← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

ابن يزيد، به. وتقدم لفظه. والترمذي فيه عن هناد، ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن أبان به. نحو لفظ أبي داود. وأحمد (٣/ ٤٣٦)، (٥/ ٥٣) وابن خزيمة رقم (١٥٢٠). والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: اختلف أهل العلم في إمامة الزائر؛ فذهب إلى منعه مطلقاً إسحاق بن راهويه، وذهب الجمهور إلى جوازها إذا أذن المزور. قال الإمام الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر. قال بعض أهل العلم: إذا أذن له، فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدد في أن لا يصلي أحد بصاحب المنزل، وإن أذن له صاحب المنزل. قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: يصلي بهم رجل منهم. اهـ كلام الترمذي ﵀ (١). وقال المجد ابن تيمية في المنتقى: وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح قول أكثر أهل العلم، وهو أنه

стр. 5987

يجوز للزائر أن يؤم بإذن المزور؛ لقوله في حديث أبي مسعود المتقدم: "إلا بإذنه". فقد تقدم أن الصحيح رجوع الاستثناء إلى الجميع، فيكون قيداً لقوله: "ولا تؤُمُّ الرجلَ في سلطانه" وقوله: "ولا تقعد على تكرمته"؛ على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول، وقال به الشافعي وأحمد؛ قالا: ما لم يقم دليل على اختصاص القيد ببعض الجمل، ويعضد التقييد بالإذن عموم ما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "ولا يحل لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم" الحديث؛ فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور. أفاده الشوكاني رحمه الله تعالى (١). والحاصل أن حديث "إذا زار أحدكم قوماً، فلا يصلين بهم" مقيد بما إذا لم يأذنوا للزائر أن يؤمهم، فأما إذا أذنوا فلا مانع من ذلك؛ لما ذكر. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 5988

١٠ - إِمَامة الأعْمَى أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم إمامة الأعمى في الصلاة، وهو الجواز. وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق أقوال أهل العلم في ذلك في "المسألة الخامسة" إن شاء الله تعالى. ومحل الاستدلال قوله: "كان يؤم قومه، وهو أعمى"، حيث قرره النبي ﷺ ، على ذلك. والله تعالى أعلم. ٧٨٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ، وَالْمَطَرُ، وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِى مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ".

стр. 5989

رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، أبو موسى الحَمَّال، البزاز، ثقة، مات سنة ٢٤٣ وقد ناهز الثمانين، من [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢. ٢ - (معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت، أثبت أصحاب مالك على ما قاله أبو حاتم، مات سنة ١٩٨، من كبار [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢. ٣ - (الحارث بن مسكين) بن محمد مولى بني أمية، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه، مات سنة ٢٥٠ وله ٩٦ سنة، من [١٠]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في ٩/ ٩. ٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة العُتَقيّ، أبو عبد الله الفقيه المصري، صاحب مالك، ثقة، مات سنة ١٩١، من كبار [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٥ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الثبت المجتهد المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الحافظ، مات سنة ١٢٥، من [٤]، تقدم في ١/ ١.

стр. 5990

٧ - (محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم، ويقال: أبو محمد المدني، ويقال في نسبه غير ذلك، كان ختن عبادة بن الصامت. روى عن النبي ﷺ ، وعن عتبان بن مالك، وعبادة، وأبي أيوب. وعنه أنس بن مالك، والزهري، ورجاء بن حيوة، ومكحول الشامي، وهانىء بن كلثوم، وأبو بكر بن أنس نزيل بيت المقدس. قال الواقدي، وإبراهيم بن المنذر: مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين. قال الحافظ: فعلى هذا يكون مولده سنة ست، فيكون عند موت النبي ﷺ أربع سنين، أو يكون دخل في الخامسة، فقد روى الطبراني بسند صحيح عنه أنه قال: توفي النبي ﷺ ، وأنا ابن خمس سنين. وقال ابن حبان في الصحابة. مات سنة تسع، وهو ابن أربع وتسعين، وأكثر رواياته عن الصحابة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: له رؤية، وليست له صحبة. وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين. أخرج له الجماعة. قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أنه صحابي صغير، فقد أخرج البخاري في صحيحه عنه أنه عقل من النبي ﷺ مَجَّة مَجّها في وجهه، من دلو، من بئر، كانت في دارهم، وهو ابن خمس سنين. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم.

стр. 5991

٨ - (عتبان (١) بن مالك) بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري السَّلَمِيّ البدري. روى عن النبي ﷺ . وعنه أنس، ومحمود بن الربيع، والحصين بن محمد السالمي، وأبو بكر بن أنس بن مالك. قال ابن عبد البر: لم يذكره ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيره، ومات في خلافة معاوية. وذكر ابن سعد أن النبي ﷺ آخى بينه وبين عمر بن الخطاب ﵄ (٢). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أن فيه كتابة "ح" إشارة إلى تحويل السند، فالمصنف ﵀ روى هذا الحديث عن شيخه هارون بن عبد الله، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، ثم انتقل إلى شيخه الحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك. فكلا الإسنادين يلتقيان في مالك رحمه الله تعالى. ومنها: قوله. قال: حدثنا الحارث … إلخ ففاعل "قال" ضمير الراوي عن النسائي، والظاهر أنه ابن السني.

стр. 5992

ومنها: قوله: قراءةً عليه، وأنا أسمع، وذلك أنه كان بينه وبين شيخه الحارث بن مسكين منافرة، فمنعه من حضور مجلسه، فكان يستمع إلى تحديثه وراء الحجاب، وقد تقدمت القصة في مقدمة هذا الشرح. ومنها. قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث للحارث بن مسكين، وأما هارون فرواه بالمعنى، وقد تقدم البحث عن مثل هذا غير مرة. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، على القول الصحيح من كون محمود صحابياً، كما تقدم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن محمود بن الربيع) الأنصاري الخزرجي ﵁ (أن عتبان بن مالك) -بكسر العين، ويجوز ضمها- الأنصاري الخزرجي ﵁. وجملة "أن" ومعمولاها في محل نصب مفعول ثان لـ "حَدَّثَ". فإن قيل: إن ظاهر قوله. "أن عتبان بن مالك" إلخ مرسل، لأن محموداً لم يحضر القصة، لأنه صحابي صغير، ولم يصرح أنه أخذه من عتبان، فلذا قال الكرماني ﵀: الظاهر أنه مرسل؛ لأنه لا جزم أن محموداً سمع من عتبان، ولا أنه رأى بعينه ذلك؛ لأنه كان صغيراً عند وفاة النبي ﷺ . اهـ.

стр. 5993

أجيب -كما قال الحافظ-: بأنه قد وقع التصريح بالتحديث بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب عند أبي عوانة، وكذا وقع التصريح بسماع محمود من عتبان ﵄ عند البخاري من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن شهاب (١). قال الجامع عفا الله عنه: وسيأتي للمصنف (٧٣/ ١٣٢٧) من طريق معمر عن الزهري، قال: أخبرني محمود بن الربيع، قال: سمعت عتبان بن مالك يقول: كنت أصلي بقومي بني سالم، فأتيت رسول الله ﷺ … الحديث. (كان يؤم قومه) قد ساق البخاري ﵀ في صحيحه هذا الحديث مُطوَّلاً، فقال في "باب المساجد في البيوت": حدثنا سعيد بن عُفَير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ , ممن شهد بدراً، من الأنصار، أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد أنكرتُ بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصليَ بهم، وودِدتُ يا رسول الله أنك تأتيني، فتصلي في بيتي، فأتخذَه مُصلىً. قال: فقال له رسول الله ﷺ : "سأفعل إن شاء الله".

стр. 5994

قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ ، فكبر، فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم. قال: وحبسناه على خزيرة (١) صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد، فاجتمعوا, فقال قائل منهم: أين مالك ابن الدُّخَيشِن، أو ابن الدُّخْشُنِ؟ فقال بعضهم: ذلك منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنا نرى وجهه، ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله ﷺ : "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله". وساقه المصنف رحمه الله تعالى أيضاً بطوله في "عمل اليوم والليلة" برقم (١١٠٨) فقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله ﷺ ، وعقل مَجَّةً مَجَّها من

стр. 5995

دَلْوٍ كانت في دارهم. قال. سمعت عتبان بن مالك الأنصاريَّ، ثم أحدَ بني سالم، يقول: كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت له: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً، فقال النبي ﷺ : "أفْعَلُ إن شاء الله تعالى". فغدا عَلَيَّ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ "، فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ ، وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم. فحَبَسْنَاهُ على خَزِيرة صُنِعَ له، فسمع له أهل الدار، فثابوا حتى امتلأ البيت، فقال رجل: أين مالك بن الدخشم؟ فقال رجل منا: ذاك رجل منافق، لا يحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : "ألا تقولونه (١) يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ "، قال: أما نحن فنرى وجهه وحديثه إلى المنافقين، فقال رسول الله ﷺ أيضاً: "ألا تقولونه

стр. 5996

يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟ " قال: بلى أرى يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "لن يوافي عبد يوم القيامة، وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، إلا حرّم الله عليه النار". قال محمود: فحدثت قوماً فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ في غزوته التي تُوفي فيها مع يزيد بن معاوية، فأنكر ذلك عليّ، وقال: ما أظن أن رسول الله ﷺ قال ما قلت قَطُّ، فكَبُرَ ذلك عليّ، فجعلت لله عليّ إن سلمني الله حتى أقفل من غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك، إن وجدته حيّا، فأهللت من إيلياء بحج وعمرة حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم، فإذا عتبان بن مالك، شيخ كبير، قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فلما سلم من صلاته جئته، فسلمت عليه، وأخبرته مَنْ أنا، فحدثني كما حدثني به. (وهو أعمى) جملة في محل نصب على الحال، وهذا صريح في أنه كان أعمى، وهكذا في رواية البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب. لكن الذي ذكره جمهور أصحاب الزهري: أنه قال: "يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي". قال الحافظ ﵀: قوله: "قد أنكرت بصري" كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب، كما للمصنف -يعني البخاري- من طريق إبراهيم ابن سعد، ومعمر (١) , ولمسلم من طريق يونس، وللطبراني من طريق

стр. 5997

الزُّبَيْدي، والأوزاعي، وله من طريق أبي أويس: "لَمَّا ساء بصري"، وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جعل بصري يَكِلّ". ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت: "أصابني في بصري بعض الشيء". وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك. وقد قيل: إن رواية مالك معارضة لرواية غيره. قال الحافظ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: "إن عتبان بن مالك كان يؤم، وهو أعمى" أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبي ﷺ ، وبينه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤم قومه". وأما قوله: "وأنا ضرير البصر" أي أصابني فيه ضرّ، كقوله: "أنكرت بصري". ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد أيضاً: "لما أنكرت من بصري". وقوله في رواية مسلم: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت بلفظ: "أعمى، فأرسل". وقد جمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري" هذا اللفظ يطلق على من في بصره سوء، وإن كان يبصر بصراً ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئاً. انتهى. قال الحافظ: والأولى أن يقال: أطلق عليه عمى لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصحة. وبهذا

стр. 5998

تأتلف الروايات. والله أعلم (١). (وأنه قال لرسول الله ﷺ ) وفي رواية البخاري: أنه أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري … الحديث. وفي رواية ثابت، عن أنس، عن عتبان عند مسلم أنه بعث إلى النبي ﷺ يطلب منه ذلك. قال الحافظ ﵀. فيحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازاً، ويحتمل أن يكون أتاه مرة، وبعث إليه أخرى، إما متقاضياً، وإما مذكراً. وفي الطبراني عن طريق أبي أويس، عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي ﷺ يوم جمعة: لو أتيتني يا رسول الله. وفيه أنه أتاه يوم السبت. وظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقة، لا مجازاً. قاله في الفتح (٢). (إِنها) أي القصة (٣) (تكون الظلمة)، أي توجد؛ فـ "تكون"

стр. 5999

تامة، لا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريري في "مُلْحَتِه": وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ (والمطر، والسيل) عطف على "الظلمة"، وفي رواية البخاري ذكر الظلمة، والسيل، فقط. فقال الكرماني ﵀ في شرحه: الظلمة هل لها دخل في الرخصة، أم السيل وحده يكفي فيها؟ ثم أجاب بأنه لا دخل لها، وكذا ضرارة البصر، بل كل واحد من الثلاثة عذر كاف في ترك الجماعة، لكن عتبان جمع بين الثلاثة، بياناً لتعدد أعذاره، ليعلم أنه شديد الحرص على الجماعة، لا يتركها إلا عند كثرة الموانع. اهـ (١). (وأنا رجل ضرير البصر) قال المجد ﵀: الضرير: الذاهب البصر، جمعه أضِرَّاء. وقال ابن منظور: ورجل ضرير بَين الضَّرَارة: ذاهب البصر، والجمع أضِرَّاء، يقال: رجل ضرير البصر، وإذا أضر به المرض، يقال: رجل ضرير، وامرأة ضريرة. وفي حديث البراء: "فجاء ابن أم مكتوم يشكو ضرارته" الضرارة هنا: العمى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن المراد بقوله: "ضرير

стр. 6000

البصر" أنه أصابه فيه ضرّ، بأن حصل له الضعف، لا أنه عمي بالكلية توفيقاً بين الروايات. فتنبه. والله تعالى أعلم. (فصل يا رسول الله في بيتي مكاناً، أتخذه) بالرفع على الاستئناف، أو على أنه في محل جر صفة لـ "مكان"، وبالجزم على أنه جواب الطلب (مصلّى) بضم الميم، أي موضعاً للصلاة. وفي رواية معمر الآتية: "فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً". (فجاء رسول الله ﷺ ) وقد تقدم في رواية الطبراني من طريق أبي أويس أن السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه يوم السبت. وفي رواية معمر الآتية: أنه جاء معه أبو بكر ﵁. قال في الفتح: لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى إن في رواية الأوزاعي: "فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أويس: "ومعه أبو بكر، وعمر". ولمسلم من طريق أنس، عن عتبان: "فأتاني، ومن شاء الله من أصحابه". وللطبراني من وجه آخر عن أنس: "في نفر من أصحابه". فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر، وغيره من الصحابة، فدخلوا معه. انتهى (١).

стр. 6001

(فقال) ﷺ : (أين تحب أن أصلي لك؟) وفي الرواية الآتية (٧٣/ ١٣٢٧): "فغدا عليّ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ معه بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي ﷺ ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي لك من بيتك … " الحديث. (فأشار) عتبان ﵁ (إِلى مكان من البيت) وفي رواية معمر: "فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه" (فصلى فيه رسول الله ﷺ ) أي ركعتين أصحابه جماعةً، ففي رواية معمر الآتية (٤٦/ ٨٤٤)، "فقام رسول الله ﷺ ، فصفنا خلفه، فصلى بنا ركعتين". وفي (٧٣/ ١٣٢٧). "فقام رسول الله ﷺ ، وصففنا خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عتبان بن مالك ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (١٠/ ٧٨٨)، وفي "الكبرى" (١٠/ ٨٦٣)، عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى -وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم- كلاهما عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عنه. وفي (٤٦/ ٨٤٤)، و"الكبرى" (٤٦/ ٩١٨)، عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب، به.

стр. 6002

وفي (٧٣/ ١٣٢٧)، و"الكبرى" (١٠٧/ ١٢٥٠) عن سويد بن نصر, عن ابن المبارك، عن معمر، به. وفي "عمل اليوم والليلة" برقم (١١٠٥) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن عتبان بن مالك، ولفظه: "حدثني عتبان بن مالك أنه عمي فأرسل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: تعالَ، فَخُطَّ لي مسجدًا، فجاء رسول الله ﷺ وجاء قومه، وتغيب رجل منهم، يقال له مالك بن الدخشم. قالوا: يا رسول الله إنه وإنه؛ يقعون فيه، فقال رسول الله ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قالوا: إنما يقولها متعوذاً، قال: "والذي نفسي بيده لا يقولها أحد صدقاً، إلا حُرّمت عليه النار". و (١١٠٦) عن محمد بن علي بن ميمون الرَّقّي، عن القعنبي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، به. ولفظه عن عتبان بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخل النار"، أو "تطعمه النار"، قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه. و (١١٠٧) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن أنس، قال: حدثني محمود بن الربيع، قال: حدثنا عتبان بن مالك، فلقيت عتبان بن مالك، فحدثني به أن رسول الله ﷺ قال: "ليس أحد يشهد أن لا إله إلا الله، فتأكله النار"،

стр. 6003

أو "فتطعمه النار". قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: أكتبه، فكتبه. و (١١٠٩) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: سألت الحصين بن محمد الأنصاري عن حديث محمود؟ فصدقه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في مواضع مطولاً ومختصرًا؛ فأخرجه في "الصلاة" عن حبان بن موسى -وفيه وفي "الرقاق" عن معاذ بن أنس- وفي "الصلاة"، وفي "استتابة المرتدين" عن عبدان -ثلاثتهم عن عبد الله بن المبارك، به. وفي "الصلاة" عن إسماعيل، عن مالك- وعن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه -وفيه وفي "المغازي" عن إبراهيم بن سعد- وفيهما عن سعيد بن عفير -وفي "الأطعمة"، وفي "المغازي" أيضاً عن يحيى بن بكير كلاهما عن الليث، عن عقيل- وفي "المغازي" أيضاً عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس -خمستهم عن الزهري، عن محمود بن الربيع به. ومسلم في "الصلاة" عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس به. وعن محمد بن رافع، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري به. وفي الإيمان عن شيبان بن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة به.

стр. 6004

وعن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد به. وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد به. و"الموطأ" رقم (١٢٤)، وأحمد (٤/ ٤٣، ٤٤)، (٥/ ٤٤٩، ٤٥٠)، وابن خزيمة رقم (١٢٣٠، ١٦٥٣، ١٦٧٣، ١٦٥٤، ١٧٠٩). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده (١): منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز إمامة الأعمى. ومنها: جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من الشكوى. ومنها: بيان أنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجده ﷺ . ومنها: جواز التخلف عن الجماعة في الظلمة، والمطر، والسيل، ونحوها من الأعذار. ومنها: جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي الوارد عن إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه.

стр. 6005

ومنها: تسوية الصفوف. ومنها: أن عموم النهي المتقدم في الباب الماضي عن إمامة الزائر لمن زارهم، مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإمام الأعظم، فلا ينهى عنه، ومثله من أذن له صاحب المنزل. ومنها: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من محبة رسول الله ﷺ ، وتعظيمهم له، وتبركهم بآثاره، والصلاة في المواضع التي صلى فيها. ومنها: إجابة الفاضل دعوة المفضول. ومنها: التبرك بذكر المشيئة، حيث قال النبي ﷺ : "سأفعل إن شاء الله". ومنها: الوفاء بالوعد. ومنها: جواز استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن الداعي لا يكره ذلك. ومنها: مشروعية الاستئذان على الداعي في بيته، وإن تقدم منه طلب الحضور. ومنها: أن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته، ولو أطلق عليه اسم المسجد. ومنها: جواز اجتماع أهل المحلة على الإمام، أو العالم إذا ورد

стр. 6006

منزل بعضهم، ليستفيدوا منه. ومنها: التنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإمام على جهة النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة، وأن على الإمام أن يتثبت في ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل. ومنها: أن فيه افتقاد من غاب عن الجماعة بلا عذر، ومنها: أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد. ومنها: أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد. ومنها: مشروعية الجماعة في النوافل. ومنها: أن المأموم يسلم حين يسلم الإمام. ومنها: أن رد السلام على الإمام لا يجب. ومنها: أن العمل الذي يُبْتَغَى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا قبله الله تعالى. ومنها: أن من نَسَبَ من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه، بقرينة تقوم عنده، لا يُكَفَّر بذلك، ولا يُفَسَّق، بل يعذر بالتأويل. والله أعلم، ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في إمامة الأعمى: قال الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم

стр. 6007

في إمامة الأعمى، فقال كثير منهم: يؤم الأعمى. فممن كان يؤم وهو أعمى ابنُ عباس، وعتبان بن مالك، وقتادة. ثم أخرج بسنده حديثًا عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى. وأخرج عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه أمهم في ثوب واحد، وهو أعمى على بساط قد طبق البيت. وأخرج عن الزهري، أنه قال: كان رجال من أهل بدر أصيب أبصارهم يؤمون. وهو قول القاسم بن محمد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء ابن أبي رباح، والحسن البصري. وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقد روينا عن ابن عباس خلاف القول الأول، فأخرج عن سعيد بن جبير، أنه قال: قال ابن عباس ﵄: كيف أؤمهم، وهم يعدلوني إلى القبلة -حين عمي. وأخرج عن زياد النميري، أنه أتى أنس ابن مالك قال: قلت: ما تقول في الرجل الضرير يؤم أصحابه؟ قال: وما حاجتهم إليه؟ قال ابن المنذر ﵀: إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة. وقد روينا عن النبي ﷺ فيه حديثاً. ثم أخرج بسنده عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ -

стр. 6008

استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، يصلي بالناس. قال: وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن ابن عباس ﵄ أنه أمهم، وهو أعمى، وليس في قول أنس ابن مالك: وما حاجتهم إليه؟ نهياً عن إمامة الأعمى، فيكونَ اختلافاً. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). ونقل العلامة الشوكاني ﵀ أنه قد صرح أبو إسحاق المروزي، والغزالي بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر خشوعاً من البصير، لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات. ورجح بعضهم كون إمامة البصير أولى؛ لأنه أشد توقياً للنجاسة، والذي فهمه المارديني من نص الشافعي ﵀ أن إمامة الأعمى والبصير سواء في عدم الكراهة؛ لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن أكثر مَن جعله النبي ﷺ إماماً البصراءُ، وأما استنابته ﷺ لابن أم مكتوم ﵁ في غزاته؛ فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز. وأما إمامة عتبان ابن مالك ﵁ لقومه فلعله أيضاً لم يكن في قومه من هو في مثل حاله من البصراء. انتهى (٢).

стр. 6009

وقال في "المنهل": وإلى أولوية البصير بالإمامة ذهبت الحنفية، والحنابلة، والمالكية؛ قالوا: لأنه أقدر على اجتناب النجاسة، واستقبال القبلة باجتهاده، وهذا هو الأرجح. أما استنابته ﷺ لابن أم مكتوم، فلعدم وجود من يصلح للإمامة بالمدينة غيره إذ ذاك. ولا يرد وجود علي ﵁ في المدينة حين استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم؛ لأن علياً كان مشغولاً بالقيام بحفظ من جعله ﷺ حافظاً لهم، عن الأهل، حذراً من أن ينالهم عدوّ بمكروه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال: إنَّ إمامةَ الأعمى والبصير سواء، وإنما يرجح أحدهما على الآخر بالمرجح الذي تقدم في قول رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأقدمهم سنّاً .. " الحديث. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 6010

١١ - إِمَامَةُ الْغُلَامِ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على حكم إمامة الغلام قبل البلوغ. و"الغلام" -بضم المعجمة- الطارُّ الشاربِ، والكَهْلُ ضِدٌّ، أو من حين يولد إلى أن يَشِبّ، جمعه: أغْلِمَة، وغِلْمَة، وغِلْمَان، وهي غُلامة. قاله المجد (١). وقال الفيّومي: الغلام: الابن الصغير، وجمع القلة: غِلْمَة -بالكسر، وجمع الكثرة: غِلْمَان، ويطلق الغلام على الرجل مجازاً باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ، مجازاً باسم ما يئول إليه، وجاء في الشعر: غلامة -بالهاء- للجارية؛ كقول أوس بن غَلْفَاء الهُجَيمي، يصف فرساً (من الوافر): وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحيٌّ أَبُوهَا … يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ قال الأزهري: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكراً: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش في كلامهم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: المراد به هنا المميز الذي يعقل أحكام

стр. 6011

الصلاة، لا الصغير الذي لا تمييز عنده، فلا خلاف في عدم صحة الصلاة خلفه، فتنبه. و"الاحتلام": البلوغ، يقال: حَلَمَ الصبي، يَحْلُم، من باب قتل، واحتلم، يحتلم: إذا أدرك، وبَلَغَ مَبْلَغ الرجال، فهو حالم، ومحتلم. أفاده في "المصباح" (١). ٧٨٩ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: كَانَ يَمُرُّ عَلَيْنَا الرُّكْبَانُ، فَنَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ، فَأَتَى أَبِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَجَاءَ أَبِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا"، فَنَظَرُوا، فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ، وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (موسى بن عبد الرحمن المسروقي) الكندي، أبو عيسى

стр. 6012

الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٥٨، من كبار [١١]، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٧٤/ ٩١. ٢ - (حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرىء، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١. ٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سُنَّة، مات سنة ١٦٠ وقيل: بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١. ٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الكوفي، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٥ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني، الإمام الفقيه الحجة الثبت، مات سنة ١٣١، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٦ - (عمرو بن سَلِمَة الجرمي)، أبو بُرَيد، ويقال: يزيد، صحابي صغير نزل البصرة ﵁، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ٨/ ٦٣٦. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمرو بن سَلِمَة ﵄ أخرجه البخاري، وقد تقدم شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم (٨/ ٦٣٦) و (١٦/ ٧٦٧) مُستَوفًى، فلا حاجة إلى تطويل

стр. 6013

الكتاب بإعادته. وإنما أذكر هنا ما لم يُذكَرْ هناك، وهو ما ترجم له المصنف، من حكم إمامة الغلام قبل أن يحتلم، فأقول. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف الناس في إمامة غير البالغ؛ فقالت طائفة بظاهر حديث عمرو بن سِلمة. ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الأشعث قَدَّمَ غلاماً، فقيل له؟، فقال: إنما أقدم القرآن، وأخرج أيضاً عن عكرمة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكُتَّاب، فنقدمهم يصلون لنا شهر رمضان، ونعمل لهم القَلِيَّةَ (١)، والخَشْكُنَان (٢). قال: وممن كان يرى ذلك جائزاً، الحسن البصري، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الزهري: إن اضطروا إليه أمهم. وكرهت طائفة إمامة من لم يبلغ، كره ذلك عطاء، والشعبي، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وذكر لأحمد حديث عمرو بن سَلِمَة؟ فقال: دعه، ليس هو شيء بَين، حيث أن نقول

стр. 6014

فيه شيئاً، وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكونوا قوماً ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم. وفيه قول ثالث، وهو أن لا تجزىء الجمعة خلف الإمام الذي لم يحتلم، ويؤم في سائر الصلوات. هذا قول الشافعي آخر قوله، وكان يقول إذ هو بالعراق: ومن أجزأت إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الجُمَع، والأعياد، غير أني أكره في الجُمَع والأعياد إمامةَ غير الوالي. قال ابن المنذر ﵀: إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة، وقام بها، لدخوله في جملة قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم … "، لم يذكر بالغاً، ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله ﷺ ، أو إجماع، لا أعلم شيئاً يوجب بدفع حديث عمرو بن سَلِمَة، ويدخل في قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … " تقديم الابن على الأب إذا كان أقرأ منه (١). انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر ﵀ من جواز إمامة الصبي المميز هو المختار، لقوة دليله. وإمامة عمرو بن

стр. 6015

سلمة أوضح دليل عليه، وأما ما قيل: إنه ليس فيه اطلاع النبي ﷺ . فأجيب بأن إمامته بهم كانت في حال نزول الوحي، ولا يقع حالَه التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدل أبو سعيد الخدري، وجابر ﵄ على جواز العزل بمثل ذلك، فقالا: "كنا نعزل، والقرآن ينزل". قال العلامة الشوكاني ﵀: وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة. ورد بأن قوله: "صلوا صلاة كذا في حين كذا". يدل على أن ذلك كان في فريضة. وأيضاً قوله. "فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم". لا يحتمل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يشرع لها الأذان. ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما روي عن أحمد ابن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة، روى ذلك عنه الخطابي في المعالم. ورد بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور، قال في التقريب: صحابي صغير نزل البصرة. وقد روي ما يدل على أنه وفد على النبي ﷺ ، كما تقدم. وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا يجوز، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال

стр. 6016

جلوساً. زاد أبو داود "من ضيق الأزر". انتهى (١). والحاصل أن المذهب الراجح هو جواز إمامة الغلام المميز، لما ذكر. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 6017

١٢ - قِيَامُ النَّاسِ إِذَا رَأوُا الإِمَامَ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية قيام الناس إذا رأوا الإمام. وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء في هذه المسألة، لحديث الباب، وسيأتي تحقيقه قريباً، إن شاء الله تعالى. ٧٩٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩]، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (هُشَيم) بن بشير أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس، مات سنة ١٨٣ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٧]، وتقدم في ٨٨/ ١٠٩.

стр. 6018

٣ - (هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، مات سنة ١٥٤ عن ٧٨ سنة، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٤ - (حجاج بن أبي عثمان) الصَّوَّاف، أبو الصَّلْت، ويقال: أبو عثمان الكندي مولاهم البصري، واسم أبيه مَيْسَرة، وقيل: سالم، ثقة حافظ، مات سنة ١٤٣، من [٦]. روَى عن حميد بن أبي حميد، والحسن البصري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وعنه الحمادان، والقطان، وهشيم، وغيرهم. قال يحيى القطان: وهو فطِن، صحيح، كيس. وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي: ثقة، زاد أحمد: شيخ. وزاد الترمذي: حافظ. وقال العجلي، وأبو بكر البزار: بصري ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: كان متقناً. وقال يزيد بن زريع: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت علي بن المديني مَنْ أثبت أصحاب يحيى ابن أبي كثير؟ فقال: هشام الدستوائي. قلت: ثم من؟ قال: الأوزاعي، وحجاج بن أبي عثمان، وحسين المعلم. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال ابن خزيمة في صحيحه: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: حجاج الصواف مَتِين. قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقة حافظ. قال خليفة: مات سنة ١٤٣، أخرج له الجماعة (١).

стр. 6019

٥ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس ويرسل، مات سنة ١٣٢ على الصحيح، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤. ٦ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة ٩٥، من [٢]، تقدم في ٢٣/ ٢٤. ٧ - (أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن رِبْعِيّ بن بُلْدُمَة، وقيل: غيره، السَّلمي المدني الصحابي المشهور ﵁، مات سنة ٥٤ على الأصح، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه. وقد مضى شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم (٤٢/ ٦٨٧) مستوفىً، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن أردت الاستفادة فارجع إليه. ولنذكر هنا ما لم يتقدم له ذكره هناك، وهو ما ترجم له المصنف ﵀ هنا بقوله: "قيام الناس إذا رأوا الإمام": اعلم أنه قد اختلف أهل العلم في الوقت الذي يقوم فيه الناس حين يقام للصلاة: فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف. وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم

стр. 6020

يقوموا حتى تفرغ الإقامة. وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة". رواه ابن المنذر، وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق، عن أصحاب عبد الله. وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: "الله أكبر" وجب القيام، وإذا قال: "حي على الصلاة" عدلت الصفوف، وإذا قال: "لا إله إلا الله" كبر الإمام. وعن أبي جحيفة: يقومون إذا قال: "حي على الفلاح"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبر الإمام. وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذُكِرَ على التفصيل المذكور، قال الحافظ ﵀: وحديث الباب حجة عليهم. انتهى (١). وأخرج الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا قيل: "قد قامت الصلاة" وثب فقام. ونحوه عن حسين بن علي ﵁. قال: وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظي، وسالم ابن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعراك بن مالك، والزهري، وسليمان بن حبيب المحاربي يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة.

стр. 6021

وبه قال عطاء. وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يوقت به وقتاً، يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فيهم القوي، والضعيف. وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر القوم معه، وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في الصفوف، والإمام غائب عنهم. وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. قال ابن المنذر ﵀: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا حتى يروه، لحديث أبي قتادة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". انتهى ملخص كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه الحافظ ابن المنذر ﵀ هو الحق عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 6022

١٣ - الإِمَامُ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على الإمام الذي تعرض له الحاجة بعد الإقامة للصلاة، ولابد من التقدير، أي هل يباح له التشاغل بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والجواب أنه يجوز له ذلك. وقيد بقوله: "بعد الإقامة" لأنه قبل الإقامة يجوز بالطريق الأولى. أفاده العيني (١). وقوله: "تعرض" -بكسر الراء- مضارع عَرَضَ، أي تظهر. يقال: عَرَضَ له أمر، من باب ضرب: إذا ظهر (٢). أفاده الفيومي. تنبيه: قال الزين بن المُنَيِّرِ ﵀ عند قول البخاري رحمه الله تعالى: (باب الإمام تعرِض له الحاجة بعد الإقامة): خص المصنفُ الإمامَ بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي ﷺ ، لقوله: "والنبي ﷺ يناجي رجلاً" ولو كانت لحاجة الرجل لقال أنس: ورجل يناجي النبي ﷺ . انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا ليس بلازم، وفيه غفلة منه عما في صحيح مسلم بلفظ: "أقيمت الصلاة، فقال رجل: لي حاجة. فقام النبي ﷺ يناجيه".

стр. 6023

والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام؛ لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، ولما كانت المسألة بين الإحرام والإقامة تشمل المأموم والإمام أطلق البخاري الترجمة -يعني الترجمة التالية- ولم يقيدها بالإمام، فقال: (باب الكلام إذا أقيمت الصلاة). وأشار بذلك الردّ على من كرهه مطلقاً. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٩١ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ. رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي طوسي الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢ وله ٨٦ سنة، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسم، المعروف بابن عُلَيَّة، أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة ١٩٣ وله ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.

стр. 6024

٣ - (عبد العزيز) بن صهيب البُنَاني البصري، ثقة، مات سنة ١٣٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩. ٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٩) من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم بصريون، إلا شيخه، فطوسي -بالضم- نسبة إلى طوس، قرية من قرى بُخَارى، نزيل بغداد. ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك ﵁، وفي رواية لمسلم "سمع أنساً". أنه (قال: أقيمت الصلاة) أي صلاة العشاء، كما بينه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، ولفظه: "أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلَّوا". (ورسول الله ﷺ نجي لرجل) جملة من مبتدأ وخبر في محل

стр. 6025

نصب على الحال من "الصلاة" والرابط الواو. و"النجي": المناجي، كنديم، بمعنى منادم، ووزير بمعنى موازر. وقال السندي ﵀: "النجي": فعيل من المناجاة، أي مناج له، ولعله كان أمراً ضرورياً، أو فعل ذلك لبيان الجواز، ويؤخذ منه أن الفصل بين الإقامة والشروع لا يضر بالصلاة. انتهى (١). وقال النووي رحمه الله تعالى: "وأما قوله: نجي لرجل": فمعناه مُسَارّ له، والمناجاة: التحديث سرّاً. و"النَّجِيَ" فَعِيلٌ بمعنى فاعل، يقال: رجل نجي، ورجلان نجي، ورجال نجيَّ بلفظ واحد. قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] والله أعلم. انتهى (٢). قال الحافظ ﵀: ولم أقف على اسم هذا الرجل. وذكر بعض الشراح أنه كان كبيراً في قومه، فأراد أن يتألفه على الإسلام. ولم أقف على مستند ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون مَلكًا من الملائكة جاء بوحي من الله . ولا يخفى بعد هذا الاحتمال. اهـ (٣). (فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز: "ثم قام، فصلى" أخرجه مسلم، وهو عند البخاري في "الاستئذان".
следующие страницы →