قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ويشهد له حديث الباب، فإن قول أنس ﵁: كنا نتقي هذا … إلخ له حكم الرفع عند جمهور المحدثين، ولاسيما، وقد أضافه إلى عهده ﷺ ، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح":
وَلْيعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
كَذَا أُمِرْنَا وَكذَا كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِه أوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
ثالِثُهَا إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعلْمِهِ الْخْلْف نُفِي
وقال الشيخ الألباني في "تمام المنة": إنما قال أبو حاتم في هارون ابن مسلم: مجهول؛ لأنه لم يعرف له راويًا غير عمر بن سنان الصُّغْدي، ولذا لم يذكر له غيره، ولكن الواقع أنه روى عنه أيضًا ثلاثة من الثقات، وكلهم رووا هذا الحديث عنه، وهم: أبو داود الطيالسي، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، ويحيى بن حماد. قال: فثبت بهذا أن هارون بن مسلم هذا معروف، ليس بمجهول، وأن إسناده صحيح، أو حسن على الأقل، وهو صحيح قطعًا بحديث أنس ﵁. انتهى كلام الشيخ الألباني باختصار (١) والله سبحانه ولي التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 6267
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٣/ ٨٢١، وفي "الكبرى" ٣٣/ ٨٩٥، عن عمرو بن منصور عن أبي نعيم، عن سيفان الثوري، عن يحيى بن هانىء، عن عبد الحميد بن محمود المعولي، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن محمد بن بشار، عن ابن مهدي، عن سيفان الثوري، به نحوه. وأخرجه الترمذي فيه عن هَنَّادٍ، عن وكيع، عن الثوري به بمعناه.
وأخرجه عبد الرزاق رقم (٢٤٨٩). وابن خزبمة رقم (١٥٦٨)، وابن حبان جـ ٥ ص ٥٩٦ - ٥٩٧. والحاكم وصححه جـ ١/ ٢١٠ و ٢١٨. والبيهقي جـ ٣/ ص ١٠٤.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بين السواري: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: وقد اختلف أهل العلم في الصف بين السواري؛ فكرهت طائفة الصف بين السواري، وممن كره ذلك: ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وروي ذلك عن ابن عباس،
стр. 6268
وكره ذلك النخعي.
ورخصت طائفة فيه، وممن رخص فيه. ابن سيرين، ومالك، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر رحمة الله: ليسى في هذا الباب خبر يثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وأعلى ما فيه قول أنس: كنا نتقيه، ولو اتقى متق كان حسنًا، ولا مأثم عندي على فاعله. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: ليس في هذا الباب خبر يثبت … إلخ. نظر، بل صح النهى عنه، كما سبق بيانه، فنقول بالنهي عن الصف بين السواري. والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ ما حاصله: والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر ابن العربي من أن ذلك، إما لانقطاع الصف، أو لأنه موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس: والأول أشبه؛ لأن الثاني مُحْدَث. وقالى القرطبي. وروي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين.
وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم، قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه
стр. 6269
قال أحمد، وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. انتهى. وبالكراهة قال النخعي. وروى سعيد بن منصور في "سننه" النهي عق ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ورخص فيه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، قياسًا على الإمام والمنفرد، قالوا: وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى في الكعبة بين ساريتين.
وقال ابن رسلان: وأجازه الحسن، وابن سيرين. وكان سعيد بن جبير، وإبراهيم التيمي، وسويد بن غَفَلَة يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين.
وقال ابن العربي: ولا خلاف في جواز عند الضيق، وأما عند السعة، فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد، فلا بأس به، وقد صلى النبي ﷺ في الكعبة بين سواريها. انتهى.
قال الشوكاني: وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في حال الضيق، لقوله: فاضطرّنا الناس، ويمكن أن يقال: إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري، ولم يقل: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد
ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة،
стр. 6270
فيحمل المطلق على المقيد (١). ويدل على ذلك صلاته ﷺ بين الساريتين، فيكون النهي على هذا مختصًا بصلاة المؤتمين بين السواري، دون الإمام والمنفرد، وهذا أحسن ما يقال، وما تقدم من قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار، لمصادمته لأحاديث الباب. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قال الشوكاني رحمه الله تعالى هو المتجه عندي. وهو أن النهي الوارد في الصلاة بين السواري محمول على المأمومين، لا على الإمام والمنفرد، جمعًا بين الأدلة؛ لأن حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه: "كنا ننهى أن نصف بين السواري". صريح في المأمومين، وأما الإمام، والمنفرد، فلا يدخلان في النهي، لصلاته ﷺ في الكعبة بين السواري.
تْم ظاهر النهي للتحريم، إلا إذا قلنا: إن صلاته ﷺ بين السواري
стр. 6271
يصرف النهي عن التحريم، إلى التنزيه، ولا بُعْدَ في ذلك. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6272
٣٤ - المَكَانُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ مِنَ الصَّفِّ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على المكان الذي يستحب للمأمومين أن يقفوا فيه من الصفّ، وهو اليمين.
ومحل الاستدلال قول البراء ﵁: "أحببت أن أكون عن يمينه". وسيأتي توجيه ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٨٢٢ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْبَرَاءِ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، لقبه شاه، راوية ابن المبارك، ثقة، مات سنة ٢٤٠، عن [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلى مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي الإمام الثقة الثبت الحجة، مات سنة ١٨١، من [٨] أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (مِسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة، ثبت فاضل، مات سنة ١٥٣، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨/ ٨.
стр. 6273
٤ - (ثابت بن عُبيد) الأنصاري، مولى زيد بن ثابت، كوفي، ثقة، من [٣]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٧٣/ ٢٧١.
٥ - (ابن البراء) هو إما:
(عبيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي، ثقة، من [٤]. روى عن أبيه حديث الباب. وعنه ثابت بن عبيد، ومحارب ابن ديثار، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث الباب فقط، ولم يسمه منهم إلا أبو داود (١).
وإما: (يزيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الكوفي، صدوق، من [٣]، روى عن أبيه، وعنه عدي بن ثابت، وأبو جناب الكلبي، وسيف أبو عائذ السعدي، وقال: كان أميرًا علينا بعمان، وكان كخير الأمراء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان أمير عمان وقال العجلي: كوفى تابعي، ثقة. أخرج له أبو داود، والنسائي (٢).
٦ - (البراء) بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، الصحابي ابن الصحابي، ﵄، نزل الكوفة، مات سنة ٧٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٨/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
стр. 6274
لطائف هذا الإسناد
(منها) أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ ثابت عن ابن البراء، ورواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن البراء) هو إما عبيد، وإما يزيد، كما سبقت الإشارة إليه، قريبًا، وسيأتي تمام البحث في المسائل، إن شاء الله تعالى (عن البراء) بن عازب ﵄، أنه (قال: كنا) يعني معاشر الصحابة ﵃ (إِذا صلينا) أي إذا أردنا الصلاة (خلف رسول الله ﷺ أحببت أن أكون) هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى: " أحببت أن أكون" بضمير المتكلم الواحد.
والذي عند مسلم، وأبي داود، وابن ماجه، وغيرهم: "أحببنا أن نكون" بضمير الجمع (عن يمينه) أي جهة يمينه، وذلك ليقبل ﷺ عليهم بوجهه الشريف إذا سلم. ففي رواية مسلم وغيره: "أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعتة يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث" أو "تجمع عبادك". وفي رواية ابن خزيمة من رواية يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: "كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يبدأ بالسلام على يمينه".
стр. 6275
قال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم، وهو الأظهر؛ لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: يدل حديث الباب على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان المكان الذي يستحب أن يقف فيه المأموم، وهو يمين الإمام، ووجه ذلك أن محبة الصحابة ﵃ لذلك، ومسابقتهم إليه كان بعلم من النبي ﷺ ، فلو كان الفضل في غير اليمين لبينه لهم، ولاسيما وقد ثبت قوله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". رواه أبو داود بإسناد حسن، كما قاله الحافظ في "الفتح" جـ ٢ ص ٤٥٠.
وأما قول بعضهم باستحباب وسط الصف مُسْتَدِلاًّ بحديث "وَسِّطُوا الإمام" رواه أبو داود، فغير صحيح؛ إذ الحديث ضعيف، لجهالة بعض رواته، كما قدمناه ٣٠/ ٨١٨. وكذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ﵄، قال: قيل للنبي ﷺ : "إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال: "من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر" فضعيف؛ لأن في إسناده عمرو بن عثمان الكلابي، وهو ضعيف، وليث بن أبي سليم، وهو متروك. ويحمل على تقدير صحته على ما إذا أدى إلى تعطيل الميسرة. والله تعالى أعلم.
стр. 6276
وسيأتي اختلاف أهل العلم في جهة الانصراف من الصلاة، هل هو عن اليمين، أو مخير في كلا الجانبين. وترجيح الراجح في ذلك بدليله في [باب الانصراف من الصلاة] ١٠٠/ ١٣٥٩ إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث البراء ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٤/ ٨٢٢، وفي "الكبرى" ٣٤/ ٨٩٦ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعن أبي كريب، وزهير بن حرب، كلاهما عن وكيع. وأبو داود فيه عن محمد بن رافع، عن أبي أحمد الزبيري -وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع- ثلاثتهم عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عنه. وأحمد ٤/ ٢٩٠، ٣٠٤. وابن خزيمة رقم (١٥٦٣ و١٥٦٤و١٥٦٥).
المسألة الرابعة: (اعلم) أنه وقع اختلاف بين الرواة في ذكر ابن
стр. 6277
البراء في إسناد هذا الحديث، وإسقاطه، وفي اسمه، هل هو عبيد، أم يزيد.
فممن أثبت: وكيعٌ عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وأبو نعيم عند أحمد، ويحيى ابن أبي زائدة عند مسلم، وأبو أحمد الزبيري عند أبي داود، وابن خزيمة، وعبد الله بن المبارك عند المصنف، وسفيان عند ابن خزيمة، ستتهم عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء عن أبيه، فأثبتوه
فأما أبو نعيم، عند أحمد، ووكيع عند مسلم، وابن ماجه، ويحيي ابن أبي زائدة عند مسلم، وابن خزيمة، وابن المبارك عند الصنف، وأبو أحمد الزبيريّ عند ابن خزيمة، فقالوا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن البراء، عن البراء بن عازب، فأبهموه.
وأما أبو أحمد الزبيري من رواية محمد بن رافع عنه عند أبي داود، فقال: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء، عن أبيه، فسماه عبيدًا.
وأما وكيع عند أحمد، وسفيانُ عند ابن خزيمة، فقالا: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، فسمياه "يزيد".
وممن أسقطه: أبو أحمد الزبيري في رواية محمد بن بشار عنه عند ابن خزيمة، ووكيع في رواية سَلْم بن جُنادة عنه، عند ابن خزيمة أيضًا،
стр. 6278
كلاهما عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن البراء بن عازب، فأسقطوه.
والحاصل أن الأكثرين على إثبات الواسطة، ثم الأكثرون منهم على إبهامه، ومثل هذا الاختلاف لا يضر؛ لإمكان حمله على أن ثابتًا سمعه عن البراء نفسه، وعن ابنه عنه، وكذا لا يضر إبهام ابنه؛ لأنه سمي في الروايات الأخرى، وكذا الاختلاف في تسميته عبيدًا، ويزيد لا يضر أيضا؛ لأن كلا منهما ثقة. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6279
٣٥ - مَا عَلَى الإِمَامِ مِنَ التَّخْفِيفِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الذي يجب على الإمام من تخفيف الصلاة، لئلا يشق على المأمومين، فقوله: "من التخفيف" بيان لـ"ما".
وظاهر تعبير المصنف بـ"على" التي تقتضي الوجوب، يدل على أن المصنف يرى وجوب التخفيف، وهو المذهب الراجح، وإن قال الجمهور بالاستحباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل إن شاء الله تعالى.
٨٢٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الثبت الحجة المدني، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
стр. 6280
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٣٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني، ثقة ثبت عالم، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أن أبا الزناد لقب لعبد الله، لقب به لذكائه، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عه (عن النبي ﷺ ) أنه قال: (إِذا صلى أحدكم بالناس) أي إمامًا لهم. وللبخاري: "للناس" باللام، وهي بمعنى الماء.
ثم إن عدم ذكر المفعول يدل على تناول الأمر الفرائض والنوافل التي يشرع لها الجماعة، كالعيد، والتراويح، ونحوهما؛ لأن حذف المفعول يدل على العموم، بدليل صحة الاستثناء، فإنه معيار العموم، نعم يستتنى من ذلك صلاة الكسوف، لمشروعية تطويل القراءة فيها، فلا يسن النقص عن المشروع في ذلك، وكأنه لندورها، والاهتمام
стр. 6281
بشأنها للأمر العارض. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى (١) (فليخفف)، أي القراءة والأذكار، بحيث لا يخل بأركان الصلاة، وسننها، وآدابها؛ لأن رسول الله ﷺ قد نهى عن نقرة الغراب، ولقوله للمسيء صلاته: "لم تصل" (فإِن فيهم) الفاء تعليلية، أي لأن في الناس المؤتمين به (السقيم) أي المريض (والضعيف) جِبِلَّةً، أو لقرب مرض. قاله السندي.
قال الحافظ ولي الدين ﵀. إن قلت: ما فائدة عطف الضعيف على السقيم، وهو بمعناه؟ قلت: ليس بمعناه، فقد ذكر الجوهري، وغيره أن الضعف خلاف القوة، وأن السقم المرض، فدلّ على أن الضعف أعم من السقم، قد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة، لا من سقم عرض له. انتهى (٢).
(والكبير) أي في السن، وفي رواية البخاري: "فإن فيهم الضعيف، والسقيم، والكبير". قال الحافظ: المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض.
وزاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: "والصغير، والكبير". وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: "والحامل، والمرضع". وله من حديث عدي بن حاتم: "والعابر السبيل". وقوله في حديث أبي مسعود: "وذا الحاجة". هي أشمل الأوصاف
стр. 6282
المذكورة. انتهى "فتح" (١).
(فإِذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء) ولمسلم: "فليصل كيف شاء". أي مخففًا، أو مطولاً. وفي مسند السرّاج: "إذا صلى وحده، فليطول إن شاء".
وهل هذا الأمر للاستحباب، أو للإباحة، والترخيص؟ يترجح الأول، لكونه أمرًا في عبادة، ويترجح الثاني لتعلقه بمشيئة المصلي، ولو كان للاستحباب لم يعلقه بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون للوجوب، كالسابق (٢).
قال الجامع: هكذا ذكر الاحتمالين ولي الدين ﵀ بدون ترجيح لأحدهما. والظاهر الاحتمال الثاني. والله أعلم.
ثم إن الإطالة المذكورة مشروطة بأن لا تؤدي إلى خروج الوقت، وإلا فلا. وجوز بعضهم الإطالة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض الشافعية، قال في "الفتح": وفيه نظر؛ لأنه يعارضه عموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى". أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى. واستدلّ بعمومه أيضًا على
стр. 6283
جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى "فتح" (١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٥/ ٨٢٣، وفي "الكبرى" ٣٥/ ٨٧٩ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ومسلم فيه عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحِزَامي. وأبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. والترمذي فيه عن قتيبة، عن المغيرة كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج، عنه.
و"الموطأ" رقم ١٠٣، أحمد جـ ٢ ص ٤٨٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب
стр. 6284
على الإمام من تخفيف الصلاة.
ومنها: بيان سماحة الشريعة، وسهولة الدين، حيث أمر النبي ﷺ بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، فأوجب على الأئمة أن يخففوا إذا صلوا جماعة، بحيث لا تحصل مشقة على المريض، والكبير، والصغير، وذوي الحاجات.
ومنها: أن الإنسان إذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء، ما لم يخش خروج الوقت، وإلا فلا يجوز له التطويل، وإن قال به بعضهم مستدلاًّ بظاهر هذا الحديث، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه يستفاد منه تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، خلافًا لمن خص التطويل بغيرهما. وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في هذا الحديث أمر الأئمة بتخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في "جامعه": وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف، والكبير، والمريض. انتهى.
قال في "طرح التثريب": وهو يقتضي خلافًا في ذلك بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافًا.
стр. 6285
وقال ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه. وقال أيضّاً: لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أم قومًا على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يجزىء، وساق الكلام على ذلك، وكأن الترمذي توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في "مصنفه" في التبويب: "التخفيف في الصلاة"، "من كان يخففها"، وليس ذلك صريحًا في وجود خلاف، ولم يبوب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثم قائل به لبوب عليه، وذكره.
وقد روى ابن أبي شيبة في الباب المذكور عن ثابت البناني، قال: صليت مع أنس العتمة، فتجوز ما شاء الله. وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: كان أبي إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟ فقال: إنا أئمة يقتدى بنا.
وعن أبي رجاء، وهو العطاري، قال: رأيت الزبير بن العوام، صلى صلاة خفيفة، فقلت: أنتم أصحاب رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلاً، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود.
وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة
стр. 6286
صلى صلاة تجوز فيها، فقلت له: هكذا كانت صلاة النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وأجوز. وعن عمرو بن ميمون: لا طُعِنَ عمرُ، وماج الناس، تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
وعن إبراهيم النخعي أنه كان يخفف الصلاة، ويتم الركوع والسجود. وعن أبي مجلز، قال: كانوا يتمون، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة. وعن عمرو بن ميمون، قال. ما رأيت الصلاة في موضع أخف منها فيما بين هاتين الحائطين -يعني مسجد الكوفة الأعظم-. وعن النعمان بن قيس، قال: كُنَّ النساء إذا مررن على عَبِيدَة، وهو يصلي، قلن: خففوا، فإنها صلاة عبيدة، يعني من خفتها، رواها كلها ابن أبي شيبة.
وحكى ابن حزم في "المحلى" عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلاً أخذ شاة عَزُوزًا لم يفرغ من لبنها حتى أصلي الصلوات الخمس، أتِمُّ ركوعها، وسجودها. والعزوز -بالعين المهملة، والزاي المعجمة المكررة-: الضيقة الإحليلين. وعن علقمة: لو أُمِرَ بذبح شاة، فأُخذ في سلخها، لصليت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفرغ منها.
ويحتمل أن ابن أبي شيبة إنما بوب على تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من كان يؤثر تخفيفها،
стр. 6287
ولو مع هذه الحالة، فنقله الترمذي إلى أئمة العامة، وأولئك لا خلاف فيهم، كما تقدم (١). والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: هذا الأمر بالتخفيف صرح أصحابنا - (الشافعية) - وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب، تمسكًا بظاهر الأمر. قال ابن حزم الظاهري: يجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة، لا يدري كيف طاقتهم.
وقال ابن عبد البر المالكي: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة، يلزمهم التخفيف، لأمر رسول الله ﷺ إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل. وكذا قال ابن بطال دي شرح البخاري: فيه دليل على أن أئمة الجماعة، يلزمهم التخفيف، لأمر رسول الله ﷺ بذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجع عندي قولُ من قال بالوجوب، عملاً بظاهر الأمر، إذ ليس له صار عن الوجوب، والله تعالى أعلم.
المسألة السابعة: المراد بتخفيف الصلاة -كما قال أهل العلم- أن يكون بحيث لا يخلّ بسننها، ومقاصدها. وفي "الصحيحين" عن أنس
стр. 6288
رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات، وبوّب النسائي، على حديث ابن عمر ﵄: [الرخصة في التطويل] (١). ويحتمل أن هذا ليس تطويلاً، وإنما هو بيان للتخفيف المأمور به.
وقال ابن حزم ﵀ لما ذكر قوله ﷺ في حديث عثمان بن أبي العاص: "واقتد بأضعفهم". هذا حد التخفيف، وهو أن ينظر ما يحتمل أضعف مَنْ خلفه، وأمسهم حاجة في الوقوف، والركوع، والسجود، فليصل على حسب ذلك. انتهى (٢).
قال الحافظ ولي الدين ﵀: وهو عندي حسن.
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ في "شرح العمدة": حديث الباب يدل على التخفيف في صلاة الإمام والحكم فيها مذكور مع علته، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول، وفيه بعد ذلك بحثان:
(أحدهما): أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم، فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف، وحيث لا يشق، أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل، وعن هذا قال الفقهاء: إذا علم عن المأمومين أنهم يؤثرون التطويل، كما إذا
стр. 6289
اجتمع قوم لقيام الليل، فإن ذلك -وإن شق عليهم- فقد آثروه، ودخلوا عليه.
(الثاني) أن التطويل، والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلاً بالنسبة إلى عادة قوم، وقد يكون خفيفًا بالنسبة إلى عادة آخرين. وقد قال بعض الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع، والسجود، والمروي عن رسول الله ﷺ من ذلك مع أمره بالتخفيف، فكأن ذلك؛ لأن عادة الصحابة -لأجل شدة رغبتهم في الخير- تقتضي أن لا يكون ذلك طويلاً، هذا إذا كان فعل النبي ﷺ عامًا في صلواته، أو أكثرها، وإن كان خاصًا ببعضها، فيحتمل أن يكون؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل، وهو متردد بين أن لا يكون تطويلاً بسبب ما يقتضيه حال الصحابة، وبين أن يكون تطويلاً، لكن بسبب إيثار المأمومين، وظاهر الحديث المروي لا يقتضي الخصوص ببعض صلاته ﷺ . انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -كما نقله عنه الصنعاني في عدّته (١): إذا أمرهم بالتخفيف، وأمرهم أن يصلوا كصلاته في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" عُلم بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أمَرَ به، يوضح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى تخفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى تطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخف
стр. 6290
منه، فلا حد له في اللغة يُرجع إليه، وليس من الأفعال المعروفة التي يرجع فيها إلى العرف، كالحرز، والقبض، وإحياء الموات، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها وصفاتها وهيآتها، كما يُرجع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس، وعوائدهم في مسمى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة، ومقاديرها اختلافًا بينًا لا ينضبط.
ولهذا لَمَّا فهِمَ بعضُ من نكس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خففت، وأخرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمر فيها مَرّ السهم، ولا يزيد على "الله أكبر" في الركوع والسجود بسرعة، فيكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث.
ويحكى عن بعض هؤلاء أنه رأى غلامًا له يطمئن في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كله تلاعب بالصلاة، وتعطيل لها، وخداع من الشيطان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى هو الراجح عندي، وإن اعترض عليه الصنعاني، وطول الكلام في الرد عليه في كتابه "العدة حاشية العمدة" (١).
стр. 6291
وحاصله أن ما ثبت عنه ﷺ من كيفية الصلاة، هو الذي أمر به، وقد كان يخفف أحيانًا، ويطول أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين.
فقد ثبت أنه ﷺ خفف صلاته تارة، فقرأ في صلاة العشاء بـ"التين والزيتون" وجاء في هذا أنه كان في سفر. وقد روي عنه أنه قرأ بها في المغرب، ولم يذكر السفر، وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقرأ بقصار المفصل، ولا يعارضه حديث زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصل، لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في الصحيح أنه قرأ فيها بـ"والليل إذا يغشى"، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلى الصبح بـ "الزلزلة" في الركعتين، وقرأ فيه أيضًا بـ"المعوذتين"، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار.
وثبت عنه أنه طول تارة، فقرأ في المغرب بـ"المرسلات"، وبـ"الطور"، وبطولى الطوليين، وظاهره أثه أتمها. وقول القاضي عياض: إن المراد ببعضها -خلاف الظاهر، وكان يطول بالصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستين إلى مائة، وصلاها بـ"المؤمنون" حتى إذا وصل ذكر موسى وهارون، فأخذته سَعْلَة، فركع، وقرأ فيها بـ"ق"، وقرأ فيها بـ"الطور".
وعن أبي سعيد أنهم قدّروا قراءته ﷺ في صلاة الظهر في الأوليين من الظهر بقدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾: "السجدة"، وفي الأخريين بقدر
стр. 6292
النصف من ذلك، وجاء أنه كان يقرأ في الظهر والعصر بـ" السماء ذات البروج"، و"السماء والطارق". وصلى تارة الظهر بـ"سورة لقمان"، و"الذاريات"، وقرأ فيها بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، و"الغاشية". والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وكذا ثبت عنه أنه كان سجوده وركوعه على حسب قراءته، فإذا خفف خفف، وإذا طول طول.
فعلى الإمام أن يقتدي به في ذلك؛ لأنه صح عنه قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان ﷺ يراعي ذلك، فقد قال: "إني لأقوم في الصلاة، فأسمع بكاء الصبي، فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه". فإن خفي على الإمام حالهم فليخفف احتياطًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: هذا الحكم، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته، وهو كون المأمومين فيهم السقيم، والضعيف، والكبير، فإن انتفت هذه العلة، فلم يكن في المأمومين أحد من هؤلاء، وكانوا محصورين، ورضوا بالتطويل طوّل، لانتفاء العلة، قال ولي الدين ﵀: وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم.
وقال ابن عبد البر ﵀: قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة
стр. 6293
للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: "فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء"؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد يحدث للظاهر القوة، ومن يُعرَفُ منه الحرصُ على طول الصلاة حادثٌ من شغل، وعارضٌ من حاجة وآفةٌ، من حدث بول أو غيره. انتهى. وتبعه على ذلك ابن بطال، فذكر مثل هذا الكلام.
قال الحافظ ولي الدين: وهو ضعيف، فإن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون، ورضوا بالتطويل، لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة ﵁ يرد على ما ذكراه، فإنه ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز، كراهية أن أشق على أمه". فإرادته ﷺ أولاً التطويل يدلّ على جواز مثل ذلك، وما تركه إلا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه. والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا الذي قاله الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
المسألة التاسعة: قال الإمام ابن حزم ﵀: حد التطويل: ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، ثم استدل على ذلك بأن رسول الله ﷺ صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر
стр. 6294
بالأمس. وقال ﵊: "وقت الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء الَاخرة إلى نصف الليل". قال: فصح يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها، فإنما يصلي باقيها في وقت الأخرى، أو في وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلاً.
وقد صح عن النبي ﷺ أن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، فصح أن له إذا دخل في الصلاة في وقتها أن يطول ما شاء، إلا تطويلاً منع النص منه، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط. انتهى كلامه (١).
قال ولي الدين ﵀: وهو ضعيف، والذي ينبغي أن يقال في حد التطويل المباح: إنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها، ولو جوزنا له أن يخرج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدة، وقد قال ﵊: "الوقت ما بين هذين".
وأما استدلاله على ذلك بأنه ﵊ صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، فقد تقرر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: "صلى الظهر" أي ابتدأها. وقوله: "صلى العصر" أي فرغ منها، وفعل يصلح للابتداء والشروع (٢)،
стр. 6295
فحملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت.
وعلى تقدير أن لا نؤله، ويجعل بين الصلاتين اشتراك في الوقت كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصة، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم.
وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت، فلا قائل به، ولا دليل يعضده، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول بالقياس، فكيف عند من ينكره؟
والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله ﵊: "إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" وهذا عليه لا له، فإنه دالّ على أن غاية التأخير المباح دخول الأخرى، لا فراغه، ولا تضيقه، وما ذكره ابن حزم مبني على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة، لا للفراغ منها، وهذا مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولِهَا، ووسطها، وآخرها.
وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يحرم تأخير الصلاة إلى حدّ يخرج بعضها عن الوقت، وهو موافق لما ذكرته، لكنهم قالوا: إنه لو شرع في الصلاة، وقد بقي عن الوقت ما يسع جميعها، فمد هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في "تعليقه"، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج، أو للدخول فقط، وهل يكره ذلك؟ فيه وجهان: أصحهما عندهم لا يكره، لكن قال النووي في "شرح المهذب": إنه خلاف الأولى.
стр. 6296
قال ولي الدين: وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله: "إن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" ولقوله: "الوقت ما بين هذين". وقد تبين كلام القاضي حسين أنه مبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول فقط، والصحيح أنها وقت للدخول والخروج. انتهى ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه الحافظ ولي الدين ﵀ من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدد لها بنص الحديث المتقدم، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٢٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السند الماضي.
стр. 6297
٢ - (أبو عوانة) الوَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٥ أو ١٧٦، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٤٦.
٣ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسي البصري، ثقة ثبت، يدلس، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٥٥) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وفيه أنس، أحد المكثرين من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول ﷺ كان أخف الناس صلاةً) منصوب على التمييز (في تمام)، أي مع تمام، فـ "في" بمعنى "ح". يعني أنه ﷺ كانت صلاته أخف، فلا تثقل على المؤتمين به بسحب طولها، مع أنه يتمها بمراعات أركانها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فلا يؤدي تخفيفه إلى أن يخل ببعض ما ذُكر.
стр. 6298
وأورد الصنف رحمه الله تعالى حديث أنس ﵁ بعد حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه أمر النبي ﷺ ، مَن أم الناس أن يخفف، بيانًا للمراد بالتخفيف المأمور به، فحديث أنس ﵁ يفسر حديث أبي هريرة ﵁.
والحاصل: أن التخفيف المأمور به هو الذي يكون مع إتمام الصلاة بأركانها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فلا يجوز للإمام أن يخفف تخفيفًا مخلاً ببعض ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٥/ ٨٢٤، وفي "الكبرى" ٣٥/ ٨٩٨ بالسند المذكور، وأخرجه فيه عن أحمد بن سليمان الرُّهَاوي، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن قتادة، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، كلاهما
стр. 6299
عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه. والترمذي فيه عن قتيبة، به. وأحمد ٣/ ١٧٠، ١٧٣، ١٧٩، ٢٣١، ٢٣٤. والدارمي رقم (١٢٦٣). وابن خزيمة (١٦٠٤).
المسألة الرابعة: في فوائده.
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.
ومنها: بيان هدي النبي ﷺ في صلاته إمامًا، وهو أنه كان أخفّ الناس صلاة في تمام.
ومنها: أن التخفيف المأمور به يكون مع الإتمام، ولا يجوز فيه التفريط، بحث يخل ببعض أجزاء الصلاة، فإن ذلك ليس تخفيفًا، بل هو استخفاف بحق الصلاة، فيدخل تحت الوعيد الشديد فيمن ضيع حقوق الصلاة، وبقية مباحث الحديث تقدمت في مسائل الحديث الماضي. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٢٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُوجِزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ".
стр. 6300
رجال هذا الإسناد: ستة
١، ٢ - تقدما في الباب الماضي.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه الدمشقي، ثقة فاضل، مات سنة ١٥٧، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل، مات سنة ١٣٢، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٥ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة ٩٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٦ - (أبو قتادة) الحارث بن ربعي، وقيل: غيره الأنصاري السَّلَمي المدني، الصحابي المشهور، ﵁، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة إلا شيخه، فانفرد هو به، والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الله، ورواية الراوي عن أبيه.
стр. 6301
تنبيه:
قد صرح الأوزاعي بالتحديث عند البخاري في رواية بشر بن بكر، عنه فقال. حدثني يحيى. وصرح به أيضًا يحيى بن أبي كثير عند الإسماعيلي في رواية ابن سماعة عن الأوزاعي، فقال: حدثني عبد الله ابن أبي قتادة. قاله في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: إِني لأقوم في الصلاة)، اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر "إن" كما قال في "الخلاصة".
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَب الْخَبَرْ … لامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوَ إِنِّي لَوَزَرْ
وفي رواية للبخاري: "لأقوم في الصلاة، أريد أن أطوّل فيها"، وفي رواية. "لأقوم إلى الصلاة" … قال في "الفتح": فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبٍّ، لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا. انتهى (٢).
(فأسمع بكاء الصبي) قال الفيومي: البكَاء -بالضم،
стр. 6302
والقصر، والمد، وقيل: القصرُ مع خروج الدمع، والمدُّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيمي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلا الْعَوِيلُ
وقال أيضًا: الصبي: الصغير، والجمع صِبْيَة -بالكسر- وصِبْيَان. انتهى (١).
(فأوجز في صلاتي) بضم الهمزة، مضارع أوجز، رباعيًا، أي أسرع في أدائها، بتخفيف القراءة، وغيرها (كراهية أن أشق على أمه)، "كراهية" منصوب على أنه مفعول لأجله، و"أن" مصدرية، أي لأجل كراهيتي المشقة على أمه بسبب التطويل.
وفي رواية للبخاري: "فأتجوز، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه". وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سفيان، عن أبي السوداء، عن عبد الرحمن بن سابط: أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي، فقرأ في الثانية بثلاث آيات. وهذا مرسل. وأخرج مسلم عن ثابت البناني، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6303
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٥/ ٨٢٥، وفي "الكبرى" ٣٥/ ٨٩٩ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، وعن محمد بن مسكين، عن بشر بن بكر. وأبو داود فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر. وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد -وبشر بن بكر- تلاثتهم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ﵁. وأخرجه أحمد جـ ٥ ص ٣٠٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده.
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.
ومنها: أن من قصد التطويل في صلاته يطلب منه العدول عنه
стр. 6304
لحاجة تطرأ عليه.
ومنها: الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدخَل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيرًا، من غير ضرورة.
ومنها: كمال شفقته ﷺ ، وشدة رأفته بأمته، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومنها: أن فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، قال الحافظ ﵀: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون الصبي مُخَلَّفًا في بيت يقرب من المسجد، بحيث يسمع بكاؤه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا النظر نظر، إذ هو خلاف ظاهر الحديث، بل يرده حديث مسلم المتقدم، ولفظه: "يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة" … فإنه صريح في كون ذلك الصبي مع أمه في المسجد. فتنبه. والله تعالى أعلم.
ومنها: جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد. والله تعالى أعلم.
стр. 6305
المسألة الخامسة: قال ابن بطال ﵀: احتج بهذا الحديث من قال: يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بِحِسِّ داخل ليدركه.
وتعقبه ابن المنير بأن التخفيف نقيض التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه مشقة على جماعة لأجل واحد. انتهى.
قال في "الفتح": ويمكن أن يقال: محل ذلك ما لم يشق على الجماعة، وبذلك قيده أحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وما ذكره ابن بطال سبقه إليه الخطابي، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا، كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز. وتعقبه القرطبي بأن في التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب، بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب. انتهى.
وفي هذه المسألة خلاف عنده الشافعية، وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك. وفي التجريد للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركًا. انتهى (١).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد استدل القائلون بمشروعية تطويل الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك فضيلة الجماعة