← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

يُقَوَّم، فإذا قُوّمَ، وأنَى له أن يُرَاش، ويُنصَل، فهو القِدْح، فإذا ريش، وركب نَصْلُهُ فِيه صار نَصْلاً. انتهى (١). والغرض من التشبيه المبالغةُ في تسوية الصفوف؛ لأن القِدْح لا يصلح لما يراد منه إلا بعد انتهائه في الاستواء، فهو يدلّ على أنه كان يسوي الصفوف تسوية تامة. ووقع في رواية مسلم. "حتى كأنما يُسوَّي بها القِدَاح". قال النووي ﵀: معناه يبالغ في تسويتها، حتى تصير كَأنما يُقَوَّمُ بها السهامُ، لشدة استوائها واعتدالها. انتهى (٢). (فأبصر رجلاً خارجاً صدرُه) بالرفع فاعل "خارجاً" (من الصفّ) متعلق بـ "خارجاً"، وعند مسلم: "حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام, حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف" … وعند أبي داود: "حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه، وفَقِهْنَا، أقبل ذات يوم بوجهه، إذا رجل مُنتبذ بصدره" … (فلقد رأيت رسول الله ﷺ يقول: "لَتقيمن صفوفكم) بفتح اللام، وهي اللام الموطّئة التي يُتلقّى بها القسم، والقسم مقدر، وقد أبرز في رواية لأبي داود، ولفظها: "أقبل رسول الله ﷺ على الناس

стр. 6197

بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". والفعل رباعي من الإقامة، وهو التعديل، والنون المشددة نون التوكيد، و"صفُوفكم" بالنصب على المفعولية، والجملة جواب القسم المقدر، أي والله لَتُعَدِّلُنَّ صفوفكم، ولمسلم: فقال: "عباد الله لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ"، ونحوه لأبي داود. قال في "الفتح": والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سدّ الخلل الذي يكون في الصفّ، كما سيأتي. انتهى (١). (أو لَيخالِفن الله بين وجوهكم) بفتح اللام الأولى؛ لأنها لام التأكيد، وبكسر الثانية, وفتح الفاء، ولفظ الجلالة مرفوع بالفاعلية، وكلمة "أو" في الأصل موضوعة لأحد الشيئين، أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى الواو، وهي حرف عطف، وهي هنا لأحد الأمرين؛ لأن الواقع أحد الأمرين، إما إقامة الصفوف، وإما المخالفة. والمعنى ليخالفن الله بين وجوهكم إن لم تقيموا الصفوف؛ لأنه قابَلَ بين الإقامة وبينه، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيد شديد

стр. 6198

لمن لم يقم الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم، لاختلافهم في مقامهم، أفاده البدر العيني ﵀ (١). وقال في "حجة الله البالغة": والنكتة في خصوص مخالفة الوجوه أنهم أساءوا الأدب في إسلام الوجه لله، فجوزوا في العضو الذي أساءوا له، أو اختلفوا صورة بالتقدم والتأخر، فجوزوا بالاختلاف. انتهى (٢). وقال الحافظ ﵀: واختُلِفَ في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تشويه الوجه بتحويل خَلْقه عن وضعه بجعله موضع القفا، أو نحو ذلك، وفيه من اللطائف: وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة, وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام. ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة: "لتسون الصفوف، أو لتطمسن الوجوه", أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف. ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. ومنهم من حمله على المجاز. قال النووي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلافَ القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان عليّ، أي

стр. 6199

ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيده رواية أبي داود، وغيره بلفظ: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم". وقال القرطبي: معناه تفترقون، فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدم الشخص على غيره مَظِنَّة للتكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة. والحاصل أن المراد بالوجه إن حمل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جعل القُدّام وراء. وإن حمل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرماني. ويحتمل أن يراد المخالفة في الجزاء، فيجازي المُسَوِّيَ بخير، ومن لا يُسَوِّي بشر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على ظاهر الحديث أولى، ولا ينافي ذلك وقوع تخالف قلوبهم الذي دل عليه حديث: "أو ليخالفن الله بن قلوبكم"، وحديث: "لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، ولا بعد في حصول الأمرين, كما دلت النصوص عليه، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 6200

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٥/ ٨١٠)، وفي "الكبرى" (٢٥/ ٨٨٤) عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية، وعن حسن بن الربيع، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص -وعن قتيبة، عن أبي عوانة- ثلاثتهم عن سماك، عنه. وأخرجه أبو داود، فيه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سماك, عنه, نحوه. وعن عبيد الله بن معاذ، عن خالد ابن الحارث، عن حاتم بن أبي صَغيرَة، عن سماك، عنه مختصرًا "كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، فإذا استوت كبر". وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن أبي عوانة، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سماك، عنه، نحوه.

стр. 6201

وأخرجه أحمد جـ ٤/ ص ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٦، ٢٧٧. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨١١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا، وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ: "لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ"، وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ". رجال هذا الإسناد: ستة الأول، والثاني تقدما في السند الذي قبله. ٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب السلمي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة ١٣٢، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٤ - (طلحة بن مُصَرف) بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة فاضل قارىء، مات سنة ١١٢ أو بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦. ٥ - (عبد الرحمن بن عَوْسَجَة) الهَمْدَاني، ثم النهمي الكوفي،

стр. 6202

ثقة، من [٣]. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: قتل يوم الزاوية (١) مع ابن الأشعث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال ابن سعد: روى عن علي بن أبي طالب: وكان قليل الحديث. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون إلا مسلمًا. ٦ - (البراء بن عازب) ﵄، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف رحمة الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة إلا عبد الرحمن بن عوسجة، فما أخرج له الشيخان، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فبغلاني. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن البراء بن عازب) ﵄، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصفوف) أي يدخل بينها، يقال: تخللت

стр. 6203

القومَ: إذا دخلت بين خَلَلِهم، والخلل -بفتحتين-: الفَرْجة بين الشيئين، والجمع خِلَال، مثل جَبَل وجبال. قاله في "المصباح" (١). (من ناحية إِلى ناحية) متعلق بـ "يتخلل"، أو بمحذوف، حال من الفاعل، أي حال كونه مبتدأ من جانب، ومنتهيًا إلى جانب آخر. (يمسح مناكبنا وصدورنا) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل أيضًا، أي يُمِرّ يده على مناكبنا، وصدورنا مبالغة في التسوية، حتى لا يتقدم أحد، ولا يتأخر. (ويقول) يحتمل أن تكون الجملة معطوفة على جملة "يتخلل"، فتكون خبراً لـ "كان"، ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة "يمسح"، فتكون حالاً (لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم) "لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، أي لا يحصل منكم اختلاف بأبدانكم بالتقدم والتأخر، فيتسبب عنه اختلاف قلوبكم بالعداوة والبغضاء، والتحاسد، والشحناء (وكان) ﷺ (يقول: إِن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة). قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله

стр. 6204

عز وجل الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء والاستغفار. انتهى (١). والمعنى هنا أن الله تعالى يثني على أهل الصفوف المتقدمة عند ملائكته، أو ينزل رحمته عليهم، وتدعو لهم الملائكة، وتستغفر لهم. وقال السندي ﵀ في "شرحه": قوله: (على الصفوف المتقدمة) أي على الصف المتقدم في كل مسجد، أو في كل جماعة، فالجمع باعتبار تعدد المساجد، أو تعدد الجماعة، أو المراد الصفوف المتقدمة على الصف الأخير، فالصلاة من الله تعالى تشيل كل صف على حسب تقدمه، إلا الأخير، فلاحظ له منها، لفوات التقدم، والله أعلم. انتهى (٢). وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درحته: حديث البراء بن عازب ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٥/ ٨١١)، وفي "الكبرى" (٢٥/ ٨٨٥) بالسند المذكور.

стр. 6205

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد، وأبي عاصم أحمد بن جَوَّاس الحنفي، كلاهما عن أبي الأحوص، عن منصور، عن طلحة ابن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عنه. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن طلحة بن مصرف، به مختصرًا، بلفظ: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول". وأحمد جـ ٤/ ص ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، والدارمي رقم (١٢٦٧)، وابن خزيمة رقم (١٥٥١، ١٥٥٦). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائد حديثي الباب: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان كيفية تقويم الإمام الصفوف، وتعديلها، وهو أن يتعاهد ذلك بنفسه، ويمسح صدور المأمومين، ومناكبهم، ويأمرهم بتعديلها، ويبين لهم ما يترتب على عدمه من وقوع المخالفة بين وجوههم، وقلوبهم. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من العناية بأمر الصلاة، وتعديل الصفوف فيها لنفسه، بحيث يدخل في خِلال الصفوف من ناحية، وينتهي إلى ناحية أخرى. ومنها: الوعيد الشديد على من لا يعتنون بإقامة الصفوف، من

стр. 6206

وقوع العداوة، والمغضاء بينهم. ومنها: بيان فضل الصفوف المتقدمة، حيث إن الله تعالى، وملائكته يصلون على من يصلي فيها، وهذا من أشرف المراتب العلية لمقيمي الصلاة على الوجه المطلوب جعلنا الله تعالى من عباده المؤمنين الذي يقيمون الصلاة، والذي هم في صلاتهم خاشعون، إنه لعباده رؤوف رحيم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 6207

٢٦ - مَا يَقُولُ الإِمَامُ إِذَا تَقَدَّمَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على ما يقوله الإمام للمأمومين وقمت تقدمه للإمامة في شأن تسوية الصفوف. ومحل الاستدلال قوله: "استووا". والله تعالى أعلم. ٨١٢ - أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَوَاتِقَنَا، وَيَقُولُ: "اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَلْيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ، وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". رجال هذا الإسناد: سبعة كلهم تقدموا، إلا ثلاثة: ١ - (بشر بن خالد العسكري (١)) أبو محمد الفرائض، نزيل

стр. 6208

البصرة، ثقة يغرب، مات سنة ٥٥٢ أو ٥٥٣، من [١٠]. قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال. يُغْربُ عن شعبة، عن الأعمش بأشياء، مات سنة ٢٥٥، أو ما بعدها بقليل، أو قبلها بقليل، وقال إبراهيم بن محمد الكندي، أحد الرواة عنه: مات سنة ٢٥٣، روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. ٢ - (غندر) محمد بن جعفر أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة ١٩٣، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الحماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦. قال الجامع عفا الله عنه: هذا حديث أخرجه مسلم، وتقدم للمصنف قريبًا ٢٣/ ٨٠٧، وتقدم الكلام عليه، وعلى المسائل المتعلقة له هناك، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب لإعادة ذلك. وقوله: "عواتقنا": جمع عاتق، وهو ما بين المنكب، والعُنُق، ويذكر، ويؤنث. أفاده في "المصباح" والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 6209

٢٧ - كَمْ مَرَّةٍ يَقُولُ: "اسْتَوُوا" أي هذا باب ذكر الحديث الدّالِّ على عدد قول الإمام عند تسوية الصفوف: "استووا". ومحل الاستدلال قولُهُ: "استووا" ثلاث مرات "والله تعالى أعلم. ٨١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (أبو بكر بن نافع) محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي البصري، مشهور لكنيته، صدوق، مات بعد ٢٤٠، من [١٠]. أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي. ووى عنه مسلم، والترمذي، والمصنف، وغيرهم. روى عنه مسلم (٥٤) حديثًا. قال الحافظ الذهبي ﵀ في "الكاشف": محمد بن أحمد بن نافع، أبو بكر بن أبي نافع البصري، عن غندر، والقطان، وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وزكريا الساجي، ثقة. انتهى (١).

стр. 6210

ولم يذكر في "تت" ولا في "تك" ولافي "صه" فيه جرحًا، ولا تعديلاً، إلا ما قدمته عن "ت" من قوله. صدوق. والله تعالى أعلم. ٢ - (بهز بن أسد) العصي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، مات بعد ٢٠٠، وقيل: قبلها، من [٩] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٨. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة ١٦٧، من كبار [٨] أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد الحصري، ثقة عابد، مات سنة بضع و١٢٠، من [٤] أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك، الصحابي الشهير ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، ومسلم، والترمذي، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه أنس، أحد المكثرين السبعة، روى ٥٢٢٨٦ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك ﵁ (أن النبي ﷺ كان يقول:

стр. 6211

استووا، استووا، استووا) الخطاب للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة معه ﷺ ، وإنما كرر الأمر ثلاث مرات تأكيدًا لشأن تسوية الصفوف (فوالذي نفسي بيده، إِني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي) الفاء تعليلية، وجملة "إن" جواب القسم، وجملة القسم تعليل للأمر، أي إنما أمرتكم بذلك لما علمت من حالكم من التقصير في ذلك، بسبب أني أراكم من خلفي … إلخ. ويحتمل أنه قال ذلك تحريضاً للضعفاء على التسوية، بناء على إخلالهم بها بسبب الغَيبة عن نظره، إذ كثير من الضعفاء يهتمون في الحضور ما لا يهتمون في الغيبة. ويحتمل أن بعض المنافقين كانوا لا يهتمون بأمر الصفوف، فقيل لهم ليهتموا، ولا يُخلّوا بأمر الصفوف. والله أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى (١). وقد اختلصْ في معنى رؤيته ﷺ من خلفه، فقيل: المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يلهم. وفيه نظر، لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله: "من وراء ظهري". وقيل: المراد أنه يرى مَنْ عن يمينه، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه من وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب. قال في "الفتح" بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ ،

стр. 6212

انخرقت له فيه العادة. وعلى هذا، عمل البخاري في "صحيحه"، حيث أخرج هذا الحديث في علامات النبوة. وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀. لا حاجة إلى تأويله؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة. وقال القرطبي ﵀: حملُه على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي ﷺ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صوبه في "الفتح"، واختاره، وعزاه إلى المحققين، كالإمام أحمد، وغيره، ومال إليه البخاري، وارتضاه ابن المنير، والقرطبي، من حمل الرؤية على حقيقتها بلا تأويل، هو المذهب الحق، الحقيق بالقبول، وما عداه رأي مبتذل، غير مقبول. والله تعالى أعلم. وقال في "الفتح" أيضًا: ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى بها من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك الأمور عادية، ويجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلاً، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافاً لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة. وقيل: كانت له عين خلف ظهره، يرى بها من ورائه دائمًا. وقيل: كانت بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، يبصر بهما، ولا يحجبهما ثوب، ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما

стр. 6213

تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال -غير الأول- لا أثارة عليها من علم، بل هي تخمينات، وظنون، وقول بلا علم، ومن واجب المسلم العاقل أن لا يقول لغير علم، ولا يحكم بغير بينة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالواجب في مثل هذا، الوقوف على ما أثبته النص، من كونه ﷺ يرى من خلفه، كما يرى من أمامه، والكف عنه الخوض في كيفية الرؤية؛ لأنه قول بلا علم، وتفويض حقيقة الأمر إلى الذي خصه بهذه المعجزة العظيمة، والمنة الجسيمة. والله المستعان وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٢٧/ ٨١٣، وفي "الكبرى" ٢٧/ ٨٨٥ بالسند المذكور، وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٣ ص ٢٦٨، ٢٨٦. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 6214

٢٨ - حَثُّ الإِمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالْمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حث الإمام المأمومين على أن يرصّوا صفوفهم، ويقاربوا بينها. و"الحث" بالفتح: هو التحريض. يقال: حَثَثْتُ الإنسان على الشيء، حَثّا، من باب قتل، وحَرَّضته عليه بمعنى، وذهب حَثِيثًا، أي مسرعًا، وحثثت الفرس على العَدْوِ: صِحْتُ به، أو وَكْزْته برجل، أو ضَرْبٍ، واستحثثته كذلك، قاله الفيومي رحمه الله تعالى (١). و"الرَّصّ" -بالفتح: الضم. يقال: رصصت البناء، رَصّاً، من باب قتل. ضممت بعضه إلى بعض. أفاده الفيومي أيضًا (٢). والله تعالى أعلم. ٨١٤ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي".

стр. 6215

رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (علي بن حجر) المروزي ثقة حافظ، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٤٤، وقد قارب المائة، أو جاوزها، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَدقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنى، نزيل بغداد، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٠، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ١٧. ٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، مات سنة ١٤٢، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (أنس) بن مالك ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٦. ولطائف هذا الإسناد تكررت غير مرة، وهو -٥٤ - من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس ﵁ أنه (قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه حين قام إِلى الصلاة)، أي وقت قيامه (قبل أن يكبر)، أي للإحرام (فقال: أقيموا صفوفكم) أي عدلوها، يقال: أقام العود: إذا عدله، وسواه. وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة،

стр. 6216

(وتراصوا) بتشديد الصاد المهملة، أي تلاصقوا بغير خلل. ويحتمل أن يكون تأكيدًا لقوله: "أقيموا". قاله في "الفتح" (١). (فإني أراكم من وراء ظهري) الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للأمر بإقامة الصفوف والتر اص فيها. فكأنه يقول لهم: إنما أمرتكم بذلك؛ لأني تحققت منكم خلافه، وقد تقدم في الباب الماضي بيان المعنى المراد بهذه الرؤية، وأن المختار حملها على الحقيقة، خلافًا لمن زعم غير ذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: فى بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٨/ ٨١٤، ٤٧/ ٨٤٥، وفي "الكبرى" ٢٨/ ٨٨٨، عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "الصلاة" عن أحمد بن أبي رجاء، عن معاوية ابن عمرو، عن زائدة بن قدامة، وعن عمرو بن خالد، عن زهير، كلاهما عن حميد، عنه.

стр. 6217

وأخرجه أحمد في "المسند" جـ ٣ ص ١٠٣، ١٢٥، ١٨٢، ٢٢٩، ٢٦٣، ٢٨٦. وعبد بن حميد في "مسنده" رقم ١٤٠٦، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي) (١) أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة بضع و٢٥٠، من [١١]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ٤٣/ ٥٠.

стр. 6218

٢ - (أبو هشام) المغيرة بن سَلَمَة القرشي المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩]. قال ابن المديني: كان ثقة. وقال أيضًا: ما رأيت قرشياً أفضل منه، ولا أشد تواضعًا، وأخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول الليل. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري. مات سنة ٢٠٠، وفيها أرخه ابن قانع، وقال: ثقة. علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١). ٣ - (أبان) لن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة، له أفراد، مات في حدود سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٨/ ٧٨٧. ٤ - (قتادة) بن دِعَامة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع و١١٠، رأس الطبقة الرابعة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.

стр. 6219

لطائف هذا الإسناد (منها) أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي، ومسلسل بالتحديث غير أوله، ففيه "أخبرنا" والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) قتادة (حدثنا أنس) ﵁ (أن نبي الله ﷺ ، قال: راصوا صفوفكم)، ولأبي داود "رُصُّوا" بضم الراء ثلاثيًا. أي ضموا بعضها إلى بعض، مثل ضم لَبِنَات الجدار، حتى لا يكون بينكم فُرَج، من رَصَّ البناء من باب نصر: إذا ضم بعضه إلى بعض، كما تقدم (وقاربوا بينها) أي اجعلوا ما بين كل صفين من الفصل قليلاً بحيث يقرب بعض الصفوف إلى بعض، ولا يسمع بين الصفين صف آخر. قال الجامع عفا الله عنه: قدر بعضهم التقارب بين الصفوف بثلاثة أذرع، ولكن لم يذكر مستنده. والله أعلم. وإنما أمر ﷺ بالتقارب بينها، ليكون تقارب الأشباح سببًا لتقارب الأرواح، وتآلفها، فلا يقدر الشيطان على أن يوسوس لهم (١) (وحاذوا بالأعناق) قيل: الظاهر أن الباء زائدة، والمعنى: اجعلوا بعض الأعناق

стр. 6220

في مقابلة بعض. قاله السندي. وفي "المنهل": أي اجعلوا الأعناق على سمت واحد، فلا يكون عنق أحدكم خارجًا عن محاذاة عنق الآخر. ويحتمل أن يكون المراد بمحاذاة الأعناق أن لا يرتفع بعضهم على بعض بأن يقف في مكان أرفع من الآخر. قاله القاضي عياض. انتهى (١). (فوالذي نفسي بيده، إِني لأرى الشياطين تدخل من خَلَل الصف) بفتحتين: أي فرجته، أو كثرة تباعد بعضها عن بعض (كأنها الحذف) بحاء مهملة، وذال معجمة مفتوحتين: الغنم الصغار الحجازية، واحدها حذَفَة بالتاء، كقَصَب وقَصَبة. وقيل: هي غنم صغار سُود جُرد، ليس لها آذان، ولا أذناب، يُجاء بها من اليمن. وفي رواية للحاكم، وصححه على شرط الشيخين (٢)، عن البراء ابن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "تراصّوا في الصفّ، لا يتخللكم أولاد الحَذَف"، قال: قلت: يا رسول الله، وما أولاد الحذف؟ قال: "ضأن جُرْدٌ تكون بأرض اليمن". انتهى "المستدرك" جـ ١ ص ٢١٧. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 6221

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٨/ ٨١٥، وفي "الكبرى" ٢٨/ ٨٨٩، عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخَرِّميّ، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم الأزدي، عن أبان، به. وابن خزيمة برقم (١٥٤٥) عن محمد بن معمر القيسي، عن مسلم ابن إبراهيم، به. وقال: قال مسلم: يعني النَّقَدَ (١) الصغار. النقد الصغار أولاد الغنم. وأخرجه البيهقي في "الكبرى" من طريق أبي داود بـ٣ ص ١٠٠. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 6222

فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ". قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ يَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (الفضيل بن عياض) التميمي الزاهد، أبو علي الخراساني، نزيل مكة، ثقة عابد إمام، مات سنة ١٨٧، من [٨]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، حجة لكنه مدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرح له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، ثقة، من [٤]. قال الدوري، عن ابن معين. لم يسمع من أحد من الصحابة، إلاَّ من البراء، وأبي إياس، عامر بن عبدة. وقال العوام بن حوشب: كان المسيب يختم القرآن في كل ثلاث. وقال أبو حاتم. سمعت أبي يقول: المسيب عن ابن مسعود مرسل. وقال مرة: لم يلق ابن

стр. 6223

مسعود، ولم يلق عليًا، إنما يروي عن مجاهد ونحوه. وقال أبو زرعة: المسيب عن سعد بن أبي وقاص مرسل، قلت: سمع منه عبد الله؟ قال: لا برأسه. وقال أبو حاتم: روى عن جابر بن سمرة قليلاً، ولا أظنه سمع منه يدخل بينه وبينه تميم بن طرفة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي عاصم، وغيره: مات سنة ١٠٥، أخرج له الجماعة. ٥ - (تميم بن طرفة) -بفتح الطاء والراء- الطائفي المُسْلِيّ -بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفي، ثقة، من [٣]. قال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الشافعي: تميم بن طرفة مجهول. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة مأمون. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو حسان الزيادي، وغيره: مات سنة ٩٤، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ٩٥، وقال ابن قانع: توفي سنة ٩٣، وقال ابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ٦ - (جابر بن سمرة) بن جُنادة -بضم الجيم، بعدها نون- ويقال: ابن عمرو بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة -بضم المهملة، وتخفيف الواو- بن عامر بن صعصعة، السُّوائي، أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، وضبط العسكري اسم جده بزاي، وبائين الأولى مشددة. وكذا قال ابن ماكولا. له، ولأبيه صحبة، نزل

стр. 6224

الكوفة، ومات بها، وله عقب بها. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وخاله سعد بن أبي وقاص، وعمر، وعلي، وأبي أيوب، ونافع بن عتبة بن أبي وقاص. وعنه سماك بن حرب، وتميم بن طرفة، وجعفر ابن أبي ثور، وأبو عون الثقفي، وعبد الملك بن عمير، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة. وذكر البرديجي أن أبا إسحاق لم يصح سماعه منه. قال ابن سعد: توفي في خلافة عبد الملك بن مروان، في ولاية بشر ابن مروان. وقال خليفة: مات سنة ٧٣، وقيل عنه: سنة ٧٦، وقال ابن منجويه. سنة ٧٤، وقيل غير ذلك. وقول من قال: مات سنة ٧٤، كما قال الحافظ -أشبه بالصواب؛ لأن بشر بن مروان ولي الكوفة سنة ٧٤، ومات سنة ٧٥، وقد ذكر أكثر المؤرخين أن جابر بن سمرة مات في أيامه. أخرج له الجماعة. له ١٤٦ حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثاً. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها. أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا الفضيل، فلم يخرج له ابن ماجه، وتميم بن طرفة، فلم يخرج له بالبخاريّ، والترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، الأعمش، والمسيب، وتميم ابن طرفة. والله تعالى أعلم.

стр. 6225

شرح الحديث (عن جابر بن سمرة) ﵄، أنه (قال: خرج إِلينا رسول الله ﷺ ) أي من بعض حجره (فقال: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف "لا"، ويجوز تشديدها لغةً، وهي أداة تحضيض، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢]. وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢، ١٣]. (تصفون) بفتح المثناة الفوقية، وضم الصاد، أو بضم التاء، وفتح الصاد مبنيًا للمفعول. والمراد: الصف في الصلاة. وفي رواية مسلم: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمسٍ؟، اسكنوا في الصلاة"، ثم خرج علينا، فرآنا حِلَقًا، فقال: "ما لي أراكم عزين؟ " -أي متفرقين- ثم خرج علينا، فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم" … الحديث. (كما تصف الملائكة) فيه الاقتداء لأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبداتهم، وفيه أن الملائكة يصلون، وأن صفوفهم كما وُصِفَ في هذا الحديث. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلْنا بثلاث، صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعل لنا ترابها طهورًا إذا لم نجد الماء". (عند ربهم) ولابن حبان "عند ربها" (قالوا) أي قال الصحابة

стр. 6226

المخاطبون بإتمام الصف. ولأبي داود: "قلنا" (وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال) ﷺ : (يتمون الأول) وفي التفسير من "الكبرى" ٢٩٩/ ١١٤٣٤ "يتمون الصف المقدم". وهكذا رواية المصنف بالإفراد، فتكون "أل" جنسية، ومدخولها كالنكرة المقرونة بكل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١) [العصر: ٢]، فيشمل الصفوف المتقدمة ما عدا الصف الأخير، فيكون المعنى: يتمون الصفوف المتقدمة. وفي رواية مسلم، وابن ماجه. "يتمون الصفوف الأُوَل". بالجمع، وهي واضحة. وعند أبي داود: "يتمون الصفوف المتقدمة". أي لا يشرعون في صف حتى يكمل الذي قبله (ثم يتراصون في الصفوف) أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج. ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن سمرة ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 6227

أخرجه هنا ٢٨/ ٨١٦، وفي "الكبرى" ٢٨/ ٨٩٠، وفي "التفسير" ٢٩٩/ ١١٤٣٤ عن قتيبة، عن فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وعن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس. وأبو داود فيه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير بن معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب ابن رافع، عن تميم بن طرفة، عنه. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع به. وأحمد جـ ٥/ ص ١٠١، ١٠٦. وابن خزيمة رقم (١٥٤٤). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائد أحاديث الباب: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو أن الإمام يحث المأمومين على رَصِّ الصفوف، والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من شدة الاهتمام في تسوية الصفوف. ومنها: أنّ فيه إثبات المعجزة الظاهرة له ﷺ ، حيث أكرمه الله تعالى برؤية من خلفه، كما يرى من أمامه دون أن يلتفت إليهم، وكذلك رؤيته الشياطين تدخل بين خلَل الصفوف لوسوسة المصلين.

стр. 6228

ومنها: أن تسوية الصفوف يكون بالمقاربة، ومحاذاة الأعناق. ومنها: أن تسوية الصفوف، والتقارب فيما بينها مانع من دخول الشياطين بين المصلين، وأن عدم ذلك سبب لدخولها، فتتسلط عليهم بشدة الوسوسة لهم. ومنها: أن الملائكة يصلون جماعة، وأنهم يعتنون بتسوية الصفوف، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للممسلمين أن يقتدوا بهم في ذلك. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن تسوية الصفوف مستحبة، وقد استدلّ لهم بحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة"، ولمسلم من حديث أنس ﵁: "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة". وللبخاري: "من إقامة الصلاة". قال ابن بطال ﵀: هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنة؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب. قال: ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس: "من إقامة الصلاة" أن إقامة الصلاة تقع على السنة،

стр. 6229

كما تقع على الفريضة. وقال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: قد يؤخذ من قوله: "من تمام الصلاة" أنه مستحب غير واجب؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا يتم الحقيقة إلا به. انتهى. وقد اعترض العلامة الصنعاني على قوله: ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها. قائلاً: التعبير بالأركان، والواجبات ليس من المطرد، واعتبارات الشارع له مسلم، بل قال في الفاتحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن". وقال ﷺ : "فإنك لم تصل". وغاية كون هذا القول، أو الفعل ركنًا من الصلاة، أو واجبًا منها، لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتم الصلاة إلا به، وإن جاء فنادر. واعترض الحافظ ﵀ قوله: في مشهور الاصطلاح. قائلا: وهذا الأخذ بعيد؛ لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث. انتهى. وذهب أبو محمد ابن حزم ﵀ إلى فرضيته، وبطلان الصلاة بتركه، فقال: وفرض على المأمومين تعديل الصفوف الأول. والتراص فيها، والمحاذات بالمناكب والأرجل، فإن كان نقص كان في

стр. 6230

آخرها، ومن صلى وأمامه في الصف فرجة يمكنه سدها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته. واستدل على ذلك بحديث النعمان بن بشير ﵄. "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم". المتقدم ٢٥/ ٨١٠ قال: وهذا وعيد شديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر، ثم ذكر قول أنس ﵁: كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه لقدمه. وهو في "صحيح البخاري". ثم قال: وهذا إجماع منهم، ثم قال: وبقولنا يقول السلف الطيب، روينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النهدي، قال. كنت فيمن ضرب عمرُ بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة. قال ابن حزم: ما كان ﵁ ليضرب أحدًا، ويستبيح بشرة محرمة عليه على غير فرض. ثم حكى ابن حزم بعث عمر رجالاً يسوون الصفوف، فإذا جاءوا كبر. وكذلك بعث عثمان ﵁ رجالاً لذلك، وأنه لا يكبر حتى يخبروه باستوائها، ثم قال: فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حكى عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال هو مؤذن رسول الله ﷺ يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك ﵁ لما قدم المدينة: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول الله ﷺ ، فقال:

стр. 6231

لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى كلام ابن حزم باختصار (١). وقال الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": [باب إثم من لم يُتِمّ الصفوف]، ثم أخرج مُسْتَدِلاً على ما ترجم له حديث أنس ﵁ أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال في "الفتح"، قال ابن رشد: وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم. وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]. على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كانت عليها رسول الله ﷺ يأثم، لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية. وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم، انتهى كلام ابن رشد ملخصًا. قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل على ترك واجب. وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها

стр. 6232

المدح عليها؛ دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا، سلمنا، لكن يرد عليه التعقب الذي قبله. ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: "سووا صفوفكم". ومن عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومن ورود الوعيد على تركه، فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن. ومع القول بأن التسوية واجبة في الصلاة، فصلاة من خالف، ولم يسو صحيحة، لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم، فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب، وفيه نظر؛ لجواز أنهما كان يريان التعزير على ترك السنة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي مما ذكر من الأدلة وجوب تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى

стр. 6233

المذكور آنفًا. والحاصل أن الأدلة التي استدل لها أبو محمد ابن حزم ﵀ واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها بطلان الصلاة فغير واضحة. ولذا قال العلامة الصنعاني ﵀ -بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ- ما نصه: قلت: الوعيد بقوله ﷺ : "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في "شرح الترمذي". ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد، وفيه ضعف: "لتسون صفوفكم، أو لتطمسن الوجوه". ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر، وبلال رضي الله تعالى عنهما أدلة على الوجوب ناهضة، وأما على بطلان الصلاة، فلابدّ من الدليل عليه. انتهى (١). فتلخص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف، دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها. والله تعالى أعلم. تَتِمَّةٌ: ذكر العلماء في حكمة إقامة الصفوف أمورًا: أحدها: حصول الاستقامة، والاعتدال ظاهرًا، كما هو مطلوب باطناً.

стр. 6234

ثانيها: أن لا يتخلل الشيطان بينهم، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما أشار إليه في حديث أنس ﵁، المذكور في الباب. ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة. رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم. خامسها: أن لا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …

стр. 6235

٢٩ - باب فَضْلِ الصَّفِّ الأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّ على حث فضل من صلى في الصف الأول على من صلى في الصف الثاني. ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا"، حيث فضله ﷺ على الثاني بالصلاة عليه ثلاثًا. والله تعالى أعلم. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله، هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه مقدمًا أو مؤخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا؟ هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون. وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصووة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر. وقيل: الصف عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولاً، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره، ومثله لأنبه على بطلانه، لئلا يُغْتَرَّ به. والله أعلم. انتهى كلام النووى رحمه الله تعالى (١).
следующие страницы →