← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

ومسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر به. وأبو داود فيه عن قتيبة، عن الليث، ببعضه: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون". وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن عبيد الله بن عمر -بقصة الحصير مختصرة. وأخرجه الحميدي رقم (١٨٣)، وأحمد جـ ٦ ص ٤٠، ٦١، ٨٤، ٢٤١، ٢٦٧. وابن خزيمة رقم (١٦٢٦). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه حاجز، وهذا إذا لم يشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا. ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادة، وقيام الليل. ومنها: بيان ما كان عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهاراً، ويتخذه حجرة ليلاً. ومنها: مشروعية الجماعة في النافلة. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص في تتبع أفعال النبي ﷺ , للاقتداء به.

стр. 5742

ومنها: كمال شفقته ﷺ ، ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحاً، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق عليه، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله من اعتاد عبادة، ثم أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية. وقد نَدِمَ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ على تركه قبول رخصة رسول الله ﷺ (١). المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في جواز الاقتداء مع وجود الحائل بين الإمام والمأموم. قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط، أو سترة): وقال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر. وقال أبو مِجْلَز: يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار، إذا سمع تكبير الإمام. انتهى (٢). قال العلامة العيني ﵀: وجواب "إذا" محذوف، تقديره: لا يضر ذلك. والمسألة فيها خلاف، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك

стр. 5743

جائز، وهو مذهب المالكية أيضاً، وهو المنقول عن أنس، وأبي هريرة، وابن سيرين، وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق. وقال مالك: لا بأس أن يصلي، وبينه وبين الإمام نهر صغير، أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبي، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. وقال أبو حنيفة: لا تجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق. وبه قال الليث، والأوزاعي، وأشهب (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي هو القول بجواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه جدار، أو طريق، أو نهر، أو غير ذلك من الفاصل بينهما إذا كان يعلم بانتقالات الإمام، بسماع تكبيره، أو برؤيته، أو رؤية بعض الصفوف، أو نحو ذلك. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 5744

١٤ - الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم الصلاة في الثوب الواحد. ٧٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة بن سعيد) المتقدم في الباب السابق. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم أبو بكر الزهري، الحافظ الثبت الحجة، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزومي، المدني الثبت الحجة الفقيه، مات سنة ٩٤، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.

стр. 5745

٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيا إلا أنه دخل المدينة. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: ابن شهاب عن ابن المسيب. ومنها: أنه أصح أسانيد أبي هريرة ﵁، كما ذكره أبو عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى (١). ومنها: أن فيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة. ومنها: أن فيه أبا هريرة من المكثرين السبعة، روى ٥٣٧٤ حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن سائلاً)، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه "المبسوط" أن السائل ثوبان (٢) (سأل رسول الله ﷺ

стр. 5746

عن الصلاة في الثوب الواحد) أي عن حكم الصلاة في الثوب الواحد. وفي رواية لمسلم: "نادى رجل النبي ﷺ ، فقال: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: أوكلكم يجد ثوبين". وفي رواية أبي داود: "أن رسول الله ﷺ سئل عن الصلاة في ثوب واحد". (فقال) ﷺ : (أو لكلكم ثوبان؟) استفهام بمعنى النفي، أي ليس لكل واحد منكم ثوبان، فهو ﷺ يشير به إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد، فكأنه قال: يكفي أحدكم في الصلاة الثوب الواحد؛ لأن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد. وقال الخطابي ﵀ في "معالمه": لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإخبار عما كان يعلمه من حالهم في العدم، وضيق الثياب، يقول: وإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان -والصلاة واجبة عليكم- فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. وقال في شرح البخاري: وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصار فهمهم، واستزادة علمهم، كأنه قال: إذا كان ستر العورة واجباً، والصلاة لازمة، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ انتهى (١). وقوله: "أَوَلكلكم": بواو مفتوحة بعد الهمزة، وهي واو العطف،

стр. 5747

وأصل الكلام: وألكلكم، لكن قدم الاستفهام؛ لأن له صدر الكلام. ومذهب الزمخشري في مثل هذا أن العطف على محذوف بعد الهمزة، دل عليه المعطوف، ولا تقديم، ولا تأخير، فالتقدير هنا أكلكم أغنياء، ولكلكم ثوبان. ومذهب الجمهور أولى، كما حققه ابن هشام الأنصاري في "مغني اللبيب" (١). وقال الكرماني ﵀: فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: مقدر، أي أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر، ومعناه لا سؤال عن أمثاله، ولا ثوبين لكلكم، إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة المقام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل. انتهى. وقال النووي رحمة الله: ومعنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد، فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) [الحج: ٧٨]. وقال الطحاوي ﵀: معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوباً واحداً. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذه الملازمة في مقام المنع، للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه، لا عن الكراهة. انتهى (٣).

стр. 5748

فائدة: قال في "الفتح": روى ابن حبان ﵀ هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، لكن قال في الجواب: "ليتوشح به، ثم ليصل فيه". فيحتمل أن يكونا حديثين، أو حديثاً واحداً، فرقه الرواة، وهو الأظهر. وكأن البخاري ﵀ أشار إلى هذا لذكره التوشح في الترجمة، حيث قال (باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به) قال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا (١٤/ ٧٦٣)، وفي "الكبرى" (١/ ٨٣٩) عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عنه. وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف. ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي -ثلاثتهم

стр. 5749

عن مالك، به. ومالك في الموطأ رقم ١٠٦. والحميدي رقم (٩٣٧). وأحمد (٢/ ٢٣٨، ٢٦٥، ٢٨٥، ٣٤٥، ٥٠١). وابن خزيمة رقم ٧٥٨. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: قال ولي الدين العراقي ﵀ في "طرح التثريب": استُدلّ بهذا الحديث على وجوب الصلاة في الثياب، لما دل عليه من أن جواز الاقتصار على ثوب واحد رخصة لضيق الحال، فدل على أنه لا يجوز ترك ذلك. والمعتبر في ذلك الثوب أن يكون ساتراً للعورة بحسب اختلاف العلماء في العورة، وذلك أيضاً يختلف بالذكورة والأنوثة، وحرية المرأة ورقها، وإذا ثبت وجوب الستر في الصلاة كان دليلاً على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطاً فيها، وبهذا قال الجمهور. وعند المالكية أربعة أقوال: الاشتراط مطلقاً، وهو المشهور، والاشتراط مع الذِّكر، دون النسيان، والوجوب خاصة (١)، والاستحباب. وحكى القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في كون ستر العورة

стр. 5750

من فروض الصلاة أربعة أقوال، بعد أن صدّر كلامه بأن ستر العورة فرض إسلامي، لا خلاف فيه بين الأمة، قال: واختلف العلماء؛ هل هو من فروض الصلاة على أربعة أقوال: الأول: أنه يجب ستر جميع الجسد، حكاه أبو الفرج. الثاني: يكون متزر وسطه، كما فعل جابر. قاله ابن القاسم، كأنه غطى العورة، وحماها، وستر ما اتصل بها. الثالث: يصلي مستور العورة خاصة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأكثر علماء الأمصار. الرابع: أن لا يجب ستر عورة، ولا غيرها. قال بعض شيوخنا: إذا كان في بيته، ولا يراه أحد. وحكاه القاضي أبو محمد، وغيره عن القاضي إسماعيل، والأبهري، وابن بكير، وجاء نحوه عن أشهب، لأنه قال: من صلى عرياناً أعاد في الوقت، قال: والصحيح وجوب ستر العورة في الصلاة، فإنها إذا وجبت خارج الصلاة تأكدت بالصلاة. انتهى. قال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي: وفيه نظر؛ فإنه ذكر أن الأقوال الأربعة في أن ستر العورة من فروض الصلاة أوّلاً، ثم حكى القول الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، ولا قائل فيما نعلم بأن جميع جسد الرجل عورة، فكان حقه أن يفرض الخلاف فيما يجب ستره في الصلاة، لا بقيد كونه عورة، على أن الذي حكاه ابن عبد البر

стр. 5751

في "الاستذكار" عن أبي الفرج وجوب ستر العورة في الصلاة، لا ستر جميع البدن. انتهى. قال ولي الدين ﵀: وحكى القاضي عياض عن أبي الفرج وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة، كما حكاه ابن العربي. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور بأن ستر العورة واجب في الصلاة هو الحق، وأما القول بعدم الوجوب، أو بوجوب ستر جميع الجسد فمن الأقوال الساقطة التي لا تستند إلى دليل. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في الصلاة في الثوب الواحد: ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: وممن رأى من أصحاب رسول الله ﷺ الصلاة في ثوب واحد: عمر بن الخطاب، وأُبَي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة. وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵃.

стр. 5752

وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعي، ومن قال بمثل قوله من أهل الشام، وسفيان الثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الحديث، وأهل الرأي من الكوفة. وقد روينا عن ابن مسعود أنه قال: يصلي في ثوبين، وقال نافع: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، وقال: ألم أكسك ثوبين؟ فقلت: بلى، قال: أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهباً في هذا الثوب؟ فقلت: لا، قال: الله أحق أن تزين له، أو من تزينت له. وثبت عنه أنه قال لنافع: إذا كان واسعاً تتوشح به، وإذا كان قصيراً فَاتَّزرر به. ثم أخرج ابن المنذر أثري ابن عمر بسنده، ثم قال: وهذا من قول ابن عمر يدل على أنه استحب الصلاة في ثوبين، لا أنه رأى ذلك واجباً لا يجزي عنه، ويشبه أن يكون مراد ابن مسعود هذا المعنى، استحباباً لأن يصلي في ثوبين، ولو أوجب ابن مسعود الصلاة في ثوبين لكانت السنة مُستَغْنىً بها. والله أعلم (١). وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن، قال: اختلف أُبَيّ بن كعب، وابن مسعود في الرجل يصلي في الثوب الواحد، فقال أُبَيّ: يصلي في الثوب الواحد، وقال ابن مسعود: في ثوبين، فبلغ ذلك

стр. 5753

عمر، فأرسل إليهما، فقال: اختلفتما في أمر، ثم تفرقتما، فلم يدر الناس بِأيٍّ يأخذون، لو أتيتما عندي لوجدتما علماً، القول ما قال أُبَيّ، ولم يألُ ابن مسعود. وعن الحسن: أن أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود اختلفا في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أُبَيّ: لا بأس به، قد صلى النبي ﷺ في ثوب واحد، فالصلاة فيه جائزة، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون الثياب، وأما إذ وجدوها فالصلاة في ثوبين. فقام عمر على المنبر، فقال: القول ما قال أُبَيّ، ولم يأْلُ ابن مسعود (١). وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد، أنه قال: لا تصل في ثوب واحد إلا أن لا تجد غيره. وأخرج عن ابن مسعود، قال: لا يصلين في ثوب واحد، وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض، يصلي، وهو مضطبع. وعن ابن علية عن ابن عون، قال: قيل للحسن: إنهم يقولون: يكره أن يصلي الرجل، وقد أخرج يده من تحت نحره، فقال الحسن: لو وكل الله دينه إلى هؤلاء لضيقوا على عباده (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الحق ما ذهب إليه الجمهور، وما نقل عن هؤلاء إما محمول على الاستحباب، وإلا فحديث النبي ﷺ حجة

стр. 5754

عليهم. لكن الصلاة في ثوبين أفضل إن تيسر. قال الحافظ أبو عمر ﵀: وفي قوله ﷺ : "أوَلكلكم ثوبان؟ " دليل على أن من كان معه ثوبان يتزر بالواحد، ويلبس الآخر، إنه حسن في الصلاة. انتهى (١). وأخرج البخاري عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رجل إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: "أوَكلكم يجدون ثوبين؟ " ثم سأل رجل عمر؟، فقال: إذا وسّع الله فأوسعوا: جَمَعَ رجل عليه ثيابه، صلَّى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تُبَّان وقباء، في تبان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء (٢). قال الحافظ ﵀: وفي هذا الحديث دليل على وجوب الصلاة في الثياب؛ لما فيه من أن الاقتصار على الثوب الواحد كان لضيق الحال. وفيه أن الصلاة في الثوبين أفضل من الثوب الواحد. وصرح القاضي عياض بنفي الخلاف في ذلك، لكن عبارة ابن المنذر قد تفهم إثباته؛ لأنه حكى عن الأئمة جواز الصلاة في الثوب الواحد، قال: وقد استحب بعضهم الصلاة في ثوبين.

стр. 5755

وعن أشهب فيمن اقتصر على الصلاة في السراويل مع القدرة يعيد في الوقت، إلا إن كان صفيقاً. وعن بعض الحنفية يكره. قال الجامع عفا الله عنه: وجوب إعادة من صلى في سراويل إذا لم يكن على عاتقه شيء مع القدرة عليه هو الحق، وسيأتي تحقيقه (١٨/ ٧٦٩) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٦٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة). ٢ - (مالك). تقدما في السند السابق. ٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٤٥، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.

стр. 5756

٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام المدني، ثقة فقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، أبو حفص المدني، رَبيب النبي ﷺ . روى عن النبي ﷺ ، وعن أمه أم سلمة. وروى عنه ابنه محمد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنَيف، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وثابت البناني، وعطاء بن أبي رباح، وقدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، وعبد الله بن كعب الحميري، ووهب بن كيسان، وأبو وجزة السعدي، وابن له غير مسمى. قال ابن لهيعه، عن أبي الأسود، عن عروة: ولد بأرض الحبشة. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير: كنت أنا وعمر ابن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة. وفي رواية عنه: كان أكبر مني بسنتين. قال الزبير بن بَكّار: وكان مع علي بن أبي طالب، فولاّه البحرين، وله عقب. وقال ابن عبد البر ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان ابن تسع سنين لما مات النبي ﷺ ، وشهد مع علي الجمل، وتوفي بالمدينة سنة ٨٣، وقال غيره: قتل مع علي يوم الجمل، وليس بشيء. أخرج له الجماعة (١). والله تعالى أعلم.

стр. 5757

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالفقهاء المدنيين كسابقه، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا نحو تسعة أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد ﵄ (أنه رأى رسول الله ﷺ )؛ "رأى" هنا بصرية، فلذا تتعدى إلى مفعول واحد، وهو "رسول الله" وجملة قوله: (يصلي) في محل نصب على الحال من "رسول الله"، ويحتمل أن تكون "رأى" علمية، فتتعدى إلى مفعولين، فالأول "رسول الله"، والثاني جملة "يصلي"، وهو الذي اقتصر عليه العيني في شرح البخاري (في ثوب واحد) يتعلق بـ "يصلي" (في بيت أم سلمة) متعلق بـ "يصلي" أيضاً، ولا يلزم منه تعلق حرفي الجر بلفظ واحد بفعل واحد؛ لاختلاف معناهما؛ إذ الأولى بمعنى الباء، والثانية للظرفية (واضعاً طرفيه على عاتقيه) حال من فاعل "يصلي". والمراد من وضع الطرفين على العاتقين هو المخالفة بين طرفي الثوب، كما فسرته رواية البخاري من طريق عبيد الله بن موسى، عن

стр. 5758

هشام بن عروة، ففيها: "صلى في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه". وفي طريق يحيى القطان، عن هشام: "أنه رأى النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه" ومن طريق أبي أسامة عن هشام قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملاً به في بيت أم سلمة، واضعاً طرفيه على عاتقيه". وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: "رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحاً به". قال البخاري ﵀: قال الزهري في حديثه: المُلتَحِف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه. قالت أم هانىء: التحف النبي ﷺ بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى (١). وقال النووي ﵀: المشتمل، والمتوشح، والمخالف بين الطرفين معناها واحد هنا. قال ابن السكّيت: التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره (٢). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته:

стр. 5759

حديث عمر بن أبي سلمة هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٤/ ٧٦٤) وفي "الكبرى" (٢/ ٨٤٠) عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبيد الله بن موسى -وعن محمد بن المثنى، عن يحيى ابن سعيد- وعن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة. ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن حماد بن زيد، وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن وكيع. والترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع. كلهم عن هشام بن عروة، به. وأخرجه مالك في "الموطأ" ص ١٠٦، وأحمد في المسند جـ ٤/ ٢٦، وابن خزيمة رقم (٧٦١). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في هذا الحديث بيان كيفية الصلاة في الثوب الواحد، وهي أن

стр. 5760

يضع طرفيه على عاتقيه، وهو معنى المخالفة، والتوشح، والالتحاف، كما مر، وقد ورد الأمر به، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة ﵁, يقول: أشهد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه". ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصماء، لورود النهي بذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبى الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء". متفق عليه. واشتمال الصماء -بالصاد المهملة، والمد- قال أهل اللغة: هو أن يخَلِّلَ جسدَه بالثوب، لا يرفع منه جانباً، ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة ﵀: سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيصير فرجه بادياً. قال النووي ﵀: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهاً؛ لئلا يعرض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر. وعلى تفسير الفقهاء يحرم؛ لأجل انكشاف العورة. قال الحافظ ﵀: ظاهر سياق المصنف -يعني البخاري- من رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما

стр. 5761

قال الفقهاء، ولفظه: "والصمّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه". وعلى تقدير أن يكون موقوفاً فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر. انتهى (١). "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" …

стр. 5762

١٥ - الصَّلَاةُ فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة في قميص واحد، وعلى كيفية الصلاة فيه. ٧٦٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَطَّافُ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَكُونُ فِي الصَّيْدِ، وَلَيْسَ عَلَيَّ إِلاَّ الْقَمِيصُ، أَفَأُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ: "وَزُرَّهُ عَلَيْكَ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) تقدم في السند الماضي. ٢ - (العطاف) -بتشديد الطاء المهملة- بن خالد بن عبد الله بن العاص بن وابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، المخزومي، أبو صفوان المدني، صدوق يهم مات قبل مالك، من [٧]. قال مالك، وقد بلغه أن عطاف بن خالد قد حدث: ليس هو من أهل القباب (١)، قال مطرف: قال لي مالك: عطاف يحدث؟ قلت: نعم، فأعظم ذلك، وقال: لقد أدركت أناساً ثقات يحدثون ما يؤخذ

стр. 5763

عنهم، قلت: كيف؟ قال: مخافة الزلل. وقال في رواية عنه: إنما يكتب العلم عن قوم قد جرى فيهم العلم، مثل عبيد الله بن عمر، وأشباهه. وقال أحمد: لم يرضه ابن مهدي. وقال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة، صحيح الحديث، يروي نحو مائة حديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. قال: سئل عن يحيى بن حمزة، وعطاف؟ قال: ما أقربهما! عطاف صالح الحديث. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس به بأس، ثقة صالح الحديث. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح، ليس بذاك، محمد بن إسحاق، وعطاف بن خالد هما من باب رحمة (١). وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال مرة: صالح، ليس به بأس. قال مالك: عطاف يحدث؟ قيل: نعم. قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لم أر بحديثه بأساً إذا روى عنه ثقة. ووثقه العجلي. وقال الساجي: روى عن نافع، عن ابن عمر حديثاً لم يتابع عليه -يعني حديث أن النبي ﷺ أقاد من خداش.

стр. 5764

وقال أبو بكر البزار: قد حدث عنه جماعة، وهو صالح الحديث، وإن كان قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها. وقال الزبير: كان من ذوي السنن من قريش. وعن عطاف قال: ولدت سنة ٩١ وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديثهم، لا يجوز الاحتجاج به، إلا فيما يوافق فيه الثقات. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في "القدر"، والترمذي، والنسائي (١). ٣ - (موسى بن إِبراهيم) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، مقبول من [٤]. روى عن أبيه، وسلمة بن الأكوع. وعنه عبد الرحمن بن أبي الموال، وعطاف بن خالد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له أبو داود، والنسائي، حديث سلمة بن الأكوع هذا فقط. قال أبو داود: موسى ضعيف، وهو موسى بن محمد ابن إبراهيم. قال: وبلغني عن أحمد أنه كره الرواية عن موسى، وقال أبو حاتم: موسى بن إبراهيم هذا غير موسى بن محمد بن إبراهيم، ذاك ضعيف.

стр. 5765

قال الحافظ: وفرق البخاري أيضاً بين موسى بن إبراهيم المخزومي، وبين موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، وقال في الثاني: عنده مناكير، وإنما حصل الاشتباه (١)؛ لأن مسدد بن مسرهد روى الحديث عن عطاف بن خالد، عن موسى الشافعي، وإسحاق بن عيسى بن الطباع، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم، كلهم عن عطاف، عن موسى بن إبراهيم، ونسبه العقدي كما في صدر الترجمة، وهو الصواب، وهكذا نسبه الشافعي، عن الدراوردي عنه في رواية عنه. وأخرج الحديث المذكور ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما". وقال ابن المديني: موسى بن إبراهيم المخزومي وسط. والله أعلم (٢). انفرد به أبو داود، والمصنف. ٤ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسمه سنان بن عبد الله بن بشير بن يقظة بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمي، أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر، وقيل: اسم أبيه وهب. وقيل: اسم بشير قشير، وقيل: قيس، شهد بيعة الرضوان. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وعبد الرحمن بن عبد الله

стр. 5766

ابن كعب بن مالك، والحسن بن محمد بن الحنفية، وزيد بن أسلم، وموسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وغيرهم. كان شجاعاً رامياً، ويقال: كان يسابق الفرس شَدًا، وكان يسكن الرَّبَذَة. قال يحيى بن بكير، وغير واحد: مات سنة ٧٤، وهو ابن ٨٠ سنة. وفي صحيح البخاري، عن يزيد بن أبي عبيد، قال: لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، وتزوج بها امرأة، وولدت له أولاداً، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة. قال أبو نعيم: استوطن الربذة بعد قتل عثمان، وتوفي سنة ٧٤، وقيل: سنة ستين. وذكر إبراهيم بن المنذر أنه توفي سنة ٦٤. وذكر الكلاباذي عن الهيثم بن عدي أنه مات في أواخر خلافة معاوية. قال الحافظ: وهو غلط؛ فإن له قصة مع الحجاج بن يوسف الثقفي في إنكاره عليه اختيار البدو، واعتذار سلمة بأن النبي ﷺ أذن له في البدو، والقصة مشهورة، ذكرها البخاري وغيره، ولم يكن الحجاج في زمن معاوية ولا ابنه يزيد صاحب أمر ولا ولاية، وهذا يرجح قول من قال: مات سنة ٧٤. لكن في تقدير سنه على هذا نظر، فإنه غلط محض؛ إذ يلزم منه أنه شهد بيعة الرضوان، وعمره اثنا عشرة سنة، وقد قال هو فيما صح

стр. 5767

عنه: بايعت النبي ﷺ يومئذ على الموت، ومن كان بهذا السن لا يتهيأ منه هذا، فيحرر هذا. ثم رأيت مدار مقدار سنه على الواقدي، وهو من تخليطه، والمصنف -يعني الحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال- تبع فيه صاحب الكمال، وكذا النووي في تهذيبه تبع صاحب الكمال، وصاحب الكمال تبع ابن طاهر، والصواب خلاف هذا، والله أعلم. قال: ثم وجدت ما يدلّ على أن من أرخ موته في خلافة معاوية، أو ابنه يزيد، أو بعد ذلك إلى سنة ٧٤ غلط، بل يدل على أنه تأخر إلى ما بعد الثمانين، فعند أحمد من طريق عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد، سمعت رجلاً يقول لجابر: من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: سلمة بن الأكوع وأنس، فقال رجل، فذكر كلاماً في حق سلمة. فهذا يدل على ما قاله، فإن عبد الله بن أبي أوفى مات سنة ٨٦ أو ٨٧ أو ٨٨ بالكوفة، فلو كان حين السؤال المذكور موجوداً ما خفي على جابر، ثم تبين لي أنه خفي عليه، أو أغفل ذكره الراوي، فإن جابراً مات قبل الثمانين، كما تقدم في ترجمته، والحديث المذكور يرجح قول من قال في سلمة: إنه مات سنة ٧٤ لكن بقي النظر في مقدار سنه (١). انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.

стр. 5768

أخرج له الجماعة. له ٧٧ حديثاً، اتفق الشيخان على ١٦، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة (١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه (٤٤) من رباعيات المصنف، في هذا الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانياً إلا أنه دخلها. ومنها: أن موسى بن إبراهيم ليس له عند المصنف غير هذا الحديث، وكذا عند أبي داود. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سلمة بن الأكوع) ﵁، أنه (قال: قلت: يا رسول الله، إِني لأكون في الصيد) يحتمل أن يكون "الصيد" بمعنى المصيد، أي في طلب الحيوان الذي يُصاد، ويحتمل أن يكون بالمعنى المصدري، يقال: صادَ الصيدَ يَصِيدُه، ويَصَادُه صَيْدًا: إذا أخذه. قاله في اللسان (٢). (وليس عليّ إِلا القميص) أي الواحد، ففي رواية أبي داود:

стр. 5769

"فأصلي في القميص الواحد؟ "، (أفأصلي فيه؟) أي في القميص الواحد (قال: وزُرَّه عليك ولو بشوكة) عطف على محذوف، أي قال: نعم، وزُرّه عليك ولو بشوكة. وفي رواية أبي داود: "قال: نعم، وازرره ولو بشوكة". و"زُرّ" -بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة المشددة- فعل أمر، من الزَّرِّ، وهو الربط بالأزرار، يقال: زَرَّ الرجلُ القميص زَرًا -من باب قتل-: أدَخَلَ الأزْرَار في العُرَا، وزَرَّرَه بالتضعيف، مبالغةٌ، وأزرّه بالألف جعل له أزْرَارًا، واحدها زِرّ بالكسر. قاله الفيّومي (١). والشَّوْكَة -بفتح المعجمة، وسكون الواو- واحدة الشوك. وهو ما يخرج من الشجر، أو النبات دقيقاً صُلْبًا محدد الرأس كالإبرة، جمعه أشْواك (٢). والمعنى: اربط جيبك لئلا تظهر عورتك، ثم صل فيه. أمره ﷺ أن يزر قميصه مبالغة في حصول الستر، ولئلا يقع بصره على عورته حال ركوعه إذا كان جيب القميص واسعاً. وفيه دلالة على جواز الصلاة في القميص الواحد، وهو الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة هنا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 5770

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا حسن. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٥/ ٧٦٥)، وفي "الكبرى" (٣/ ٨٤١) عن قتيبة، عن العطاف بن خالد، عن موسى بن إبراهيم، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن إبراهيم به. والشافعي في الأم (١/ ٧٨)، وأحمد في المسند (٤/ ٤٩، ٤/ ٥٤)، وابن خزيمة رقم (٧٧٧، ٧٧٨)، والحاكم (١/ ٢٥٠)، والبيهقي (٢/ ٢٤٠). والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 5771

١٦ - الصَّلَاةُ فِي الإِزَارِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم الصلاة في الإزار. و"الإزار" -بكسر الهمزة- ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن، يذكر، ويؤنث (١). وقال الفيومي: الإزَار: معروف، والجمع في القلة آزِرَة، وفي الكثرة أُزُر بضمتين -مثل حمار، وأحْمِرة، وحُمُر، ويذكر، ويؤنث، فيقال: هو الإزار، وهي الإزار، قال الشاعر (من الرجز): قَدْ عَلِمَتْ ذَاتُ الإزَارِ الْحَمْرَا … أَنِّي مِنَ السَّاعِينَ يَوْمَ النَّكْرَا وربما أنث بالهاء، فقيل: إِزارة، والمئْزَر -بكسر الميم- مثله، نظيرُ لِحَاف، ومِلْحَفٍ، وقِرَام، ومِقْرَم، وقِيادَ، ومِقْوَد (٢)، والجمع مَآزر. انتهى (٣). والله تعالى أَعلم. ٧٧٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،

стр. 5772

قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَاقِدِي أُزْرَهُمْ، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري أبو قُدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنيّ، مات سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، تقدم في ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، الثقة الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة عابد، مات في خلافة المنصور، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (سهل بن سعد) بن مالك الساعدي الصحابي ابن الصحابي ﵄، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٧٣٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.

стр. 5773

ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وهم من رجال الجماعة، إلا شيخه فمن رجال الشيخين والمصنف، وهم ما بين سرخسي؛ وهو شيخه، وبصري؛ وهو يحيى، وكوفي؛ وهو سفيان، ومدنيين؛ وهما أبو حازم، وسهل. ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ؛ من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سهل بن سعد) ﵄، أنه (قال: كان رجال) التنكير فيه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك، وهو كذلك، ووقع في رواية أبي داود: "رأيت الرجال"، واللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة (يصلون) جملة في رفع خبر "كان" (مع رسول الله ﷺ ) متعلق بـ"يصلون" (عاقدي أزرهم) أصله عاقدين أزرهم، فلما أضيف سقطت النون، وهي جملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابه على أنه خبر "كان"، ويكون قوله: "يصلون" في محل نصب على الحال. وفي رواية أبي داود: "لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الإزار خلف رسول الله ﷺ في الصلاة … " الحديث (كهيئة الصبيان) "الهَيْئَة": الحالة الظاهرة، يقال: هَاءَ يَهُوءُ, ويَهِيء هَيْئَةً حسنةً: إذا صار إليها. قاله الفيومي (١).

стр. 5774

و"الصبيان" -بكسر الصاد المهملة، وضمها- جمع صبي، وهو من لم يُفْطَم بَعدُ. أفاده المجد (١). والمعنى أنهم يعقدون أزرهم على أعناقهم من ضيقها، كما يعقد الصبيان أزرهم على قفاهم. (فقيل) وفي رواية للبخاري: "وقال للنساء". قال في الفتح: قال الكرماني: فاعل "قال" هو النبي ﷺ ، كذا جزم به، وقد وقع في رواية الكشميهني: "ويقال للنساء"، وفي رواية وكيع "فقال قائل: يا معشر النساء" فكأن النبي ﷺ أمر من يقول لهن ذلك، ويغلب على الظن أنه بلال. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: لم يذكر الحافظ مستنداً لكونه بلالاً غير الظن، ويؤيد ما قاله الكرماني ما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم. كراهية أن يَرَيْن من عورات الرجال". (للنساء) أي اللاتي يصلين وراء الرجال مع رسول الله ﷺ (لا ترفعن رؤوسكن) أي من السجود (حتى يستوي الرجال) يقال: استوى جالساً، واستوى على الفرس: استقر. قاله الفيومي (٢): (جلوساً) إما جمع جالس، كالركوع جمع راكع، وإما مصدر بمعنى

стр. 5775

جالسين، وعلى كل حال انتصابه على الحال (١). وإنما نهي النساء عن ذلك لئلا يلمحن عند رفع رؤوسهن من السجود شيئاً من عورات الرجال عند نهوضهم، لضيق الأُزُر. وقد تقدم في حديث أسماء ﵂ عند أحمد وأبي داود التصريح بذلك. وفي رواية لابن خزيمة رقم (١٦٩٥): "كن النساء يؤمرن في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ أن لا يرفعن رؤوسهن، حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من قباحة الثياب". ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث سهل بن سعد ﵄ متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٦/ ٧٦٦، وفي "الكبرى" (٤/ ٨٤٢) عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن الثوري، عن أبي حازم، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

стр. 5776

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن كثير، وعن مسدد، عن يحيى، ومسلم فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع -ثلاثتهم عن الثوري، به. وأبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع به. وأحمد في "مسنده" (٣/ ٤٣٣)، (٥/ ٣٣١). وابن خزيمة رقم (٧٦٣، ١٦٩٥). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو حكم الصلاة في الإزار وحده، وهو الجواز، لكن بشرط أن يكون شيء منه على عاتقه. ومنها: عدم وجوب ستر أسفل البدن في الصلاة. ومنها: ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من ضيق المعيشة، واكتفائهم بالقليل. ومنها: جواز صلاة النساء في المسجد جماعة، وإن كان الأفضل أن يصلين في بيوتهن، للحديث الصحيح، "وبيوتهن خير لهن". ومنها: جواز نظر النساء إلى أعالي البدن من الرجال، لكن بشرط أن لا يترتب عليه فتنة لهن، وإلا حَرُمَ. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٦٧ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، قَالَ: لَمَّا

стр. 5777

رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالُوا: إِنَّهُ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ، قَالَ: فَدَعَوْنِي، فَعَلَّمُونِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ مَفْتُوقَةٌ، فَكَانُوا يَقُولُونَ لأَبِي: أَلَا تُغَطِّي عَنَّا اسْتَ ابْنِكَ". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة صاحب حديث، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، مات سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، مات سنة ١٤٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩. ٤ - (عمرو بن سلمة) (١) بن قيس، وقيل ابن نُفَيع، وقيل غير ذلك، الجَرْمي، أبو بُرَيد -بالموحدة، والراء- ويقال: أبو يزيد -بالتحتانية، والزاي- البصري. روى عن أبيه. وعنه أبو قلابة الجَرْمي، وعاصم الأحول، وعَيّاش ابن عبد الله الهمداني، وأبو الزبير المكي، ومسعر بن حبيب الجرمي، وغيرهم.

стр. 5778

وكان يصلي بقومه على عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت له سماع ولا رؤية من النبي ﷺ ، ووفد أبوه على النبي ﷺ ، وقد روي من وجه غريب أن عمرًا أيضاً وفد على النبي ﷺ ، وليس بثابت. هكذا قال الحافظ المزي ﵀ (١). لكن قال الحافظ ﵀: روى ابن منده في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المِنْهَال، عن حماد ابن سَلَمَة، عن أيوب، عن عمرو بن سَلمَة، قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ . وهذا تصريح بوفادته. وقد روى أبو نعيم في الصحابة أيضاً من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حبان: له صحبة (٢). وفي "ت": صحابي صغير (٣)، أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه [٤٥] من رباعيات المصنف ﵀ في هذا الكتاب، وأن رجاله ثقات، وأنهم ما بين نسائي؛ وهو شيخه، وواسطي؛ وهو يزيد، وبصريين؛ وهما عاصم، وعمرو بن سلمة. وأن شيخه من أفراده، لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.

стр. 5779

شرح الحديث (عن عمرو بن سلِمَة) تقدم الخلاف في صحبته، والراجح أن له صحبة؛ لما تقدم: "أنه قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ". أخرجه ابن منده، وأخرجه الطبراني، كما قال في الفتح (١). أنه (قال: لَمَّا رجع قومي من عند النبي ﷺ قالوا: إِنه قال) وفي الرواية المتقدمة للمصنف (٨/ ٦٣٦) من طريق أيوب، "فقال: لمّا كان وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فذهب أبي بإسلام أهل حِوَائنا (٢)، فلما قدم استقبلناه، فقال: قد جئتكم -والله- من عند رسول الله ﷺ حقّاً، فقال: "صَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً". وقد ساقه البخاري بطوله في "كتاب المغازي" في غزوة الفتح من "صحيحه"، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه، فتسألَه، فقال: فلقيته، فسألته. فقال: كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمرّ بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أو أوحَى إليه، أو أوحَى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُغْرَى في

стр. 5780

صدري، وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومَه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قَدِمَ قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقّاً، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً". فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لِمَا كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فَرِحْتُ بشيء فَرَحِي بذلك القميص (١). (ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن) وفي رواية أبي داود من رواية مِسْعَر بن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمَة قالوا: يا رسول الله، من يؤمنا؟ قال: "أكثركم جمعاً للقرآن"، أو "أخذاً للقرآن". (قال) عمرو (فدعوني) أي نادوني (فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم) يعني أنه كان يؤمهم؛ لكونه أكثرهم قرآناً، ففي رواية البخاري المتقدمة، "فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتَلَقَّى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست،
следующие страницы →