وبه قال عطاء. وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في المسجد، وكان مالك لا يوقت به وقتاً، يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فيهم القوي، والضعيف.
وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر القوم معه، وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في الصفوف، والإمام غائب عنهم. وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.
قال ابن المنذر ﵀: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا حتى يروه، لحديث أبي قتادة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". انتهى ملخص كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه الحافظ ابن المنذر ﵀ هو الحق عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6022
١٣ - الإِمَامُ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على الإمام الذي تعرض له الحاجة بعد الإقامة للصلاة، ولابد من التقدير، أي هل يباح له التشاغل بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والجواب أنه يجوز له ذلك.
وقيد بقوله: "بعد الإقامة" لأنه قبل الإقامة يجوز بالطريق الأولى. أفاده العيني (١).
وقوله: "تعرض" -بكسر الراء- مضارع عَرَضَ، أي تظهر. يقال: عَرَضَ له أمر، من باب ضرب: إذا ظهر (٢). أفاده الفيومي.
تنبيه:
قال الزين بن المُنَيِّرِ ﵀ عند قول البخاري رحمه الله تعالى: (باب الإمام تعرِض له الحاجة بعد الإقامة): خص المصنفُ الإمامَ بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي ﷺ ، لقوله: "والنبي ﷺ يناجي رجلاً" ولو كانت لحاجة الرجل لقال أنس: ورجل يناجي النبي ﷺ . انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهذا ليس بلازم، وفيه غفلة منه عما في صحيح مسلم بلفظ: "أقيمت الصلاة، فقال رجل: لي حاجة. فقام النبي ﷺ يناجيه".
стр. 6023
والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام؛ لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، ولما كانت المسألة بين الإحرام والإقامة تشمل المأموم والإمام أطلق البخاري الترجمة -يعني الترجمة التالية- ولم يقيدها بالإمام، فقال: (باب الكلام إذا أقيمت الصلاة). وأشار بذلك الردّ على من كرهه مطلقاً. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٩١ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي طوسي الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢ وله ٨٦ سنة، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسم، المعروف بابن عُلَيَّة، أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة ١٩٣ وله ٨٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
стр. 6024
٣ - (عبد العزيز) بن صهيب البُنَاني البصري، ثقة، مات سنة ١٣٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٩) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم بصريون، إلا شيخه، فطوسي -بالضم- نسبة إلى طوس، قرية من قرى بُخَارى، نزيل بغداد.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، وفي رواية لمسلم "سمع أنساً". أنه (قال: أقيمت الصلاة) أي صلاة العشاء، كما بينه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، ولفظه: "أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلَّوا".
(ورسول الله ﷺ نجي لرجل) جملة من مبتدأ وخبر في محل
стр. 6025
نصب على الحال من "الصلاة" والرابط الواو. و"النجي": المناجي، كنديم، بمعنى منادم، ووزير بمعنى موازر.
وقال السندي ﵀: "النجي": فعيل من المناجاة، أي مناج له، ولعله كان أمراً ضرورياً، أو فعل ذلك لبيان الجواز، ويؤخذ منه أن الفصل بين الإقامة والشروع لا يضر بالصلاة. انتهى (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: "وأما قوله: نجي لرجل": فمعناه مُسَارّ له، والمناجاة: التحديث سرّاً. و"النَّجِيَ" فَعِيلٌ بمعنى فاعل، يقال: رجل نجي، ورجلان نجي، ورجال نجيَّ بلفظ واحد. قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] والله أعلم. انتهى (٢).
قال الحافظ ﵀: ولم أقف على اسم هذا الرجل. وذكر بعض الشراح أنه كان كبيراً في قومه، فأراد أن يتألفه على الإسلام. ولم أقف على مستند ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون مَلكًا من الملائكة جاء بوحي من الله . ولا يخفى بعد هذا الاحتمال. اهـ (٣).
(فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز: "ثم قام، فصلى" أخرجه مسلم، وهو عند البخاري في "الاستئذان".
стр. 6026
ووقع عند إسحاق بن راهويه في مسنده، عن ابن علية، عن عبد العزيز في هذا الحديث: "حتى نعس بعض القوم". وكذا هو عند ابن حبان من وجه آخر عن أنس. وهو يدلّ على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقاً (١).
وقد تقدم تحقيق أقوال أهل العلم في انتقاض الوضوء بالنوم وعدمه، وترجيح الراجح منها بدليله في باب الوضوء من النوم رقم (١١٦/ ١٦١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا (١٣/ ٧٩١)، وفي "الكبرى" (١٣/ ٨٦٦) بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز، عنه. وعن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى، عن حميد، عن ثابت، عنه. وفي "الاستئذان" عن محمد ابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد العزيز، عنه.
стр. 6027
ومسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وعن زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز به. وعن أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، عن حَبّان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت به.
وأبو داود فيه عن مسدد، عن عبد الوارث به. وعن حسين بن معاذ، عن عبد الأعلى، عن حميد به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.
والترمذي فيه عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عنه.
وأحمد (٣/ ١٢٩، ١٠١، ١٦٠، ٢٦٨، ١١٤، ٢٣٨، ١٦١، ٢٣٢، ٢٠٥، ١٩٩). وعبد بن حميد رقم (١٣٢٤) و (١٢٤٩).
وابن خزيمة رقم (١٥٢٧). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى؛ وهو جواز تشاغل الإمام إذا عرضت له حاجة بعدما تقام الصلاة، ومثله غير الإمام، كما تقدم قريباً.
ومنها: جواز مناجاة الاثنين لحضور الجماعة.
ومنها: جواز الفصل بين الأذان والإحرام للصلاة إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، قال الحافظ ﵀: واستدلّ به
стр. 6028
للردّ على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: "قد قامت الصلاة" وجب على الإمام التكبير. اهـ.
وقال صاحب "التلويح" ﵀: فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم، والزهري، وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة" وجب على الإمام التكبير، وقال مالك: إذا بعدت الإقامة رأيت أن تعاد الإقامة استحباباً. اهـ.
قال العلامة العيني ﵀: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يكره (١).
ومنها: أن النوم الخفيف الذي لا يستغرق لا ينقض الطهارة، وقد مرّ تحقيقه في موضعه من كتاب الطهارة كما أشرت إليه قريباً.
ومنها: جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها للحاجة. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6029
١٤ - الإِمَامُ يَذْكُرُ بَعْدَ قِيَامِهِ فِي مُصَلاَّهُ أنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الإمام الذي يتذكر كونه على غير طهارة بعد قيامه في مصلاه.
٧٩٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ، فَاغْتَسَلَ، وَنَحْنُ صُفُوفٌ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق، مات سنة ٢٥٠، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبْرَش، ثقة، مات
стр. 6030
سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزبيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، مات سنة ١٤٢، من [٧]، أخرج له الجماعة, تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، مات سنة ١٩٤ وقيل غير ذلك، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٥ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، مات سنة ١٥٧، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الحافظ الثبت، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة, تقدم في ١/ ١.
٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٨ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم
стр. 6031
ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود، وابن ماجه، وأنه مسلسل بالشاميين إلى الزهري، ومنه مدنيون.
ومنها: أن قوله: "والوليدُ" عطف على قوله: "محمد بن حرب"، فعمرو بن عثمان يروي هذا الحديث عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، وعن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، وكل من الزبيدي والأوزاعي يرويان عن الزهري، ولذا يقدر قبل قوله عن الزهري لفظ "كلاهما" كما تقدم غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة، كما تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: أقيمت الصلاة، فصف الناس صفوفهم) وفي نسخة "وصف" بالواو بدل الفاء، و"صف" يستعمل لازماً، ومتعدياً، يقال: صففتُ القومَ، فاصطفوا، وصففتهم، فصفوا هم. والمراد هنا أنهم عَدَّلُوا صفوفَهم، وفي رواية البخاري "فسوّى الناس صفوفهم".
(وخرج رسول الله ﷺ ) الرواية هنا بالواو، وفي رواية
стр. 6032
للبخاري: "فسوّى الناس صفوفهم، فخرج" بالفاء، وفي رواية له "أن رسول الله ﷺ خرج، وقد أقيمت الصلاة". وفي مستخرج أبي نعيم: "فصف الناس صفوفهم، ثم خرج علينا".
ولفظ المصنف في الرواية الآتية (٢٤/ ٨٠٩) من طريق يونس، عن ابن شهاب: "أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلت الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فأتانا رسول الله ﷺ حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، فانصرف، فقال لنا: "مكانكم"، فلم نزل قياماً ننتظره، حتى خرج إلينا، قد اغتسل، ينطف رأسه ماء، فكبر، وصلى". ونحوه لمسلم في صحيحه.
قال النووي ﵀: فقوله: "قبل أن يكبر" صريح في أنه لم يكن كبر، ودخل في الصلاة، ومثله في رواية البخاري: "وانتظرنا تكبيره". وفي رواية أبي داود: أنه كان دخل في الصلاة. فتحمل هذه الرواية على أن المراد بقوله: "دخل في الصلاة" أنه قام في مقامه للصلاة، وتهيأ للإحرام بها. ويحتمل أنهما قضيتان، وهو الأظهر.
وظاهر هذه الأحاديث أنه لما اغتسل وخرج لم يجددوا إقامة الصلاة. وهذا محمول على قرب الزمان، فإن طال فلابد من إعادة الإقامة، ويدل على قرب الزمان في هذا الحديث قوله ﷺ : "مكانكم". وقوله: "خرج إلينا، ورأسه ينطف ماء"، انتهى كلام
стр. 6033
النووي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: "فإن طال، فلابد من إعادة الإقامة". نظر؛ إذ لا دليل على ذلك، ويرده أيضاً أنهم انتظروه طويلاً حين كان يناجي رجلاً بعد الإقامة للصلاة، ثم صلى، ولم تُعَدِ الإقامة، كما تقدم تحقيقه. والله أعلم،
وقال في "الفتح": "قوله: خرج، وقد أقيمت الصلاة" يحتمل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة. ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر قوله. "فسوّى الناس صفوفهم، فخرج … " لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية لخروجه بالفاء. ويحتمل أن يجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالاً، أي خرج، والحال أن الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت.
وقال الكرماني: لفظ "قد" تقرب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حالة الإقامة، وفي حال التعديل. ويحتمل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه، أو قرينة تدلّ عليه. اهـ (٢).
قال الجامع: فإن قيل، إن حديث الباب يدلّ على أنهم انتظروه قياماً، وحديث أبي قتادة ﵁ المتقدم (١٢/ ٧٩٠): "إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني" وفي رواية. "حتى تروني
стр. 6034
خرجت". يدلّ على النهي عن انتظاره قياماً، فكيف يوفق بينهما؟
فالجواب ما ذكره في الفتح، حيث قال: يجمع بينهما بأن حديث أبي هريرة ﵁ وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم هذا كان سبب النهي عنه في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطىء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره. انتهى خلاصة ما في الفتح بتصرف (١).
(حتى إِذا قام في مصلاه ذكر أنه لم يغتسل) وفي رواية للبخاري من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب: "حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف … " وفيه أنه تذكر قبل أن يدخل في الصلاة، وأصرح منه ما تقدم في رواية يونس: "حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر، فانصرف". ولفظ مسلم: "حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر، فانصرف".
قال الجامع: فإن قيل: يعارض هذا ما أخرجه أبو داود وابن حبان عن أبي بكرة ﵁: "أن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر، فكبر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم". وأخرج مالك عن عطاء بن يسار مرسلاً: "أنه ﷺ كبر في صلاة من
стр. 6035
الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء".
أجيب: -كما قال في الفتح- بإمكان الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر" على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، كما أبداه عياض، والقرطبي احتمالاً. وتقدم أن النووي قال: إنه الأظهر. وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت، وإلا فما في الصحيح أصح.
ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام. قال. فناقض أصله، فاحتج بالمرسل، متعقبة بأن الشافعي لا يرد المراسيل مطلقاً، بل يحتج منها بما يعتضد، والأمر هنا كذلك، لحديث أبي بكرة المذكور. انتهى (١).
(فقال للناس: مكانكم) هو اسم فعل، فسره النحويون بـ "اثبتوا" فيتحمل ضميراً، ومنه قول الشاعر:
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَت … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
أي اثبتي، ويدلّ على ذلك جزم جوابه، وهو "تحمدي".
وفسره الزمخشري بـ "الزموا". واعترض عليه أبو حيان بأنه ليس بجيد، إذ لو كان كذلك لتعدى كما يتعدى ما ناب هذا عنه، فإن اسم الفعل يعامل معاملة مسماه. وقال الحوفي. "مكانكم" نصب بإضمار
стр. 6036
فعل، أي الزموا مكانكم، أو اثبتوا. وقال السمين الحلبي: إن من فسر بذلك قصد تفسير المعنى (١).
ثم إن الظاهر أنه قال لهم "مكانكم" نطقاً، ويحتمل أنه أشار إليهم بذلك، كما صرح به في حديث أبي بكرة ﵁ المذكور، ففيه إطلاق القول على الإشارة، ويحتمل أنه جمع بين القول والإشارة. والله أعلم.
(ثم رجع إِلى بيته، فخرج علينا، ينطف رأسه) بكسر الطاء، وضمها؛ لغتان مشهورتان: أي يقطر. وفي رواية للبخاري من طريق محمد بن يوسف، عن الأوزاعي: "ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم". وعند الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، فقال: "إني كنت جنباً، فنسيت أن أغتسل".
تنبيه:
وقع في نسخة "الكبرى" هنا "ينظف رأسه" بالظاء المعجمة بدل الطاء المهملة، من التنظيف، والظاهر أنه تصحيف، وقد وقع على الصواب برقم (٢٤/ ٨٨٣). والله تعالى أعلم.
(فاغتسل، ونحن صفوف) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "اغتسل"، والرابط الواو.
стр. 6037
قال الجامع عفا الله عنه: فائدة قوله: "فاغتسل … " إلخ بيان أنهم لم يتركوا محل صفوفهم، ولم يغيروا هيئتهم. وفي رواية البخاري عن طريق صالح بن كيسان، عن الزهري: "فمكثنا على هيئتنا". يعني أنهم امتثلوا أمره في قوله: "مكانكم" فاستمروا على الكيفية التي تركهم عليها، وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٤/ ٧٩٢)، وفي "الكبرى" (١٤/ ٨٦٧) عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن حرب، عن الزُّبَيْدِيّ -وعن عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي-، وفي (٢٤/ ٨٠٩)، و"الكبرى" (٢٤/ ٨٨٣) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس - ثلاثهم عن الزهري، عن أبي سلمة، عن. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن إسحاق الكوسج، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، به.
стр. 6038
ومسلم فيه عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، به. وعن إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم به. مختصراً: "أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه".
وأبو داود في الطهارة عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم به. وفي الصلاة عن محمود بن خالد، وداود بن رشيد، كلاهما عن الوليد بن مسلم نحو حديث إبراهيم بن موسى. وأحمد جـ ٢ ص ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٥٩، ٢٨٣ , ٥١٨، ٤٤٨، وابن خزيمة رقم (١٦٢٨). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو أن الإمام إذا تذكر بعد القيام للصلاة أنه على غير طهارة يُنتَظَر حتى يَتَطَهَّرَ، ويرَجِعَ.
ومنها. جواز النسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمر العبادة لأجل التشريع.
ومنها: طهارة الماء المستعمل.
ومنها: جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ إذ قوله: "فصلى" ظاهر في أن الإقامة لم تُعَدْ.
ومنها: أنه لا حياء في أمر الدين.
ومنها: جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قياماً عند الضرورة، وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة ﵁.
стр. 6039
ومنها: أنه لا يجب على من احتلم في المسجد، فأراد الخروج منه أن يتيمم، خلافًا لمن قال ذلك.
ومنها: جواز الكلام بين الإقامة والصلاة.
ومنها: جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
ومنها: العناية بإقامة الصفوف.
ومنها: شدة عناية الصحابة ﵃ بامتثال أمره ﷺ ، حيث انتظروه قياماً. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس، وهو جنب:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس وهو جنب؛ فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون، فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة، ولم يعد مَنْ خلفه صلاتهم. وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر.
فأخرج بسنده عن الشَّرِيدِ الثقفي: أن عمر بن الخطاب صلى بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجُرُف، فذهب يغتسل، فرأى في فخذيه احتلاماً، فقال: ما أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل، ثم أعاد الصلاة.
وأخرج أيضاً عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب
стр. 6040
بين مكة والمدينة، فصلى بنا، ثم انصرف، فرأى في ثوبه احتلاماً، فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نعد صلاتنا.
وأخرج أيضاً عن محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق أن عثمان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كبرت، والله كبرت، والله أجنبت، ولا أعلم، فاغتسل، وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.
وأخرج أيضاً عن الحارث الأعور، عن علي، قال: إذا صلى الجنب بالقوم، فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل، ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا.
وأخرج أيضاً عن سالم بن عمد الله: أن ابن عمر ﵄ صلى بأصحابه صلاة العصر، وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد أصحابه.
وهو قول النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وبه قال مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، والمزني، وحكي ذلك عن عبيد الله بن الحسن.
وقالت طائفة: يعيد ويعيدون، وممن روي عنه هذا القول علي بن أبي طالب خلاف الرواية الأولى، وبالروايتين جميعاً مقال (١). وهو
стр. 6041
قول ابن سيرين، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والثوري: أحب إلينا أن يعيد، ويعيدون. وقال النعمان، وأصحابه: يعيد ويعيدون.
وفيه قول ثالث، قاله عطاء: إن صلى إمام قوم غير متوضىء، فذكر حين فرغ، قال: يعيد ويعيدون، فإن لم يذكر حتى فاتت الصلاة فإنه يعيد هو، ولا يعيدون. قيل له: فصلى بهم جنباً، فلم يعلموا، ولم يعلم حتى فاتت تلك الصلاة، قال: فليعيدوا، فليست الجنابة كالوضوء.
واختلف على مالك، والشافعي في الإمام تعمد أن يصلي بهم، وهو جنب، فكان مالك يقول: صلاة القوم فاسدة. وكان الشافعي يقول: عمد الإمام ونسيانه سواء، ولا إعادة على القوم، إلا أن الإمام يأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ومن حجة بعض من رأى أن لا إعادة على من صلى خلف جنب خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة رضي الله تعالى عنهما، قال: وفي خبر أبي بكرة أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك دليل على أن لا إعادة على المأموم؛ لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلى خلف جنب، قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبي ﷺ حديث لكان فيما روي عن الخلفاء الراشدين في هذا الباب كفاية، وقد ثبت عن ابن عمر مثل قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي ﷺ خلاف قولهم.
стр. 6042
فأما ما حُدِّثَ عن علي ففي الإسنادين جميعاً مقال، فكأن علياً لم يأتنا عنه في هذا الباب شيء لضعف الروايتين، وتضادهما، واللازم لمن يرى اتباع أصحاب رسول الله ﷺ أن لا يخالف ما رويناه عن عمر، وعثمان، وابن عمر ﵃ في هذا الباب، والنظر مع ذلك دالّ على ذلك؛ لأن القوم لما صَلَّوْا كما أمروا، وأدوا فرضهم، ثم اختلف في وجوب الإعادة عليهم لم يجز أن يُلْزَموا إعادة ما صلوا على ظاهر ما أمروا له بغير حجة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن المنذر رحمه الله تعالى من ترجيح مذهب من يقول: إن من صلى خلف جنب أو نحوه لا إعادة عليه، هو الصواب عندي لقوة دليله، كما حققه رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقد رأيت للحافظ المحقق أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه "التمهيد" بحثاً نفيساً يتعلق بحديث الباب من بيان أقوال العلماء في هذه المسألة، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طول، لما فيه من الفوائد الشريفة، والتحقيقات المنيفة:
قال رحمه الله تعالى بعد ذكره أحاديث الباب بطرقها المختلفة:
أما مالك ﵀، فإنه أدخل هذا الحديث في موطئه في باب
стр. 6043
إعادة الجنب غسله إذا صلى، ولم يذكر، يعني حاله أنه كان جنباً حين صلى، والذي يجيء عندي على مذهب مالك من القول في هذا الحديث أنه لم يرد ﵀ إلا الإعلام أن الجنب إذا صلى ناسياً قبل أن يغتسل، ثم ذكر كان عليه أن يغتسل، ويعيد ما صلى وهو جنب، وأن نسيانه لجنابته لا يسقط عنه الإعادة، وإن خرج الوقت؛ لأنه غير متطهر، والله لا يقبل صلاة بغير طهور، لا من ناسٍ، ولا من متعمد، وهذا أصل مجمع عليه في الصلاة أن النسيان لا يسقط فرضها الواجب فيها، ثم أردف مالك حديثه المذكور في هذا الباب بفعل عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وهو جنب ناسياً، ثم ذكر بعد أن صلى، فاغتسل، وأعاد صلاته، ولم يعد أحد ممن خلفه، فمن فعل عمر ﵁ أخذ مالك مذهبه في القوم يصلون خلف الإمام الجنب، لا من الحديث المذكور. والله أعلم.
وأما الشافعي فإنه احتج بهذا الحديث في جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، وجعله دليلاً على صحة ذلك، وأردفه بفعل عمر في جماعة الصحابة من غير نكير، ومما جاء عن علي ﵁ في الإمام يصلي بالقوم، وهو على غير وضوء أنه يعيد، ولا يعيدون، ثم قال الشافعي: وهذا هو المفهوم من مذاهب الإسلام والسنن، لأن الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلب مما يظهر لهم أن مسلماً لا يصلي على غير طهارة، ولم يكلفوا علم ما يغيب عنهم.
стр. 6044
قال أبو عمر ﵀: أما قول الشافعي: إنّ الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلبَ مما يظهر لهم، ولم يكلفوا علم ما غاب عنهم من حال إمامهم، فقول صحيح، إلا أن استدلاله بحديث هذا الباب على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، هو خارج على مذهبه في أحد قوليه الذي يجيز فيه إحرام المأموم قبل إمامه، وليس ذلك على مالك؛ لأن النبي ﷺ إذ كبر -وهو جنب- ثم ذكر حاله، فأشار إلى أصحابه أن امكثوا، وانصرف، فاغتسل، لا يخلو أمره إذ رجع من أحد ثلاثة وجوه:
إما أن يكون بنى على التكبيرة التي كبرها، وهو جنب، وبنى القوم معه على تكبيرهم، فإن كان هذا، فهو منسوخ بالسنة والإجماع، فأما السنة فقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". فكيف يبني على ما صلى، وهو غير طاهر، هذا لا يظنه ذو لب، ولا يقوله أحد؛ لأن علماء المسلمين مجمعون على أن الإمام لا يبني على شيء عمله في صلاته، وهو على غير طهارته، وإنما اختلفوا في بناء المحدث على ما صلى، وهو طاهر قبل حدثه في صلاته.
والوجه الثاني: أن يكون رسول الله ﷺ حين انصرف بعد غسله، استأنف صلاته، واستأنفها أصحابه معه بإحرام جديد، وأبطلوا إحرامهم معه، وقد كان لهم أن يعتدوا به لو استخلف لهم من يتم بهم، فهذا الوجه، وإن صح في مذهب مالك من وجه، فإنه يبطل الاستدلال به من هذا الحديث على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب؛ لأنهم
стр. 6045
إذا استأنفوا إحرامهم، فلم يصلوا وراء جنب، بل قد يَسْتَدِلّ بمثل هذا -لو صح- من أبطل صلاتهم خلفه، وهو خلاف قول مالك.
والوجه الثالث: أن يكون النبي ﷺ كبر محرماً مستأنفاً لصلاته، وبنى القوم خلفه على ما مضى من إحرامهم، فهذا أيضاً، وإن كان فيه النكتة المجيزة لصلاة الأموم خلف الإمام الجنب لاستجزائهم واعتدادهم بإحرامهم خلفه، لو صح، فإن ذلك أيضاً لا يخرج على مذهب مالك من الحديث؛ لأنه حينئذ يكون إحرام القوم في تلك الصلاة قبل إحرام إمامهم فيها، وهذا غير جائز عند مالك وأصحابه.
لا يحتمل الحديث غير هذه الأوجه، ولا يخلو من أحدها، فلذلك قلنا: إن الاستدلال بحديث هذا الباب على جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب ليس بصحيح على مذهب مالك، فتدبر ذلك تجده كذلك إن شاء الله.
وأما الشافعي فيصح الاستدلال بهذا الحديث على أصله؛ لأن صلاة القوم عنده غير مرتبطة بصلاة إمامهم؛ لأن الإمام قد تبطل صلاته إذا كان على طهارة، وتصح صلاة من خلفه، وقد تبطل صلاة المأموم، وتصح صلاة الإمام بوجوه أيضاً كثيرة، فلهذا لم يكن عنده صلاتهما مرتبطة، ولا يضر عنده اختلاف نياتهما؛ لأن كلاً يحرم لنفسه، ويصلي لنفسه، ولا يحمل فرضاً عن صاحبه، فجائز عنده أن يحرم المأموم قبل إمامه، وإن كان لا يستحب له ذلك، وله على هذا دلائل قد
стр. 6046
ذكرها هو وأصحابه في كتبهم.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعى من عدم ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه صحة وفساداً، ومن جواز تقدم إحرام المأموم على إحرام الإمام هو الراجح عندي، لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا، فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم، وعليهم". رواه البخاري. وحديث أبي بكرة ﵁ المتقدم، حيث إن النبي ﷺ دخل في صلاة الفجر، ثم أمرهم بالانتظار، فذهب، واغتسل، ثم جاء، فصلى بهم؛ لأن الظاهر أنهم أحرموا قبل ذهابه للاغتسال، ومعلوم أنه ما صلى بإحرامه الأول، وإنما أنشأ إحراماً جديداً. والله أعلم.
قال أبو عمر ﵀: وأما اختلاف الفقهاء في القوم يصلون خلف إمام ناسٍ لجنابته، فقال مالك، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي: لا إعادة عليهم، وإنما الإعادة عليه وحده، إذا علم اغتسل، وصلى كل صلاة صلاها وهو على غير طهارة. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي على اختلاف عنه. وعليه أكثر العلماء، وحسبك بحديث عمر في ذلك؛ فإنه صلى بجماعة من الصحابة صلاة الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجُرُف، فوجد في ثوبه احتلاماً، فغسله، واغتسل، وأعاد صلاته وحده، ولم يأمرهم بإعادة. وهذا في جماعتهم من غير نكير.
стр. 6047
وقد روي عن عمر أنه أفتى بذلك، رواه شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمر في جنب صلى بقوم، قال: يعيد، ولا يعيدون. قال: شعبة: وقال حماد: أعجب إليّ أن يعيدوا.
وقال أبو بكر الأثرم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي في الجنب يصلي بالقوم، قال: يعيد، ويعيدون.
قال: وسمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: حدثنا هشيم، عن خالد بن مسلمة، قال: أخبرني محمد بن عمرو بن المصطلق، أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما أصبح، وارتفع النهار، فإذا هو بأثر الجنابة، فقال: كبرت والله، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.
وسمعت أبا عبد الله يقول: يعيد ولا يعيدون. وسألت سليمان بن حرب فقال: إذا صح لنا عن عمر شيء اتبعناه، يعيد ولا يعيدون. وذكر عن الحسن، وإبراهيم، وسعيد بن جبير مثله، وهو قول إسحاق، وداود، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليهم الإعادة؛ لأن صلاتهم مرتبطة بصلاة إمامهم، فإذا لم تكن له صلاة لم تكن لهم. وروي إيجاب الإعادة على من صلى خلف جنب، أو غير متوضىء عن علي بن أبي طالب من حديث عبد الرزاق، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن علي. وهو منقطع، وفيه عن عمر خبر ضعيف، لا يصح. وهو قول الشعبي، وحماد بن أبي سليمان.
стр. 6048
وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل إذا صلى إمام بقوم، وهو على غير وضوء، ثم ذكر قبل أن يتم، فإنه يعيد ويعيدون، ويبتدئون الصلاة، فإن لم يذكر حتى يفرغ من صلاته أعاد وحده، ولم يعيدوا.
واختلف مالك، والشافعي -والمسألة بحالها- في الإمام يتمادى في صلاته ذاكراً لجنابته، أو ذاكراً أنه على غير وضوء، أو مبتدئاً صلاته كذلك، وهو مع ذلك معروف بالإسلام.
فقال مالك وأصحابه: إذا علم الإمام بأنه على غير طهارة، وتمادى في صلاته عامداً بطلت صلاة من خلفه؛ لأنه أفسد عليهم.
وقال الشافعي: صلاة القوم جائزة تامة، ولا إعادة عليهم؛ لأنهم لم يكلفوا علم ما غاب عنهم، وقد صلوا خلف رجل مسلم في علمهم. وبهذا قال جمهور فقهاء الأمصار، وأهل الحديث، وإليه ذهب ابن نافع صاحب مالك. ومن حجة من قال بهذا القول أنه لا فرق بين عمد الإمام ونسيانه في ذلك؛ لأنهم لم يكلفوا علم الغيب في حاله، فحالهم في ذلك واحدة، وإنما تفسد صلاتهم إذا علموا بأن إمامهم على غير طهارة، فتمادوا خلفه، فيكونون حينئذ المفسدين على أنفسهم، وأما هو فغير مفسد عليهم بما لا يظهر من حاله إليهم، لكن حاله في نفسه تختلف، فيأتم في عمده إن تمادى بهم، ولا إثم عليه إن لم يعلم ذلك، وسها عنه.
قال أبو عمر: قد أوضحنا -والحمد لله- القول بأن حديث هذا
стр. 6049
الباب لا يصح الاحتجاج به في جواز صلاة من صلى خلف إمام على غير طهارة على مذهب مالك، وأن أصل مذهبه في هذه المسألة فعل عمر ﵁ في جماعة الصحابة لم ينكره عليه، ولا خالفه فيه واحد منهم، وقد كانوا يخالفونه في أقل من هذا مما يحتمل التأويل، فكيف بمثل هذا الأصل الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمهم ذلك لعمر، وإجماعهم عليه ما تسكن القلوب في ذلك إليه؛ لأنهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فيستحيل عليهم إضافة إقرار ما لا يرضونه إليهم.
وأما الشافعي فإنه جعل حديث هذا الباب أصلاً في جواز صلاة القوم خلف الإمام الجنب، وأردفه بفعل عمر، وفتوى علي.
والذي تحصل عليه مذهب مالك عند أصحابه في هذا الباب في إمام أحرم بقوم، فذكر أنه جنب، أو على غير وضوء أنه يخرج، ويقدم رجلاً، فإن خرج، ولم يقدم أحداً قدموا لأنفسهم من يتم لهم صلاتهم، فإن لم يفعلوا، وصلوا أفذاذاً أجزأتهم صلاتهم، فإن انتظروه، ولم يقدموا أحداً لم تفسد صلاتهم.
وقال يحيى بن يحيى، عن ابن نافع: إذا انصرف، ولم يقدم، وأشار إليهم أن امكثوا كان حقّاً عليهم أن لا يقدموا أحداً حتى يرجع، فيتم بهم.
قال أبو عمر ﵀: أما قول من قال من أصحاب مالك: إن
стр. 6050
القوم في هذه المسألة ينتظرون إمامهم حتى يرجع، فيتم بهم، فليس بشيء، وإنما وجهه حتى يرجع، فيبتدىء بهم، لا يتم بهم على أصل مالك؛ لأن إحرام الإمام لا يجتزأ به بإجماع من العلماء؛ لأنه فعله على غير طهارة، وذلك باطل، وإذا لم يجتزىء به استأنف إحرامه إذا انصرف، وإذا استأنفه لزمهم مثل ذلك عند مالك، ليكون إحرامهم بعد إحرام إمامهم، وإلا فصلاتهم فاسدة، لقوله ﷺ في الإمام: "إذا كبر، فكبروا". هذا هو عندي في تحصيل مذهبه. وبالله التوفيق.
وأما الشافعي فإنه جعل هذا الحديث أصلاً في ترك الاستخلاف، فقال: الاختيار عندي إذا أحدث الإمام حدثاً لا تجوز له معه الصلاة من رعاف، أو انتقاض وضوء، أو غيره أن يصلي القوم فرادى، وألا يقدموا أحداً، فإذ قدموا، أو قدم الإمام رجلاً منهم، فأتم بهم ما بقي من صلاتهم أجزأتهم صلاتهم، وكذلك لو أحدث الإمام الثاني، والثالث، والرابع.
قال الشافعي ﵀: ولو أن إماماً كبر، وقرأ، وركع، أو لم يركع حتى ذكر أنه على غير طهارة، فكان مخرجه، ووضوءه، أو غسله قريباً، فلا بأس أن يقف الناس في صلاتهم حتى يتوضأ، ويرجع، فيستأنف، ويتمون هم لأنفسهم، كما فعل رسول الله ﷺ حين ذكر أنه جنب، فانتظره القوم، فاستأنف لنفسه؛ لأنه لا يعتد بتكبيرة كبرها، وهو جنب، فيتم القوم لأنفسهم؛ لأنهم لو أتموا لأنفسهم حين خرج
стр. 6051
عنهم إمامهم أجزأتهم صلاتهم، وجائز عنده أن يقطعوا صلاتهم، إذا رابهم شيء من إمامهم، فيتمون لأنفسهم على حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ ﵃.
قال: وإن كان خروج الإمام يتباعد، أو طهارته تثقل، صلوا لأنفسهم. قال: ولو أشار إليهم أن ينتظروا، أو كلمهم بذلك كلاماً جاز ذلك؛ لأنه في غير صلاة، فإن انتظروه، وكان قريباً، فحسن، وإن خالفوه، فصلوا لأنفسهم فرادى، أو قدموا غيره أجزأتهم صلاتهم. قال: والاختيار عندي للمأمومين إذا فسدت على الإمام صلاته أن يبنوا فرادى. قال: وأحب إليّ أن لا ينتظروه، وليس أحد في هذا كرسول الله ﷺ ، فإن فعلوا، فصلاتهم جائزة على ما وصفنا.
قال: فلو أن إماماً صلى ركعة، ثم ذكر أنه جنب، فخرج، فاغتسل، وانتظره القوم، فرجع، فبنى على الركعة، فسدت عليه وعليهم صلاتهم؛ لأنهم يأتمون به عالمين أن صلاته فاسدة، فليس له أن يبني على ركعة صلاها جنباً. قال: ولو علم بعضهم، ولم يعلم بعض، فسدت صلاة من علم ذلك.
قال أبو عمر: من أجاز انتظار القوم للإمام إذا أحدث احتج بحديث هذا الباب، وفيه ما ذكرنا، واحتج أيضاً بما حدثناه محمد بن عبد الله ابن حكم، قال: حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال:
стр. 6052
حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس، فأهوى بيده، فأصاب فرجه، فأشار إليهم أن كما كنتم، فخرج، فتوضأ، ثم رجع إليهم، فأعاد". فاحتج بهذين الخبرين وما كان مثلهما من كره الاستخلاف من العلماء.
وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، يُسأل عن رجل أحدث وهو يصلي أيستخلف، أم يقول لهم: يبتدءون، وهو كيف يصنع؟ فقال: أما أنا فيعجبني أن يتوضأ، ويستقبل. قيل له: فهم كيف يصنعون؟ فقال: أما هم ففيه اختلاف. قال أبو بكر: ومذهب أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- ﵀ أن لا يبني في الحدث، سمعته يقول. الحدث أشد، والرعاف أسهل.
وقد تابع الشافعيَّ ﵀ على ترك الاستخلاف داودُ بن علي، وأصحابُه، فقالوا: إذا أحدث الإمام في صلاته صلى القوم أفراداً، وأما أهل الكوفة، وأكثر أهل المدينة، فكلهم يقول بالاستخلاف لمن نابه شيء في صلاته، فإن جهل الإمام، ولم يستخلف تقدمهم واحد منهم بإذنهم، أو بغير إذنهم، وأتم بهم، وذلك عندهم عمل مستفيض. والله أعلم.
إلا أن أبا حنيفة ﵀ إنما يرى الاستخلاف لمن أحرم، وهو طاهر، ثم أحدث، ولا يرى لإمام جنب، أو على غير وضوء إذا ذكر ذلك في صلاته أن يستخلف، وليس عنده في هذه المسألة موضع
стр. 6053
للاستخلاف؛ لأن القوم عنده في غير صلاة كإمامهم سواء على ما ذكرناه من أصله في ذلك.
قال أبو عمر ﵀: لا يتبين عندي حجة من كره الاستخلاف استدلالاً بحديث هذا الباب؛ لأن رسول الله ﷺ ليس في الاستخلاف كغيره، ولا يجوز أن يتقدم أحد بين يديه إلا بإذنه، وقد قال لهم رسول الله ﷺ : "مكانكم" فلزمهم أن ينتظروه. هذا لو صح أنه تركهم في صلاة، فكيف وقد قيل: إنهم استأنفوا معه، فلو صح هذا لبطلت النكتة التي منها نزع من كره الاستخلاف.
وقد أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم، والصلاة أعظم الدين. وفي حديث سهل بن سعد ﵁ دلالة على جواز الاستخلاف لتأخر أبي بكر ﵁، وتقدم النبي ﷺ في تلك الصلاة. والله أعلم. وحسبك ما مضى عليه عمل من ذلك الناس.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز الاستخلاف هو الصواب عندي، لقوة دليله. والله تعالى أعلم.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: قد نزع قوم في جواز بناء المحدث على ما صلى قبل أن يحدث إذا توضأ -بهذا الحديث، ولا وجه لما نزعوا به في ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ لم يبن على تكبيره لما بينّا قبلُ في هذا الباب، ولو بنى ما كان فيه حجة أيضاً، لإجماعهم على أن ذلك غير
стр. 6054
جائز اليوم لأحد، وأنه منسوخ بأن ما عمله المرء من صلاته، وهو على غير طهارة لا يعتد به، إذ لا صلاة إلا بطهور.
واتفق مالك والشافعي على أن من أحدث في صلاته لم يبن على ما مضى له منها، ويستأنفها إذا توضأ، وكذلك اتفقا على أنه لا يبني أحد في القيء، كما لا يبني في شيء من الأحداث. واختلفا في بناء الراعف، فقال الشافعي في القديم يبني الراعف، وانصرف عن ذلك في الجديد.
وقال مالك: إذا رعف في أول صلاته، ولم يدرك ركعة بسجدتها، فلا يبني، ولكنه ينصرف، فيغسل عنه الدم، ويرجع، فيعيد الإقامة، والتكبير، والقراءة، ولا يبني عنه إلا من أدرك ركعة كاملة من صلاته، فإذا كان ذلك، ثم رعف، خرج، فغسل الدم عنه، وبنى على ما مضى، وصلى حيث شاء، إلا في الجمعة، فإنه لا يبني فيها إذا أدرك ركعة منها، ثم رعف إلا في المسجد الجامع، وإذا كان الراعف إماماً، فلا يعود إماماً في تلك الصلاة أبداً، ولا يتم صلاته إلا مأموماً، أو فذّاً. هذا تحصيل مذهبه عند جميع أصحابه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه التفاريق المذكورة في جواز البناء وعدمه تحتاج إلى دليل يستند إليه، فما هو؟ والله تعالى أعلم.
قال أبو عمر ﵀: وقد روي عنه أنه قال: لولا أني أكره خلاف من مضى ما رأيت أن يبني الراعف، ورأيت أن يتكلم، ويستأنف، قال: وهو أحب إليّ. وقد روي عنه أنه قال: إن الفذ لا
стр. 6055
يبني في الرعاف.
وأما الشافعي ﵀ فقال: لا يبني الراعف إذا استدبر القبلة لغسل الدم عنه، وكل من استدبر القبلة عنده -وهو عالم بأنه في صلاة- لم يجز له البناء، وكان عليه الاستئناف أبداً، والذي يسهو، فيسلم من ركعتين، ويخرج، وهو يظن أنه قد أكمل صلاته، وأنه ليس في صلاة، فإن هذا يبني عنده ما لم يتكلم، أو يحدث، أو يطول أمره على حديث ذي اليدين ﵁.
وقول ابن شبرمة في هذا كقول مالك، والشافعي، لا يبني أحد في الحدث، ولكنه ينصرف، فيتوضأ، ويستقبل، وإن كان إماماً استخلف.
وقال الأوزاعي ﵀: إن كان حدثه من قيء، أو ريح توضأ، واستقبل، وإن كان من رعاف توضأ وبنى، وكذلك الدم غير الرعاف، والرعاف عنده حدث ينقض الوضوء.
وقال الثوري ﵀: إذا كان حدثه من رعاف أو قيء توضأ وبنى، وإن كان حدثه من بول، أو ريح، أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة.
وقال ابن شهاب ﵀: القيء والرعاف سواء، يتوضأ، ثم يتم على ما بقي من صلاته ما لم يتكلم. وقد روي عن ابن شهاب في الإمام يرى بثوبه دماً، أو رعف، أو يجد حدثاً أنه ينصرف، ويقول
стр. 6056
للقوم: أتموا صلاتكم، ويصلي كل إنسان لنفسه. رواه الزبيدي عنه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وابن أبي ليلى: يبني في الأحداث كلها إذا سبقته في الصلاة، والقيء، والرعاف عند أبي حنيفة وأصحابه حدث كسائر الأحداث، وهو قول جمهور سلف أهل العراق ينقض الرعاف، والقيء، وكل ما خرج من الجسد من دم، أو نجاسة -عندهم الطهارة كسائر الأحداث، قياساً عند أبي حنيفة وأصحابه على المستحاضة؛ لأنهم أثبتوا أن رسول الله ﷺ أمرها بالوضوء لكل صلاة. فالراعف عندهم ينصرف، فيتوضأ، ويبني على ما صلى على حسب ما ذكرنا من أصلهم في بناء المحدث، وهم يقولون: إن الراعف لو أحدث بعد انصرافه توضأ، واستأنف، ولم يبن، وإنما يبني عندهم من أحدث في الصلاة، وحسبك بمثل هذا ضعفاً في النظر، ولا يصح به خبر، والحجج للفرق في هذا الباب تطول جداً، وتكثر، وفي بعضها تشعيب، وإنما ذكرنا هاهنا ما للعلماء في تأويل حديث الباب من المذاهب، وأصول الأحكام. والحمد لله.
والحجة عندنا أن لا وضوء على الرعاف والقيء: أن المتوضىء بإجماع لا ينتقض وضوءه باختلاف، إلا أن يكون هناك سنة يجب المصير إليها، وهي معدومة هاهنا. وبالله توفيقنا. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن عبد البر
стр. 6057
رحمه الله من عدم وجوب الوضوء للرعاف ونحوه -هو الراجح عندي لعدم الدليل عليه.
وأما مسألة البناء المذكورة فالراجح عندي قول من قال بوجوب الاستئناف، وعدم جواز البناء؛ لأنه لا دليل على الجواز. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ امْضِهْ، ثُمَّ مَشَى أَبُو بَكْرٍ الْقَهْقَرَى عَلَى عَقِبَيْهِ، فَتَأَخَّرَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَقَدَّمَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ، إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَضَيْتَ؟ "، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: "إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدم قريباً (٧/ ٧٨٤) سنداً، ومتناً، وتقدم شرحه، والمسائل المتعلقة به مستوفى هناك، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته، غير أنه لابد من توضيح بعض الأشياء التي تحتاج إلى توضيح:
ففي إسناده راويان لم يتقدم ذكرهما هناك، وهما:
١ - (أحمد بن عَبْدَةَ) بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، مات سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٣/ ٣.
٢ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٩ وله ٨١ سنة، من كبار [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣.
стр. 6060
تنبيه: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (٥٠) من رباعيات الكتاب.
وقوله: (ثم ذكر كلمة) إلخ، القائل "ثم ذكر": هو أحمد بن عبدة شيخ المصنف، والذاكر هو حماد بن زيد، وإنما لم يقل: "حدثنا" لكونه نسي الصيغة التي عبر بها شيخه حماد.
وقوله: (يَشُقّ الناسَ) أي يخرق صفوفهم، وإنما فعل ذلك، إما لأنه يجوز ذلك للإمام، أو لأنه رأى فرجة في الصف الأول. كذا قيل.
قال الجامع عفا الله عنه: والأول أليق بحال الصحابة من شدة عنايتهم بتعديل الصفوف، وسد الفرج، فلا يتركون في الصف الأول فرجة. والله أعلم.
وقوله: (لا يُمْسَكُ عنه) بالبناء للمفعول، أي لا يُكَفّ عنه، يعني أنهم لا يتركون التصفيق، بل يصفقون إعلاماً له بحضور رسول الله ﷺ .
وقوله: (فأومأ) بالهمز، أي أشار بالمضي في الصلاة مكانه.
وقوله: (امضه) فعل أمر، من مضى، كرَمَى، يقال: مَضَيْتُ على الأمر، أمْضِي، مُضِيّاً: داومتُه. والهاء للسكت، كما قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":