أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن كثير، وعن مسدد، عن يحيى، ومسلم فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع -ثلاثتهم عن الثوري، به. وأبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع به. وأحمد في "مسنده" (٣/ ٤٣٣)، (٥/ ٣٣١). وابن خزيمة رقم (٧٦٣، ١٦٩٥). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو حكم الصلاة في الإزار وحده، وهو الجواز، لكن بشرط أن يكون شيء منه على عاتقه.
ومنها: عدم وجوب ستر أسفل البدن في الصلاة.
ومنها: ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من ضيق المعيشة، واكتفائهم بالقليل.
ومنها: جواز صلاة النساء في المسجد جماعة، وإن كان الأفضل أن يصلين في بيوتهن، للحديث الصحيح، "وبيوتهن خير لهن".
ومنها: جواز نظر النساء إلى أعالي البدن من الرجال، لكن بشرط أن لا يترتب عليه فتنة لهن، وإلا حَرُمَ. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٦٧ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، قَالَ: لَمَّا
стр. 5777
رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالُوا: إِنَّهُ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ، قَالَ: فَدَعَوْنِي، فَعَلَّمُونِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ مَفْتُوقَةٌ، فَكَانُوا يَقُولُونَ لأَبِي: أَلَا تُغَطِّي عَنَّا اسْتَ ابْنِكَ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة صاحب حديث، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، مات سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، مات سنة ١٤٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (عمرو بن سلمة) (١) بن قيس، وقيل ابن نُفَيع، وقيل غير ذلك، الجَرْمي، أبو بُرَيد -بالموحدة، والراء- ويقال: أبو يزيد -بالتحتانية، والزاي- البصري.
روى عن أبيه. وعنه أبو قلابة الجَرْمي، وعاصم الأحول، وعَيّاش ابن عبد الله الهمداني، وأبو الزبير المكي، ومسعر بن حبيب الجرمي، وغيرهم.
стр. 5778
وكان يصلي بقومه على عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت له سماع ولا رؤية من النبي ﷺ ، ووفد أبوه على النبي ﷺ ، وقد روي من وجه غريب أن عمرًا أيضاً وفد على النبي ﷺ ، وليس بثابت. هكذا قال الحافظ المزي ﵀ (١).
لكن قال الحافظ ﵀: روى ابن منده في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المِنْهَال، عن حماد ابن سَلَمَة، عن أيوب، عن عمرو بن سَلمَة، قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ . وهذا تصريح بوفادته. وقد روى أبو نعيم في الصحابة أيضاً من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حبان: له صحبة (٢). وفي "ت": صحابي صغير (٣)، أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه [٤٥] من رباعيات المصنف ﵀ في هذا الكتاب، وأن رجاله ثقات، وأنهم ما بين نسائي؛ وهو شيخه، وواسطي؛ وهو يزيد، وبصريين؛ وهما عاصم، وعمرو بن سلمة. وأن شيخه من أفراده، لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.
стр. 5779
شرح الحديث
(عن عمرو بن سلِمَة) تقدم الخلاف في صحبته، والراجح أن له صحبة؛ لما تقدم: "أنه قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ ". أخرجه ابن منده، وأخرجه الطبراني، كما قال في الفتح (١).
أنه (قال: لَمَّا رجع قومي من عند النبي ﷺ قالوا: إِنه قال) وفي الرواية المتقدمة للمصنف (٨/ ٦٣٦) من طريق أيوب، "فقال: لمّا كان وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فذهب أبي بإسلام أهل حِوَائنا (٢)، فلما قدم استقبلناه، فقال: قد جئتكم -والله- من عند رسول الله ﷺ حقّاً، فقال: "صَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً".
وقد ساقه البخاري بطوله في "كتاب المغازي" في غزوة الفتح من "صحيحه"، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه، فتسألَه، فقال: فلقيته، فسألته.
فقال: كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمرّ بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أو أوحَى إليه، أو أوحَى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُغْرَى في
стр. 5780
صدري، وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومَه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق.
فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قَدِمَ قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقّاً، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً".
فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لِمَا كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فَرِحْتُ بشيء فَرَحِي بذلك القميص (١).
(ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن) وفي رواية أبي داود من رواية مِسْعَر بن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمَة قالوا: يا رسول الله، من يؤمنا؟ قال: "أكثركم جمعاً للقرآن"، أو "أخذاً للقرآن".
(قال) عمرو (فدعوني) أي نادوني (فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم) يعني أنه كان يؤمهم؛ لكونه أكثرهم قرآناً، ففي رواية البخاري المتقدمة، "فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتَلَقَّى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست،
стр. 5781
أو سبع سنين … ".
وفي رواية أبي داود: "قال: كنا بحاضر (١)، يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ﷺ ، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال: كذا وكذا، وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً … " الحديث.
وفي رواية له: "قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت، قال: فقدموني، وأنا غلام، وعلي شَمْلة لي، قال: فما شهدت مَجْمعاً من جَرْم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا".
(وكانت عليَّ بردة) -بضم، فسكون- كساء صغير مربع، ويقال: كساء أسود صغير. قاله في المصباح (٢) (مفتوقة) يقال: فتقتُ الثوب فَتْقًا، من باب قَتَلَ: نَقَضتُ خِياطتَه حتى فَصَلْتُ بعضه من بعض. قاله الفيّومي. وأراد هنا أنها مشقوقة، تظهر منها العورة. ففي رواية لأبي داود: "وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني"، وفي رواية له: "فكنت أؤمهم في بردة مُوصَلَة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي".
(فكانوا يقولون لأبي) هو سَلِمَة بن قيس، وقيل: ابن نُفيع، وقيل: ابن لائم، وقيل: ابن لاي، أبو قدامة البصري الجَرمي، صحابي
стр. 5782
وفد على النبي ﷺ ، وروى عنه. وعنه ابنه عمرو بن سلمة. وقد قيل فيه سلَمَة -بفتح اللام- والصواب كسرها (١).
(ألا) أداة استفتاح وتنبيه (تغطي عنا) أي تستر عن أعيننا (است ابنك) أي عَجُزَه.
يعني أن بعض الناس كان يقول لأبيه: استر عنا عورة ابنك.
وقال السندي ﵀ في شرحه: أي خذ من كل منّا شيئاً، واشتر به ثوباً يستر عورته. اهـ (٢).
وفي رواية أبي داود: "فقالت امرأة من النساء: وَارُوا عنّا عورة قارئكم، فاشْتَرَوْا لي قميصاً عُمَانيّا، فما فَرِحْتُ بشيء بعد الإسلام فَرَحِي به … " الحديث.
و"الاست" -كما قال الفيومي ﵀: العَجُزُ، ويراد به حَلْقَة الدبر، والأصل: سَتَهٌ -بالتحريك- ولهذا يجمع على أسْتاه، مثل سبب وأسباب، ويصغر على سُتَيْهٍ، وقد يقال: سَهٌ بالهاء، وسَتٌ بالتاء، فيعرب إعراب يَدٍ وَدَمٍ، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء، على قياس هاء التأنيث.
قال الأزهري: قال النحويون: الأصل سَتْهٌ -بالسكون-، فاستثقلوا الهاء لسكون التاء قبلها، فحذفوا الهاء، وسكنت السين، ثم اجتلبت همزة الوصل.
وما نقله الأزهري، في توجيهه نظر لأنهم قالوا: سَتِهَ سَتَهًا، من
стр. 5783
باب تعب: إذا كبرت عَجِيزته، ثم سمي بالمصدر، ودخله النقص بعد ثبوت الاسم، ودعوى السكون لا يشهد له أصل، وقد نسبوا إليه سَتَهِيٌّ -بالتحريك- وقالوا في الجمع: أستاه، والتصغير وجمع التكسير يردان الأسماء إلى أصولها. انتهى كلام الفيومي (١).
وهي من الأسماء العشرة التي سُمِعَ في أولها همزة الوصل، وهي المجموعة في قول ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِىءٍ وَتَأْنِيثٌ تَبِعْ
وَايْمُنُ هَمْزُ أَلْ كذَا وَيُبْدَلُ … مَدّاً فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ
تنبيه:
هذا الحديث أخرجه البخاري كما تقدم قريباً، ومحل مطابقة الحديث للترجمة قوله: "وكانت عليّ بُرْدة"؛ حيث إن الصلاة في بردة واحدة كالصلاة في إزار واحد.
وقد تقدم تخريجه، وما يتعلق به من المسائل (٨/ ٦٣٦)، وسيأتي ما تبقّى من مسائله في (١١/ ٧٨٩) إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
…
стр. 5784
١٧ - صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَى امْرَأتِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز صلاة الرجل في ثوب؛ بعضه على امرأته الحائض. والمراد جواز الصلاة في ثوب متصل بغير المصلي، سواء كان رجلاً أو امرأة، كما يأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
٧٦٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ بَعْضُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) المعروف بابن راهويه الثقة الحافظ المجتهد، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم ٢/ ٢.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الحافظ الحجة، مات سنة ١٩٧، من [٩]، أخرج له الأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - (طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل الكوفة، صدوق يخطىء، مات سنة ١٤٨، من [٦]، أخرج له مسلم،
стр. 5785
والأربعة، تقدم في ٣٦/ ٥٨٠.
٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة الهذلي الثقة الثبت الفقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الأربعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
مرّ في ٣٦/ ٥٨٠. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل) جملة في محل نصب خبر لـ "كان" (وأنا إِلى جنبه) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي" (وأنا حائض) عطف على جملة الحال (وعليّ مِرْطٌ) -بكسر الميم، وسكون الراء المهملة-: كساء من صوف، أو خَزّ، يُؤْتَزَر به، وتَتَلَفَّع المرأة به، والجمع مرُوط، مثل حِمْلٍ وحُمُول (١). وموضع الجملة كالتي قبله (بعضه على رسول الله ﷺ ) تعني أن رسول الله ﷺ لبس بعضَ ذلك المِرط، ولبست هي بعضه. وهذا يدل على أن المرط ثوب واسع يمكن أن يكون بعضه على المصلي، وبعضه على من كان جنبه.
وفيه دلالة على ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة في ثوبٍ
стр. 5786
بعضه على امرأته، ومثله كونه على غيرها، ولذا ترجم أبو داود بأعم؛ فقال: (باب الرجل يصلي في ثوب بعضه على غيره).
وقال النووي ﵀: وفيه دليل على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة ﵁. وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض طاهرة إلا موضعاً ترى عليه دماً أو نجاسة أخرى. وفيه الصلاة في ثوب بعضه على المصلي، وبعضه على حائض، أو غيرها، وأما استقبال المصلي وجه غيره فمذهبنا ومذهب الجمهور كراهته، ونقله القاضي عياض عن عامة العلماء رحمهم الله تعالى. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٧/ ٧٦٨)، وفي "الكبرى" (٥/ ٨٤٤) عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، عنها. والله أعلم.
стр. 5787
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو داود في "الطهارة" عن عثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه في "الطهارة" عن أبي بكر ابن أبي شيبة -ثلاثتهم. عن وكيع به. وأحمد (٦/ ٦٧)، (٦/ ٩٩، ١٩٩)، (٦/ ١٣٧، ٢٠٤). والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 5788
١٨ - صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْء
أي هذا باب، في ذكر الحديث الدال على حكم صلاة الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه شيء من ذلك الثوب.
وجملة "ليس … " إلخ في محل نصب على الحال من "الثوب".
و"العاتق": ما بين المنكب والعنق، مذكر، وقد أُنث، وليس بثَبَت، وزَعَمُوا أن هذا البيت مصنوع، وهو:
لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الْفتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ
لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ وَلَا … بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي
سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِ بِالشَّاهِقِ
قال ابن بَرّيّ: والعاتق مؤنثة، واستشهد بهذه الأبيات، ونسبها لأبي عامر جَدّ العباس بن مِرْداس، وقال: ومن روى البيت الأول:
اتَّسَعَ الْخَرقُ عَلَى الرَّاقِعِ
فهو لأنس بن العباس بن مرداس؛ وقال اللحياني: هو مذكر لا غير، وهما عاتقان، والجمع عُتْق، وعُتَّقٌ، وعَوَاتِقُ. انتهى "لسان العرب" (١).
وقال العلامة العيني ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم ما نصه: وفي "الموعب": صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعاً يقال له
стр. 5789
العاتق. وقال أبو حاتم: روى من لا أثق به التأنيث، وسألت بعض الفصحاء، فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتاً، ليس بمعروف، ولا عن ثقة: "ولا صلح بيني" إلى آخره.
وقال ابن التباني: قال أبو عبيدة: قال الأحمر: العاتق يذكر ويؤنث، وأنشدنا: "لا صلح بيني" إلخ. وقال ابن الأنباري عن الفراء مثله.
وفي "الجامع": هو مذكر، وبعض العرب يؤنث. وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يعرف. وأما يعقوب بن السكيت فذكره مذكراً ومؤنثاً من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة، منهم أبو نصر الجوهري. وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ (من الطويل):
وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاء مَا قَدْ عَدَدتُهُ … يُؤَنَّثُ أَحْيَانَا وَحِيناً يُذَكَّرُ
لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا … وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكرُ
وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَا … وَعَجْزُ الْفَتَى تَمَّ الْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ
كَذَا كُلُّ نَحْوِيٍّ حَكَى فِي كتَابِهِ … سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمْ مُكَبَّرُ
يَرَى أَنَّ تَأْنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي … أَتَى وَهْوَ لِلتَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مَنْكِرُ (١)
٧٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ
стр. 5790
الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الجوّاز المكي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في (٢٠/ ٢١).
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد، الإمام الثبت الحجة، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في (١/ ١).
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٣٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٧/ ٧).
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٧/ ٧).
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في (١/ ١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأنهم مدنيون، إلا شيخه وسفيان، فمكيان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أبو الزناد عن الأعرج، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والقول. والله تعالى أعلم.
стр. 5791
شرح الحديث
(عن أبي هريرة ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يصلينّ أحدكم) بنون التأكيد، وفي رواية الشيخين: "لا يصلي أحدكم". قال ابن الأثير: كذا في الصحيحين بإثبات الياء، ووجهه أن "لا" نافية، وهو خبر بمعنى النهي.
وقال الحافظ: ورواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق الشافعي، عن مالك بلفظ: "لا يصل" بغير ياء، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري، عن أبي الزناد بلفظ: "لا يصل" بغير ياء، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري، عن أبي الزناد بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ ".
(في الثوب الواحد) متعلق بـ "يصلي" (ليس على عاتقه منه شيء) وفي رواية مسلم "على عاتقيه" بالتثنية، وعند أبي داود: "ليس على منكبيه منه شيء".
و"شيء": اسم "ليس" مؤخراً، وخبرها الجار والمجرور الأول، والثاني صفة لـ "شيء" قدم عليه، فيعرب حالاً؛ لأن نعت النكرة إذا قدم عليها يعرب نعتاً، كما في قول الشاعر:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأنَّهُ خِلَلُ
فـ "موحشاً" صفة لـ "طلل" فلما قدم نصب على الحال. وجملة
стр. 5792
"ليس" في محل نصب على الحال من الثوب.
يعني أنه لا يتزر بالثوب الواحد في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه، ليحصل الستر لجزء من أعلى البدن، وإن كان ليس بعورة، ولكون ذلك أمكن في ستر العورة (١).
وقد ورد بيان كيفية الصلاة في الثوب الواحد، وهو أن يخالف بين طرفي الثوب على عاتقيه؛ وهو التوشح المذكور فيما أخرجه البخاري، وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى في ثوب فليخالف يين طرفيه". ولفظ أبي داود: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه".
هذا فيما إذا كان الثوب يتسع لذلك، وأما إذا كان ضيقاً فليصل به متزراً، لما أخرجه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنه صلى إلى جانب رسول الله ﷺ مشتملاً بثوب واحد، فقال له: "ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ " قال: قلت: كان ثوبًا -يعني ضاق- قال: "فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به". ولفظ مسلم: "إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حَقْوِك" (٢). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 5793
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٨/ ٧٦٩)، وفي الكبرى (٦/ ٨٤٥) عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي عاصم النبيل، عن مالك، عن أبي الزناد به. ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب -وأبو داود فيه عن مسدد- أربعتهم عن سفيان بن عيينة، به.
والحميدي رقم (٩٦٤)، وأحمد (٢/ ٢٤٣، ٤٦٤)، والدارمي رقم (١٣٧٨)، وابن خزيمة رقم (٧٦٥). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
يستفاد من الحديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه شيء منه.
стр. 5794
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: هذا النهي معلل بأمرين؛ أحدهما: أن في ذلك تعري أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة. والثاني: أن الذي يفعل ذلك إما أن يشتغل بإمساك الثوب، أو لا، فإن لم يشتغل خيف سقوط الثوب، وانكشاف العورة، وإن شُغِلَ كان فيه مفسدتان؛ إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته، والاشتغال بها، الثانية: أنه إذا شغل يده في الركوع والسجود لا يؤمن من سقوط الثوب وانكشاف العورة (١). انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
وقال النووي ﵀: قال العلماء: حكمته أنه إذا ائتزر به، ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده، أو يديه فيشغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره، ورفعهما حيث شرع الرفع وغير ذلك، ولأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة، وقد قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١].
ثم قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي رحمهم الله تعالى، والجمهور: هذا النهي للتنزيه، لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته، ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه، أم لا.
стр. 5795
وقال أحمد وبعض السلف ﵏: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه، لظاهر الحديث. وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه.
وحجة الجمهور قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: "فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به". رواه البخاري، ومسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل (١). انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.
وقال العلامة الشوكاني ﵀: والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال النووي ﵀: ولا خلاف في هذا إلا ما حكي عن ابن مسعود ﵁، ولا أعلم صحته. وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل.
ويدل أيضاً على المنع من الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلي منه شيء. وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه. وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه. وعنه أيضاً تصح ويأثم. وغفل الكرماني عن مذهب أحمد، فادّعى الإجماع على جواز ترك جعل طرف الثوب على العاتق، وجعله صارفاً للنهي عن التحريم إلى الكراهة.
وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز. وكلام الترمذي يدل على ثبوت الخلاف أيضاً. وعقد الطحاوي له باباً في شرح معاني
стр. 5796
الآثار، ونقل المنع عن ابن عمر، ثم عن طاوس، والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب، وابن جرير. وجمع الطحاوي بين الأحاديث بأن الأصل أن يصلي مشتملاً، فإن ضاق اتزر.
ونقل الشيخ تقي الدين السبكي وجوب ذلك عن الشافعي، واختاره. قال الحافظ: لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه. واستدل الخطابي على عدم الوجوب بأنه ﷺ صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه، وهي نائمة. قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما كان لعاتقه. وفيما قاله نظر لا يخفى. قاله الحافظ.
إذا تقرر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرماني صارفاً للنهي، فالواجب الجزم بمعناه الحقيقي، وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق، والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم: "من صلى في ثوب فليخالف بطرفيه". حتى ينتهض دليل يصلح للصرف. ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعاً، جمعاً بين الأحاديث، كما صرح به في حديث جابر ﵁ المتقدم.
وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم ﵀، فقال: وفَرْضٌ على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه، أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضيقاً اتزر به، وأجزأه، سواء كان معه
стр. 5797
ثياب غيره، أو لم يكن، ثم ذكر ذلك عن نافع مولى ابن عمر، والنخعي، وطاوس.
انتهى كلام الشوكاني (١) رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله المانعون من عدم صحة الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، لقوة دليله، ووضوحه، وخلافه رأي لا يؤيده دليل يصلح للتمسك به. فتبصر.
والحاصل أن حديث الباب يدل على تحريم الصلاة في الثوب الواحد الواسع إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، والنهي للتحريم، لعدم وجود صارف له، فمن صلى في ثوب واحد واسع ولم يجعل على عاتقه منه شيئاً، وهو قادر، بطلت صلاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5798
١٩ - الصَّلَاةُ فِي الْحَرِيرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في ثوب الحرير.
٧٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا يَنْبَغِى هَذَا لِلْمُتَّقِينَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني أبو رجاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (عيسى بن حماد زُغْبة) (١) التُّجيبي، أبو موسى الأنصاري، مات سنة ٢٤٩ وقد جاوز ٩٠ سنة، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٣٥/ ٢١١.
стр. 5799
٣ - (الليث) بن سعد، الإمام الفقيه الحجة المصري، مات سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٤ - (يزيد بن أبي حبيب) أبو رجاء، واسم أبيه سويد، ثقة فقيه، يُرسِل، مات سنة ١٢٨ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
٥ - (أبو الخير) مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنِي المصري، ثقة فقيه، مات سنة ٩٠، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٥٨٢.
٦ - (عقبة بن عامر) الجُهني صحابي مشهور، اختلف في كنيته عَلَى سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستين، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله ثقات نُبلاء.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة، غير شيخه عيسى بن حماد، فإنه من رجال مسلم وأبي داود وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالمصريين.
стр. 5800
ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ يزيد عن أبي الخير.
ومنها: أنه شيخه عيسى مشهور بلقب، وهو زُغبة، وهو لقب لأبيه أيضاً، وأصل الزغبة دُويبة كالفأرة، ولا أدري سبب تلقيبه بها.
ومنها: أن "زغبة" يعرب بدلاً، أو عطف بيان لعيسى، فيكون مرفوعاً، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو زغبة، أو مفعولاً لفعل مقدر، أي: أعني زغبةَ وهذا بالإجماع، وأوجب البصريون إضافة الاسم إلى اللقب إذا كانا مفردين، كسعيد كُرْز، وإلى هذا أشار ابن مالك في الخلاصة، حيث قال:
وَإِنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فَأَضِفْ … حَتْمًا وَإلاَّ أَتْبِعِ الَّذِي رَدِفْ
ومنها: أنه يُقَدّر قبل قوله: "عن الليث" لفظ "كلاهما"، يعني أن قتيبة وعيسى يرويان هذا الحديث عن الليث. وقد تقدم هذا غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁، أنه (قال: أهدي) -بضم الهمزة- قال الفَيّومي: يقال: أهديتُ للرجل كذا -بالألف-: بعثتُ به إليه إكراماً، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير (١) (لرسول الله ﷺ ) متعلق بـ "أُهدي".
стр. 5801
والذي أهدى إليه هو أُكَيدر بن عبد الملك صاحب دُومة الجَندَل (١). وذكر أبو نعيم أنه أسلم، وأهدَى إلى النبي ﷺ حُلَّةَ سِيَرَاء. ومن قال: إنه أسلم فقد أخطأ خطأ ظاهراً، وكان نصرانياً، ولما صالحه النبي ﷺ عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم إن خالداً أسره لَمّا حاصر دُومة الجندل أيام أبي بكر ﵁، فقتله مشركاً نصرانياً. قاله العيني (٢).
(فَرُّوجُ حرير) وفي رواية ابن إسحاق عند أحمد "فروج من حرير". والفرّوج -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره جيم-: هو القباء المُفَرَّجُ من خلف، وحكى أبو زكريا التّبريزي، عن أبي العلاء المعريّ جواز ضم أوله، وتخفيف الراء. قاله في الفتح (٣). وقال ابن منظور: والفَرُّوج -بفتح الفاء-: القَبَاء؛ وقيل: الفرُّوج قباء فيه شق من خلفه. اهـ (٤).
وقال العلامة العيني ﵀: قوله: "فرّوج حرير" بالإضافة، كما في ثوب خَزّ، وخاتم حديد، ويجوز أن يكون "حرير" صفة
стр. 5802
لـ "فرّوج"، والإعراب يحتمل ذلك، والكلام في الرواية، والظاهر أنه الأول. اهـ (١).
(فلبسه، ثم صلّى فيه) زاد في رواية ابن إسحاق، وعبد الحميد ابن جعفر عند أحمد: "ثم صلى فيه المغرب".
وقال الحافظ ﵀: وظاهر هذا الحديث أن صلاته ﷺ فيه كانت قبل تحريم لبس الحرير، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم بلفظ: "صلى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: "نهاني عنه جبريل"، ويدل عليه أيضاً مفهوم قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين"؛ لأن المتقي وغيره في التحريم سواء. ويحتمل أن يراد بالمتقي المسلم، أي المتقي للكفر، ويكون النهي سبب النزع، ويكون ذلك ابتداء التحريم.
وإذا تقرر هذا فلا حجة فيه لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير، لكونه ﷺ لم يعد تلك الصلاة؛ لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده فعند الجمهور تجزىء لكن مع التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت (٢).
وقال العيني ﵀: قال أصحابنا -يعني الحنفية- تصح الصلاة، ولكنها تكره، ويأثم لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي،
стр. 5803
وأبو ثور. وقال القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوباً غيره، وعليه جل أصحابه. وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت، ولا في غيره، وهو قول أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو والمباهاة. وقال آخرون: إن صلى فيه، وهو يعلم أن ذلك لا يجوز يعيد (١). والله أعلم.
(ثم انصرف) وفي رواية ابن إسحاق: "فلما قضى صلاته"، وفي رواية عبد الحميد: "فلما سلم من صلاته"، وهو المراد بالانصراف في رواية الليث (فنزعه نزعاً شديداً) زاد أحمد في روايته عن حجاج، وهاشم: "عَنِيفاً" أي بقوة ومبادرة لذلك، على خلاف عادته في الرفق والتأني.
قال الحافظ ﵀: وهذا مما يؤكد أن التحريم وقع حينئذ (كالكاره له) زاد أحمد في رواية عبد الحميد بن جعفر: "ثم ألقاه، فقلنا: يا رسول الله، قد لبسته، وصليت فيه" (ثم قال: لا ينبغي هذا) يحتمل أن تكون الإشارة للبس، أي لا يحل هذا اللبس، ويحتمل أن تكون للحرير، فيتناول غير اللبس من الاستعمال، كالافتراش أي لا يحل استعمال هذا الحرير.
قال الفيّومي ﵀: "وينبغي أن يكون كذا": معناه يندب ندباً
стр. 5804
مؤكداً، لا يحسن تركه، واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدُّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرف، فلا يقال: انبغي، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع بَغَى، فلا يستعمل انفعل في المطاوعة إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل كسرته فانكسر، وكما لا يقال: طلبته فانطلب، وقصدته فانقصد، لا يقال: بغيته فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه. وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائي أنه سمعه من العرب.
وما ينبغي أن يكون كذا: أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى (١).
قال الجامع: المناسب هنا المعنى الأول، أي ما يستقيم هذا؛ لأنه محرم. والله أعلم.
(للمتقين) أي المتقين الكفر أو المعاصيَ كلها. وقال ابن بطال: يمكن أن يكون نزعه لكونه حريراً صِرْفاً، ويمكن أن يكون نزعه لأنه من جنس لباس الأعاجم، وقد ورد حديث ابن عمر رفعه: "من تشبه بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود بسند حسن.
قال الحافظ: وهذا التردد مبني على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد به مطلق المؤمن حمل على الأول، وإن كان المراد به قدراً زائداً على ذلك حمل على الثاني. والله أعلم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: اسم التقوى يعم
стр. 5805
جميع المؤمنين، لكن الناس فيه على درجات. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]. فكل من دخل في الإسلام فقد اتقى، أي وقى نفسه من الخلود في النار، وهذا مقام العموم، وأما مقام الخصوص فهو الإحسان، كما قال ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه" انتهى. وقد رجح عياض ﵀ أن المنع فيه لكونه حريراً.
وقال القرطبي ﵀ في المفهم: المراد بالمتقين المؤمنون؛ لأنهم الذين خافوا الله تعالى، واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك؛ لأن من سمع أن من فعل ذلك كان غير متق، فَهِم منه أنه لا يفعله إلا المستخف، فيأنف من فعل ذلك، لئلا يوصف بأنه غير متق.
قال البدر العيني ﵀: فإن قلت: النساء يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهن. قلت: هذه مسألة مختلف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلمنا دخولهن فالحل لهن علم بدليل آخر. اهـ (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 5806
حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا متفق عليه. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٩/ ٧٧٠)، وفي الكبرى (٧/ ٨٤٦) عن قتيبة، وعيسى بن حماد، كلاهما عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله ابن يوسف، وفي "اللباس" عن قتيبة -كلاهما عن الليث، به.
ومسلم في "اللباس" عن قتيبة به. وعن أبي موسى، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب به.
وأحمد (٤/ ٢٤٣، ٢٤٩، ١٥٠). وابن خزيمة رقم (٧٧٤). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: جواز الصلاة في ثوب الحرير، والظاهر أن هذا هو مراد المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة، ووجهه أنه ﷺ لم يعد تلك الصلاة، فدل على جوازها في الحرير، لكن هذا إنما يتم إن قلنا بأن تلك الصلاة وقعت بعد تحريم الحرير على الرجال، وقد تقدم ترجيح كون نزعه للفَرُّوج ابتداء التحريم، فالصلاة وقعت قبله. والله أعلم.
ومنها: أنه يدل على تحريم الحرير على الرجال دون النساء؛ لأن
стр. 5807
اللفظ لا يتناولهن على الراجح، ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورود الأدلة الصريحة على إباحته لهن.
ومنها: أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى. وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز.
ومنها: أنه لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمُفَرّجة لمن اعتادها، أو احتاج إليها (١).
ومنها: أن فيه جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة:
قال العلامة أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال: الأول: محرم بكل حال، والثاني: محرم إلا في الحرب، والثالث: يحرم إلا في السفر، والرابع: يحرم إلا في المرض، والخامس: يحرم إلا في الغزو، والسادس: يحرم إلا في العَلَم، والسابع: يحرم على الرجال والنساء، والثامن: يحرم لبسه من فوق، دون لبسه من أسفل، وهو الفرش. قاله أبو حنيفة، وابن الماجشون، والتاسع: مباح بكل حال، والعاشر: يحرم، وإن خلط مع
стр. 5808
غيره، كالخزّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الجمهور على تحريم الحرير على الرجال دون النساء، إلا فيما استثني؛ كالمرض، ونحوه، وسيأتي تحقيق هذه الأقوال بأدلتها مستوفى في "كتاب الزينة" إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5809
٢٠ - الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ فِي خَميصَةٍ لَهَا أعْلَامٌ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام.
"الرخصة" وزان غرفة، وتضم الخاء للإتباع، وجمعه رُخَصٌ، ورُخُصات، مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيل، والتيسير (١).
"الخميصة": -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، بعدها صاد مهملة-: كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة. قاله الفيومي (٢).
وقال العيني ﵀: كساء أسود مربع، له علمان، أو أعلام، ويكون من خزّ، أو صوف، ولا تسمى خَمِيصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، ومأخوذ من الخَمَص، وهو ضمور البطن. وقال ابن حبيب في شرح الموطأ: الخميصة كساء صوف، أو مِرْعِزَّى (٣) معلم الصنعة (٤).
و"الأعلام" -بالفتح-: جمع عَلَم -بفتحتين- مثل سبب وأسباب،
стр. 5810
يقال: أعلمت الثوب: جعلتُ له علَمًا من طِراز وغيره (١). والله تعالى أعلم.
٧٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ، لَهَا أَعْلَامٌ، ثُمَّ قَالَ: شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِى بِأَنْبِجَانِيِّهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي تقدم قبل بابين.
٢ - (قتيبة بن سعيد) تقدم في السند الماضي.
٣ - (سفيان) بن عيينة، تقدم قبل باب.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، الإمام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة بن الزبير) بن العوام المدني، الفقيه الثبت، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
стр. 5811
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث لقتيبة، وأما إسحاق، فرواه بالمعنى، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ صلى في خميصة) تقدم ضبطها وتفسيرها في أول الباب (لها أعلام) جملة في محل جر صفة لـ "خميصة" (ثم قال: شغلتني أعلام هذه) أي كادت تشغلني، وتلهيني عن كمال الحضور في الصلاة، وليس المراد أنها شغلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: "كنت أنظر إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني". وفي رواية مالك في الموطأ: "فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني".
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشغل، وعلى تقدير وقوعه له ﷺ ، فليس فيه نقص في حقه؛ لأنه بشر يؤثر فيه ما يؤثر في البشر من الأمور التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبته الشريفة ﷺ . أفاده في "المنهل" (١).
стр. 5812
وقال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: أثبت في هذه الرواية -يعني رواية الشيخين- إِلْهَاَءَ الخميصة له بقوله: "فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي"، وقال في رواية مالك: "نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني". قال ابن عبد البرّ: فيه دليل على أن الفتنة لم تقع. قال: والفتنة هنا الشغل عن خشوع الصلاة. انتهى.
فيحتمل أن يقال: الفتنة فوق الإلهاء، فلهذا أثبته، ولم يثبت الفتنة، ويحتمل أن يقال: هما واحد، ويكون قوله: "ألهتني" أي كادت، وقاربت، كما يقول المؤذن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" أي قد قرب إقامتها. والله أعلم (١).
وقال السندي في شرحه: قوله: "شغلتني أعلام هذه" هذا مبني على أن القلب قد بلغ من الصفاء عن الأغيار الغايةَ حتى يظهر فيه أدنى شيء، يظهر لك ذلك إذا نظرت إلى ثوب بلغ في البياض الغاية، وإلى ما دون ذلك، فيظهر في الأول من أثر الوسخ ما لا يظهر في الثاني. والله أعلم. انتهى (٢).
(اذهبوا بها) أي بالخميصة (إِلى أبي جهم) -بفتح الجيم، وسكون الهاء- ابن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج ابن عديّ بن كعب القرشي العدوي. قال البخاري وجماعة: اسمه
стр. 5813
عامر، وقيل: اسمه عبيد -بالضم- قاله الزبير بن بكار وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. وقال البغوي، عن مصعب: كان من مُعَمّري قريش، ومن مشيختهم.
وحكى ابن منده أن أبا عاصم فرق بين أبي جهم ابن حذيفة، وعبيد ابن حُذيفة. قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمرين، حضر بناء الكعبة مرتين؛ حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان.
وأخرج البغوي من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فَمُنِعُوا، فقال أبو جَهْم: دعوه؛ فقد صلى الله عليه ورسوله.
وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب الحكماء من طريق عبد الله بن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد. مات في آخر خلافة معاوية. قاله ابن سعد. ويقال: إنه وفد على معاوية، ثم على ابنه يزيد، وهذا يدل على أنه تأخرت وفاته. والله أعلم. انتهى ملخصاً من "الإصابة" (١).
стр. 5814
قال في "الفتح": وإنما خصه ﷺ بإرسال الخميصة إليه لأنه كان أهداها له ﷺ ، كما رواه مالك في الموطأ من طريق أخرى عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: "رُدَّي هذه الخميصة إلى أبي جهم".
ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبي ﷺ أُتِي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم"، ولأبي داود من طريق أخرى "وأخذ كرديّاً لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكرديّ".
وقال ابن بطال: إنما طلب منه ثوباً غيرها ليُعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافاً به. قال: وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. قال الحافظ ﵀: وهذا مبني على أنها واحدة، ورواية الزبير والتي بعدها تصرح بالتعدد. انتهى (١).
(وائتوني بأَنْبَجَانِيِّهِ) قال في النهاية: المحفوظ بكسر الباء، ويروى بفتحها، يقال: كساء أنْبَجَاني منسوب إلى مَنْبِج المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت همزة. وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان، وهو أشبه، والأول فيه
стр. 5815
تعسف. وهو كساء يتخذ من الصوف، وله خَمْلٌ، ولا عَلَمَ له، وهو من أدون الثياب الغليظة، قال: وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم لأنه هو الذي أهداها له، وإنما طلب منه الأنبجاني لئلا يؤثّر رَدّ الهدية في قلبه. والهمزة زائدة في قول (١).
وقال القاضي عياض: يروى بفتح الهمزة، وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها.
وقال البدر العيني ﵀: قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ، ومعناه؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة. وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجاني -بكسر الباء، وفتحها-: إذا كان ملتفّاً كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك.
وقال الجوهري: إذا نسبت إلى مَنْبِج فتحت الباء، فقلت: كساء مَنَبجاني، أخرجوه مخرج مَخْبَراني، ومَنْظَرَاني.
وقال أبو حاتم في لحن العامة: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما تخطىء فيه العامة، وإنما يقول: مَنْبَجَاني -بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لِمَ فتحت الباء، وإنما نسب إلى مَنبِج -بالكسر-؟، قال خرج مخرج منظراني، ومخبراني، قال: والنسب مما يُغَيِّرُ البناءَ.