← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

ففي رواية مسلم: "فأخذ بيدي من وراء ظهره، يَعْدِلُنِي كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن" … الحديث. واستُدِلّ به على أن مثل هذا العمل لا يفسد الصلاة. (فأقامني عن يمينه) فيه بيان أن موقف المأموم الواحد يكون عن يمين الإمام مساوياً له. ففي رواية مخرمة، عن كريب، عن ابن عباس: "فقمت إلى جنبه" وظاهره المساواة. ورَوَى عبدُ الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس نحوًا من هذه القصة. وعن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصفّ معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم. وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: دخلت على عمر ابن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حِذَاءه عن يمينه. قاله في "الفتح" (١). وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه، وأخرجه المصنف ﵀ مطولاً ومختصراً في مواضع،

стр. 6162

فقد تقدم في (١/ ٢١٥) و (٢/ ٣٠)، وتقدم تخريجه هناك. ويأتي مطولاً (٢/ ٢١٨)، (٣/ ٢١٠) وسنتكلم أيضاً في تخريجه هناك إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6163

٢٣ - مَنْ يَلِي الإِمَاءَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على الذين ينبغي أن يكونوا وراء الإمام، ثم الذين ينبغي أن يكونوا وراءهم. ٨٠٧ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: "لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (هنّاد بن السَّرِيّ) أبو السَّرِيّ الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٤٣، من [١٠]، أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، ومسلم

стр. 6164

والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، مات سنة ١٩٥، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة وَرِعٌ، لكنه يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (عمارة بن عُمَيْر) التميمي الكوفي، ثقة ثبت، مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٩/ ٦٠٨. ٥ - (أبو مَعْمَر) عبد الله بن سَخْبَرَة (١) الأزدي الكوفي، ثقة، من [٢]. وثقه ابن معين. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث، توفي في ولاية عبيد الله بن زياد. أخرج له الجماعة. ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، البدري، الصحابي المشهور ﵁، مات قبل الأربعين، أخرج له

стр. 6165

الجماعة، تقدم في ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا) "المناكب": جمع مَنكِب، وهو كما في "المصباح": مُجْتَمَع رأس العَضُد، والكَتِف. أي يضع يده على مناكبنا حتى لا نتقدم، ولا نتأخر (في الصلاة) أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا لصفوف، عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّدُ ذلك. (ويقول) أي في حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر، كما قاله القاري (لا تختلفوا) "لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها بحذف النون (فتختلف قلوبكم) بنصب "تختلف" بعد الفاء السببية، كما قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ اوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقال أيضاً: وَشَرْطُ نَصْبٍ بَعْدَ نَهْيٍ أَنْ تَضَعْ … إِنْ قَبْلَ لَا دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ أي لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدم والتأخر، فتختلف قلوبكم بالأهوية، والإرادة؛ لأن اختلاف الظواهر، يكون سبباً في اختلاف البواطن. قال الجامع عفا الله عنه: فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن

стр. 6166

القلب تابع للأعضاء، ففسادها سبب لفساده، وحديث النعمان بن بشير ﵄ المتفق عليه: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". يدل على أن الأعضاء تابعة للقلب، ففساده فساد لها. فكيف يجمع بينهما؟ قلت: يجاب بأن الاختلاف في الظاهر ناشىء عن فساد القلب، وذلك أن عدم إقامة الصفوف، يدل على عدم الاعتناء بالسنة، وعدم الاعتناء بها يدل على غفلة القلب، وفساده؛ لأن من كان قلبه حيّاً صالحاً مُنَوَّراً بنور الإيمان يكون متبعاً للسنة في جميع أفعاله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتب الاختلاف الظاهريِّ على الفساد الباطني، ثم ينشأ من هذا الاختلاف الظاهريِّ المتسبِب عن فساد القلب الاختلافُ الباطنيُّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة، والبغضاء، والتحاسد فيما بينهم. فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلاً بالإعراض عن السنة هو الأصل؛ لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف، الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة، والبغضاء، والتحاسد، ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب؛ فالفساد الأول: هو الغفلة عن الله، والإعراض عن اتباع السنة، والفساد الثاني: هو الفساد الذي يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول. وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين.

стр. 6167

ولله الحمد، وله المنة والفضل. وقال القاري ﵀: وفي الحديث إن القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد، ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها. قلت: القلب مَلِك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها تبع له، فإذا صلح المتبوع صلح التبع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية، ويبين ذلك الحديث المشهور: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد، ألا وهي القلب". فالتحقيق في هذا المقام أن بين القلب، والأعضاء تعلقاً عجيباً، وتأثيراً غريباً، بحيث إنه يسري مخالفة كلّ إلى الآخر، وإن كان القلب مدار الأمر إليه، ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن، وكذا بالعكس، وهو أقوى. انتهى (١). (ليليني) قال النووي ﵀: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى (٢). وقال الطيبي: مِنْ حَقِّ هذا اللفظ أن يحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدنا بإثبات الياء، وسكونها في سائر كتب

стр. 6168

الحديث، والظاهر أنه غلط. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله في سائر كتب الحديث ليس كما قال، فإن أكثر الكتب، "لِيَلِنِي" بحذف الياء، أو "لِيَلِيَنِّي" لنون التأكيد مع إثباتها، كما هو في صحيح مسلم، وأبي دَاوَد، والترمذي، والنسائي، وإنما وقع ذلك فى بعض النسخ، كما أشار إليه بعضهم. وقوله: غلط. الأولى في مثل هذا أن يُخَرَّجَ على أنه لغة قليلة, كما ذكره بعض النحاة، كقوله (من الطويل): وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا وقول الآخر (من البسيط): هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرَا … مِنْ هَجْوِ زَبَّان لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ وخُرِّجَ عليه قراءةُ قنبل ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بالياء، وجزم "يصبر". وقيل: الموجود إشباع، والحرف الأصلي حذفه الجازم، ورد بأن حرف الإشباع لا يكتب. وقيل: غير ذلك (١). وقال القاري في "المرقاة": قال شارح "المصابيح": الرواية بإثبات الياء، وهو شاذ؛ لأنه من الوَلْي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم. قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كتب بالياء لأنه

стр. 6169

الأصل، ثم قرىء كذا. أقول: الأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة، كما قيل: في "لم تهجو، ولم تدع". أو تنبيه على الأصل، كقراءة ابن كثير ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ أو أنه لغة في أنّ سُكُونه تقديري. انتهى كلام القاري رحمه الله تعالى (١). (أولو الأحلام, والنُّهَى) "الأحلام": جمع حِلْمٍ -بكسر فسكون- قال ابن منظور ﵀: الحلم -بالكسر: الأنَاة، والعقل، جمعه أحلام، وحُلُوم، وفي التنزيل العزيز ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ الآية: [الطور: ٣٢] قال جرير (من البسيط): هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقْوَامٍ فَتُنْذِرَهُمْ … مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي قال ابن سيده: وهذا أحد ما جمع من المصادر. انتهى (٢). و"النُّهَى": العقل، يكون واحداً وجمعاً. وفي التنزيل العزيز ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]. والنُّهْيَةُ -بالضم-: العقل، سميت بذلك لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرِّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]: فَتًى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ … إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ ومن هنا اختار بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْيَة، وقد صرح اللِّحْيَاني بأن النُّهَى جمع نُهْية، فأغنى عن التأويل. قاله في "اللسان" (٣).

стр. 6170

وقال النووي ﵀: "أولو الأحلام والنهى": هم العقلاء، وقيل: البالغون. و"النُّهَى" -بضم النون-: العقول، فعلى قول من يقول: "أولو الأحلام": العقلاء، يكون اللفظان بمعنى، فلَمَّا اختلف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر تأكيداً، من باب قوله: وَألْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا. وذلك أن تغاير اللفظ يقوم مقام تغاير المعنى، وهو كثير في الكلام (١). وعلى الثاني: معناة البالغون العقلاء. قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى نُهْية -بضم النون- وهي العقل، ورجل نَهٍ -بفتح، فكسر- من قوم نَهِينَ، ونَهِيٌّ -بفتح، فكسر، فياء مشددة- من قوم أنْهِيَاء، ويقال: نه -بكسرتين- للإتباع (٢). وسُمِّي العقلُ نُهْية؛ لأنه يُنتَهَى إلى ما أمَرَ به، وَلا يُتَجاوَزُ. وقيل: لأنه يَنْهَى عن القبائح. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النُّهَى مصدراً، كالهُدَى، وأن يكون جمعاً كالظُّلَمِ، قال: والنُّهَى في اللغة معناه الثبات، والحبس، ومنه النِّهْيُ، والنَّهْي -بكسر النون، وفتحها- والنُّهْيَة للمكان الذي يَنْتَهِي إليه الماء، فيستنقع. قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد، وهو الحبس، فالنُّهْيَة هي التي تَنْهَى،

стр. 6171

وتَحبِس عن القبائح. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١) بزيادة. وقال القاري: "أولو الأحلام" جمع حِلْم، كأنه من الحلم، والسكون، والوقار، والأناة، والتثبت في الأمور، وضبط النفس عن هيجان الغضب، ويراد به العقل؛ لأنها من مقتضيات العقل، وشعار العقلاء. وقيل: أولو الأحلام البالغون، والحلم -بضم الحاء- البلوغ، وأصله ما يراه النائم. "والنهى" -بضم النون- جمع نهية، وهو العقل الناهي عن القبائح. أي لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد تفطنهم، وتيقظهم، وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض يخلفونه في الإمامة. قال النووي ﵀: في هذا الحديث تقديم الأفضل، فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف، فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره؛ وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويعلموها الناس؛ ولِيقتدِيَ بأفعالهم من وراءهم. ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في

стр. 6172

كل مجمع إلى الإمام، وكبير المجلس، كمجلس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والدين، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. وفيه تسوية الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحث عليها. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). وقال الطيبي: أمر بتقدم العقلاء ذوي الأخطار والعرفان؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن، فيبلغوا من بعدهم، وفي ذلك مع الإفصاح عن جلالة شأنه حَثٌّ لهم على تلك الفضيلة، وإرشاد لمن قصر حالهم عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحري ما يزاحمهم فيها. انتهى. (ثم الذين يلونهم) كالمراهقين، أو الذين يقاربون الأولين في النُّهى والحِلْم. قاله القاري (ثم الذين يلونهم) كالصبيان المميزين، أو الذين هم أَنزل مرتبة من المتقدمين حلماً وعقلاً. والمعنى أنه هَلُمّ جَرّاً، فالتقدير: ثم الذين يلونهم، كالنساء، فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق. وقيل: المراد بهم الخَنَاثَى، ففيه إشارة إلى ترتيب الصفوف. قاله القاري رحمه الله تعالى (٢).

стр. 6173

(قال أبو مسعود) ﵁ (فأنتم اليوم أشد اختلافًا) قال الطيبي ﵀: هذا خطاب للقوم الذين هيّجوا الفتن، وأراد أن سبب هذا الاختلاف، والفتن عدم تسوية صفوفكم. اهـ. وقيل: يحتمل أن المراد بأشد: أصل الفعل، وعَدَلَ عنه إلى ذلك للمبالغة. قاله في المرقاة (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي معنى كلام أبي مسعود ﵁ يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يقول: إنكم اليوم أشد اختلافاً في الصفوف من اليوم الذي قال لنا فيه رسول الله ﷺ : "لا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم"، فإنه كان قليلاً، فقد كان أحياناً يرى ﷺ عدم تسوية الصف من بعض الناس، فيحذرهم، فقد أخرج الجماعة إلا البخاري عن النعمان بن بشير ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، كأنما يسوي القِدَاح، حتى رأى أنَّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصفّ، فقال: "عباد الله لتسوّنّ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". الثاني: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشد اختلافًا حيث وقعتم في الفتن. والله أعلم.

стр. 6174

ونحو حديث أبي مسعود المذكور في هذا الباب ما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ليليَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم, وإياكم وهَيْشَات الأسواق". و"هيشات الأسواق" -بفتح الهاء، وسكون التحتانية، بعدها شين معجمة-: اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفتن التي فيها، والهَوْشَة. الفتنة، والاختلاط. والمراد: النهي عن أن يكون اجتماع الناس في الصلاة مثل اجتماعهم في الأسواق، متدافعين، متغايرين، مختلفي القلوب والأفعال (١). (قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (أبو معمر) المذكور في هذا السند (اسمه عبد الله بن سخبرة) بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، بعدها باء موحدة مفتوحة. وإنما نبه عليه المصنف رحمه الله تعالى لئلا يشتبه على من لا عناية له بعلم الرجال لغيره، ممن يُكنَى بأبي معمر؛ لأن المشهورين به في كتابه، بل وعند أصحاب الكتب الستة ثلاثةٌ: الأول: أبو معمر الكوفي هذا، وقد تقدمت ترجمته قريبًا، وهو من رجال الجماعة.

стр. 6175

والثاني: أبو معمر المِنْقَري، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المُقْعَد، وَاسم أبي الحجاج ميسرة، ثقة ثبت رمي بالقدر، مات سنة ٢٢٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، يروي عنه البخاري، وأبو داود بدون واسطة، ويروي عنه المصنف، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بواسطة أحمد ابن الحسن بن خِرَاش، وحجاج ابن الشاعر، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وغيرهم. والثالث: أبو معمر الهُذَليّ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر ابن الحسن القَطِيعِي، هروي الأصل، ثقة مأمون، مات سنة ٢٣٦، مات [١٠]، من شيوخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، ويروي عنه المصنف بواسطة أبي بكر المروزي، وزكريا السجزي. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٣/ ٨٠٧)، وفي "الكبرى" (٢٣/ ٨٨١) عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عنه. وفي (٢٦/ ٨١٢)، وفي "الكبرى" (٢٦/ ٨٨٦)، عن بشر

стр. 6176

ابن خالد العسكري، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش، به نحوه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله ابن إدريس -وأبي معاويه- ووكيع -وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير- وعن ابن أبي عمر، عن سفيان -وعن علي بن خَشْرَم، عن عيسى بن يونس- كلهم عن الأعمش به. وأبو داود فيه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن الأعمش به. وابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، به. والحميدي رقم (٤٥٦)، وأحمد جـ ٤ ص ١٢٢، والدارمي رقم (١٢٧٠)، وابن خزيمة رقم (١٥٤٢). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان من يلي الإمام في الصف، ثم الذين يلونهم، وهو أن أصحاب العقول الراجحة، والآراء السديدة يلونه، ثم الذين يلونهم في صفاتهم، وهَلُمَّ جَرّاً. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الاهتمام بشأن الصلاة، حتى يسوي الصفوف بنفسه، ولا يكله إلى أحد. ومنها: وجوب تسوية الصفوف؛ لأنه جاء به الأمر، وترتب عليه الوعيد. ومنها: بيان أن عدم تسوية الصفوف يترتب عليه الاختلاف

стр. 6177

القلبي، فيستولي على المجتمع البغضاء، والتنافر، والتحاسد، وعدم توحيد الكلمة، وهذا والله هو الدمار، والهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ما حلّ بالمسلمين اليوم الضعفُ، والهوانُ والذل، والخضوع لأعداء الإسلام إلا بسبب هذا، فإنك لا تدخل مسجداً يجتمع فيه المسلمون لأداء صلاة الجماعة، إلا وترى صفوفهم عوجاء، وإذا طلبت من بعضهم أن يكمل الصف، أو أن يتراصّ وجدته معرضاً بعيداً عن القبول، بل ربما قال بعضهم: صل لنفسك، ولا تتدخل في شأن غيرك، ثم إذا دخلوا في الصلاة ترى منهم العجب العُجاب من مسابقة بعضهم للإمام في الانتقالات، ومقارنة بعضهم له، بل ربما قال بعضهم: إن مذهبنا يَستَحِب المقارنةَ، مستندًا إلى بعض الأقوال الساقطة المنابذة للأحاديث الصحيحة؛ من أن المستحب للمأموم مقارنة الإمام في أفعاله إلا في الإحرام، والتسليم، وهذا قول باطل منابذ للأدلة الصحيحة، وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى. نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع، قريب، مجيب الدعوات، وهادي المخلوقات. ومنها: أن أهل الفضل لهم حق التقدم في مجالس الخير، والتكريم على حسب مراتبهم، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يحب

стр. 6178

أن يليه المهاجرون، والأنصار، ليحفظوا عنه. وقد أشبع الكلام عليه النووي رحمه الله تعالى، كما تقدم. ومنها: أن وقته ﷺ كان وقت تناصح، وتوافق، واتحاد، قليل التنازع، وإنما جاء الاختلاف، واشتدَّ بعده ﷺ في زمن التابعين، وهلمّ جرّاً، والله المستعان على مقاساة مصائب الزمان. والله تعالى أعلم, وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٠٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي، وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ، فَإِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا فَتَى، لَا يَسُؤْكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ "ثَلَاثًا"، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى، وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا، قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ مَا يَعْنِي بِأَهْلِ

стр. 6179

الْعُقَدِ؟ قَالَ: الأُمَرَاءُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن عمر بن علي بن مقدم (١)) هو محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدَّم المُقَدَّمي -بالتشديد- أبو عبد الله البصري، ابن عم محمد بن أبي بكر، صدوق، من صغار [١٠]. قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي في الرحلة الثالثة، وسئل عنه؟ فقال: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة، ووثقه البزار، ومَسْلَمَة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الأربعة. ٢ - (يوسف بن يعقوب) بن أبي القاسم السَّدُوسي، أبو يعقوب السِّلْعىّ، البصري الضُّبَعِي، صدوق، مات سنة ٢٠١، من [٩]. قال الأثرم، عن أحمد: ثقة. وقال أبو موسى: كان يبيع السلع. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، يقال له: السلعي لسلعة كانت في قفاه، وأكثرهم يقولون بكسر السين، فيخطئون (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات"، يقال: مات بعد المائتين. وجزم ابن قانع بأنه مات سنة إحدى ومائتين.

стр. 6180

وقال البخاري في تاريخه: قال ابن المثنى -يعني أبا موسى-: كان بقفاه سلعة (١). قال الحافظ: والذي حكاه المزي عنه أنه كان يبيع السلع؛ لم أره، ولا أفهم معناه، وقد قيده أبو علي الجيّاني بفتح السين. أخرج له الجماعة، إلا مسلماً، وأبا داود، وله في البخاري حديث واحد في عدة أصحاب بدر (٢). ٣ - (التيمي) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر، نزل في التيم، فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة ١٤٣ عن ٩٧ سنة، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٧. ٤ - (أبي مجْلَز) بكسر، فسكون جيم، ففتح لام- لاحق بن حميد ابن سعيد السدوسي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، مات سنة ٦، وقيل: ١٠٩، وقيل غير ذلك، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨٨/ ٢٩٦.

стр. 6181

٥ - (قيس بن عُبَاد) -بضم المهملة، وتخفيف الموحدة- القيسي الضُّبَعي، أبو عبد الله البصري، ثقة مخضرم، مات بعد سنة ٨٠، ووهم من عده في الصحابة، من [٢]. قدم المدينة في خلافة عمر ﵁، وروى عنه، وعن علي، وعمار، وأبي ذرّ، وعبد الله بن سلام، وأبي بن كعب، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: كان ثقة، من كبار الصالحين. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وكانت له مناقب، وحلم، وعبادة. وَذَكَرَهُ أبو مِخْنَف عن شيوخه فيمن قتله الحجاج ممن خرج مع ابن الأشعث. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: إنه يشكري. وذكره ابن قانع في "معجم الصحابة"، وأورد له حديثاً مرسلاً. أخرج له الجماعة (١)، إلا الترمذي (٢). ٦ - (أُبَيّ بن كعب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن مُعاوية بن عَمرو ابن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، ويقال: أبو الطُّفَيل المدني سيد القُرَّاء. روى عن النبي ﷺ . وروى عنه عمر بن الخطاب، وأبو أيوب، وأنس بن مالك، وسليمان بن صُرَد، وسهل بن سعد، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وأبو هريرة، وجماعة، منهم أولاده؛ محمد، والطفيل، وعبد الله، وأرسل عنه الحسن

стр. 6182

البصري، وغيره. شهد بدرًا، والعقبة الثانية. وقال عمر بن الخطاب: سيد المسلمين أبي بن كعب. قال الهيثم بن عديّ: مات سنة ١٩، وقيل: سنة ٣٢ في خلافة عثمان، وفي موته اختلاف كثير جدّاً، والأكثر على أنه في خلافة عمر. وروى ابن سعد في "الطبقات" بإسناد رجاله ثقات، لكن فيه إرسال أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته. قال الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا. قال الحافظ: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان بخبر ذكره عن زِرّ بن حُبَيش أنه لقيه في خلافة عثمان. وثبت أن النبي ﷺ قال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك". وروى الترمذي حديث أنس الذي فيه، "وأقرؤهم أبي بن كعب". وقال الشعبي عن مسروق كان أصحاب القضاء من الصحابة ستة، فذكره فيهم. وذكر ابن الحذّاء في رجال الموطأ أنه سكن البصرة، ويعد في أهلها، قال الحافظ: وما أظنه إلا وهماً. أخرج له الجماعة. انتهى (١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، وأنهم من

стр. 6183

رجال الجماعة، غير شيخه؛ فما أخرج له الشيخان، وشيخ شيخه؛ فما أخرج له مسلم، وأبو داود. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، أبو مجلز، عن قيس. ومنها: أن التيمي ممن انتسب إلى خلاف الظاهر، فإنه ليس تيميّاً، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم. كما قال السيوطي في ألفية "المصطلح": وَنَسَبُوا الْبَدْريَّ وَالْخُوزِيَّا … لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيَّا ومنها: أن قيساً من المخضرمين، وأن اسم والده بضم العين، وتخفيف الموحدة، ولا يشاركه أحد في هذا، ومن عداه كلهم عَبَّاد -بفتح العين، وتشديد الموحدة- كما قال في الألفية المذكورة: وَافْتَحْ عَبَادَةً أَبَا مُحَمَّد … وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ عُبَادًا تُرْشَدِ ومنها: أن أبياً ﵁ له من الأحاديث ١٦٤ حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بسبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن قيس بن عُبَاد) أنه (قال: بينا أنا) قال في "اللسان": أصل "بينا": "بين"، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفاً، ويقال: بينا، وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه "إذ" و"إذا"، وقد جاء في الجواب كثيراً، تقول:

стр. 6184

بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه. ومنه قول الحُرَقَة بنت النعمان (من الطويل): فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ انتهى (١). (في المسجد) أي النبوي، فقد أخرج الحديث أحمد في مسنده عن قيس بن عُباد: قال: قدمت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ ، وما كان بينهم رجل ألقاه أحب إليّ من أبي بن كعب، فأقيمت الصلاة، فخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل، فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فنَحَّاني، وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى، قال: يا بني لا يسوءك الله، إني لم آت الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم، فعرفتهم غيرك، ثم حدّث، فما رأيت الرجال مَتَحَتْ (٢) أعناقَهَا إلى شيء متوجهاً إليه، قال: فسمعته يقول: هلك أهل العُقْدَة، ورب الكعبة، ألا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يُهلكون عن المسلمين، وإذا هو أبي بن كعب. انتهى (٣).

стр. 6185

(في الصف المقدّم) أي الأول (فجبذني رجل من خلفي) أي جرَّني من ورائي، قال الفيومي: جَبَذَه جَبْذًا، من باب ضرب، مثل جَذَبَه جَذْبًا، قيل: مقلوب منه، لغة تميمية. وأنكره ابن السَّرَّاج، وقال: ليس أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن كل واحد متصرف في نفسه. انتهى (١). (جذبة) منصوب على المصدرية (فنحّاني) بتشديد الحاء المهملة، أي أزالني عن الصف الأول (وقام مقامي) -بفتح الميم- أي في محل قيامي. فالْمَقَام ظرف مكان قياسي؛ لاتحاده مع العامل في الاشتقاق، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَع … ظَرْفًا لِمَا فِي أصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ (فوالله ما عقلت صلاتي) أي لكون ذلك الرجل أخره عن الصف الأول فتغير خاطره، وتشوش فكره بذلك (فلما انصرف) أي سلم ذلك الرجل عن الصلاة و"لَمَّا" (٢) حرف وجود لوجود (فإِذا هو

стр. 6186

أبي بن كعب) "إذا" فجائية، و"هو" مبتدأ في محل رفع، و"أُبَيّ" خبره، والجملة جواب "لَمَّا" (فقال) أبىّ ﵁ اعتذاراً إلى قيس بن عُباد في تأخيره عن الصف المقدم (يا فتى، لا يسؤك الله) هكذا نسخ "المجتبى"، ومثله في "صحيح ابن خزيمة" "لا يسؤك" بالجزم، فـ "لا" ناهية، ووقع في "الكبرى" "لا يسوءك" بالرفع، وهو الذي في "مسند أحمد"، وعليه فـ "لا" نافية، وهو دعاء له بأن يؤمنه الله تعالى من السوء (إِن هذا عهد من النبي ﷺ إِلينا) العهد: الوصية، يقال: عهد إليه، يعهد، من باب تَعِبَ. إذا أوصاه. قاله الفيومي (١) (أن نليه) "أن" مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياساً، كما قال في "الخلاصة": وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أي بولايته، أو في محل نصب على أنه مفعول له، بتضمين "عهد" معنى الإلزام، كما قاله العلامة السمين الحلبي (٢). وفيه أن السنة تقدم أهل الفضل في الصف الأول، وقد تقدم ما

стр. 6187

أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يحب أن يليه المهاجرون، والأنصار، ليحفظوا عنه". وأخرج الطبراني في "الكبير" عن سمرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ليقم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار، ليقتدوا بهم في الصلاة". وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفيه خلاف، لكن يشهد له ما تقدم من حديث أبي مسعود، وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم. (ثم استقبل القبلة) لعل استقباله للقبلة لتفخيم هذا الأمر (فقال: هلك أهل العُقَد، ورب الكعبة) العُقَد -بضم العين المهملة- وفتح القاف، جمع عُقْدَة -بضم، فسكون- وضبطه بعضهم بفتح، فسكون. قال في "النهاية": يعني أصحاب الولايات على الأمصار، من عقد الألوية للأمراء، ووقع عند أحمد. "العُقْدَة" بصيغة الإفراد - يعني البيعة المعقودة للوُلاة (١) (ثلاثاً) أي قال ذلك ثلاث مرات. والظاهر أن أبياً ﵁ قال ذلك لمَّا رأى من بعض الأمراء انحرافًا وظلمًا للرعية وحملاً للناس الذين يُوَلُّونهم على موافقتهم في ذلك. والله أعلم. (ثم قال: والله ما عليهم آسى) مضارع أَسِي، وأصله أَأْسَى،

стр. 6188

فقلبت الهمزة الثانية ألفًا؛ لسكونها بعد فتحة. قال الفيومي: أَسِي، أَسًى، من باب تَعب: حَزِنَ، فهو أَسِيٌّ، مثل حَزِين. انتهى. أي ما أحْزَن على أهل العُقَد (ولكن آسى على من أضلوا) أي أحزن على من أضلوهم، ممن اتبعهم على ضلالتهم، وإنما حزن على هؤلاء دون الأولين؛ لأن الأولين ضلوا السبيل باختيارهم، وأما هؤلاء، فربما يكونون جهلاء، أو غير مختارين، أو ألقوا عليهم الشبهة. ولفظ أحمد: "ألا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يُهلكون من المسلمين". (قلت: يا أبا يعقوب) القائل هو محمد بن عمر شيخ المصنف، وأبو يعقوب كنية يوسف بن يعقوب السدوسي (ما يعني بأهل العُقَد) "ما" استفهامية، و"يعني" بفتح حرف المضارعة. أَيْ أيَّ شيء يقصد أُبَيّ بقوله هلك أهل العُقَد؟ (قال) أبو يعقوب (الأمراء) أي يريد بهم الأمراء. تنبيه: وقع عند ابن خزيمة. "قال: قلت: من تعني بهذا؟ " بالتاء الفوقانية. وهذا إن لم يكن تصحيفاً من "يعني" بالياء، فالقائل: "من تعني؟ " هو قيس بن عُبَاد. لكن الظاهر أن التاء تصحيف من الياء، فيكون القائل: مَنْ يَعِني هو محمد بن عمر، فلا اختلاف بين روايته، ورواية المصنف رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.

стр. 6189

قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي بن كعب ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا (٢٣/ ٨٠٨)، وفي "الكبرى" (٢٣/ ٨٨٢). وأخرجه أحمد جـ ٥ ص ١٤٠، وابن خزيمة رقم (١٥٧٣) (١). "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 6190

٢٤ - إِقَامَةُ الصُّفُوفِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية إقامة الصفوف قبل أن يخرج الإمام من حُجْرته إلى محل إمامته. ومحل الاستدلال من الحديث واضح من قوله: "فعُدَّلتِ الصفوفُ قبل أن يخرج رسول الله ﷺ ". وقد تقدم للمصنف (١٢/ ٧٩٠) "قيامُ الناس إذا رأوا الإمام". وأورد هناك حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نودي للصلاة، فلا تقوموا حتى تروني". ويجمع بين حديثي البابين -كما تقدم- بأن حديث أبي قتادة لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطىء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره. ولا يرد على هذا حديث أنس ﵁ المتقدم للمصنف في (١٣/ ٧٩١) قال: "أقيمت الصلاة، ورسول الله ﷺ نَجيّ لرجل، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم"، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادراً، أو فعله لبيان الجواز. أفاده في "الفتح" (١).

стр. 6191

٨٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُمْنَا، فَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا، نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، قَدِ اغْتَسَلَ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى. رجال هذا الإسناد: ستة تقدموا في (١٤/ ٧٩٢) إلا ثلاثة: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المُرَادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٨، من [١١]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة فقيه حافظ عابد، مات سنة ١٩٧، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.

стр. 6192

٣ - (يونس) بن يزيد بن أبي النّجَاد، أبو يزيد الأيلي، ثقة، ربما وهم، مات سنة ١٥٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩. وشرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل تقدمت (١٤/ ٧٩٢) فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن شئت فارجع إليها تستفد. وقوله: "ينطف" -بضم الطاء، وكسرها، من بابي نصر، وضرب: أي يقطر. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6193

٢٥ - كَيْفَ يُقَوِّمُ الإِمَامُ الصُّفُوفَ أي هذا باب ذكر الحديث الدَّال على صفة تقويم الإمام صفوف المأمومين. ومحل الاستدلال من الحديث قولُهُ: "كما تُقَوَّم القِدَاح"، وقولُهُ: "يمسح مناكبنا وصدورنا". والله تعالى أعلم. ٨١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَوِّمُ الصُّفُوفَ، كَمَا تُقَوَّمُ الْقِدَاحُ، فَأَبْصَرَ رَجُلاً خَارِجًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو الأحوص) سَلاَّم بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة ١٧٩, من [٧]، أخرج له الجماعة,

стр. 6194

تقدم في ٧٩/ ٩٦. ٣ - (سماك) بن حَرْب بن أوس بن خالد الذُّهْلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يُلَقَّن، مات سنة ١٢٣، من [٤]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢/ ٢٨٨. ٤ - (النُّعْمَان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة, ثم قتل بحمص سنة ٦٥، وله ٦٤ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩/ ٥٢٨. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو -٥٣ - من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم موثوقون، فقد وثق ابن معين، وأبو حاتم سماكاً (١)، وإنما عابوا عليه اختلاطه. ومنها: أنهم من رجال الجماعة، فسماك علق له البخاري. ومنها: أن صحابيه أول مولود من الأنصار بالمدينة بعد الهجرة، وأنه روى عن رسول الله ﷺ (١١٤) حديثاً, اتفق الشيخان على خمسة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 6195

شرح الحديث (عن النعمان بن بشير) ﵄، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يُقَوِّمُ الصفوفَ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير رسول الله ﷺ ، وهو من التقويم، وهو التعديل، يقال: قَوَّمته، تقويماً، فتقوّم: بمعنى عدّلته، فتعدّل. قاله الفيومي. (كما تُقَوَّمُ القِدَاحُ) ببناء الفعل للمفعول، والقدَاحُ نائب فاعله، وهكذا معظم نسخ "المجتبى"، وكذا "الكبرى" "تقوّمَ القداح" بالتاء، ووقع في النسخة التي شرح عليها السندي: "كما يقوم القداح" -بالياء- فقال السندي: والأقرب أنَّ "يقوم" على بناء المفعول، من التقويم، وجَعْلُهُ على بناء الفاعل، وجعل ضميره للنبي ﷺ بعيد. انتهى. و"القِدَاح" -بكسر القاف، وتخفيف الدال- جمع قِدْح -بكسر، فسكون-: السهم قبل أن يُرَاش، ويُنَصَّلَ. ويجمع أيضاً على أقداح، وأقْدُحٍ، وأقَادِيح. قاله المجد (١). وقال ابن منظور نقلاً عن الأزهري ما نصه: وأوّلُ مَا يُقْطَعُ، ويُقْضَبُ يُسَمَّى قِطعاً -أي بكسر، فسكون- والجمع القُطُوع، ثم يُبْرَى، فيسمى بَرِيّاً -بفتح الباء، وكسر الراء، وتشديد الياء- وذلك قبل أن

стр. 6196

يُقَوَّم، فإذا قُوّمَ، وأنَى له أن يُرَاش، ويُنصَل، فهو القِدْح، فإذا ريش، وركب نَصْلُهُ فِيه صار نَصْلاً. انتهى (١). والغرض من التشبيه المبالغةُ في تسوية الصفوف؛ لأن القِدْح لا يصلح لما يراد منه إلا بعد انتهائه في الاستواء، فهو يدلّ على أنه كان يسوي الصفوف تسوية تامة. ووقع في رواية مسلم. "حتى كأنما يُسوَّي بها القِدَاح". قال النووي ﵀: معناه يبالغ في تسويتها، حتى تصير كَأنما يُقَوَّمُ بها السهامُ، لشدة استوائها واعتدالها. انتهى (٢). (فأبصر رجلاً خارجاً صدرُه) بالرفع فاعل "خارجاً" (من الصفّ) متعلق بـ "خارجاً"، وعند مسلم: "حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام, حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف" … وعند أبي داود: "حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه، وفَقِهْنَا، أقبل ذات يوم بوجهه، إذا رجل مُنتبذ بصدره" … (فلقد رأيت رسول الله ﷺ يقول: "لَتقيمن صفوفكم) بفتح اللام، وهي اللام الموطّئة التي يُتلقّى بها القسم، والقسم مقدر، وقد أبرز في رواية لأبي داود، ولفظها: "أقبل رسول الله ﷺ على الناس

стр. 6197

بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". والفعل رباعي من الإقامة، وهو التعديل، والنون المشددة نون التوكيد، و"صفُوفكم" بالنصب على المفعولية، والجملة جواب القسم المقدر، أي والله لَتُعَدِّلُنَّ صفوفكم، ولمسلم: فقال: "عباد الله لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ"، ونحوه لأبي داود. قال في "الفتح": والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سدّ الخلل الذي يكون في الصفّ، كما سيأتي. انتهى (١). (أو لَيخالِفن الله بين وجوهكم) بفتح اللام الأولى؛ لأنها لام التأكيد، وبكسر الثانية, وفتح الفاء، ولفظ الجلالة مرفوع بالفاعلية، وكلمة "أو" في الأصل موضوعة لأحد الشيئين، أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى الواو، وهي حرف عطف، وهي هنا لأحد الأمرين؛ لأن الواقع أحد الأمرين، إما إقامة الصفوف، وإما المخالفة. والمعنى ليخالفن الله بين وجوهكم إن لم تقيموا الصفوف؛ لأنه قابَلَ بين الإقامة وبينه، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيد شديد

стр. 6198

لمن لم يقم الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم، لاختلافهم في مقامهم، أفاده البدر العيني ﵀ (١). وقال في "حجة الله البالغة": والنكتة في خصوص مخالفة الوجوه أنهم أساءوا الأدب في إسلام الوجه لله، فجوزوا في العضو الذي أساءوا له، أو اختلفوا صورة بالتقدم والتأخر، فجوزوا بالاختلاف. انتهى (٢). وقال الحافظ ﵀: واختُلِفَ في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تشويه الوجه بتحويل خَلْقه عن وضعه بجعله موضع القفا، أو نحو ذلك، وفيه من اللطائف: وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة, وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام. ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة: "لتسون الصفوف، أو لتطمسن الوجوه", أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف. ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. ومنهم من حمله على المجاز. قال النووي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلافَ القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان عليّ، أي

стр. 6199

ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيده رواية أبي داود، وغيره بلفظ: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم". وقال القرطبي: معناه تفترقون، فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدم الشخص على غيره مَظِنَّة للتكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة. والحاصل أن المراد بالوجه إن حمل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جعل القُدّام وراء. وإن حمل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرماني. ويحتمل أن يراد المخالفة في الجزاء، فيجازي المُسَوِّيَ بخير، ومن لا يُسَوِّي بشر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على ظاهر الحديث أولى، ولا ينافي ذلك وقوع تخالف قلوبهم الذي دل عليه حديث: "أو ليخالفن الله بن قلوبكم"، وحديث: "لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، ولا بعد في حصول الأمرين, كما دلت النصوص عليه، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 6200

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٥/ ٨١٠)، وفي "الكبرى" (٢٥/ ٨٨٤) عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية، وعن حسن بن الربيع، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص -وعن قتيبة، عن أبي عوانة- ثلاثتهم عن سماك، عنه. وأخرجه أبو داود، فيه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سماك, عنه, نحوه. وعن عبيد الله بن معاذ، عن خالد ابن الحارث، عن حاتم بن أبي صَغيرَة، عن سماك، عنه مختصرًا "كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، فإذا استوت كبر". وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن أبي عوانة، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سماك، عنه، نحوه.
следующие страницы →