للقوم: أتموا صلاتكم، ويصلي كل إنسان لنفسه. رواه الزبيدي عنه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وابن أبي ليلى: يبني في الأحداث كلها إذا سبقته في الصلاة، والقيء، والرعاف عند أبي حنيفة وأصحابه حدث كسائر الأحداث، وهو قول جمهور سلف أهل العراق ينقض الرعاف، والقيء، وكل ما خرج من الجسد من دم، أو نجاسة -عندهم الطهارة كسائر الأحداث، قياساً عند أبي حنيفة وأصحابه على المستحاضة؛ لأنهم أثبتوا أن رسول الله ﷺ أمرها بالوضوء لكل صلاة. فالراعف عندهم ينصرف، فيتوضأ، ويبني على ما صلى على حسب ما ذكرنا من أصلهم في بناء المحدث، وهم يقولون: إن الراعف لو أحدث بعد انصرافه توضأ، واستأنف، ولم يبن، وإنما يبني عندهم من أحدث في الصلاة، وحسبك بمثل هذا ضعفاً في النظر، ولا يصح به خبر، والحجج للفرق في هذا الباب تطول جداً، وتكثر، وفي بعضها تشعيب، وإنما ذكرنا هاهنا ما للعلماء في تأويل حديث الباب من المذاهب، وأصول الأحكام. والحمد لله.
والحجة عندنا أن لا وضوء على الرعاف والقيء: أن المتوضىء بإجماع لا ينتقض وضوءه باختلاف، إلا أن يكون هناك سنة يجب المصير إليها، وهي معدومة هاهنا. وبالله توفيقنا. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن عبد البر
стр. 6057
رحمه الله من عدم وجوب الوضوء للرعاف ونحوه -هو الراجح عندي لعدم الدليل عليه.
وأما مسألة البناء المذكورة فالراجح عندي قول من قال بوجوب الاستئناف، وعدم جواز البناء؛ لأنه لا دليل على الجواز. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ امْضِهْ، ثُمَّ مَشَى أَبُو بَكْرٍ الْقَهْقَرَى عَلَى عَقِبَيْهِ، فَتَأَخَّرَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَقَدَّمَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ، إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَضَيْتَ؟ "، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: "إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدم قريباً (٧/ ٧٨٤) سنداً، ومتناً، وتقدم شرحه، والمسائل المتعلقة به مستوفى هناك، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته، غير أنه لابد من توضيح بعض الأشياء التي تحتاج إلى توضيح:
ففي إسناده راويان لم يتقدم ذكرهما هناك، وهما:
١ - (أحمد بن عَبْدَةَ) بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، مات سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٣/ ٣.
٢ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٩ وله ٨١ سنة، من كبار [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣.
стр. 6060
تنبيه: هذا السند من رباعيات المصنف، وهو (٥٠) من رباعيات الكتاب.
وقوله: (ثم ذكر كلمة) إلخ، القائل "ثم ذكر": هو أحمد بن عبدة شيخ المصنف، والذاكر هو حماد بن زيد، وإنما لم يقل: "حدثنا" لكونه نسي الصيغة التي عبر بها شيخه حماد.
وقوله: (يَشُقّ الناسَ) أي يخرق صفوفهم، وإنما فعل ذلك، إما لأنه يجوز ذلك للإمام، أو لأنه رأى فرجة في الصف الأول. كذا قيل.
قال الجامع عفا الله عنه: والأول أليق بحال الصحابة من شدة عنايتهم بتعديل الصفوف، وسد الفرج، فلا يتركون في الصف الأول فرجة. والله أعلم.
وقوله: (لا يُمْسَكُ عنه) بالبناء للمفعول، أي لا يُكَفّ عنه، يعني أنهم لا يتركون التصفيق، بل يصفقون إعلاماً له بحضور رسول الله ﷺ .
وقوله: (فأومأ) بالهمز، أي أشار بالمضي في الصلاة مكانه.
وقوله: (امضه) فعل أمر، من مضى، كرَمَى، يقال: مَضَيْتُ على الأمر، أمْضِي، مُضِيّاً: داومتُه. والهاء للسكت، كما قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
стр. 6061
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُع … بِحَذْف آخِرٍ كَأعْطِ مَنْ سَأَلْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَعِ أوْ … كَيَعِ مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6062
١٦ - الائْتِمَامُ بالإمَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب متابعة الإمام في أفعال الصلاة.
٧٩٤ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَقَطَ مِنْ فَرَسٍ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، يَعُودُونَهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ، فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا" رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (هَنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة -١٠ - ت ٢٤٣ - أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (ابن عيينه) سفيان الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة من [٨]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت، من [٤]، مات سنة ١٢٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
стр. 6063
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٥١) عن رباعيات الكتاب.
منها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري إلا في خلق أفعال العباد.
ومنها: أن فيه أنساً ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، وفي رواية للبخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري (أن رسول الله) وفي نسخة "نبي الله" ( ﷺ سقط من فرس) بالبناء للفاعل، أي وقع على الأرض عن ظهر فرس ركبها، يقال: سقط، سقوطاً: وقع من أعلى إلى أسفل، ويتعدّى بالألف، فيقال: أسقطته (١).
والفرس: يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر. فُرَيس، والأنثى: فُريسة، على القياس، وجمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خيل، وعلى لفظها؛ فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث (٢).
стр. 6064
وفي الرواية الآتية (٤٠/ ٨٣٢) من طريق مالك عن ابن شهاب: "ركب فرساً، فصرع عنه، فجُحش شقه الأيمن … " فقوله: "فصرع" بالبناء للمفعول، أي سقط عن ظهر الفرس. قال في المحكم: الصَّرْع: الطَّرْح بالأرض. وقوله: "فجحش" بالبناء للمفعول أيضاً، أي قُشِر جلده، وخُدِشَ. وذكر بعضهم أن الجحش أكبر من الخدش. وفي رواية للبخاري "فخدش"، أو "فجحش". وهذا يقتضي فرقاً بينهما، إلا أن يكون شكاً من الراوي في اللفظ المقول.
وقال القاضي عياض: قد يكون ما أصاب رسول الله ﷺ من ذلك السقوط رَضّاً في الأعضاء، وتوجع، فلذلك منعه القيام في الصلاة. انتهى (١).
(على شقه الأيمن) متعلق بـ "سقط"، و"الشق" بكسر الشين المعجمة: الجانب. وفي رواية للشيخين من طريق الليث عن الزهري الاقتصار على قوله: "فجحش". وفي رواية للبخاري عن ابن عيينة، قال: حفظت "شقه الأيمن" فلما خرجنا من عند الزهري قال ابن جريج: "فجحش ساقه الأيمن". انتهى.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: وقوله: "فجحش ساقه الأيمن" لا ينافي قوله في الرواية المشهورة: "شقه الأيمن"؛ لأن الجحش لم
стр. 6065
يستوعب الشقَّ، وإنما كان في بعضه، وقد تبين بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق. وفي سنن أبي داود، وغيره عن جابر ﵁: "ركب رسول الله ﷺ فرساً بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه … " الحديث. فيحتمل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس: لا مانع من حصول فك القدم، وقشر الجلد معاً، ويحتمل أنهما واقعتان. اهـ. كلام ولي الدين ﵀ (١).
(فدخلوا عليه) أي دخل الصحابة ﵃ على النبي ﷺ (يعودونه) أي يزورونه، يقال: عُدتُ المريض، عِيَادَةً: زُرتُه، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدة، وجمعها عُوَّد، بغير ألف. قاله الأزهري (٢). والجملة في محل نصب على الحال من الواو في "دخلوا".
(فحضرت الصلاة)، وفي رواية مالك الآتية: "فصلى صلاة من الصلوات". قال في الفتح: قال القرطبي ﵀: اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرض؛ لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها، بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلاً. وتعقب لأن في رواية جابر ﵁ عند أبي داود الجزم بأنها فرض.
стр. 6066
قال الجامع عفا الله عنه: لفظ أبي داود في سننه: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ركب رسول الله ﷺ فرساً بالمدينة، فصرعه على جِذْم نَخْلَة، فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة ﵂ يسبح جالساً، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما قضى الصلاة، قال: "إذا صلى الإمام جالساً، فصلوا جلوساً، وإذا صلى قائماً، فصلوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها" انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صريح في أنهم دخلوا يعودونه مرتين، ففي المرة الأولى صلوا وراءه نافلة قياماً، وهو جالس، وفي المرة الثانية صلوا وراءه فريضة قياماً، فأشار عليهم بالجلوس، فدل على اختلاف الحكم بين الفريضة والنافلة، وأن تلك الصلاة التي أمرهم بالجلوس فيها كانت فريضة.
قال الحافظ ﵀: لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس "فصلى بنا يومئذ"، فكأنها نهارية؛ الظهر، أو العصر. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: في استدلال الحافظ على أنها نهارية بقوله: "يومئذ" بُعْد، لأن "يومئذ" في مثل هذا لمطلق الوقت، لا
стр. 6067
لخصوص النهار. فتدبر. والله أعلم.
تنبيه:
تبين من قوله: "في مشربة لعائشة" أن ذلك لم يكن في المسجد، وإنما كان في بيته، وكأنه لم يستطع الخروج لعذره، ولا يمكن التقدم عليه، فصلى بهم، وصلى الناس وراءه في منزله،
قال القاضي عياض ﵀. والظاهر أن مَن في المسجد صلى بصلاته، لكون منزله في المسجد، قال: وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك، قال: وقد روي هذا عن مالك، وحمله شيوخنا على تفسير ما وقع له من الكراهية مجملاً، وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبراً، وهو ضد ما وضعت له الصلاة من التواضع، والسكينة. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وهذه الصورة إن صح فيها أن أهل المسجد صلوا مقتدين بالنبي ﷺ ليست من صور المنع عند مالك وأبي حنيفة، لأنهما يقولان: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت الصلاة بالذين أسفل، وإلا فلا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر:
قوله: "فصلينا وراءه قعوداً"، ظاهره يخالف حديث عائشة
стр. 6068
رضي الله عنها، فإن فيه: "وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا". والجمع بينهما أن في رواية أنس هذا اختصاراً، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. وفي رواية للبخاري من رواية حميد، عن أنس ﵁: "فصلى بهم جالساً، وهم قيام، فلما سلم، قال: إنما جعل الإمام … " وفيها اختصار أيضاً؛ لأنه لم يذكر فيه قوله لهم: "اجلسوا". والجمع بينهما أنهم ابتدؤوا الصلاة قياماً، فأومأ إليهم أن يقعدوا، فقعدوا، فنقل كل من الزهري، وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر عند مسلم.
وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس ﵁، وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة ﵂. وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه ﷺ ؛ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بعد؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرناه من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلخ. لأنهم قد امتثلوا أمره السابق، وصلوا قعوداً, لكونه قاعداً. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال بتعدد الواقعة لا بُعْدَ فيه؛
стр. 6069
لاحتمال أن يكون الذين صلوا معه في واقعة غير الذين صلوا معه في أخرى. فتأمل. والله تعالى أعلم.
(فلما قضى الصلاة قال: إِنما جعل الإِمام) في رواية المصنف هنا اختصار يبينه ما يأتي من رواية مالك، ولفظه: "فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به … ".
فقول: "إنما جعل الإمام" ببناء "جُعِلَ" للمفعول، وهو: بمعنى صيّر يتعدى إلى مفعولين، فـ "الإمام" بالرفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وحذف المفعول الثاني، أي إنما جعل الإمام إماماً.
قال العلامة الشوكاني ﵀: لفظ "إنما" من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط. ونقله أبو حيان عن البصريين. وفي كلام الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ ما يقتضي نقل الاتفاق على إفادتها للحصر.
والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث، ولا ينافي غيرها قياساً عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما
стр. 6070
لا يطلع عليه المأموم، كالنية، فلا يضر الاختلاف فيها، فلا يصح الاستدلال به على من جوز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك.
وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه ﷺ بقوله: "فلا تختلفوا". وأجيب بأنه ﷺ قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال: "فإذا كبر، فكبروا" إلخ. ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياساً، كما تقدم.
وقد يَسْتَدِلُّ بالحديث أيضاً القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام إذا بان جنباً، أو محدثاً، أو عليه نجاسة خفية، وبذلك صرح أصحاب الشافعي بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتم الاطلاع عليها. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي أن الاختلاف المنهي عنه مقصور على الأشياء المذكورة في الحديث، فلا يُلحق بها غيرها قياساً عليها. والله تعالى أعلم.
وقال في الفتح: قال البيضاوي، وغيره: الائتمام: الاقتداء،
стр. 6071
والاتباع، أي جعل الإمام إماماً ليُقتَدَى به، ويُتَّبَعَ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال.
وقال النووي وغيره: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نبه عليها في الحديث، فذكر الركوع، وغيره، بخلاف النية، فإنها لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر. وكأنه يعني قصة معاذ الآتية (٤١/ ٨٣٥).
قال الحافظ ﵀: ويمكن أن يستدلّ من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله، لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثاً، أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطاً في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام.
واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام، والقيام من التشهد الأول، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فعل مثل فعل إمامه عُدَّ ممتثلاً. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحنفية مخالف لصريح الحديث الذي يوجب تأخر فعل المأموم عن فعل الإمام كما سيأتي تحقيقه، إن
стр. 6072
شاء الله تعالى. والله أعلم.
(ليؤتم به) أي ليقتدى به على الوجه المشروع، فقوله: "فإذا ركع، فاركعوا" إلخ، بيان للوجه المشروع الذي يطلب الاقتداء فيه.
(فإذا ركع، فاركعوا) جزم ابن بطال وابن دقيق العيد وغيرهم بأن الفاء فيه للتعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام.
واعترض عليهم بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام، إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة. لكن رواية أبي داود "لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد" صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة. والله أعلم (١).
وقال العلامة العيني ﵀: فإن قلت: الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة، والفاء التي هنا للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام.
قلت: وظيفة الشرط التقدم على الجزاء، مع أن رواية أبي داود تصرح بانتفاء التقدم، والمقارنة، ولا اعتبار لقول من يقول: إن الجزاء
стр. 6073
يكون مع الشرط. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالتعقيب هنا هو الترتيب بدون مهلة، فما قاله الأولون من إفادة الفاء له هو الصواب، وأما الاعتراض بأن الفاء لا تفيد الترتيب إلا إذا كانت للعطف - غير صحيح، فقد نقل محمد الأمير في حاشيته على "مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاري جـ ١ ص ١٣٩ عن العلامة الرضي أن الفاء تفيد الترتيب سواء كانت حرف عطف, أو لا. انتهى.
ويؤيد هذا المعنى رواية أبي داود المذكورة، فإنها صريحة في وجوب كون أفعال المأموم بعد أفعال الإمام، بأن يقع كل فعل من أفعاله عقب كل فعل من أفعاله بلا تراخ. فتبصر، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" في شرح حديث عائشة ﵂: قوله: "فإذا ركع، فاركعوا" قال ابن المُنَير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع. قال: وحديث أنس أتم من حديث عائشة؛ لأنه زاد فيه المتابعة في القول أيضاً.
قال الحافظ ﵀: قد وقعت الزيادة المذكورة، وهي قوله: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده"، في حديث عائشة أيضاً. ووقع في رواية الليث عن الزهري، عن أنس زيادة أخرى في الأقوال، وهي قوله في أوله: "فإذا كبر، فكبروا". وكذا من رواية الأعرج، عن أبي هريرة.
стр. 6074
وزاد في رواية عبدة، عن هشام: "وإذا رفع، فارفعوا، وإذا سجد، فاسجدوا". وهو يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وجميع السجدات. وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس في حديث الباب. وقد وافق عائشة، وأنساً، وجابراً على رواية هذا الحديث دون القصة التي في أوله أبو هريرة، وله طرق عند مسلم:
منها: ما اتفق عليه الشيخان من رواية همام عنه، وفيه جميع ما ذكر في حديث عائشة، وحديث أنس بالزيادة، وزاد أيضاً بعد قوله: "ليؤتم به": "فلا تختلفوا عليه". ولم يذكرها البخاري في رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عنه من طريق شعيب، عن أبي الزناد، لكن ذكرها السرَّاج، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في المستخرج عنه من طريق أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وأبو عوانة من رواية بشر بن شعيب، عن أبيه شيخ أبي اليمان، ومسلم من رواية مغيرة بن عبد الرحمن، والإسماعيلي من رواية مالك وورقاء، كلهم عن أبي الزناد شيخ شعيب.
وأفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يعم جميع المأمومين، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتباع بعض دون بعض.
ولمسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عنه: "لا تبادروا الإمام؛ إذا كبر، فكبروا … " الحديث. زاد أبو داود من رواية مصعب ابن محمد، عن أبي صالح: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا
стр. 6075
حتى يسجد". وهي زيادة حسنة، تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: "إذا كبر، فكبروا". انتهى (١).
(وإِذا رفع فارفعوا) يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، كما تقدم قريباً.
(وإِذا سجد فاسجدوا) قال العلامة الشوكاني ﵀: في شرح حديث أبي هريرة ﵁ عند قوله: "فإذا كبر فكبروا" ما حاصله:
فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه، وكذلك الركوع، والرفع منه، والسجود، ويدل على ذلك أيضاً قوله في الرواية الثانية: "ولا تكبروا، ولا تركعوا، ولا تسجدوا". وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي.
وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب، أو الندب، والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها. انتهى (٢).
قال الجامع: ما قاله الشوكاني من كون الأمر للوجوب هو الذي رجحه الصنعاني في عدته جـ ٢ ص ٢٤١، وهو الراجح عندي، فيحرم على المأموم مسابقة إمامه، أو مقارنته؛ لأن النهي الصريح المتقدم في
стр. 6076
رواية أبي داود للتحريم. والله تعالى أعلم.
(وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) هكذا الرواية هنا، وفي الكبرى بدون واو، وفي (٢٢/ ١٠٦١) "فقولوا: ربنا ولك الحمد" بالواو.
قال في "الفتح": قوله: "قولوا: ربنا ولك الحمد". كذا لجميع الرواة في حديث عائشة ﵂ بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس ﵄، إلا في رواية الليث، عن الزهري، فللكشميهني بحذف الواو. ورجح إثبات الواو بأن فيها معنىً زائداً؛ لكونها عاطفة على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك، ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معاً. ورجح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد. وقال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح. انتهى (١).
وقال العلامة الصنعاني ﵀: وجزم بعضهم بأنها زائدة، لا عاطفة، قال: وجزم به ابن القيم في كتابه الصغير في الصلاة. وقال في الهدي: لا ينبغي أن تهمل زيادة الواو، فإنها تُصَيّر الكلام جملتين. انتهى (٢).
стр. 6077
قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما قاله النووي رحمه الله تعالى هو الأرجح؛ إذ لا مرجح من جهة النقل، فتبصر. والله تعالى أعلم.
وسيأتي تمام القول في هذه المسألة، وفي زيادة "اللهم" قبلها. في [باب قوله: ربنا ولك الحمد] برقم (٢٣/ ١٠٦٣، ١٠٦٤) إن شاء الله تعالى.
ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده"، وأن المأموم يقتصر على قوله: "ربنا ولك الحمد". قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول: "ربنا ولك الحمد" عقب قول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، فأما منع الإمام من قول: "ربنا ولك الحمد" فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 6078
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٦/ ٧٩٤)، و"الكبرى" (١٦/ ٨٦٩) عن هناد بن السري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عنه. و (٤٠/ ٨٣٢)، و"الكبرى" (٤٠/ ٩٠٦) عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري به. و (٢٢/ ١٠٦١) بسند الباب. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه البخاري عن علي بن عبد الله -وعن أبي نعيم- كلاهما عن ابن عيينة به. وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وعن قتيبة، عن الليث بن سعد -وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة- كلاهما عن ابن شهاب به.
ومسلم عن ابن أبي عمر، عن معن بن عيسى، عن مالك، به. وعن يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبي كريب، كلهم عن ابن عيينة به. وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب به. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث بن سعد به. وعن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به.
стр. 6079
وأبو داود عن القعنبي، عن مالك به. والترمذي عن قتيبة، عن الليث به. وابن ماجه عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة به.
مالك في "الموطأ" ص ١٠٣، والدارمي رقم (١٢٥٩)، (١٣١٦)، والحميدي رقم (١١٨٩)، وأحمد جـ ٣ ص ١١٠، ١٦٢ مطولاً ومختصراً، وعبد بن حميد رقم (١١٦١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو وجوب متابعة الإمام فى أفعال الصلاة، أي كون أفعاله عقب أفعاله بدون تراخ.
ومنها: مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي ﷺ في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة.
ومنها: أنه يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام، ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعةً، ومنصبه جلالةً.
ومنها: مشروعية عيادة من سقط عن مركوبه، فحصل له بذلك ضرر.
ومنها: ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: أنه يجوز للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكن الأفضل له الاستخلاف.
قال الشافعي ﵁: وإنما اخترت أن يوكل الإمام إذا مرض
стр. 6080
رجلاً صحيحاً، يصلي بالناس قائماً؛ لأن مرض رسول الله ﷺ كان أياماً كثيرة، وإنا لم نعلمه صلى بالناس جالساً في مرضه إلا مرة واحدة، لم يصل بهم بعدها علمته حتى لقي الله ، فدلّ ذلك على أن التوكيل بهم، والصلاة قاعداً جائزان عنده مَعًا، وكان ما صلى بهم غيره بأمره أكثر من ذلك. انتهى.
ومراد الشافعي بكونه ﵊ لم يصل بالناس جالساً في مرضه إلا مرة مرض موته، فإنه قد صلى بهم في غير مرض الموت غير مرة، وهو جالس، وهم جلوس، كما دلت عليه الأحاديث، وكذا ذكر الحنابلة أنه يستحب الاستخلاف عند العجز عن القيام، وعللوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فنخرج من الخلاف، وبأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ﵊ فعل ذلك لبيان الجواز، واستخلف في الأكثر، وبأن الاقتداء بالنبي ﷺ قاعداً أفضل من الاقتداء بغيره قائماً. انتهى (١).
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6081
١٧ - الائْتِمَامُ بِمَنْ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم الاقتداء بأفعال من يقتدي بالإمام.
وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى بنحو ترجمة المصنف هذه، حيث قال في "صحيحه":
(باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم): قال في "الفتح": قال ابن بطال: هذا موافق لقول مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤم بعضها بعضاً، خلافًا للجمهور. قال الحافظ: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط، كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنوي؛ لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى.
فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمله الإمام. وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق، والثاني وصله ابن أبي شيبة.
ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدّالة على أن المراد بقوله: "ويأتم الناس بأبي بكر" أنه في مقام المبلغ، ثم ثَنّى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها
стр. 6082
بظاهر هذا الحديث المعلق -يعني حديث أبي سعيد المذكور هنا- فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي، ويرى أن قوله في الرواية الأولى: "ويسمع الناس التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به؛ لأن إسماعه لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه، وليس فيه نفي لغيره، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داود المذكور، ووكيع جميعاً عن الأعمش بهذا الإسناد، قال فيه: "والناس يأتمون بأبي بكر، وأبو بكر يسمعهم". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: والظاهر أن المصنف يرى أن معنى ائتمام المأموم بمن يأتم بالإمام هو أن يكون مبلغاً عنه يُسمِع الناسَ تكبيره، حيث إنه أورد أخيراً حديث جابر ﵁ الذي هو صريح في توضيح معنى حديث أبي سعيد، وحديث عائشة ﵄، فإنه قال: "فإذا كبر رسول الله ﷺ ، كبر أبو بكر يسمعنا". والله تعالى أعلم.
٧٩٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: "تَقَدَّمُوا، فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ ".
стр. 6083
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٠، أخرج له الترمذي، والنسائي، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٨١، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (جعفر بن حَيَّان) السعدي، أبو الأشهب العطاردي البصري الخزاز الأعمى، مشهور بكنيته، ثقة، من [٦].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، صدوق. وقال أبو حاتم، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من سلاّم بن مسكين. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: كان حماد بن زيد يقول: لم يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. قال الحافظ: وقد وقع في صحيح البخاري في تفسير سورة النجم: حدثنا مسلم، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو الجوزاء … فذكر حديثاً، فالله أعلم. وذكر أبو عمرو الداني في طبقات القراء أنه قرأ على أبي رجاء العطاردي. قال الأصمعي
стр. 6084
عن أبي الأشهب: ولدت عام الجُفْرَة (١) سنة ٧٠ أو ٧١. وقال البخاري عن محمد بن محبوب: مات في آخر يوم من شعبان سنة ١٦٥ (٢). أخرج له الجماعة.
٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي العَوَقي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، مات سنة ١٠٨ أو ١٠٩، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢١/ ٥٣٨.
٥ - (أبو سعيد) الخدري سعد بن مالك صحابي ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة إلا شيخه؛ فممن انفرد هو والترمذي به، وأن شيخه وعبد الله مروزيان، وجعفر وأبو نضرة بصريان، وأبو سعيد مدني، وأن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة؛ روى ١١٧٠ حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أن النبي ﷺ رأى في
стр. 6085
أصحابه) متعلق بـ "رأى"، والظاهر أن المراد بعضهم، و"رأى" بصرية، فلذا تعدت إلى واحد، وهو قوله (تأخراً)؛ أي عن الصف الأول. ولعلهم سمعوا قوله ﷺ : "ليليني منكم أولو الأحلام، والنُّهَى"، فرأوا في أنفسهم قصوراً عن هذه المرتبة، فتأخروا (فقال) لهم (تقدموا) أي إلى الصف الأول (فأتموا بي) أي اقتدوا بي في أفعال الصلاة، (وليأتم بكم من بعدكم) "من" موصولة في محل نصب مفعول "يأتم"، والظرف صلتها. أي ليقتد بكم الصف الذي يليكم.
قال السندي ﵀: والخطاب لأهل الصف الأول، أو من بعدكم من أتباع الصحابة، والخطاب للصحابة مطلقاً. انتهى (١).
وقال في الفتح: وظاهره يدل لمذهب الشعبي. وأجاب النووي ﵀ بأن معنى: "وليأتم بكم مَن بعدكم". أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه، ولا يسمعه على مبلغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعاً للإمام. وقيل: معناه تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا. انتهى (٢).
(ولا يزال قوم يتأخرون) أي عن الصفوف الأُوَلِ (حتى
стр. 6086
يؤخرهم الله أي عن رحمته، وعظيم فضله، ورفع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك. قاله النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٧/ ٧٩٥)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٨٧٠) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن جعفر بن حيان، عن أبي نضرة، عنه. وفي (١٧/ ٧٩٦)، وفي "الكبرى" (١٧/ ٨٧١) عن سويد، عن ابن المبارك، عن سعيد الجُريري، عن أبي نضرة به. نحوه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فَرُّوخ، عن جعفر بن حيان به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن عبد الله الرقاشي، عن بشر بن منصور، عن الجريري به. وأبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل -ومحمد بن عبد الله الخزاعي- كلاهما عن جعفر بن حيان به. وابن ماجه
стр. 6087
فيه عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة - كلهم عن جعفر ابن حيّان به. وأحمد (٣/ ١٩، ٣٤، ٥٤)، وعبد بن حميد رقم (٨٧٤)، وابن خزيمة رقم (١٥٦٠) و (١٦١٢). والله تعالى أعلم.
تنبيه:
أورد البخاري ﵀ في "صحيحه" حديث أبي سعيد هذا معلقاً بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن النبي ﷺ : "ائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم".
قال في "الفتح": قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض؛ لأن أبا نضرة ليس على شرطه؛ لضعف فيه.
قال الحافظ: وهذا ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحاً للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضاً، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح. انتهى (١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٩٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ
стр. 6088
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، نَحْوَهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا سند آخر لحديث أبي سعيد ﵁، وهو نفس السند السابق، إلا أن شيخ عبد الله بن المبارك هنا الجريري، وهو: سعيد بن إياس، أبو مسعود الجُرَيري -بضم الجيم- البصري، ثقة، إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة ١٤٤، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٦٧٢.
وإنما قال: "نحوه"، ولم يقل: "مثله" للاختلاف في ألفاظه؛ لأن المشهور عند المحدثين أنه إذا اتحد الروايتان في اللفظ يقال: "مثله"، وإذا اتحدا في المعنى دون اللفظ يقال: "نحوه"، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح":
الْحَاكِمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنى … وَمِثْلَهُ بِاللَّفظِ فَرْقٌ يُعْنَى
وقد تقدم ذكر هذه القاعدة غير مرة، وإنما أعدته إيضاحاً، وتذكيراً.
وقد ساق ابن خزيمة ﵀ في صحيحه لفظ الجريري من طريق القاسم بن مالك المزني، عنه، قال: دخل رسول الله ﷺ ، فرأى ناساً في مؤخر المسجد، فقال: "ما يؤخركم؟ لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ، تقدموا، فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم". انتهى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 6089
٧٩٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَصَلَّى قَاعِدًا، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة ٢٣٩ من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود البصري، ثقة حافظ، غلط في أحاديث، مات سنة ٢٠٤ من [٩]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١١/ ٣٤٣.
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت البصري، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
стр. 6090
٤ - (موسى بن أبي عائشة) الهَمْدَاني مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، وكان يرسل، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة إلا شيخه؛ فما أخرج له أبو داود.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ موسى، عن عبيد الله.
ومنها: أن فيه أحد الفقهاء السبعة من التابعين؛ عبيد الله بن عبد الله.
ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة من الصحابة، روت ٢٢١٠ أحاديث.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الصحيح في العنعنة إن
стр. 6091
صدرت من غير مدلس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر) الصديق ﵁ (أن يصلي بالناس) وذلك في مرض موته، فالحديث مختصر من حديث عائشة ﵂ الطويل، وسيأتي بتمامه في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً" (٤٠/ ٨٣٢)، ويأتي تمام شرحه هناك، إن شاء الله تعالى.
(قالت عائشة) ﵂ (وكان النبي ﷺ بين يدي أبي بكر) أي يصلي إماماً له، وللناس، فلا ينافي ما يأتي أنه جلس عن يسار أبي بكر ﵁ (فصلى قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالناس) أي مبلغاً لهم تكبيره (والناس خلف أبي بكر) وفي الرواية الآتية (٤٠/ ٨٣٣) "فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي أبو بكر برسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁".
وفيه أن أبا بكر مبلغ، وهو الذي أراده المصنف ﵀ بقوله في الترجمة "الائتمام بمن يأتم بالإمام". والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. وسيأتي تمام شرحه، والمسائل المتعلقة به (٤٠/ ٨٣٣، ٨٣٤) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 6092
٧٩٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِى ابْنَ يَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُنَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن فضالة بن إِبراهيم) النسائي، أبو قُدَيد، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤١، من [١١].
روى عن عبد الرزاق، وسليمان بن داود الهاشمي، ومحمد بن المبارك الصوري، ويزيد بن هارون، وأبي حذيفة الصنعاني، واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الكريم، ويقال: محمد بن عبيد الله، وسريج ابن النعمان، وأبي معمر المنقري، وأبي اليمان، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وغيرهم. وروى عنه النسائي، وأبو حاتم، وقال: صالح، وابن أبي عاصم، وأبو علي الحسن بن يزداد، والحسن بن سفيان. قال النسائي: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وأرخ وفاته سنة ٢٤١ (١). انفرد به المصنف.
стр. 6093
٢ - (يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميمي الحنظلي، أبو زكريا النيسابوري، ثقة ثبت إمام؛ من [١٠]. قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان ثقة، وزيادة، وأثنى عليه خيراً. وقال أبو داود، عن أحمد: خرج من خراسان رجلان، ابن المبارك، ويحيى بن يحيى. وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه، قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهدى، قال: ومات يوم مات، وهو إمام لأهل الدنيا.
وقال الحسن بن سفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، قلنا: ريحانة أهل خراسان، عن ريحانة أهل العراق. قال محمد بن أسلم الطوسي: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: عمن أكتب؟ قال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى بن يحيى أصله من مرو، وهو من بني تميم من أنفسهم، وكان ثقة، يرجع إلى زهد وصلاح. وقال أحمد بن سيار. يحيى بن يحيى من موالي بني منقر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خيّراً فاضلاً صائناً لنفسه.
وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال مرة أخرى: ثقة مأمون، مات في آخر صفر سنة ٢٢٦، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من سادات أهل زمانه علماً وديناً وفضلاً
стр. 6094
ونسكاً وإتقاناً. وقال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي سمعت أبا الطيب المكفوف، يقول: ولد يحيى بن يحيى سنة ١٤٢، قال: وسألت أبا أحمد الفراء عن وفاته، فقال: ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول. قال الحاكم: وكل من خالف هذا القول يخطىء، والمكتوب على اللوح في قبره خطأ، قرأت في اللوح أنه مات سنة ٢٢٤، وقال محمد بن موسى الباشاني: مات سنة خمس، وكلا القولين خطأ.
وقال الفراء: أخبرني زكرياء بن يحيى، قال: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوباً واحداً منه، ورد الباقي. وطول الحاكم في "تاريخه" ترجمته، وقسم الرواة عنه إلى خمس طبقات، ومن آخرهم داود بن الحسين البيهقي، وإبراهيم بن علي الذهلي. وروى فيها عن أحمد بن حنبل، قال: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إماماً؟ قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه.
وعن الأثرم قال: ذكر أبو عبد الله يحيى بن يحيى، فقال: بخ بخ بخ، ثم ذكر قتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلا أن يحيى شيء آخر، وقدمه عليه. وقال الفراء: قال أحمد: قراءة يحيى بن يحيى على مالك أحب إليّ من سماع غيره.
وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات
стр. 6095
إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله تعالى. قال يحيى: وما رأيت محدّثاً أورع منه، ولا أحسن بياناً. وقال الحسين بن منصور: سمعت عبد الله بن طاهر يقول: شك يحيى بن يحيى عندنا بين (١).
وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إماماً، وقدوة، ونوراً، وضوءاً للإسلام. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قرأ عليه إسحاق بن إبراهيم، عن مشايخه أحاديث، ثم انتهى إلى حديث يحيى بن يحيى، فقال: ثنا يحيى بن يحيى، وهو من أوثق من حدثتكم اليوم عنه. وقال: سمعت الذهلي يقول: لو شئت لقلت هو أسن (٢) المحدثين في الصدق، وكان ثبتاً.
وقال أبو أحمد الفراء: سمعت عامة مشايخنا يقولون: لو أن رجلاً جاء إلى يحيى بن يحيى عامداً ليتعلم من شمائله كان ينبغي له أن يفعل. وقال المستملي: قال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن نصر المروزي، وقيل له: من أدركت من المشايخ على سنن رسول الله ﷺ ؟ فقال له: ما أدركت أحداً إلا أن يكون يحيى بن يحيى. أخرج له البخاري، ومسلم،