنف أيضا بحديث الباب حيث إن الوتر أقله واحد. وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجمهور أصحاب الحديث إلى اشتراط الثلاث. وقد ذكرنا حجتهم في باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وأن الراجح هو الذي ذهبوا إليه. وأما استدلال المصنف بحديث الباب فغير واضح؛ لأن الوتر المراد به الثلاث؛ لأن حديث سلمان المتقدم وغيره بَيَّن المراد به حيث قال: "أو أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار"، فالوتر هو الثلاث، لأن الرواية يفسر بعضها بعضًا. فتبصر. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 630

٤٠ - الاِجْتِزَاءِ فِي الاِسْتِطَابَةِ بِالْحِجَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا أي هذا باب ذكر الحديث الدال على "الاجتزاء" أي الاكتفاء، يقال: اجتزأت بالشيء: اكتفيت، قاله في المصباح "في الاستطابة" أي الاستنجاء "بالحجارة دون غيرها" المراد به الماء، أي دون استعمال الماء. واتفقوا على أنه ليس الحجر متعينا بل يقوم مقامه الخرق، والخَشَبُ، ونحوها من كل جامد طاهر مزيل للعين غير مُحتَرَم، ولا هو جزء من حيوان، خلافا لمن قال من الظاهرية: إنه يتعين الحجر لنصه ﷺ ، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. ٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَلْيَسْتَطِبْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَجْزِي عَنْهُ". رجال الإسناد ستة ١ - "قتيبة" بن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت من [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - "عبد العزيز" بن أبي حازم المخزومي مولاهم المدني الفقيه، عن

стр. 631

أبيه، وسهيل بن أبي صالح. وعنه إسماعيل بن أبي أويس، وقتيبة، وعلي بن حجر، قال أحمد: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، وقال ابن معين: ثقة، مات وهو ساجد في الحرم النبوي، قال ابن أبي شيبة: سنة ١٨٤ أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي "ت" صدوق فقيه من الطبقة [٨]. ٣ - "أبو حازم" سلمة بن دينار، مولى الأسود بن سفيان الأعرج التمار المدني القاص الزاهد أحد الأعلام، عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، مرسلا، وسهل بن سعد في البخاري ومسلم، وابن المسيب، وأبي سلمة. وعنه ابنه عبد العزيز، ومالك، والسفيانان، والحمادان. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ثقة. لم يكن في زمانه مثله، وقال أبو حازم: لا تكون عالما حتى تكون، فيك ثلاث خصال: لا تبغي على مَن فوقك، ولا تحقر مَن دونك. ولا تأخذ على علمك دنيا. قال خليفة: مات سنة ١٣٥. وقال الهيثم: سنة ٤٠ قال ابن سعد بعدها، وقال ابن معين: سنة ٤٤. روى له الجماعة اهـ صه وفي "ت" ثقة عابد من الطبقة [٥]. مات في خلافة المنصور. ٤ - "مسلم بن قُرط" بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، المدني مقبول من السادسة اهـ تقريب. وفي تهذيب التهذيب: مسلم بن قُرط حجازي، روى عن عروة بن الزبير، عن عائشة في الاستطابة بثلاثة أحجار، وعنه أبو حازم سلمة بن دينار، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: هو يخطئ. قلت: هو مُقلٌّ جدًا، وإذا كان مع قلة حديثه يخطئ فهو ضعيف، وقد قرأت بخط الذهبي لا يعرف. وحسن الدارقطني حديثه المذكور. اهـ. أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

стр. 632

وقال السيوطي ﵀: ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولا ذكر لابن قرط في غيره، ولم يتعرضوا له بمدح، ولا قدح. وقال الشيخ ولي الدين: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، ولا نعرفه بأكثر من أنه رَوَى عن عروة. اهـ زهر جـ ١ ص ٤٢. ٥ - "عروة" بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، عن أبيه، وأمه، وخالته عائشة، وعلي، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة. وعنه أولاده عثمان، وعبد الله، وهشام، ويحيى، ومحمد، وسليمان بن يسار، وابن أبي مليكة، وخلائق. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث فقيه عالم ثبت مأمون. وقال العجلي: لم يدخل نفسه في شيء من الفتن، وقال الزهري: كان يتألف الناس على حديثه، قال عروة: ما ماتت عائشة حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين. وقال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء. قال ابن شوذب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، ومات وهو صائم، ولد سنة ٢٩ أرَّخَه مصعب، وقال ابن المديني: مات سنة ٩٢، قال خليفة: سنة ٣، وقال ابن سعد: سنة ٤، وقال يحيى بن بكير: سنة ٥، قلت. قيل: عروة عن أبيه مرسل. روى له الجماعة. اهـ صه. وفي "ت": ثقة فقيه مشهور من -٣ - مات سنة -٩٤ - على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق. ٦ - "عائشة" أم المؤمنين ﵂ تقدمت. في ٥/ ٥. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون، إلا شيخ المصنف، فإنه بغلاني. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.

стр. 633

ومنها: أن فيه راويا هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة الذين كان مالك يعتد بإجماعهم كإجماع سائر الناس، وهو عروة، وقد تقدموا غير مرة. ومنها: أن صحابيته من المكثرين السبعة، رَوَت ألفًا ومائتين وعشرة أحاديث، وقد جمع الحافظ السيوطي المكثرين في ألفيته، فقال: والْمكْثرُونَ في روَاية الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ وأنَسٌ والبَحْرُ كالخُدْريٌ … وجَابرٌ وزَوْجَةُ النَّبيِّ والمكثر من روى أكثر من ألف حديث. ومنها: أن هذا الحديث لا يعرف بغير هذا الإسناد كما تقدم في كلام الحافظ السيوطي. ومنها: أن فيه رواية تابعي عمن ليس بتابعي لأن أبا حازم تابعي كثر الرواية عن سهل بن سعد، ومسلم بن قرط، لا يعرف بغير روايته عن عروة، ولذلك ذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة، وهي طبقة أتباع التابعين، قاله الشيخ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى. شرح الحديث " عن عائشة" ﵂ "أن رسول الله ﷺ قال إذا ذهب أحدكم إلى الغائط" أي إذا أراد أحدكم الذهاب إلى مكان قضاء الحاجة والخطاب، وإن كان للذكر لكنه غير مختص بهم، بل مثلهم الإناث، لأنهن شقائق الرجال، قاله في المنهل جـ ١/ ص ١٤٧. "فليذهب" اللام لام الأمر، أي فليمض "معه" الظرف متعلق بحال محذوف أي حال كونه مصاحبا معه "بثلاثة أحجار" الباء للتعدية متعلقة بيذهب وقوله "فليستطب بها" جملة في محل جر صفة لأحجار، أو

стр. 634

مستأنفة، أو في محل نصب حال مقدرة، أي عازما على الاستطابة بهن. ومعنى فليستطب بها: أي يستنجي بتلك الأحجار، قال في عون المعبود: والاستطابة، والاستنجاء، والاستجمار كناية عن إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه، فالاستطابة، والاستنجاء تارة يكونان بالماء، وتارة بالأحجار، والاستجمار مختص بالأحجار، اهـ جـ ١/ ص ٦٢. وقد قدمنا عن اللسان: أن الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء وسمي بهما من الطيب لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء أي يطهره "فإنها" أي الأحجار الثلاث "تجزي عنه" بضم التاء بمعنى تكفي، وتغني من الإجزاء، وهو الكفاية. وقال الزركشي: ضبطه بعضهم بفتح التاء، ومنه قوله تعالى ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: آية رقم ٤٨، ١٢٣] انتهى. فهو من جزى يجزي مثل قضى يقضي، وزنا ومعنى، أي تقضي تلك الأحجار "عنه" أي عن الماء المفهوم من السياق، أو عن المستنجى، أو الاستنجاء، والأول: هو الأظهر معنى، وإن كان بعيدًا لفظًا. يعني أن الاستطابة بالأحجار الثلاث تكفي عن الماء، وإن بقي أثر النجاسة بعدما زالت عين النجاسة. أفاده في العون. مسائل تتعلق بهذا الحديث "المسألة الأولى" في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح لشواهده. قال العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل ما معناه: حديث عائشة مرفوعًا "وإذا ذهب أحدكم" الحديث صحيح أخرجه أحمد، في المسند، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من طريق مسلم بن قُرْط، عن عروة، عن

стр. 635

عائشة مرفوعًا، وقال الداراقطني: إسناده حسن، وفي نسخة صحيح. قلت: وفيه نظر لأن مسلم بن قرط هذا لا يعرف، كما قال الذهبي وجنح الحافظ ابن حجر في التهذيب إلى تضعيفه كما بينته في صحيح أبي داود، وإنما قلت بصحة الحديث لأن له شاهدًا من حديث أبي أيوب الأنصاري عند الطبراني، وآخر من حديث سلمان الفارسي بمعناه، أخرجه مسلم، وأبو عوانة في صحيحيهما، وخرَّجناه في صحيح أبي داود. اهـ كلام العلافة الألباني باختصار جـ ١/ ص ٨٤. "المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٠/ ٤٤ - وفي الكبرى -٤٢/ ٣١ - عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة ﵂. وأخرجه أبو داود في سننه في الطهارة، عن سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط عن عروة، عن عائشة ﵂. وقد قدمنا في كلام الألباني مَن خرَّجه من غير الستة. "المسألة الثالثة": أنه دل حديث الباب على وجوب الاستطابة، وأنها لاتجوز بأقل من ثلاثة أحجار، وأن الأحجار تجزئ عن الماء، وهذا هو الذي بوب عليه المصنف. وهو مجمع عليه عند عامة أهل العلم، قالوا: يجوز الاقتصار على الأحجار، وخالفت الزيدية، والقاسمية، من الشيعة فقالوا: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء. قال النووي في شرح المهذب: وهم محجوجون بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أمر بالاستنجاء بالأحجار، وأذن فيه، وفعله. اهـ جـ ١/ ص ١٠١.
следующие страницы →