لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى كلام ابن حزم باختصار (١).
وقال الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": [باب إثم من لم يُتِمّ الصفوف]، ثم أخرج مُسْتَدِلاً على ما ترجم له حديث أنس ﵁ أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.
قال في "الفتح"، قال ابن رشد: وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم. وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]. على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كانت عليها رسول الله ﷺ يأثم، لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية. وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم، انتهى كلام ابن رشد ملخصًا.
قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل على ترك واجب. وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها
стр. 6232
المدح عليها؛ دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا، سلمنا، لكن يرد عليه التعقب الذي قبله.
ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: "سووا صفوفكم". ومن عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومن ورود الوعيد على تركه، فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن. ومع القول بأن التسوية واجبة في الصلاة، فصلاة من خالف، ولم يسو صحيحة، لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم، فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب، وفيه نظر؛ لجواز أنهما كان يريان التعزير على ترك السنة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي مما ذكر من الأدلة وجوب تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى
стр. 6233
المذكور آنفًا.
والحاصل أن الأدلة التي استدل لها أبو محمد ابن حزم ﵀ واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها بطلان الصلاة فغير واضحة. ولذا قال العلامة الصنعاني ﵀ -بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ- ما نصه: قلت: الوعيد بقوله ﷺ : "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في "شرح الترمذي". ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد، وفيه ضعف: "لتسون صفوفكم، أو لتطمسن الوجوه". ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧].
نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر، وبلال رضي الله تعالى عنهما أدلة على الوجوب ناهضة، وأما على بطلان الصلاة، فلابدّ من الدليل عليه. انتهى (١).
فتلخص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف، دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها. والله تعالى أعلم.
تَتِمَّةٌ: ذكر العلماء في حكمة إقامة الصفوف أمورًا:
أحدها: حصول الاستقامة، والاعتدال ظاهرًا، كما هو مطلوب باطناً.
стр. 6234
ثانيها: أن لا يتخلل الشيطان بينهم، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما أشار إليه في حديث أنس ﵁، المذكور في الباب.
ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة.
رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم.
خامسها: أن لا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير
من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6235
٢٩ - باب فَضْلِ الصَّفِّ الأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّ على حث فضل من صلى في الصف الأول على من صلى في الصف الثاني.
ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا"، حيث فضله ﷺ على الثاني بالصلاة عليه ثلاثًا. والله تعالى أعلم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله، هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه مقدمًا أو مؤخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا؟ هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون.
وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصووة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر. وقيل: الصف عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولاً، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره، ومثله لأنبه على بطلانه، لئلا يُغْتَرَّ به. والله أعلم. انتهى كلام النووى رحمه الله تعالى (١).
стр. 6236
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد اختلف في الصف الأول في السجد الذي فيه منبر، هل هو الخارج بين يدي المنبر، أو الذي هو أقرب إلى القبلة؟ فقال الغزالي في "الإحياء": إن الصف الأول هو المتصل الذي في فناء المنبر، وما عن طرفيه مقطوع. قال: وكان سفيان يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر، قال: ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الأول.
قيل لبشر بن الحارث: نراك تبكر، وتصلي في آخر الصفوف؟ فقال: إنما يراد قرب القلوب لا قرب الأجساد، والأحاديث ترد هذا. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف (١). والله تعالى أعلم.
٨١٧ - أَخْبَرَنِا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ ثَلَاثًا، وَعَلَى الثَّانِى وَاحِدَةً.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (يحيى بن عثمان الحمصي) هو يحيى بن عثمان بن سعيد
стр. 6237
ابن كثير بن دينار القرشي، أبو سليمان، ويقال: أبو زكرياء الحمصي، صدوق عابد من [١٠].
قال أحمد بن أبي الحواري عن أحمد لن حنبل: نعم الشيخ هو. ويُروَى عن محمد بن عوف: قال: رأيت أحمد بن حنبل يُجِلّ يحيى ابن عثمان، قال ابن عوف: كان عمرو بن عثمان، ويحيى بن عثمان ثقتان، ولكن يحيى كان عابدًا، وعمرو أبصر بالحديث منه. وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحًا صدوقًا. وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر، لا بأس به. وقال الدُّولابي: ثنا يحيى بن عثمان الشيخ العابد. وقال الحسين بن محمد بن إبراهيم: ثنا يحيى بن عثمان المختار العدل الرضي. وقال إبراهيم بن محمد بن متويه: ثنا يحيى بن عثمان، وكان يقال: إنه من الأبدال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان عابدًا ورعًا.
وقال ابن عدي: قال لنا أبو عروبة الحسين بن أبي معشر الحرّاني: يحيى بن عثمان هذا لا يَسْوَى نواة في الحديث، كان يتلقن كل شيء، وكان يعرف بالصدق، سمعت المسيب بن واضح يقول: رأيت في النوم قائلاً يقول: إن كان بقي من الأبدال أحد فيحيى بن عثمان الحمصي، قال ابن عدي: وليحيى بن عثمان أحاديت صالحة عن شيوخ الشام، ولم أر أحدًا يطعن فيه غير أبي عروبة، وهو معروف بالصدق، وأخوه عمرو بن عثمان كذلك، وأبوهما، وهم من أهل
стр. 6238
بيت الحديث بحمص، وليس بهم بأس وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مأمون، روى عنه بقي بن مخلد. وقال ابن حبان: مات سنة بضع وخمسين ومائتين. وقال ابن قانع، وأبو القاسم ابن منده: توفي سنة ٢٥٥، روى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١).
٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلَاعي، أبو يُحْمِد، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنة ١٩٧، وله ٨٧ سنة، من [٨]، أخوج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٤٥/ ٥٩٢.
٣ - (بحير بن سَعْد (٢)) السّحولي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من [٦]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. تقدم في ١/ ٦٨٨.
٤ - (خالد بن مَعْدَان) الكلاعي، أبو عبد الله الحمصي، ثقة عابد، يرسل كثيرًا، مات سنة ١٠٣، وقيل بعد ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ٦٨٨.
стр. 6239
٥ - (جُبير بن نُفَير) بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة ٨٠، وقيل بعدها، من [٢]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٦ - (العِرْبَاض (١) بن سارية) السلمي، كنيته أبو نجيح، كان من أهل الصفة، ونزل حمص. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي عبيدة بن الجرّاح، وعنه ابنته أم حبيبة، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي، وسعيد ابن هانىء الخولاني، وغيرهم. قال محمد بن عوف: كل واحد من العرباض بن سارية، وعمرو بن عَبَسَة، يقول: أنا ربع الإسلام، لا ندري أيهما أسلم قبك صاحبه. قال ضمضم بن زُرْعَة، عن شريح بن عبيد: كان عتبة بن عبد يقول: عرباض خير مني، وكان عرباض يقول: عتبة خير مني، سبقني إلى النبي ﷺ بسنة. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وقال أبو مسهر، وغير واحد: مات سنة ٧٥، وقال أبو عمر الزاهد غلام ثعلب: العرباض: الطويل من الناس وغيرهم الجلد المخاصم من الناس، وهو مدح. أخرج له الأربعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله موثقون، غير أن بقية مشهور بالتدليس، حتى
стр. 6240
قيل: بقية، أحاديثه غير نقية، فكن منها على تَقِيَّة. لكنه صرح بالتحديث في رواية أحمد جـ ٤ ص ١٢٨، وله متابع كما سيأتي قريبًا
ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن العرباض بن سارية) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ) الجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي كونه مخبرًا عن حاله ﷺ (كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً) أي يستغفر لأهل الصف الأول، ففي رواية أحمد، وابن ماجه، وابن خزيمة: "كان يستعْفر للصف المقدم ثلاثًا" … ويحتمل أن يكون المعنى يدعو لهم بلفظ الصلاة، فقد ثبت أنه ﷺ كان يدعو بلفظ الصلاة للناس، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ إذا أُتِيَ بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". وأخرج أحمد، وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄: أن امرأة قالت: يا رسول الله صَلِّ عليّ وعلى زوجي-صلى الله عليك وسلم- فقال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك".
وقال السندي ﵀: أي يدعو لهم بالرحمة، ويستغفر لهم
стр. 6241
ثلاث مرات، كما فعل بالمحلقين والمقصرين. والظاهر أنه دعا لهم أعم من أن يكون بلفظ الصلاة، أو غيره، ويحتمل خصوص لفظ الصلاة أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(وعلى الثاني واحدة)، أي يصلي على أهل الصف الثاني صلاة واحدة، فـ "واحدة" نعت لمصدر محذوف، كما قدرته. وفيه بيان فضل الصف الأول على الثاني، كما ترجم محليه المصنف رحمه الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث العرباض بن سارية ﵁ هذا صحيح. وبقية، وإن كان معروفًا بالتدليس عن الضعفاء، فقد تابعه إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل بلده صحيحة، كما نص عليه الأئمة، أحمد، وابن معين، وغيرهما. وتابعه أيضًا شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد. أخرجه أحمد جـ ٤ ص ١٢٨، والدارمي رقم ١٢٦٩، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٢٩/ ٨١٧، وفي "الكبرى" ٢٩/ ٨٩١، عن يحيى بن
стр. 6242
عثمان، عن بقية، عن بحير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن جُبير ابن نُفير، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد ابن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن خالد بن معدان، عن عرباض بن سارية ﵁، وليس فيه جبير بن نفير، ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، وللثاني مرة".
وأحمد جـ ٤/ ١٢٨ عن حيوة بن شريح، عن بقية، بسند المصنف، وعن حسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، به وعن الحكم نافع، عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، به. وجـ ٤/ ١٢٦، عن يحيى بن سعيد، ووكيع. و١٢٧، عن إسماعيل ثلاثتهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد ابن معدان، عن عرباض، وليس فيه جبير.
والدارمي رقم (١٢٦٩) عن الحسن بن علي، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد، عن جبير به، و١٢٦٨ عن وهب بن جرير، عن هشام الدستوائي، به، وليس فيه ذكر جبير.
стр. 6243
وابن خزيمة رقم (١٥٥٨) عن الحسن بن محمد، عن يزيد بر هارون، وعبد الله بن بكر، وعن سَلْم بن جُنادة، عن وكيع، ثلاثتهم عن هشام الدستوائي به، وليس فيه ذكر جبير بن نفير.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أنه وقع اختلاف على يحيى بن أبي كثير، فروى عنه شيبان بن عبد الرحمن، فأدخل جبير ابن نفير بين خالد بن معدان، والعرباض بن سارية، وروى عنه هشام الدستوائي، فأسقطه، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يضر في صحة الحديث، لإمكان حمله على أن خالدًا سمع الحديث من جبير، ثم لقي العرباض، فسمعه منه، فكان يحدث عنهما، ومثل هذا في أحاديث الحفاظ كثير، ويدل على ذلك وقوع التصريح بالتحديث عند أحمد جـ ٤ ص ١٢٧. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6244
٣٠ - الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الصف المؤخر.
ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "وإن كان نقص، فليكن في الصف المؤخر"، حيث جعل ﷺ ما يكون في الصفوف من النقص محله الصف المؤخر. والله تعالى أعلم.
٨١٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتِمُّوا الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدريّ، أبو مسعود المصري ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة، ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (سعيد) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، يدلس، واختلط بآخره، أثبت الناس في قتادة، مات
стр. 6245
سنة ١٥٦، من [٦] أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دِعَامة البصري، ثقة تبت مدلس، من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
ولطائف هذا الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عه (أن رسول الله ﷺ قال: أتموا الصف الأول) وتقدم الخلاف في المراد بالصف الأول في الباب الماضي، وأن الراجح أنه الذي يلي الإمام (ثم) أتموا الصف (الذي يليه) أي يلي الأول (وإِن كان نقص)، أي وإن حصل في الصفوف نقص، فـ"كان" تامة، مكتفية بمرفوعها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. قال الحريري في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
(فليكن في الصف المؤخر) و"يكن" ناقصة، واسمها ضمير "نقص"، والجار والمجرور خبرها، والجملة جواب "إن"، أي فليكن ذلك النقص كائنًا في الصف المؤخر. وهذا هو محل الترجمة، ففيه بيان حكم الصف المؤخر، وهو أنه إن حصل نقص في الصفوف لقلة الرجال الحاضرين ينبغي أن يكون فيه.
стр. 6246
والمقصود من هذا أن لا يكون نقص في الصف الأول، ولا في الثاني، ولا في الثالث، وهلم جَرّا إلى أن تنتهي الصفوف، فإن كان نقص، ولابدّ، فليجعل في الصف الأخير. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
يستحب أن يكون موقفُ الصف الناقص يمينَ الإمام، ولا يستحب توسيطه، لما أخرجه أبو داود، وغيره بإسناده حسن، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"، ولحديث البراء ﵁: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، وسيأتي للمصنف ٣٤/ ٨٢٢.
وأما حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "وسطوا الإمام، وسدوا الخلل"، رواه أبو داود. ففي سنده يحيى بن بشيربن خلاد، وهو مستور، عن أمه وهي مجهولة، فلا يصح الاستدلال به، وإن استدل له صاح "المنهل العذب" المورود" جـ ٥ ص ٦٠. فتبصر. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 6247
أخرجه هنا ٣٠/ ٨١٨، وفي "الكبرى" ٣٠/ ٨٩٢ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" ٦٧١، عن محمد بن سليمان الأنباري، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة به. وأحمد جـ ٣ ص ١٣٢، ٢١٥، ٢٣٣. وابن خزيمة رقم (١٥٤٦، ١٥٤٧).
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6248
٣١ - مَنْ وَصَلَ صَفًّا
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل من وصل صفًّا.
ومحل الاستدلال من الحديث واضح.
٨١٩ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عيسى بن إِبراهيم بن مثرود)، هو عيسى بن إبراهيم بن عيسى بن مثرود -بمثلثة ساكنة- المثرودي الغافقي، ثم الأحدبي مولاهم، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [١٠].
قال النسائي في "الكبرى" في إسناد حديث الباب: أنبأنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود، مصري، لا بأس به. وقال الطحاوي: ذكر مولده سنة ١٦٦ وهو أبي من الرضاعة. وقال ابن يونس: توفي في صفر
стр. 6249
لسنة ٢٦١ (١)، وكان مولده لسنة ١٧٠، ذكر ذلك الله محمد بن عيسى، وكان ثقة ثبتاً. وقال ابن أبي حاتم: توفي قبل قدومي مصر بقليل، قال. وهو شيخ مجهول. وقال مسلمة بن قاسم: مصري ثقة، أنا عنه غير واحد. أخرج له أبو داود، والنسائي (٢).
٢ - (عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، مات سنة ١٩٧، وله ٧٢ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي، أبو عمرو، وقيل غيره الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق، له أوهام، مات سنة ١٥٨، وقيل: بعد سنة ١٧٠، من [٧]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٤ - (أبو الزاهرية) حُدَير بن كُرَيب (٣) الحضرمي، ويقال: الحميري الحمصي، صدوق، من [٣].
وثقه ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، وإلنسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس له. وقال الدارقطني: لا بأس له إذا روى عنه ثقة. وقال ابن سعد: توفي سنة ١٢٩، وكان ثقة -إن شاء الله- كثير
стр. 6250
الحديث. وقال البخاري، عن عمرو بن علي: مات سنة ١٠٠، وقال: أخشى أن لا يكون محفوظًا، وكذا قال أبو عبيد. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال الحافظ: وهو نحو قول عمرو بن علي. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون إلا الترمذي.
٥ - (كثير بن مُرّة) الحضرمي الرُّهاوي، أبو شَجَرَة الحمصي، ثقة، من [٢]، ووهم من عده في الصحابة، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١/ ٦٨٨.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مِصْرِيَّينِ؛ وهما عيسى، وابن وهب، وحمْصيِّينَ؛ وهم الباقون، إلا ابن عمر؛ فمدني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، وفيه عبد الله بن عمر، أحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ -
стр. 6251
قال: من وصل صفًا) لأن كانت فيه فرجة تسعه، فسدها، أو نقصان فأتمه (وصله الله) برحمته (ومن قطع صفًا) بأن لم يسد فرجة فيه تسعه، أو منع غيره من الدخول فيه بدون ضرر يلحقه بذلك، أو جلس في وسط الصف بلا صلاة (قطعه الله من رحمته، وعظيم فضله. وفيه دليل على وجوب سد الفُرَج في الصفوف، وترغيب في وصلها، لما فيه الخير العظيم، وتحذير من قطعها، لما فيه من الوعيد الشديد، ولذا عده ابن حجر الهيتمي الفقيه الشافعي ﵀ من الكبائر في كتابه "الزواجر".
وهذا الحديث مختصر، وقد ساقه أحمد، وأبو داود بطوله، ولفظه عن عبد الله بن عمر. أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، فإنما تَصُفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدّوا الخَلَل، ولينُوا في أيدي إخوانكم، ولا تَذَرُوا فُرُجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ﵎، ومن قطع صفّاً قطعه الله"، وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 6252
أخرجه هنا ٣١/ ٨١٩، وفي "الكبرى" ٣١/ ٨٩٣ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" ٦٦٦ بسند المصنف، و٦٦٦ عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة: أن رسول الله ﷺ قال: … ولم يذكر ابن عمر. ثم قال: قال أبو داود: أبو شجرة: كثير بن مرة. وأحمد ٢/ ٩٧، وابن خزيمة رقم (١٥٤٩)، ورواية ابن خزيمة مختصرة كرواية المصنف. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6253
٣٢ - ذِكْرِ خَيْرِ صُفُوفِ النِّسَاءِ وَشَرِّ صُفُوفِ الرِّجَالِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على خير صفوف النساء، وعلى شر صفوف الرجال. ومحل الاستدلال من الحديث واضح.
وفيه احتباك (١): وهو الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وبالعكس، أي وشر صفوف النساء، وهو خير صفوف الرجال.
٨٢٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة فقيه، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢/ ٢.
стр. 6254
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي قاضي الري، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة ١٨٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (سُهَيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدني، مولى جُويرية بنت الأحمس امرأة من غَطَفَان، أخو صالح بن أبي صالح، وعبد الله ابن أبي صالح، ومحمد بن أبي صالح، صدوق، تغير بأخَرَة، من [٦].
قال ابن عيينة: كنا نعد سهيلاً ثبتًا في الحديث. وقال حرب، عن أحمد: ما أصلح حديثه. وقال أبو طالب: سألت أحمد عن سهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو؟ فقال: قال يحيى بن سعيد القطان: محمد -يعني ابن عمرو- أحبهما إلينا. وما صنع شيئًا، سهيل أثبت عندهم. وقال الدوري عن ابن معين. سهيل بن أبي صالح، والعلاء ابن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: سهيل أشبه، وأشهر -يعني من العلاء- وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج له، وهو أحب إليّ من العلاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لسهيل نُسَخ، وقد روى عنه الأئمة، وحدث عن أبيه، وعن جماعة، عن أبيه، وهذا يدلّ على تمييز الرجل، كونُهُ مَيَّزَ ما سمع من أبيه، وما سمع من غير أبيه عنه، وهو عندي ثَبْت، لا بأس به، مقبول الأخبار. روى
стр. 6255
له البخاري مقرونًا بغيره. وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السلمي: سألت الدارقطني لِمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتاب الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مر بحديث سهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير، وغيرهما. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطىء، مات في ولاية أبي جعفر، وكذا أرخه ابن سعد، وقال: كان سهيل ثقة كثير الحديث، وأرخه ابن قانع سنة ٣٨، وذكره البخاري في تاريخه، قال: كان لسهيل أخ، فمات، فوجد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث، وذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه عن يحيى، قال: لم يزل أهل الحديث يتقون حديثه، وذكر العقيلي عن يحيى أنه قال. هو صويلح، وفيه لين.
وقال الحاكم في باب: مَنْ عِيبَ على مسلم إخراجُ حديثه. سهيل أحد أركان الحديث، وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول، والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد، وقد روى مالك عنه، وهو الحَكَم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق. إنه نسي الكثير منه، وساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق، إلا أنه أصاله بِرْسَام (١) في آخر عمره، فذهب بعض حديثه. أخرج له الجماعة (٢).
стр. 6256
٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة ١٠١، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٥ - (أبو هريرة) الصحابي المشهور، ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، على خلاف في سهيل، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأن شيخه مروزي، وجريرًا كوفي، ثم رازي، والباقون مدنيون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : خير صفوف الرجال أولها) مبتدأ وخبر، أي أفضل صفوف الرجال، وأكثرها ثوابًا: أولها. وإنما كان خيرًا؛ لأن الله تعالى وملائكته يصلون على الصف الأول، كما تقدم؛ ولأنهم اختصوا بكمال الأوصاف، والضبط عن الإمام، والاقتداء له، والتبليغ عنه؛ ولأنهم هم المبادرون، ملهم فضيلة السبق والقرب من الإمام، ولما فيه من البعد عن النساء.
стр. 6257
وقال ابن الملك: المراد بالخيرة كثرة الثواب، فإن الصف الأول أعلم بحال الإمام، فتكون متابعته أكثر، وثوابه أوفر. انتهى.
وقد تقدم الخلاف في المراد بالصف الأول الذي وردت الأحاديث بفضله، وأن الراجح أنه الذي يلي الإمام، أجاء صاحبه متقدمًا، أم متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة، ونحوها، أم لا.
(وشرهما آخرها) يعني أن أقل صفوف الرجال ثواباً آخرها؛ لبعدهم عن الإمام؛ ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول؛ ولقربهم من النساء (١).
(وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) يعني أن أكثر صفوف النساء ثوابًا آخرها، لبعدهن عن الرجال؛ ولأن مرتبتهن متأخرة من مرتبة الرجال، فيكون آخر الصفوف أليق بهن، وأقل صفوفهن ثوابًا أولها لقربهن من الرجال.
وقال الطيبي: الرجال مأمورون بالتقدم، فمن كان أكثر تقدمًا فهو أشد تعظيمًا لأمر الشارع، فيحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، أما النساء فمأمورات بالاحتجاب (٢).
وقال السندي ﵀: قوله: "خير صفوف الرجال" أي
стр. 6258
أكثرها أجرًا "وشرها" أي أقلها أجرًا. وفي النساء بالعكس، ودْلك لأن مقاربة أنفاس الرجال للنساء يخاف منها أن تشوش المرأة على الرجل والرجل على المرأة. ثم هذا التفضيل في صفوف الرجال على إطلاقه، وفي صفوف النساء عند الاختلاط بالرجال، كذا قيل، ويمكن حمله على إطلاقه لمراعاة الستر، فتأمل. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: أما صفوف الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا. وأما صفوف النساء، فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات، لا مع الرجال، فهن كالرجال، خير صفوهن أولها، وشرها آخرها. والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابًا وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجالط، ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تفريق النووي بين صلاة النساء مع الرجال، وبين صلاتهن منفردات يحتاج إلى دليل، فالأولى إجراء
стр. 6259
النص على عمومه حتى نجد نصًا مخصصاً. فخير صفوف النساء مطلقًا، سواء صلين مع الرجال أو وحدهن آخرها، وشرها أولها. وقد أشار إلى هذ السندي في كلامه السابق. والله تعالى أعلم.
ودلّ حديث الباب على ترغيب الرجال في الصف الأول، وعلى تحذيرهم من التأخر عنه، وعلى ترغيب النساء في الصف الأخير لهن، وتحذيرهن عن الصف الأول.
وفيه أيضًا جواز صلاة النساء جماعة، من غير فرق بين كونهن مع الرجال، أو منفردات، والله ولي التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٢/ ٨٢٠، وفي "الكبرى" ٣٢/ ٨٩٤ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة"، عن زهير بن حرب، عن جرير، وعن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، وأبو داود فيه عن محمد بن
стр. 6260
الصباح، عن خالد بن عبد الله، وإسماعيل بن زكريا. والترمذي فيه عن قتيبة، عن الدراوردي، وابن ماجه فيه عن أحمد بن عبدة، عن الدراوردي أربعتهم عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه. وابن ماجه أيضًا عن أحمد بن عبدة، عن الدراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه.
وأخرجه أحمد جـ ٢/ ص ٣٣٦، ٣٥٤، ٣٦٧. ومن طريق العلاء ين عبد الرحمن، عن أبيه، عنه جـ ٢ ص ٤٨٥، ومن طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عنه جـ ٢ ص ٣٤٠. وابن خزيمة رقم ١٥٦١، وأخرجه الحميدي، والدارمي.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6261
٣٣ - الصَّفُّ بَيْنَ السَّوَارِي
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الصف بين السواري.
والسواري: جمع سارية، وهي الأسْطُوَانة، كجارية، وجَوارٍ. والله تعالى أعلم.
٨٢١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ أَنَسٍ، فَصَلَّيْنَا مَعَ أَمِيرٍ، مِنَ الأُمَرَاءِ، فَدَفَعُونَا، حَتَّى قُمْنَا وَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَجَعَلَ أَنَسٌ يَتَأَخَّرُ، وَقَالَ: قَدْ كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة، من [١١]، انفرد به النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكَين، واسم دُكَين عمرو بن حماد ابن زهير التيمي مولاهم، الأحول المُلائي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢١٨ وقيل: ٢١٩، وكان مولده سنة ١٣٠، من [٩]، وهو من كبار شيوخ البخاري، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١/ ٥١٦.
стр. 6262
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (يحيى بن هانىء) بن عووة بن قعاص، ويقال: فضفاض المرادي، أبو داود الكوفي، ثقة، من [٥].
كان من أشراف العرب، وكان أبوه ممن قتله عُبيد الله بن زياد في شأن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وقال يحيى بن أبي بكير، عن شعبة. كان سيد أهل الكوفة، وقال ابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، والنسائي: ثقة. زاد أبو حاتم: صالح، من سادات أهل الكوفة. وقال الدارقطني: يحتج به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي (١).
٥ - (عبد الحميد بن محمود) المعْوَلي (٢) المصري، ويقال: الكوفي، ثقة مقلّ، من [٤].
روى عن أنس، وابن عباس، وعنه ابناه حمزة، وسيف، قال النسائي: ثقة. وقال الدارقطني: كوفي يحتح له به. وذكره ابن حبان
стр. 6263
في "الثقات". وقد ضعف أبو محمد عبد الحق في "الأحكام " هذا الحديث بعبد الحميد هذا، وقال: ليس ممن يحتح بحديته.
قال أبو الحسن القطان، رادّاً عليه: ولا أدري من أنبأه بهذا، ولم أر أحدًا ممن صنف في الضعفاء ذكره فيهم. ونهاية ما يوجد فيه مما يوهم ضعفًا قول أبي حاتم الرازي، وقد سئل عنه؟: هو شيخ، وقعت له روايات، أخذت عنه. وقد ذكره أبو عبد الرحمن النسائي، مقال: هو ثقة، على شحه بهذه اللفظة. اهـ.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، له عندهم حديث الباب فقط (١).
٦ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها. أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فنسائي، وعبد الحميد فمختلف فيه، كما مر آنفًا، وأنس فبصري، وأن شيخه من أفراده، ويحيى بن هانىء، وعبد الحميد من رجال أبي داود، والترمذي، والنسائي، والباقون من
стр. 6264
رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الحميد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الحميد بن محمود) المِعْوَليّ، أنه (قال: كنا مع أنس) بن مالك ﵁ (فصلينا مع أمير من الأمراء) لم يُسَمَّ ذلك الأمير (فدفعونا) أي دفعنا الناس من الصف، لشدة الزحام (حتى قمنا، وصلينا بين الساريتين) أي الأسطوانتين، والظرف تنازعاه الفعلان قبله، وفي رواية الترمذي، عن عبد الحميد، قال: صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناس، فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا، قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ .
وفي رواية أبي داود، قال. "صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفِعنا إلى السواري، فتقدمنا، وتأخرنا، فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ .
قال صاحب "المنهل" ﵀: فظاهر هاتين الروايتين -يعني رواية النسائي، ورواية الترمذي- أنهم صَلَّوْا بين السواري. ولا منافاة بينهما وبين حديث الباب -يعني حديث أبي داود المذكور- لاحتمال تعدد الواقعة، فمرة لم يصلوا بينها، فيكون قول أنس: كنا نتقي هذا.
стр. 6265
بيانا لسبب تقدمهم وتأخرهم، ومرة صلوا بينها، فيكون قوله: كنا نتقي هذا، تعليمًا لهم، ليتباعدوا عن ذلك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أو يكون معى قوله: "فتقدمنا، وتأخرنا" أي تقدم بعضنا إلى الصف، وتأخر بعضنا عنه، حتى صلى بين الساريتين، فتكون الواقعة واحدة. والله أعلم.
(فجعل أنس يتأخر) "جعل" من أفعال الشروع، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
كَأنْشَأ السَّائِق يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذا جَعَلْتُ وَأخَذْتُ وَعلقْ
فـ "أنس" اسمها، وجملة "يتأخر" خبرها، أي شرع أنس ﵁ يتأخر عن الساريتين، لئلا يصف بينهما (وقال:) مبينًا سبب تأخره لمن معه (كنا) معاشر الصحابة (نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ) أي كنا نحترز عن القيام للصلاة بين السواري، ونجتنبه في زمن رسول الله ﷺ للنهي عنه، فقد أخرج ابن ماجه، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: كنا ننهى أن نصُفّ بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونُطرَد عنها طردًا. وفي إسناده، هارون بن مسلم المصري، وهو مجهول، كما قال أبو حاتم.
стр. 6266
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ويشهد له حديث الباب، فإن قول أنس ﵁: كنا نتقي هذا … إلخ له حكم الرفع عند جمهور المحدثين، ولاسيما، وقد أضافه إلى عهده ﷺ ، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح":
وَلْيعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
كَذَا أُمِرْنَا وَكذَا كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِه أوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
ثالِثُهَا إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعلْمِهِ الْخْلْف نُفِي
وقال الشيخ الألباني في "تمام المنة": إنما قال أبو حاتم في هارون ابن مسلم: مجهول؛ لأنه لم يعرف له راويًا غير عمر بن سنان الصُّغْدي، ولذا لم يذكر له غيره، ولكن الواقع أنه روى عنه أيضًا ثلاثة من الثقات، وكلهم رووا هذا الحديث عنه، وهم: أبو داود الطيالسي، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، ويحيى بن حماد. قال: فثبت بهذا أن هارون بن مسلم هذا معروف، ليس بمجهول، وأن إسناده صحيح، أو حسن على الأقل، وهو صحيح قطعًا بحديث أنس ﵁. انتهى كلام الشيخ الألباني باختصار (١) والله سبحانه ولي التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 6267
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٣/ ٨٢١، وفي "الكبرى" ٣٣/ ٨٩٥، عن عمرو بن منصور عن أبي نعيم، عن سيفان الثوري، عن يحيى بن هانىء، عن عبد الحميد بن محمود المعولي، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سيفان الثوري، به نحوه. وأخرجه الترمذي فيه عن هَنَّادٍ، عن وكيع، عن الثوري به بمعناه.
وأخرجه عبد الرزاق رقم (٢٤٨٩). وابن خزبمة رقم (١٥٦٨)، وابن حبان جـ ٥ ص ٥٩٦ - ٥٩٧. والحاكم وصححه جـ ١/ ٢١٠ و ٢١٨. والبيهقي جـ ٣/ ص ١٠٤.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بين السواري: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: وقد اختلف أهل العلم في الصف بين السواري؛ فكرهت طائفة الصف بين السواري، وممن كره ذلك: ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وروي ذلك عن ابن عباس،
стр. 6268
وكره ذلك النخعي.
ورخصت طائفة فيه، وممن رخص فيه. ابن سيرين، ومالك، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر رحمة الله: ليسى في هذا الباب خبر يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وأعلى ما فيه قول أنس: كنا نتقيه، ولو اتقى متق كان حسنًا، ولا مأثم عندي على فاعله. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: ليس في هذا الباب خبر يثبت … إلخ. نظر، بل صح النهى عنه، كما سبق بيانه، فنقول بالنهي عن الصف بين السواري. والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ ما حاصله: والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر ابن العربي من أن ذلك، إما لانقطاع الصف، أو لأنه موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس: والأول أشبه؛ لأن الثاني مُحْدَث. وقالى القرطبي. وروي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين.
وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم، قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه
стр. 6269
قال أحمد، وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. انتهى. وبالكراهة قال النخعي. وروى سعيد بن منصور في "سننه" النهي عق ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ورخص فيه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، قياسًا على الإمام والمنفرد، قالوا: وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى في الكعبة بين ساريتين.
وقال ابن رسلان: وأجازه الحسن، وابن سيرين. وكان سعيد بن جبير، وإبراهيم التيمي، وسويد بن غَفَلَة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين.
وقال ابن العربي: ولا خلاف في جواز عند الضيق، وأما عند السعة، فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد، فلا بأس به، وقد صلى النبي ﷺ في الكعبة بين سواريها. انتهى.
قال الشوكاني: وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في حال الضيق، لقوله: فاضطرّنا الناس، ويمكن أن يقال: إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري، ولم يقل: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد
ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة،
стр. 6270
فيحمل المطلق على المقيد (١). ويدل على ذلك صلاته ﷺ بين الساريتين، فيكون النهي على هذا مختصًا بصلاة المؤتمين بين السواري، دون الإمام والمنفرد، وهذا أحسن ما يقال، وما تقدم من قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار، لمصادمته لأحاديث الباب. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال الشوكاني رحمه الله تعالى هو المتجه عندي. وهو أن النهي الوارد في الصلاة بين السواري محمول على المأمومين، لا على الإمام والمنفرد، جمعًا بين الأدلة؛ لأن حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه: "كنا ننهى أن نصف بين السواري". صريح في المأمومين، وأما الإمام، والمنفرد، فلا يدخلان في النهي، لصلاته ﷺ في الكعبة بين السواري.
تْم ظاهر النهي للتحريم، إلا إذا قلنا: إن صلاته ﷺ بين السواري