← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

وأما ذكر أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة، وفيهم من صرح فيه بسماع بسر من واثلة. قال أبو حاتم الرازي يرون أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا، وكثيراً ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك، وظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه. قال: قد ألف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتاباً سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة "عن" في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللاً بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإن كان فيه تصريح بالسماع، أو بالإخبار، كما في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه، فيكون بُسْر في هذا الحديث قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة، ثم لقي واثلة، فسمعه منه، كما جاء مثله مصرحاً به في غير هذا. اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهماً، كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور، وأيضاً فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجىء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١).

стр. 5707

قال الجامع: لكن الإمام مسلماً يرى صحة الطريقين، فلذا أخرج الحديث بالطريقين، وهو الظاهر، فإن ابن المبارك إمام حافظ ثبت تقبل زيادته، فالظاهر ما مشى عليه مسلم. وقد أخرج ابن حزم ﵀ الحديث في "الْمُحَلَّى" جـ ٤ ص ٢٩، محتجاً به، وهاك نصه: حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد ابن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بُسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" .. قال العلامة أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المحلَّى" ما نصه: ويظهر أن بسراً سمع الحديث من أبي إدريس، عن واثلة، ثم من واثلة، ولذلك جاء عنه بالإسنادين في مسند أحمد، وصحيح مسلم، وصرح بالسماع من واثلة في أبي داود، و"المسند". اهـ. ونص "المسند" جـ ٤ ص ١٣٥: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت ابنُ جابرٍ يقول: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله ﷺ … الحديث.

стр. 5708

فقد صرح بُسْرٌ بسماعه من أبي إدريس، كما في المسند، والمحلَّى، ومن واثلة كما في "المسند" وأبي داود جـ ٣ ص ٢١٧، فظهر صحة الطريقين، وهذا أولى من تخطئة ابن المبارك الإمام الجبل في الحفظ. والله أعلم. المسألة الرابعة: في حكم الصلاة إلى المقبرة، ومثله الصلاة فيها، وعليها: وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب أحمد ﵀ إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئاً يقيه من النجاسة، أم لا، ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان منفرد عنها كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار. قال أبو محمد بن حزم ﵀: وبه يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير بن مطعم أنه قال: ينهى أن يصلى وسط القبور، والحمام، والحُشّان (١). وعن ابن عباس قال: لا تصلين إلى حش، ولا في حمام، ولا في مقبرة. وعن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاث أبيات قبلة: الحش، والحمام، والقبر. وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وعن خيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصل إلى حمام، ولا إلى

стр. 5709

حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام أعاد أبداً. وعن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك. وعن ثابت البناني، عن أنس، قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا تصلي إليه. قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أردا أن يصلي، فيتنحى عن القبور. وعن علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد. وعن ابن عباس رفعه: "لا تصلوا إلى قبر، ولا على قبر". وعن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور، أو إلى قبر؟ قال: نعم، كان ينهى عن ذلك، لا تصل وبينك وبين القبلة قبر، فإن كان بينك وبينه سترة ذراع فصلّ. قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط القبور؟، فقال: ذكروا أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله". قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: لا أعلمه إلا أنه كان يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. وعن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا إذا خرجوا في جنازة تنحوا عن القبور للصلاة. وقال أحمد: من صلى في مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبداً.

стр. 5710

فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة ﵃ (١). انتهى كلام ابن حزم باختصار (٢). وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة، وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته (٣).

стр. 5711

وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي، ومن معه بين المنبوشة وغيرها. وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة، والأحاديث ترد عليه. وقد احتج له بعض أصحابه بما يقضي منه العجب؛ فاستدل له بأنه ﷺ صلى على قبر المسكينة السوداء، وأحاديث النهي لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل عَلَى فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان؛ لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة. أفاده العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحق ما ذهب إليه المانعون من الصلاة في المقبرة، أو إليها، أو عليها مطلقاً، وأن الصلاة باطلة؛ لأن النهي للتحريم، ولا صارف له، والنهي يقتضي الفساد والبطلان. إلا الصلاة على الميت عملاً بما صح من الأحاديث في ذلك. فعموم النهي عن الصلاة فيها، وإليها، مخصوص بأحاديث الصلاة على الميت، وبهذا تجتمع الأحاديث من غير تعارض. وبالله التوفيق. قال العلامة المحقق أبو محمد ابن حزم ﵀: وكل هذه الآثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة؛ فإنها تصلى في

стр. 5712

المقبرة، وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه، كما فعل رسول الله ﷺ ، نحرم ما نهى عنه، ونعد من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل، فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل. والحمد لله رب العالمين. انتهى (١). قال الجامع: ما قاله أبو محمد ﵀ تحقيق حقيق بالقبول. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 5713

١٢ - الصَّلَاةُ إِلَى ثَوْبٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة إلى ثوب فيه تصاوير، ومثل الثوب غيره. والظاهر أن المصنف يرى الجواز؛ لأنه غاير بينه وبين الترجمة السابقة، حيث عبر فيها بـ "النهي عن الصلاة إلى القبر"، وعبر هنا بـ "الصلاة إلى ثوب فيه تصاوير"، وهو ظاهر حديث الباب، فإنه ﷺ صلى إلى ثوب فيه صورة، ولم يقطع الصلاة، ولم يعدها؛ بل أمر بعد الصلاة بتأخيره عنه. وقد ترجم البخاري ﵀ في "صحيحه" بقوله "باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير، هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك". ثم أورد حديث أنس ﵁، قال: كان قِرام لعائشة، سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : "أميطي عنا قِرَامك؛ فإنه لا تزال تصاويره تَعرِض عليّ في صلاتي". قال في "الفتح": جرى المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه. وهذا مبني على أن النهي هل يقتضي الفساد، أم لا؟ والجمهور إن كان لمعنى في نفسه اقتضاه، وإلا فلا. وقال في شرح الحديث ما نصه: ودل الحديث على أن الصلاة لا

стр. 5714

تفسد بذلك؛ لأنه ﷺ لم يقطعها، ولم يعدها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لكنها تكره؛ لأمره ﷺ بتأخيره، وقوله: "فإنه لا تزال تصاويره تعرض عليّ في صلاتي". والله أعلم. ٧٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِي بَيْتِي ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَجَعَلْتُهُ إِلَى سَهْوَةٍ فِي الْبَيْتِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَخِّرِيهِ عَنِّي، فَنَزَعْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الثبت الحجة، مات سنة ١٦٠،

стр. 5715

من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) أبو محمد المدني، ثقة جليل، مات سنة ١٢٦، من [٦]، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٥ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت فاضل، مات سنة ١٠٦، من كبار [٣]، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أنه نصفه الأول بصريون، والثاني مدنيون. ومنها: أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن عمته. ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة: القاسم بن محمد. ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة؛ روت ٢٢١٠ أحاديث. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع، من صيغ الأداء، وكلها من صيغ الاتصال على الأصح. والله تعالى أعلم.

стр. 5716

شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير) وفي الرواية الآتية للمصنف في "كتاب الزينة" رقم (١١١/ ٥٣٥٢) من طريق هشام، عن أبيه، عنها، قالت خرج رسول الله ﷺ خَرْجَة، ثم دخل، وقد علقت قِراماً فيه الخيل أولات الأجنحة، فلما رآه قال: "انزعيه". وفي رواية سعد بن هشام عنها، قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طير مُستقبِل البيت إذا دخل الداخل، فقال رسول الله ﷺ : "يا عَائشة حوليه؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا"، قالت: وكان لنا قطيفة لها علم، فكنا نلبسها فلم نقطعه. (فجعلته إِلى سَهْوة في البيت) -بفتح المهملة، وسكون الهاء-: هي صُفَّة من جانب البيت. وقيل: الكوّة. وقيل: الرّفّ. وقيل: أربعة أعواد، أو ثلاثة يعارَض بعضها ببعض، يوضع عليها شيء من الأمتعة. وقيل: أن يبنى من حائط البيت حائط صغير، ويجعل السقف على الجميع، فما كان وسط البيت فهو السَّهوة، وما كان داخله فهو المخدع. وقيل: دخلة في ناحية البيت. وقيل: بيت صغير يشبه المُخْدَع. وقيل: بيت صغير منحدر في الأرض، وسمكه مرتفع من الأرض كالخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع. ورجح هذا الأخير أبو عبيد. ولا مخالفة بينه وبين الذي قبله. ووقع في رواية للبخاري: "وقد سترت بقِرام لي على سهوة لي فيها

стр. 5717

تماثيل". وفي رواية: "أنها علقته على بابها"، وكذا في رواية زيد بن خالد عن عائشة عند مسلم. قال الحافظ ﵀: فتعين أن السهوة بيت صغير، علقت الستر عَلَى بابه. انتهى (١). (فكان رسول الله ﷺ يصلي إِليه، ثم قال: "يا عائشة أخريه عني) وفي رواية للبخاري: "أميطي عنا قِرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تَعْرِض في صلاتي". دل الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه ﷺ لم يقطعها، ولم يعدها. قاله في "الفتح" (٢). (فنزعته) أي قلعته، وأزلته، وبابه ضرب. كما في المصباح (فجعلته وسائد) جمع وسادة -بالكسر-: المِخَدَّة، ويجمع على وِسادات (٣). وفي رواية للبخاري في "المظالم" من طريق عبيد الله العمري، عن عبد الرحمن بن القاسم بهذا الإسناد، قالت: "فاتخذت منه نمرقتين (٤)،

стр. 5718

فكانتا في البيت يجلس عليهما". وفي رواية لمسلم: "فأخذته، فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت". أفاده في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٢/ ٧٦١)، وفي "الزينة" (١١١/ ٥٣٥٢)، و"الكبرى" (١١/ ٨٣٧) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن خالد بن الحارث الهجيمي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها. وفي الزينة (١١١/ ٥٣٥٥) عن وهب بن بيان، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عبد الرحمن بن القاسم، به. بلفظ: "أنها نَصَبَتْ ستراً فيه تصاوير، فدخل رسول الله ﷺ فنزعه، فقَطَعَتْهُ وسادتين. قال رجل في المجلس حينئذ يقال له: ربيعة بن عطاء: أنا سمعت أبا محمد -يعني القاسم- عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يرتفق بهما. والله تعالى أعلم.

стр. 5719

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "اللباس" عن علي ابن عبد الله، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم به، بلفظ قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت على سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه، وقال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُضاهُون بخلق الله". قالت: فجعلته وسادة، أو وسادتين. ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة -وزهير بن حرب- كلاهما عن ابن عيينة، به. وأخرجه البخاري في "الصلاة" من حديث أنس ﵁، قال: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: "كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : "أميطي عنا قِرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي". المسألة الرابعة: في ذكر اختلاف أهل العلم في حكم الصور: قال الخطابي ﵀: فيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها سواء كانت أشخاصاً ماثلة، أو غير ماثلة، كانت في ستر، أو بساط، أو في وجه جدار، أو غير ذلك. قال ابن بطال ﵀: علم من الحديث النهي عن اللباس التي فيها التصاوير بالطريق الأولى، وهذا كله على الكراهة، فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة؛ لأنه ﷺ لم يعد

стр. 5720

الصلاة، ولأنه ذكر أنها عرضت له، ولم يقل: قطعتها. ومن صلى بذلك، أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء. وقال المهلب: وإنما أمر باجتناب هذا لاحضار الخشوع في الصلاة، وقطع دواعي الشغل. وقيل: إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف، رواه مالك بن أنس عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنساناً ينزع نَمَطاً تحته، فقال له سهل: لم نزعته؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله ﷺ فيها ما قد علمت، قال سهل: أو لم يقل: "إلا ما كان رقماً في ثوب"؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب، عن معن، عن مالك به. برقم (١١١/ ٥٣٤٩). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في شرح حديث مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن رافع بن إسحاق مولى الشفاء، أخبره، قال: دخلت أنا وعبد الله بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدري نعوده، فقال لنا أبو سعيد: "أخبرنا رسول الله ﷺ أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل، أو تصاوير" يشك إسحاق، لا يدري أيتهما قال أبو سعيد الخدري. قال أبو عمر: هذا أصح حديث في هذا الباب، وأحسنه إسناداً، وقال فيه زيد بن الحباب عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن

стр. 5721

أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق بن طلحة، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، عن زيد. وقد روي من حديث علي، وابن عباس، وأسامة بن زيد: أن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة". وقيل في "الملائكة" هاهنا: ملائكة الرحمة. وقيل: بل كل ملك على ظاهر اللفظ، كما أن "بيت" على لفظ النكرة يقتضي كل بيت. والله أعلم. وظاهر هذا الحديث يقتضي الحظر عن استعمال الصور على كل حال، في حائط كانت، أو في غيره، ومثله حديث نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة في النمرقة التي فيها تصاوير. وقد استثني في حديث سهل بن حنيف: "إلا ما كان رقماً في ثوب". واختلف الناس في الصور المكروهة؛ فقال قوم: إنما كره من ذلك ما له ظل، وما لا ظل له فليس به بأس. وقال آخرون: ما قطع رأسه فليس بصورة. وقال آخرون: تكره الصورة في الحائط، وعلى كل حال كان لها ظل، أو لم يكن، إلا ما كان في ثوب يوطأ ويمتهن. وقال آخرون: هي مكروهة في الثياب، وعلى كل حال، ولم يستثنوا شيئاً. وروت طائفة منهم بما قالته أثراً، اعتمدت عليه، وعملت به. وأما اختلاف فقهاء الأمصار أهل الفتوى في هذا الباب، فذكر ابن القاسم، قال: قال مالك: يكره التماثيل في الأسِرَّة، والقباب، وأما البُسُط، والوسائد، والثياب فلا بأس به. وكره أن يصلى إلى قبلة فيها

стр. 5722

تماثيل. وقال الثوري: لا بأس بالصور في الوسائد؛ لأنها توطأ، ويجلس عليها. وكره الحسن بن حَيّ أن يدخل بيتاً فيه تمثال؛ في كنيسة، أو غير ذلك، وكان لا يرى بأسًا بالصلاة في الكنيسة، والبيعة. وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وكذلك عندهم ما كان خرطاً، أو نقشاً في البناء. وكره الليث التماثيل التي تكون في البيوت، والأسرة، والقباب، والطِّساس، والمنارات، إلا ما كان رقماً في ثوب. وقال المُزَني عن الشافعي: وإن دُعِي رجل إلى عرس، فرأى صورةَ ذاتِ رُوح، أو صُوَر ذوات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة، وإن كان يوطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر فلا بأس. وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: إذا دعيت لأدخل، فرأيت ستراً معلقاً فيه تصاوير أأرجع؟ قال: نعم، قد رجع أبو أيوب. قلت: رجع أبو أيوب من ستر الجدار. قال: هذا أشد، وقد رجع عنه غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . قلت له: فالستر يجوز أن يكون فيه صورة؟ قال: لا. قيل: فصورة الطائر وما أشبهه؟ فقال: ما لم يكن له رأس فهو أهون. فهذا ما للفقهاء في هذا الباب (١).

стр. 5723

وقال في شرح حديث أبي طلحة المتقدم ما نصه: وللعلماء في هذا الباب أقاويل، ومذاهب: منها: أنه لا يجوز أن يمسك الثوب الذي فيه تصاوير وتماثيل، سواء كان منصوباً، أو مبسوطاً، ولا يجوز دخول البيت الذي فيه التصاوير والتماثيل في حيطانه، وذلك مكروه لقول رسول الله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تصاوير". فإن فعل ذلك فاعل بعد علمه بالنهي عن ذلك كان عاصياً عندهم. ولم يحرم عليه بذلك مالك (١) الثوب، ولا البيت، ولكنه ينبغي أن يتنزه عن ذلك كله، ويكره، وينابذه، لما ورد من النهي فيه. وحجة من ذهب هذا المذهب في الثياب، وفي حيطان البيوت وغيرها حديث ابن شهاب وغيره، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، وأنا مستترة بقرام فيه صور، فتلون وجهه، وتناول الستر فهتكه؛ ثم قال: "إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله". وقال آخرون: إنما يكره من الصور ما كان في الحيطان، وصور في البيوت، وأما ما كان رقماً في ثوب فلا. واحتجوا بحديث سهل بن حنيف، وأبي طلحة، وهو حديث أبي النضر المذكور، وفيه: عن

стр. 5724

النبي ﷺ : "إلا ما كان رقماً في ثوب". فكل صورة مرقومة في ثوب فلا بأس بها على كل حال؛ لأن رسول الله ﷺ استثنى الرقم في الثوب، ولم يخص من ذلك شيئاً، ولا نوعاً. وذكروا عن القاسم -وهو راوية حديث عائشة- ما رواه ابن أبي شيبة، عن أزهر، عن ابن عون، قال: دخلت على القاسم، وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بابه حجلة فيها تصاوير السندس، والعنقاء. وقال آخرون: لا يجوز استعمال شيء من الصور رقماً كان في ثوب، أو غير ذلك، إلا أن يكون الثوب يوطأ ويمتهن؛ فأما أن ينصب كالستر ونحوه فلا. قالوا: وفي حديث عائشة من رواية ابن شهاب ما يخص الثياب ويعينها، وهو يعارض حديث سهل بن حنيف، وأبي طلحة؛ إلا أنا قد روينا عن عائشة أن ذلك من الثياب فيما ينصب دون ما يبسط، فبان بذلك وجه الحديثين، وأنهما غير متعارضين، وعائشة قد علمت مخرج حديثها، ووقفت عليه. وذكروا من الأثر ما رواه وكيع، وغيره، عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "سترت سهوة لي بستر فيه تصاوير، فلما قدم النبي ﷺ هتكه، فجعلت منه مِنْبَذَتين (١) فرأيت النبي ﷺ متكئاً على إحداهما".

стр. 5725

قالوا: ألا ترى أن رسول الله ﷺ كره من ذلك ما كان ستراً منصوباً، ولم يكره ما اتكأ عليه من ذلك، وامتهنه. قال أبو عمر ﵀: وقد يحتمل أن يكون الستر لما هتكه رسول الله ﷺ تغير صورته، وتهتك، فلما صنع منه ما يتكأ عليه لم تظهر فيه صورة بتمامها؛ وإذا احتمل هذا لم يكن في حديث عائشة هذا حجة على ابن شهاب، ومن ذهب مذهبه؛ إلا أن ممن سلف من العلماء جماعة ذهبوا إلى أنّ ما كان من رقم الصور فيما يوطأ، ويمتهن، ويتكأ عليه من الثياب لا بأس به. ذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث، عن الجعد -رجل من أهل المدينة- قال: حدثتني ابنة سعد أن أباها جاء من فارس بوسائد فيها تماثيل، فكنا نبسطها. وعن ابن فضيل، عن ليث، قال: رأيت سالم بن عبد الله متكئاً على وسادة حمراء فيها تماثيل، فقلت له في ذلك؟ فقال: إنما يكره هذا لمن ينصبه ويصنعه. وعن ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه كان يتكىء على المرافق فيها التماثيل؛ الطير والرجال. وعن ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: كانوا لا يرون ما وطىء، وبسط من التصاوير مثل الذي نصب. وعن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن عكرمة، أنه كان يقول في التصاوير في الوسائد والبسط التي توطأ هو أذلّ لها. وعن أبي معاوية، عن عاصم، عن عكرمة، قال: كانوا يكرهون ما

стр. 5726

نصب من التماثيل نصباً، ولا يرون بأساً بما وطئته الأقدام وعن ابن إدريس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، أنه كان لا يرى بأساً بما وطىء من التصاوير. وعن ابن اليمان، عن عثمان بن الأسود، عن عكرمة بن خالد، قال: لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ. وعن ابن يمان، عن الربيع بن المنذر، عن سعيد بن جبير، قال: لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ. وعن عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، في التماثيل ما كان مبسوطاً يوطأ، أو يبسط فلا بأس به. وما كان منه ينصب فإني أكرهها. وعن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، قال: كانوا لا يرون بما يوطأ من التصاوير بأساً. قال أبو عمر ﵀: هذا أعدل المذاهب، وأوسطها في هذا الباب، وعليه أكثر العلماء، ومن حمل عليه الآثار لم تتعارض على هذا التأويل، وهو أولى ما اعتقد فيه. وقد ذهب قوم إلى أن ما قطع رأسه فليس بصورة. روى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة (١)

стр. 5727

مولى ابن عباس، قال: دخل المسور بن مخرمة على ابن عباس، وهو مريض، وعليه ثوب إستبرق، وبين يديه ثوب عليه تصاوير، فقال المسور: ما هذا يا ابن عباس؟ فقال ابن عباس: ما علمت به، وما أرى رسول الله ﷺ نهى عن هذا إلا للكبر والتجبر، ولسنا -بحمد الله- كذلك، فلما خرج المسور أمر ابن عباس بالثوب فنزع عنه، وقال: اقطعوا رؤوس هذه التصاوير. وروى ابن المبارك قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا مجاهد، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن جبريل أتاني البارحة، فلم يمنعه أن يدخل إليّ إلا أنه كان في البيت حجال وستر فيه تماثيل، وكلب، فأمر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يثنى، ويجعل منه وسادتان توطآن، وبالكلب أن يخرج". وذكر ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، قال: إنما الصورة الرأس، فإذا قطع فلا بأس. وعن يحيى بن سعيد، عن سلمة بن أبي بشر، عن عكرمة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. قال: أصحاب التصاوير. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصورة المكروهة في صنعتها واتخاذها ما كان له روح. وحجتهم: حديث القاسم، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".

стр. 5728

ففي هذا دليل على أن الحياة إنما قصد بذكرها إلى الحيوان ذوات الأرواح. ثم أخرج أبو عمر بسنده عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس، إذ جاءه رجل، فقال: إني أردت أنمي معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول، سمعته يقول: "من صوّر صورة، فإن الله معذبه يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً". قال: فكبا لها الرجل كبوة شديدة، واصفر وجهه، ثم قال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذه الشجرة، وكل شيء ليس فيه روح. وقد كان مجاهد يكره صورة الشجر. قال أبو عمر: وهذا لا أعلم أحداً تابعه على ذلك. ذكر ابن أبي شيبة عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يكره أن يصور الشجر المثمر. ومما يدل على أن الاختلاف في هذا الباب قديم: ما ذكره ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن ابن عون، قال: كان في مجلس محمد بن سيرين وسائد فيها تماثيل عصافير، فكان أناس يقولون في ذلك، فقال محمد: إن هؤلاء قد أكثروا علينا، فلو حولتموها. وهذا من ورع ابن سيرين ﵀. انتهى خلاصة ما ذكره الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى (١).

стр. 5729

قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال في المسألة عندي تحريم الصور مطلقاً، إلا ما كان رقماً في ثوب يمتهن، ويوطأ، كما تقدم ترجيحه في كلام الحافظ أبي عمر رحمه الله تعالى، وعزاه إلى أكثر العلماء، وكذا ما كان مقطوع الرأس، وصور ما لا روح له، والأدلة على هذا واضحة مما ذكر. ولله الحمد، والمنة. وقد تقدم تحقيق الكلام في المسألة في شرح حديث رقم (١٦٨/ ٢٦١) -وإنما أعدته هنا لمزيد البسط والتحقيق، ولشدة حاجة الناس إلى التوضيح في ذلك لكثرة الابتلاء بالصور. وسيأتي أيضاً في "كتاب الزينة" في شرح حديث رقم (١١١/ ٥٣٤٧ - ٥٣٦٥). إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 5730

١٣ - الْمُصَلِّي يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ سُتْرَة أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز الصلاة خلف إمام بينه وبين المقتدي ساتر. ٧٦٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرَةٌ يَبْسُطُهَا بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهَا بِاللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فِيهَا، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الْحَصِيرَةُ، فَقَالَ: "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ". ثُمَّ تَرَكَ مُصَلاَّهُ ذَلِكَ فَمَا عَادَ لَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.

стр. 5731

٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفهمي، الإمام الحجة الفقيه المصري، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن عجلان) هو محمد المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، مات سنة ١٤٨، من [٥]، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم والأربعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠. ٤ - (سعيد المقبري) بن أبي سعيد كيسان، أبو سعد المدني، ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود سنة ١٢٠، وقيل غير ذلك، من [٣] أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٥/ ١١٧. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة؛ فابن عجلان علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، والليث فمصري. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.

стр. 5732

ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة. ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، كما تقدم في السند الماضي. ومنها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة؛ من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كان لرسول الله ﷺ حصيرة) هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى: "حصيره" بالهاء، والذي في كتب اللغة بدونها، وصرح في "المصباح" أن تأنيثها بالهاء عامي. وهي -بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة أيضاً-: البساط الصغير من النبات. وقيل: سَفيفَة (١) تُصنع من بَرْديّ، وأسَل، ثم تفرش، سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض. وقيل: الحصير المنسوج، سمي حصيراً لأنه حُصِرت طاقاته بعضُهَا مع بعض. أفاده في "اللسان" (٢).

стр. 5733

وقال الفيومي: والحصير البَارِيَّةُ (١). وجمعه حُصُر، مثل بَرِيد وبُرُد (٢). (يبسطها بالنهار) جملة في محل رفع على أنها صفة لحصيرة. أي يجعلها بساطاً يجلس عليها، والباء في قوله: "بالنهار" بمعنى "في"، وكذا في قوله: "بالليل". (ويحتجرها بالليل) -بالراء المهملة- أي يتخذها كالحُجْرة، لئلا يمر عليه مارّ، ويتوفر خشوعه. وفي نسخة: "ويحتجز بها" بالزاي بدل الراء: أي يستتر بها عن غيره. وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ أن ذلك كان في رمضان، فعند البخاري من حديثه "أن رسول الله ﷺ اتخذ حُجرة -قال: حسبت أنه قال: من حصير- في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه … " الحديث. (فيصلي فيها) أي يصلي صلاة الليل في داخل تلك الحجرة التي اتخذها من الحصير (ففطِن له الناس) أي تَنَبَّهُوا له. يقال: فَطِن، يَفْطَنُ فَطَنًا، وفِطْنة، وفَطانة: صار ذا فطْنة، وللأمر، وبه، وإليه: تنبه له (٣). وقال المجد ﵀: الفِطْنة -بالكسر-: الحِذْق، فَطِن به، وإليه، وله، كفَرِح، ونَصَرَ، وكَرُمَ، فطْناً، مثلثة، وبالتحريك، وبضمتين، وفُطُونَةً، وفَطانَة، وفَطانِيَة، مفتوحتين، فهو فَاطِن، وفَطِين،

стр. 5734

وفَطُون، وفَطِن، وفَطُن، كنَدُس، وفَطْن، كَعَدْل، جمعه فُطُن، بالضم، وهي فاطنة. اهـ (١). وفي رواية البخاري: "فثاب إليه ناس" بالثاء المثلثة، ثم موحدة: أي اجتمعوا، ووقع عند الخطابي "آبُوا" أي رجعوا، وفي رواية الكشميهني والسرخسي " فثاروا" بالمثلثة، والراء: أي قاموا (٢). (فصلوا بصلاته) أي بسبب صلاته، أو مع صلاته، فالباء سببية، أو بمعنى "مع" (وبينه وبينهم الحصيرة) فيه جواز الاقتداء، وإن كان بينهما حاجز، وسيأتي أقوال أهل العلم في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى. (فقال) ﷺ (اكلَفُوا) -بفتح اللام- أي احمِلُوا على مشقة. قال الفَيُّومي ﵀: وكَلفْتُ الأمرَ، من باب تَعب: حَمَلتُه على مشقة، ويتعدى إلى مفعول ثان بالتضعيف، فيقال: كَلَّفته الأمرَ، فتكلفه، مثل حمَّلتُه، فتحمله وزناً ومعنى على مشقة أيضاً. وكَلِفت به، كَلَفاً، فأنا كَلِف، من باب تَعبَ: أحببته، وأولعْتُ بهَ، والاسم الكَلافَةَ - بالفتح. اهـ (٣). وقال ابن منظور ﵀: ويقال: كَلِفْتُ بهذا الأمر: أي أولِعتُ به. وفي الحديث: "اكلَفُوا من العمل ما تطَيقون". هو من

стр. 5735

كَلِفْتُ بالأمر: إذا أولِعتَ به، وأحببته. اهـ (١). (من العمل) بيان مقدم لـ "ما تطيقون" فهو متعلق بحال محذوف من "ما" أي حال كون "ما تطيقونه كائناً من العمل (ما تطيقونه)؛ "ما" اسم موصول في محل نصب مفعول "اكلَفوا"، أي اكلَفوا العمل الذي تستطيعون المداومة عليه، ثم علَّلَ ذلك بقوله: (فإِن الله لا يمل حتى تملوا) قال الفَيُّومي ﵀: مَلِلْتُه، ومللتُ منه، مَلَلاً، من باب تَعبَ، ومَلَالةً: سَئِمتُ، وضَجِرْت، والفاعل مَلُول، ويتعدى بالهمز، فيقال: أمللته. اهـ (٢). قال النووي ﵀: قال العلماء: المَلَل، والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى، فيجب تأويل الحديث. قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المالِّ، فيقطع عنكم ثوابه، وجزاءه، وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم. وقيل: معناه لا يملّ إذا مَلِلْتم. قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابي وغيره، وأنشدوا فيه شعراً، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى يقطع خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولو كان معناه ينقطع إذا انقطع خصومه لم يكن له فضل

стр. 5736

على غيره. اهـ (١). وقال السيوطي ﵀ في شرحه لهذا الكتاب ما نصه: والْمَلالَ: استثقال الشيء والنفور عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق. قال الإسماعيلي، وجماعة من المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازاً، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال القرطبي: وجه مجازه أنه تعالى لمّا قطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالاً عبّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه. وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه. وهذا كله بناء على أن "حتى" على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم. وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه لا يمل الله إذا مَلِلْتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا يفعل كذا حتى يَبْيَضَّ القارُ، أو حتى يَشِيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية. وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛ لأن شَيب الغراب ليس ممكناً عادة بخلاف الملال من العابد.

стр. 5737

وقال المازري: قيل: "حتى" هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يملّ، وتملون، فنفى عنه الْمَلال، وأثبته لهم، قال: وقد قيل: "حتى" بمعنى "حين"، والأول أليق، وأحرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية. وقال ابن حبان في صحيحه: هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها. وهذا رأيه في جميع المتشابه. اهـ كلام السيوطي (١). قال الجامع: ليس في هذا الحديث إثبات الملل لله صريحاً، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه فنفي الملل عنه، فلا ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن "حتى" هنا بمعنى الواو، وليست للغاية، فيكون المعنى إن الله لا يمل، وأنتم تملون، أو يكون المعنى لا يمل إذا مللتم. والمراد به تشجيعهم على المداومة على الأعمال القليلة التي لا تنقطع، ولا تؤدي إلى الملل، حيث إن الله تعالى لا يلحقه ملل، فلا ينبغي للعبد أن يمل عن الإقبال عليه، إذ يؤدي ملله إلى إعراض الله عنه، فإن من أعرض عن الله أعرض الله عنه؛ فقد أخرج الشيخان عن أبي واقد الليثي ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، فأما أحدهم فاوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه".

стр. 5738

متفق عليه. ثم عطف عَلَى العلة المذكورة علة أخرى، فقال (وإِن أحب الأعمال إِلى الله أدومه، وإِن قلّ) أي ولأن الأحب من الأعمال إلى الله أكثره دواماً. قال ابن العربي: معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب، أي أكثر الأعمال ثواباً أدومها، وإن قل. قال الجامع: هذا تأويل لمعنى المحبة بلازمها، وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى نفي صفة المحبة عن الله تعالى بمعناها الحقيقي اللائق به ، فالصواب إثباتها له، كما أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة على المعنى اللائق به ، كسائر صفاته العلية، من الرضا، والإرادة، والقدرة، والعلم، وغيرها من غير فرق. ولا يلزم في ذلك تشبيهه بالمخلوقين؛ إذ صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذواتهم، ولا فرقَ. وإنما يلزم التشبيه لو أثبتناها على المعنى الذي تفسر به إذا كانت للمخلوق، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرًا، فتبصر، ولا تتحير، واسلك سبيل السلف، تسلم من الضلال والتلف. وقال النووي ﵀: وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيراً من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة،

стр. 5739

والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة (١). وقال ابن الجوزي ﵀: إنما أحب العمل الدائم؛ لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمُعرِض بعد الوصول، فهو متعرض لهذا، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها (٢)، وإن كان قبل حفظها لا تتعين عليه. والثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتاً مّا كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع (٣). (ثم ترك) ﷺ (مصلاّه ذلك حتى قبضه الله أي خوفاً من حرصهم على ذلك أوّلاً، ثم عجزهم عنه آخراً (وكان) ﷺ (إِذا عمل عملاً أثبته) أي داوم عليه. وفي رواية لمسلم: "وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً أثبتوه". قال النووي ﵀: أي لازموه، وداوموا عليه. والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته، وخواصه ﷺ من أزواجه، وقرابته، ونحوهم (٤).

стр. 5740

وأخرج مسلم أيضاً عن علقمة، قال: سألت أم المؤمنين عائشة ﵂، قال: قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل رسول الله ﷺ ؟، هل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان عليه رسول الله ﷺ يستطيع؟. وأخرج أيضاً عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قلّ. قال: وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٢/ ٧٦٢)، وفي "الكبرى" (١٢/ ٨٣٨) عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن إبراهيم بن المنذر، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، وفي اللباس عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر -كلاهما عن سعيد المقبري به.

стр. 5741

ومسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر به. وأبو داود فيه عن قتيبة، عن الليث، ببعضه: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون". وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن عبيد الله بن عمر -بقصة الحصير مختصرة. وأخرجه الحميدي رقم (١٨٣)، وأحمد جـ ٦ ص ٤٠، ٦١، ٨٤، ٢٤١، ٢٦٧. وابن خزيمة رقم (١٦٢٦). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه حاجز، وهذا إذا لم يشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا. ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادة، وقيام الليل. ومنها: بيان ما كان عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهاراً، ويتخذه حجرة ليلاً. ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص في تتبع أفعال النبي ﷺ , للاقتداء به.

стр. 5742

ومنها: كمال شفقته ﷺ ، ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحاً، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق عليه، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله من اعتاد عبادة، ثم أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية. وقد نَدِمَ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ على تركه قبول رخصة رسول الله ﷺ (١). المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في جواز الاقتداء مع وجود الحائل بين الإمام والمأموم. قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط، أو سترة): وقال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر. وقال أبو مِجْلَز: يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار، إذا سمع تكبير الإمام. انتهى (٢). قال العلامة العيني ﵀: وجواب "إذا" محذوف، تقديره: لا يضر ذلك. والمسألة فيها خلاف، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك

стр. 5743

جائز، وهو مذهب المالكية أيضاً، وهو المنقول عن أنس، وأبي هريرة، وابن سيرين، وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق. وقال مالك: لا بأس أن يصلي، وبينه وبين الإمام نهر صغير، أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبي، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. وقال أبو حنيفة: لا تجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق. وبه قال الليث، والأوزاعي، وأشهب (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي هو القول بجواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه جدار، أو طريق، أو نهر، أو غير ذلك من الفاصل بينهما إذا كان يعلم بانتقالات الإمام، بسماع تكبيره، أو برؤيته، أو رؤية بعض الصفوف، أو نحو ذلك. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 5744

١٤ - الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم الصلاة في الثوب الواحد. ٧٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة بن سعيد) المتقدم في الباب السابق. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم أبو بكر الزهري، الحافظ الثبت الحجة، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزومي، المدني الثبت الحجة الفقيه، مات سنة ٩٤، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.

стр. 5745

٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيا إلا أنه دخل المدينة. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: ابن شهاب عن ابن المسيب. ومنها: أنه أصح أسانيد أبي هريرة ﵁، كما ذكره أبو عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى (١). ومنها: أن فيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة. ومنها: أن فيه أبا هريرة من المكثرين السبعة، روى ٥٣٧٤ حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن سائلاً)، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه "المبسوط" أن السائل ثوبان (٢) (سأل رسول الله ﷺ
следующие страницы →