لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث لقتيبة، وأما إسحاق، فرواه بالمعنى، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ صلى في خميصة) تقدم ضبطها وتفسيرها في أول الباب (لها أعلام) جملة في محل جر صفة لـ "خميصة" (ثم قال: شغلتني أعلام هذه) أي كادت تشغلني، وتلهيني عن كمال الحضور في الصلاة، وليس المراد أنها شغلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: "كنت أنظر إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني". وفي رواية مالك في الموطأ: "فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني".
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشغل، وعلى تقدير وقوعه له ﷺ ، فليس فيه نقص في حقه؛ لأنه بشر يؤثر فيه ما يؤثر في البشر من الأمور التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبته الشريفة ﷺ . أفاده في "المنهل" (١).
стр. 5812
وقال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: أثبت في هذه الرواية -يعني رواية الشيخين- إِلْهَاَءَ الخميصة له بقوله: "فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي"، وقال في رواية مالك: "نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني". قال ابن عبد البرّ: فيه دليل على أن الفتنة لم تقع. قال: والفتنة هنا الشغل عن خشوع الصلاة. انتهى.
فيحتمل أن يقال: الفتنة فوق الإلهاء، فلهذا أثبته، ولم يثبت الفتنة، ويحتمل أن يقال: هما واحد، ويكون قوله: "ألهتني" أي كادت، وقاربت، كما يقول المؤذن في الإقامة: "قد قامت الصلاة" أي قد قرب إقامتها. والله أعلم (١).
وقال السندي في شرحه: قوله: "شغلتني أعلام هذه" هذا مبني على أن القلب قد بلغ من الصفاء عن الأغيار الغايةَ حتى يظهر فيه أدنى شيء، يظهر لك ذلك إذا نظرت إلى ثوب بلغ في البياض الغاية، وإلى ما دون ذلك، فيظهر في الأول من أثر الوسخ ما لا يظهر في الثاني. والله أعلم. انتهى (٢).
(اذهبوا بها) أي بالخميصة (إِلى أبي جهم) -بفتح الجيم، وسكون الهاء- ابن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج ابن عديّ بن كعب القرشي العدوي. قال البخاري وجماعة: اسمه
стр. 5813
عامر، وقيل: اسمه عبيد -بالضم- قاله الزبير بن بكار وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. وقال البغوي، عن مصعب: كان من مُعَمّري قريش، ومن مشيختهم.
وحكى ابن منده أن أبا عاصم فرق بين أبي جهم ابن حذيفة، وعبيد ابن حُذيفة. قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمرين، حضر بناء الكعبة مرتين؛ حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان.
وأخرج البغوي من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فَمُنِعُوا، فقال أبو جَهْم: دعوه؛ فقد صلى الله عليه ورسوله.
وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب الحكماء من طريق عبد الله بن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد. مات في آخر خلافة معاوية. قاله ابن سعد. ويقال: إنه وفد على معاوية، ثم على ابنه يزيد، وهذا يدل على أنه تأخرت وفاته. والله أعلم. انتهى ملخصاً من "الإصابة" (١).
стр. 5814
قال في "الفتح": وإنما خصه ﷺ بإرسال الخميصة إليه لأنه كان أهداها له ﷺ ، كما رواه مالك في الموطأ من طريق أخرى عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: "رُدَّي هذه الخميصة إلى أبي جهم".
ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبي ﷺ أُتِي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم"، ولأبي داود من طريق أخرى "وأخذ كرديّاً لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكرديّ".
وقال ابن بطال: إنما طلب منه ثوباً غيرها ليُعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافاً به. قال: وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. قال الحافظ ﵀: وهذا مبني على أنها واحدة، ورواية الزبير والتي بعدها تصرح بالتعدد. انتهى (١).
(وائتوني بأَنْبَجَانِيِّهِ) قال في النهاية: المحفوظ بكسر الباء، ويروى بفتحها، يقال: كساء أنْبَجَاني منسوب إلى مَنْبِج المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت همزة. وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه أنبجان، وهو أشبه، والأول فيه
стр. 5815
تعسف. وهو كساء يتخذ من الصوف، وله خَمْلٌ، ولا عَلَمَ له، وهو من أدون الثياب الغليظة، قال: وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم لأنه هو الذي أهداها له، وإنما طلب منه الأنبجاني لئلا يؤثّر رَدّ الهدية في قلبه. والهمزة زائدة في قول (١).
وقال القاضي عياض: يروى بفتح الهمزة، وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها.
وقال البدر العيني ﵀: قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ، ومعناه؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة. وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجاني -بكسر الباء، وفتحها-: إذا كان ملتفّاً كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك.
وقال الجوهري: إذا نسبت إلى مَنْبِج فتحت الباء، فقلت: كساء مَنَبجاني، أخرجوه مخرج مَخْبَراني، ومَنْظَرَاني.
وقال أبو حاتم في لحن العامة: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما تخطىء فيه العامة، وإنما يقول: مَنْبَجَاني -بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لِمَ فتحت الباء، وإنما نسب إلى مَنبِج -بالكسر-؟، قال خرج مخرج منظراني، ومخبراني، قال: والنسب مما يُغَيِّرُ البناءَ.
стр. 5816
وقال القزاز في الجامع: والنِّبَاج موضع تنسب إليه الثياب المنبجانية. وفي الجمهرة: ومَنْبِج موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية. وفي المحكم: إن منبج موضع.
قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أوّلاً فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أوّلاً في الاسم والصفة، وكذلك النِّبَاج، وهما نبَاجان؛ نباج ثَيْتَل، ونباج ابن عامر (١)، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير قياس.
وفي المغيث: المحفوظ كسر باء الأنبجاني. وقال ابن الحصار في تقريب المدارك: من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وَهِمَ.
ومنبج -بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وفي آخره جيم-: بلدة من كور قِنِّسْرِين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسماها منبه، وبنى بها بيت نار، ووكل بها رجلاً، فعربت، فقيل: منبج، والنسبة إليها منبجي على الأصل، ومنبجاني على غير قياس، والباء تفتح في النسبة، كما يقال في النسبة إلى صَدِف -بكسر الدال- صَدَفي -بفتحها- ومن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى منبج -بفتح الميم، وكسر الباء- ويقال: نسبة إلى موضع، يقال له:
стр. 5817
أنبجان، وعن هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث.
وأما تفسيرها، فقال عبد الملك بن حبيب في شرح الموطأ: هي كساء غليظ، يشبه الشملة، يكون سداه قطناً غليظاً، أو كتاناً غليظاً، ولحمته صوف، ليس بالمبرم في فتله لين غليظ، يلتحف به في الفراش، وقد يشتمل به في شدة البرد. وقيل: هي من أدون الثياب الغليظة تتخذ من الصوف، ويقال: هو كساء غليظ لا عَلَمَ له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وإن لم يكن فهو أنبجانية. انتهى كلام العيني (١). والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٠/ ٧٧١)، وفي الكبرى (٨/ ٨٤٧) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه
стр. 5818
البخاري في "الصلاة" عن قتيبة، ومسلم فيه عن عمرو الناقد، وزهير ابن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود فيه، وفي "اللباس" عن عثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه في "اللباس" -عن أبي بكر بن أبي شيبة- كلهم عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
وأخرجه الحميدي: رقم ١٧٢ - وأحمد: (٦/ ٣٧، ٤٦، ٢٠٨، ١٩٩)، وابن خزيمة: رقم (٩٢٨، ٩٢٩). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو صحة الصلاة في خميصة لها أعلام، وأن غيره أولى، وذلك لأن النبي ﷺ صلى فيها، ولم يعد تلك الصلاة، بل أمر بإبعادها عنه خوف الافتتان بها؛ فدل على صحتها.
قال النووي ﵀: فيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر في شاغل ونحوه مما ليس متعلقاً بالصلاة، وهذا بإجماع الفقهاء. وحكي عن بعض السلف والزهاد ما لا يصح عمن يعتد به في الإجماع. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: يستحب له النظر إلى موضع سجوده، ولا يتجاوزه. قال بعضهم: يكره تغميض عينيه، وعندي لا يكره إلا أن يخاف ضرراً. انتهى (١).
стр. 5819
ومنها: أن فيه الاجتهادَ في كمال حضور القلب في الصلاة، وتدبر أذكارها، وتلاوتها، ومقاصدها من الانقياد والخضوع لله ، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يشغل القلب، وإزالة ما يخاف اشتغاله به، وكراهية تزويق محراب المسجد وحائطه ونقشه، وغير ذلك من الشاغلات؛ لأن النبي ﷺ جعل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى. أفاده النووي رحمه الله تعالى (١).
واستدل به بعض المالكية على كراهة غرس الأشجار في المساجد لما فيه من شغل المصلي بذلك (٢).
ومنها: جواز لبس الثوب الذي له علم، وكذلك الكساء ونحوه.
ومنها: أن اشتغال الفكر في الصلاة يسيراً غير قادح في صحتها.
ومنها: ما قال صاحب المفهم: فيه سد الذرائع، والانتزاع عما يشغل الإنسان عن أمور دينه.
ومنها: ما قال ابن بطال: فيه أن النبي ﷺ آنس أبا جهم حين ردها إليه بأن سأله ثوباً مكانها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافاً به، ولا كراهة للبسه. وقال صاحب المفهم: وفيه قبول الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه ﷺ أنبجانية أبي جهم تطييب لقلبه، ومباسطة معه، وهذا مع من يعلم طيب نفسه، وصفاء ودّه جائز.
стр. 5820
ومنها: أن الواهب والمهدي إذا ردت إليه عطيته، من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها، إذ لا عار عليه في قبولها. قاله ابن بطال، وابن عبد البر.
ومنها: أن للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة. قاله أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى.
ومنها: ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: جرت عادة الأنبياء والصالحين بإخراج ما شغلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأساً، وكذلك ما أعجبهم من ملكهم، كما قال الله تعالى في حق سليمان ﵇: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٢، ٣٣].
وأخرج النبي ﷺ الخميصة عن ملكه، ورمى بالخاتم أيضاً لما شغله، كما رواه النسائي من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً، ولبسه، قال: "شغلني هذا عنكم منذ اليوم، إليه نظرة، وإليكم نظرة، ثم ألقاه".
وأما نزعه خاتم الذهب عند التحريم فهو متفق عليه من حديث ابن عمر.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس أنه كان من فضة. وقال القرطبي: إنه وَهَمٌ. قال ولي الدين ﵀: ولعله كان لما شغله عنهم، وإن كان فضة، فيكون لا لحرمته، ولكن لاشتغاله به عنهم، ولا
стр. 5821
حاجة حينئذ إلى الحكم عليه بالوهم. والله أعلم.
قال: وروينا في الزهد لابن المبارك عن مالك، عن أبي النضر، قال: انقطع شراك نعل رسول الله ﷺ ، فوصله بشيء جديد، فجعل ينظر إليه، وهو يصلي، فلما قضى صلاته قال: انزعوا هذا، واجعلوا الأول مكانه، فقيل: كيف يا رسول الله؟ قال: إني كنت أنظر إليه وأنا أصلي.
وروى محمد بن خفيف الشيرازي بإسناده إلى عائشة أنه ﷺ احتذى نعلاً، فأعجبه حسنها، ثم خرج بها، فدفعها إلى أول مسكين لقيه، ثم قال: اشتر لي نعلين مخصوفتين.
وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائطه، فطار دُبْسِيّ (١)، فطفق يتردد يلتمس مخرجاً، فأعجبه ذلك، فجعل يتبعه ببصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإذا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة، وقال: يا رسول الله، هو صدقة لك، فضعه حيث شئت. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 5822
المسألة الخامسة: في الأسئلة والأجوبة:
فإِن قيل: كيف بعث النبي ﷺ بالخميصة إلى أبي جهم، وقد أخبر عن نفسه بأنها ألهته في صلاته مع قوته ﷺ ، فكيف لا تشغل أبا جهم عن صلاته؟
أجيب: بأنه لم يبعث بها إليه ليلبسها في الصلاة، بل لينتفع بها في غير الصلاة، كما قال في حلة عُطارد لعمر ﵁: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها" … قاله ولي الدين العراقي ﵀ (١). وقال في الفتح: ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله: "كل فإني أناجي من لا تناجي" انتهى (٢).
فإِن قيل: كيف يخاف الافتتان من لا يلتفت إلى الأكوان ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].
أجيب بأنه كان في تلك الليلة خارجاً عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا ردّ إلى طبعه البشري، فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر.
فإِن قيل: إن المراقبة شغلت خلقاً من أتباعه حتى وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار، ولم يعلم به.
стр. 5823
أجيب بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم، فيغيبون عن وجودهم، وكان النبي ﷺ يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص قال: "لست كأحدكم"، وإذا سلك طريق غيرهم قال: "إنما أنا بشر"؛ فنزع الخميصة يكون من الثاني (١). والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5824
٢١ - الصَّلَاةُ فِي الثِّيَابِ الْحُمْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة في الثياب الحُمْر.
"الحمر" -بضم فسكون-: جمع أحمر، كما قال في "الخلاصة":
فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى
٧٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، فَرَكَزَ عَنَزَةً، فَصَلَّى إِلَيْهَا، يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْكَلْبُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن بشار) أبو بكر بندار البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، الإمام الحجة الثبت، أبو سعيد البصري، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩.
стр. 5825
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الثبت الكوفي، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عون بن أبي جُحَيفة) السُّوائي الكوفي، ثقة، مات سنة ١١٦، من [٤]، تقدم في ١٠٣/ ١٣٧.
٥ - (أبو جحيفة) وهب بن عبد الله، ويقال: اسم أبيه وهب أيضاً، السُّوائي الصحابي ﵁، ويقال له: وهب الخير، مات سنة ٧٤، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول من غير واسطة، وقد تقدموا غير مرة. وفيه رواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه) وهب بن عبد الله ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج في حلة) -بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام- جمعه حُلل، كغرفة، وغرف، قال الفيومي: الحُلَّة -بالضم- لا تكون إلا ثوبين من جنس واحد. اهـ (١).
стр. 5826
وفي اللسان: وقال اليمامي: الحلة كل ثوب جيّد جديد تلبسه، غليظٍ، أو دقيقٍ، ولا يكون إلا ذا ثوبين، وقال ابن شُمَيل: الحلة القميص والإزار والرداء، لا تكون أقل من هذه الثلاث. وقال شَمِرٌ: الحلة عند الأعراب ثلاثة أثواب. وقال ابن الأعرابي: يقال للإزار والرداء حلة، ولكل منهما على انفراده حلة. قال الأزهري: وأما أبو عبيد، فإنه جعل الحلة ثوبين. والجمع حُلَل، وحِلَالٌ. أنشد ابن الأعرابي (من الرجز):
لَيْسَ الْفَتَى بِالْمُسْمِنِ الْمُخْتَالِ … وَلَا الَّذِي يَرْفُلُ فِي الْحِلَالِ
اهـ. عبارة "اللسان" باختصار (١).
(حمراء) صفة لـ "حلّة"، فيه جواز الصلاة في الثياب الحُمْر، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية؛ فقالوا بالكراهة، وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حُلّة من برود فيها خطوط حُمْر، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، قال: مَرَّ بالنبي ﷺ رجل، وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه فلم يرد عليه". وهو حديث ضعيف الإسناد (٢)، وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال: حديث حسن.
وعلى تقدير أن يكون مما يحتج به فقد عارضه ما هو أقوى منه، وهو واقعة عين، فيحتمل أن يكون ترك الردّ عليه بسبب آخر. وحمله البيهقي على ما صبغ بعد النسج، وأما ما صبغ غزله، ثم نسج فلا
стр. 5827
كراهة فيه.
وقال ابن التين: زعم بعضهم أن لبس النبي ﷺ لتلك الحلة كان من أجل الغزو. وفيه نظر؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يكن له إذ ذاك غزو. أفاده الحافظ في الفتح (١) واعترض عليه العيني فيما نقله عن الحنفية بما فيه تعسف (٢).
(فركز عَنَزَة) يقال: ركَزَ الرمحَ رَكْزًا، من باب قتل: أثبته بالأرض. والعَنَزَة -بفتحات-: عَصًا أقصر من الرمح، ولها زُجّ (٣)، من أسفلها، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَات، مثل قصَبٍ، وقَصَبَات. قاله في المصباح.
ثم إن معنى قوله: "رَكَزَ": أمر بركزها، فقد بينت الروايات الأخرى أن الذي ركزها هو بلال ﵁، ففي رواية البخاري من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ في قبة حمراء من أدَم، ورأيت بلالاً أخذ وَضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذاك الوَضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسح به، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة، فركزها، وخرج النبي ﷺ في حلة حمراء مشمراً، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والداوب يمرون من بين يدي العنزة".
стр. 5828
ولفظ مسلم: "أتيت النبي ﷺ بمكة، وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، فخرج بلال بوَضوئه، فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ ، عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذّن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه هاهنا، وهاهنا، يقول يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم، فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين، حتى رجع إلى المدينة".
(فصلى إِليها) أي صلى الظهر والعصر، لما في رواية البخاري من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال سمعت أبي: أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظهر ركعتين، والعصر ركعتين … الحديث (يمر من ورائها الكلب، والمرأة، والحمار) الجملة حال من الضمير المجرور، وفيه دليل على أن مرور هذه الأشياء وراء السترة لا يضر بالصلاة، وقد تقدم الكلام في ذلك مستوفى في أبواب السترة، فارجع إليه تزدد علماً. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي جحيفة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢١/ ٧٧٢)، والكبرى (٩/ ٨٤٨) عن محمد بن
стр. 5829
بشار، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عون، عنه (١٠٣/ ١٣٧)، والكبرى (٩١/ ١٣٦)، عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن مالك بن مغول، عن عون عنه (١٣/ ٦٤٣)، والكبرى (١٦/ ١٦٠٧) عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان به. (١٢٣/ ٥٣٧٨)، والكبرى (١١٩/ ٩٨٢٧)، عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن عرعرة، عن عمر بن أبي زائدة -وعن أبي الوليد، عن شعبة- وعن آدم، عن شعبة -وعن إسحاق ابن منصور، عن جعفر بن عون، عن أبي العميس- وعن محمد بن يوسف، عن سفيان -وفي "صفة النبي ﷺ " عن الحسن بن الصباح، عن محمد بن سابق، عن مالك بن مغول- وعن إسحاق، عن ابن شميل، عن عمر بن أبي زائدة.
ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب جميعاً عن وكيع، عن سفيان -وعن محمد بن حاتم، عن بهز، عن عمر بن أبي زائدة- وعن إسحاق بن منصور، وعبد بن حميد كلاهما عن جعفر بن عون، عن أبي العميس -وعن القاسم بن زكريا، عن حسين بن علي، عن زائدة، عن مالك بن مغول.
стр. 5830
وأبو داود عن موسى بن إسماعيل، عن قيس بن الربيع -وعن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع، عن سفيان- وعن حفص بن عمر، عن شعبة.
والترمذي عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن الثوري.
وابن ماجه عن أيوب بن محمد، عن عبد الواحد بن زياد، عن حجاج بن أرطاة -كلهم عن عون بن أبي جحيفة، عنه.
والحميدي رقم (٨٩٢)، وأحمد (٤/ ٣٠٧، ٣٠٨)، وابن خزيمة رقم (٣٨٧, ٣٨٨، ٢٩٩٤، ٢٩٩٥). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة في الثياب الحمر، وتقدم أنه قول الجمهور، وكرهها الحنفية.
ومنها: جواز لبس الحلة الحمراء.
ومنها: مشروعية حمل العنزة، لتتخذ سترة عند الصلاة. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 5831
٢٢ - الصَّلَاةُ فِي الشِّعَارِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على جواز الصلاة في الشعار.
والشعار -بكسر المعجمة-: ما ولي الجسد من الثياب (١).
٧٧٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ صُبْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خِلَاسَ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ، وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّى شَيْءٌ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ، لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ مَعِي، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّى شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
стр. 5832
٢ - (هشام بن عبد الملك) أبو الوليد الطيالسي البصري، ثقة ثبت، من [٩]، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٤ - (جابر بن صُبْح) الراسبي، أبو بشر البصري، صدوق، من [٧]، تقدم في ١٧٩/ ٢٨٤.
٥ - (خِلاس بن عمرو) الهَجَري البصري، ثقة، من [٢]، تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
قال خِلاس بن عمرو (سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ أبو القاسم) بدل من "رسول الله"، وهو كنية النبي ﷺ ، كني بأكبر أولاده، ولد بمكة قبل النبوة، ومات وهو ابن سنتين. واختلف هل مات قبل البعثة، أو بعدها.
(في الشعار الواحد) متعلق بخبر كان مقدراً، وفي الرواية المتقدمة (١٧٩/ ٢٨٤): "كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد"، (وأنا حائض طامث) جملة في محل نصب على الحال، والطامث كالحائض وزناً ومعنى، فيكون من التوكيد بالمرادف.
стр. 5833
(فإِن أصابه مني شيء) أي من الدم (غسل ما أصابه، لم يعده) مضارع عدا، كغزا يغزو، أي لم يتجاوز محل ذلك الدم (إِلى) غسل (غيره) أي غير ذلك المحل الذي أصابه الدم من الشعار (وصلى فيه) أي في ذلك الشعار، وفيه جواز الصلاة في الشعار الذي يلبسه الرجل مع امرأته إذا تيقن طهارته، وهو الذي أراده المصنف بإيراده هنا.
(ثم يعود معي) تعني أنه يلبس ذلك الشعار معها مرة أخرى (فإِن أصابه مني شيء) من الدم (فعل مثل ذلك) الغسل (لم يعده إِلى غيره).
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح. وقد تقدم -بحمد الله تعالى- شرحه مستوفىً، وكذا بيان المسائل المتعلقة به برقم (١٧٩/ ٢٨٤). فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5834
٢٣ - الصَّلَاةُ فِي الْخُفَّيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة لابساً للخفين.
٧٧٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرًا بَالَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجيمي البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري، مات سنة ١٦٠، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (سليمان) بن مِهْران الأعمش الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة
стр. 5835
١٤٧، من [٥]، تقدم في ١٧/ ١٨.
٥ - (إِبراهيم) بن يزيد النخعي، الفقيه الحجة، مات سنة ٩٦، من [٥]، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (همّام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، ثقة عابد، مات سنة ٦٥، من [٢]، تقدم في ٩٦/ ١١٨.
٧ - (جرير) بن عبد الله بن جابر البجلي، الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ٤٣/ ٥١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر، وأن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض؛ سليمان، وإبراهيم، وهمام. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن همام) بن الحارث أنه (قال: رأيت جريراً) أي ابن عبد الله، ﵁ (بال، ثم دعا بماء، فتوضأ، ومسح على خفيه، ثم قام فصلى) هذا موضع استدلال المصنف ﵀ على ما ترجم له؛ لأن الظاهر أنه صلى في خفيه؛ لأنه لو نزعهما بعد المسح لوجب غسل
стр. 5836
رجليه، ولو غسلهما لنقل. أفاده في الفتح (١).
وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه من حديث شداد بن أوس ﵁ مرفوعاً: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم". وما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي العلاء، عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ يصلي، وعليه نَعل مخصوفة (٢).
(فسئل عن ذلك) أي سأل سائل جريراً ﵁ عما فعله، وللطبراني من طريق جعفر بن الحارث، عن الأعمش: أن السائل له عن ذلك هو همام المذكور. وله من طريق زائدة، عن الأعمش: "فعاب عليه ذلك رجل من القوم".
(فقال) جرير (رأيت النبي ﷺ صنع مثل هذا) الصنع، من المسح على الخفين، والصلاة فيهما، ولفظ الرواية السابقة (٩٦/ ١١٨): "أنه توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح؟ فقال: قد رأيت رسول الله ﷺ يمسح. وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير، وكان إسلام جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير".
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جرير بن عبد الله هذا متفق
стр. 5837
عليه. وقد تقدم -بحمد الله تعالى- شرحه مستوفى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به بالرقم المذكور، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 5838
٢٤ - الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة لابساً للنعلين.
٧٧٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَغَسَّانَ بْنِ مُضَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ -وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ- قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٤/ ٤).
٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٥/ ٥).
٣ - (غَسّان بن مُضَرَ) الأزدي النمري، أبو مضر البصري المكفوف، ثقة، من [٨].
قال الميموني عن أحمد: كان شيخاً عسراً. وقال عبد الله عن أبيه: شيخ ثقة ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، أظن يحيى بن سعيد حدث عنه. وقال أبو زرعة: صدوق.
стр. 5839
وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح الحديث. وقال ابن حبان في الثقات: روى عن ثابت وعبد العزيز بن صهيب. روى عنه عمار بن هارون المستملي والبصريون. مات سنة ١٨٤، يعتبر حديثه من رواية الثقات. وفيها أرخه البخاري في تاريخه. وهو من أفراد النسائي، روى له حديث الباب فقط.
٤ - (أبو مسلمة، واسمه سعيد بن يزيد) بن مسلمة الأزدي، ثم الطاحي (١)، البصري القصير، ثقة، من [٤]، أخرج له الجماعة.
قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ووثقه ابن سعد، والعجلي، وأبو بكر البزار، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة.
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه [٤٦] من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
стр. 5840
ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة.
ومنها: أن غسان بن مضر من أفراد المصنف، ولم يخرج له إلا هذا الحديث.
ومنها: أن المصنف وَثّقَ أبا مسلمة، وذكر اسمه، ونسبه إلى بلده، ومثل هذا في الكتاب قليل.
ومنها: أن فيه أنسا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢ أو ٩٣ هـ. وأن فيه الإخبار، والتحديث من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
قال أبو مسلمة ﵀: (سألت أنس بن مالك) ﵁ (أكان رسول الله ﷺ ) استفهام على سبيل الاستفسار (يصلي في النعلين؟) وعند البخاري: "يصلي في نعليه". قال العيني ﵀: أي على نعليه، أو بنعليه؛ لأن الظرفية غير صحيحة. والنعل الحذاء، مؤنثة، وتصغيرها نُعيلة. اهـ (١).
(قال) أنس ﵁ (نعم) أي كان يصلي فيهما.
стр. 5841
قال ابن بطال ﵀: معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن في النعلين نجاسة، فلا بأس بالصلاة فيهما، وإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما، ويصلي فيهما. واختلفوا في تطهير النعال من النجاسات؛ فقالت طائفة: إذا وطىء القذر الرطب يجزيه أن يمسحهما بالتراب، ويصلي فيه. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يطهر الرطب إلا بالماء، وإن كان يابساً أجزأه حكه. وقال الشافعي: لا يطهر النجاسات إلا الماء في الخف والنعل وغيرهما (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح هو المذهب الأول لما أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور"، وفي لفظ: "إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب"، وهو حديث صحيح. ولم يفرق بين الرطب واليابس، فدل على أن النعل تطهر بالتراب. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 5842
أخرجه هنا (٢٤/ ٧٧٥)، وفي الكبرى (١٢/ ٨٥١) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن آدم، عن شعبة -وفي "اللباس" عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن بشر بن المفضل- وعن أبي الربيع الزهراني، عن عَبَاد بن العوّام، والترمذي فيه عن علي ابن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم - كلهم عن سعيد بن يزيد الأزدي، عنه. وأحمد: (٣/ ١٠٠، ١٨٩). والدارمي رقم (١٣٨٤)، وابن خزيمة رقم (١٠١٠). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: دلّ حديث الباب على مشروعية الصلاة في النعال:
قال العلامة الشوكاني ﵀: وقد اختلف نظر الصحابة والتابعين في ذلك، هل هو مستحب، أو مباح، أو مكروه؟ فروي عن عمر بإسناد ضعيف أنه كان يكره خلع النعال، ويشتد على الناس في ذلك. وكذا عن ابن مسعود، وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم. وروي عن إبراهيم أنه كان يكره خلع النعال، وهذا يشعر بأنه مستحب عند هؤلاء.
стр. 5843
قال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي: وممن كان يفعل ذلك -يعني لبس النعل في الصلاة- عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعويمر بن ساعدة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وأوس الثقفي. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، وعطاء بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وطاوس، وشريح القاضي، وأبو مِجْلَز، وأبو عمرو الشيباني، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وابنه أبو جعفر.
وممن كان لا يصلي فيهما: عبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعري.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: الحديث دليل على جواز الصلاة في النعال، ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. ثم أطال البحث في ذلك (١).
قال الشوكاني ﵀: إلا أن حديث: "خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا في خفافهم" أقل أحواله الدلالة على الاستحباب، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر؛ فإن رأى في نعليه قذراً، أو أذى فليمسحه، وليصل
стр. 5844
فيهما" (١).
ويمكن الاستدلال لعدم الاستحباب بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا صلى أحدكم، فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما". وهو كما قال العراقي صحيح الإسناد.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً ومنتعلاً" (٢). أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: صلى رسول الله ﷺ في نعليه، فصلى الناس في نعالهم، فخلع نعليه، فخلعوا، فلما صلى قال: "من شاء أن يصلي في نعليه فليصل، ومن شاء أن يخلع فليخلع". قال العراقي ﵀: وهذا مرسل صحيح الإسناد.
قال الشوكاني ﵀: ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفاً للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب؛ لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب، كما في حديث: "بين كل أذانين
стр. 5845
صلاة لمن شاء". وهذا أعدل المذاهب، وأقواها عندي (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقرير الذي قرره الشوكاني ﵀، واختاره هو المختار عندي. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 5846
٢٥ - أيْنَ يَضَعُ الإِمَامُ نَعْليْهِ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواب سؤال من سأل عن محل وضع الإمام نعليه عند صلاته بالناس. ومحل الاستدلال من الحديث واضح في قوله: "فوضع نعليه عن يساره". والله تعالى أعلم.
٧٧٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ، فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عَنْ يَسَارِهِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة مأمون، مات سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة، من [١٠]، أخرج له النسائي، ٤٢/ ٤٩.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
стр. 5847
٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يرسل ويدلس، مات سنة ١٥٠، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٥ - (محمد بن عباد) بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي، ثقة، من [٣].
روى عن جده لأمه عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي سلمة ابن سفيان، وغيرهم. وروى عنه ابنه جعفر، والزهري، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة مشهور. وقال أبو زرعه: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة.
٦ - (عبد الله بن سفيان) المخزومي، أبو سلمة مشهور بكنيته، ثقة، من [٤].
روى عن عبد الله بن السائب المخزومي، وأبي أمية بن الأخنس. وعنه محمد بن عباد بن جعفر، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن عبد الله بن صيفي، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ثقة مأمون. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث: "صلى لنا النبي ﷺ بمكة"، وفيه: "أخذته سعلة، فحذف، وركع". وعلقه البخاري.
стр. 5848
٧ - (عبد الله بن السائب) بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو السائب، ويقال: أبو عبد الرحمن المكي القارىء، له ولأبيه صحبة، وكان أبوه شريك النبي ﷺ . روى عن النبي ﷺ . وعنه ابنه محمد، على خلاف فيه، وعبد الله بن عمرو العائذي، وليس بابن العاص، وابن عمه عبد الله ابن المسيب بن أبي السائب العابدي، وأبو سلمة بن سفيان، وعبيد المكي، وعطاء، ومجاهد، والمؤمل بن وهب المخزومي، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
وكان قارىء أهل مكة، أخذ عنه أهل مكة القراءة، وقرأ عليه مجاهد وغيره. وقيل: إنه مولى مجاهد من فوق، وقرأ ابن السائب على أبي بن كعب، وتوفي بمكة قبل عبد الله بن الزبير بيسير. وهو عبد الله بن السائب قائد ابن عباس، أفرده صاحب "الكمال" بالذكر، وهو هو.
وقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة: رأيت ابن عباس لما فرغوا من دفن عبد الله بن السائب، قام ابن عباس فوقف على قبره، فدعا له، وانصرف. قال الحافظ ﵀: قلت: فعلى هذا يكون مات قبل ابن الزبير بمدة لا يعبر عنها بيسير؛ لأن ابن عباس مات قبل ابن الزبير بخمس سنين. علق له البخاري في "الصحيح"، وأخرج له في "الأدب المفرد"، والباقون. والله تعالى أعلم.
стр. 5849
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وهو مسلسل بالمكيين، غير شيخيه ويحيى، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الأكابر عن الأصاغر، فمحمد بن عباد بن جعفر من الطبقة الثالثة، وعبد الله بن سفيان من الرابعة.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "عن يحيى" لفظ "كلاهما"، وقد تقدم البحث عنه غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن السائب) ﵁ (أن رسول الله ﷺ يوم الفتح) أي فتح مكة، والصلاة التي صلاها هي الصبح، ففي رواية مسلم من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة … الحديث.
(فوضع نعليه عن يساره) فيه أن المصلي إذا لم يصل بنعليه يجعلهما عن يساره. وهذا إذا لم يكن عن يساره أحد، وإلا فليضعهما بين رجليه؛ لما أخرج أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعها بين رجليه". وفي رواية: "إذا صلى
стр. 5850
أحدكم، فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن السائب هذا أخرجه مسلم (١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٥/ ٧٧٦)، وفي "الكبرى" (١٣/ ٨٥٢) بالسند المذكور. وأخرجه (٧٦/ ١٠٠٧)، و"الكبرى" (٢٣/ ١٠٧٩) عن محمد ابن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث الهجيمي، عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن عباد حديثاً رفعه إلى ابن سفيان، عن عبد الله بن السائب، قال: حضرت رسول الله ﷺ يوم الفتح، فصلى في قُبُل الكعبة، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فافتتح بسورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى، أو عيسى ﵉ أخذته سَعْلة، فركع". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في الصلاة عن هارون بن عبد الله، عن حجاج بن محمد -وعن محمد بن رافع،