تنبيه:
قد صرح الأوزاعي بالتحديث عند البخاري في رواية بشر بن بكر، عنه فقال. حدثني يحيى. وصرح به أيضًا يحيى بن أبي كثير عند الإسماعيلي في رواية ابن سماعة عن الأوزاعي، فقال: حدثني عبد الله ابن أبي قتادة. قاله في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: إِني لأقوم في الصلاة)، اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر "إن" كما قال في "الخلاصة".
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَب الْخَبَرْ … لامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوَ إِنِّي لَوَزَرْ
وفي رواية للبخاري: "لأقوم في الصلاة، أريد أن أطوّل فيها"، وفي رواية. "لأقوم إلى الصلاة" … قال في "الفتح": فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبٍّ، لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا. انتهى (٢).
(فأسمع بكاء الصبي) قال الفيومي: البكَاء -بالضم،
стр. 6302
والقصر، والمد، وقيل: القصرُ مع خروج الدمع، والمدُّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيمي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلا الْعَوِيلُ
وقال أيضًا: الصبي: الصغير، والجمع صِبْيَة -بالكسر- وصِبْيَان. انتهى (١).
(فأوجز في صلاتي) بضم الهمزة، مضارع أوجز، رباعيًا، أي أسرع في أدائها، بتخفيف القراءة، وغيرها (كراهية أن أشق على أمه)، "كراهية" منصوب على أنه مفعول لأجله، و"أن" مصدرية، أي لأجل كراهيتي المشقة على أمه بسبب التطويل.
وفي رواية للبخاري: "فأتجوز، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه". وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سفيان، عن أبي السوداء، عن عبد الرحمن بن سابط: أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي، فقرأ في الثانية بثلاث آيات. وهذا مرسل. وأخرج مسلم عن ثابت البناني، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6303
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٥/ ٨٢٥، وفي "الكبرى" ٣٥/ ٨٩٩ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، وعن محمد بن مسكين، عن بشر بن بكر. وأبو داود فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر. وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن عمر بن عبد الواحد -وبشر بن بكر- تلاثتهم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ﵁. وأخرجه أحمد جـ ٥ ص ٣٠٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده.
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف.
ومنها: أن من قصد التطويل في صلاته يطلب منه العدول عنه
стр. 6304
لحاجة تطرأ عليه.
ومنها: الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدخَل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيرًا، من غير ضرورة.
ومنها: كمال شفقته ﷺ ، وشدة رأفته بأمته، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومنها: أن فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، قال الحافظ ﵀: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون الصبي مُخَلَّفًا في بيت يقرب من المسجد، بحيث يسمع بكاؤه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا النظر نظر، إذ هو خلاف ظاهر الحديث، بل يرده حديث مسلم المتقدم، ولفظه: "يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة" … فإنه صريح في كون ذلك الصبي مع أمه في المسجد. فتنبه. والله تعالى أعلم.
ومنها: جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد. والله تعالى أعلم.
стр. 6305
المسألة الخامسة: قال ابن بطال ﵀: احتج بهذا الحديث من قال: يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بِحِسِّ داخل ليدركه.
وتعقبه ابن المنير بأن التخفيف نقيض التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه مشقة على جماعة لأجل واحد. انتهى.
قال في "الفتح": ويمكن أن يقال: محل ذلك ما لم يشق على الجماعة، وبذلك قيده أحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وما ذكره ابن بطال سبقه إليه الخطابي، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا، كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز. وتعقبه القرطبي بأن في التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب، بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب. انتهى.
وفي هذه المسألة خلاف عنده الشافعية، وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك. وفي التجريد للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركًا. انتهى (١).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد استدل القائلون بمشروعية تطويل الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك فضيلة الجماعة
стр. 6306
بحديث أبي قتادة ﵁، فيما أخرجه الشيخان وغيرهما في وصف قراءته ﷺ في الظهر، وفيه: "ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية". زاد في رواية أبي داود: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى". واستدلوا أيضًا بحديث ابن أبي أوفى المذكور في هذا الباب.
وقد حكى استحباب ذلك ابن المنذر عن الشعبي، والنخعي، وأبي مِجْلَز، وابن أبي ليلى من التابعين. وقد نقل الاستحباب أبو الطيب الطبري عن الشافعي في الجديد، وفي التجريد للمحاملي نسبة ذلك إلى القديم، وأن الجديد كراهته. وذهب أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، وداود، والهادوية إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر، وشدد في ذلك بعضهم، وقال: أخاف أن يكون شركًا، وهو قول محمد بن الحسن، وبالغ بعض أصحاب الشافعي، فقال: إنه مبطل للصلاة. وقال أحمد وإسحاق فيما حكاه عنهما ابن بطال: إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين جاز، وإن كان مما يضر ففيه الخلاف (١).
وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة انتظره الإمام، وإلا فلا. روى ذلك النووي في "شرح المهذب" عن جماعة من السلف.
стр. 6307
وقد استدل الخطابي في "المعالم" على الانتظار المذكور بحديث أنس في التخفيف عند سماع بكاء الصبي، فقال: فيه دليل على أن الإمام، وهو راكع إذا أحس بداخل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعًا، ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة إنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هو أحق بذلك وأولى. وكذلك قال ابن بطال.
وتعقبهما ابن المنير، والقرطبي بأن التخفيف ينافي التطويل، فكيف يقاس عليه؟ قال ابن المنير: وفيه مغايرة للمطلوب؛ لأن فيه إدخال مشقة على جماعة لأجل واحد، وهذا لا يَرِدُ على أحمد، وإسحاق، لتقييدهما الجواز بعدم الضرر للمؤتمين، كما تقدم. وما قالاه هو أعدل المذاهب في المسألة، وبمثله قال أبو ثور. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ورجحه الشوكاني ﵏ هو الصواب، لحديث أبي قتادة ﵁ المتقدم؛ ولأنه من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به، فقال ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
стр. 6308
والحاصل أن تطويل الإمام لانتظار الداخل جائز، بل مستحب، إذا قصد به التعاون على البر، ولا يشق ذلك على المأمومين، ويؤجر على ذلك، لكونه من فعل الخير، قال الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6309
٣٦ - الرُّخْصَةِ لِلإِمَامِ فِي التَّطْوِيلِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التسهيل للإمام في تطويل الصلاة. والمراد الترخيص في بعض الأحيان، كما تقدم البحث عنه مستوفى في الباب السابق.
والظاهر أن المصنف ﵀ يرى أن الأمر بالتخفيف المذكور في الباب السابق ليس دائمًا، بل أحيانًا يرخص له التطويل، بدليل حديث عبد الله بن عمر ﵄ المذكور في الباب، وهو محمول على ما إذا علم الإمام بعدم المشقة على المأمومين، كما هو حال النبي ﷺ ، وهذا هو الذي رجحناه في الباب الماضي. والله أعلم.
٨٢٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ، وَيَؤُمُّنَا بِـ"الصَّافَّاتِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري، أبو مسعود البصري،
стр. 6310
ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد بن الحارث) الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم مي ٤٢/ ٤٧.
٣ - (ابن أبي ذئب)، هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ٢٥٨، وقيل ٢٥٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨١.
٤ - (الحارث بن عبد الرحمن) القرشي العامري، خال ابن أبي ذئب، صدوق، من [٥]. روى عن أبي سلمة، وسالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، ومحمد بن جبير بن مطعم، وكريب، ومحمد بن عمد الرحمن بن ثوبان، وغيرهم وعنه ابن أبي ذئب. قال الحاكم أبو أحمد: لا أعلم له راويًا غيره، وقال علي بن المديني: الحارث بن عبد الرحمن المدني الذي روى عنه ابن أبي ذئب مجهول، لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: يُرَوى عنه، وهو مشهور. وقال أحمد بن حنبل: لا أرى به بأسًا. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ١٢٩، وله ٧٣ سنة، وغزا مع
стр. 6311
جماعة من الصحابة. أخرج له الأربعة (١).
٥ - (سالم بن عبد الله) بن عمر القرشي العدوي، أو أبو عمر، أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة، ثبت عابد فاضل، مات آخر سنة ١٠٦ على الصحيح، من كبار [٣] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، والحارث ابن عبد الرحمن، فمن رجال الأربعة، وأنهم مدنيون إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ الحارث عن سالم، ورواية الراوي عن أبيه؛ سالم عن عبد الله، وفيه أحد الفقهاء السبعة من التابعين؛ سالم، وفيه أحد المكثرين السبعة من الصحابة؛ عبد الله بن عمر ﵄، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمر) ﵄، أنه (قال: كان
стр. 6312
رسول الله ﷺ يأمر بالتخفيف) بحذف المفعول لكونه معلومًا من قوله: "ويؤمنا" وليس الحذف هنا لإفادة العموم، إذ ليس المراد أمرَ كل مصل بالتخفيف، سواء كان إمامًا، أو منفردًا، بل الأمر خاص بالإمام فقط، بدليل ما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁: "فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء".
(ويؤمنا بـ"الصافات") أي يصلي بنا إمامًا، فيقرأ في صلاته سورة "الصافات". وفي رواية لأحمد من طريق يزيد بن هارون: وإن كان ليؤمنا بـ"الصافات" في الصبح.
ثم إن هذا الكلام من ابن عمر ﵄، يحتمل وجهبن:
أحدهما: أنه يريد بيان التخفيف الذي كان يأمر به ﷺ ، فكأنه يقول: صلاته ﷺ بـ"الصافات" مع أمره بالتخفيف يعتبر تخفيفًا، فمن فعل مثل فعله ﷺ فقد عمل بالتخفيف.
ثانيهما: أنه يريد أن فعله ﷺ خاص به، فكأنه يقول: إنه كان يأمر غيره بالتخفيف، ويطول هو، فلا ينبغي أن يفعل مثل فعله لكونه خاصًا به.
والوجه الأول هو الراجح، كما قدمناه في الباب الماضي، وهو ظاهر تبويب المصنف رحمه الله تعالى، كما أشرت إليه في شرح الترجمة. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6313
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا ٣٦/ ٨٢٦، وفي "الكبرى" ٣٦/ ٩٠٠، وفي "التفسير" أيضًا بالسند المذكور. وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ٢٦، ٤٠، ١٥٧. وابن خزيمة رقم ١٦٠٦. وما يتعلق به من الفوائد، والمسائل قد تقدم مُسْتَوْفىً في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6314
٣٧ - مَا يَجُوزُ لِلإِمَامِ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على العمل الذي يجوز للإمام أن يعمله في الصلاة، وإنما خص الإمام بالذكر مع أن الحكم لا يختص له، بل المأموم والمنفرد مثله؛ لما يُظن من أن مثل هذا العمل لا يليق بالإمام، لكونه كبير قومه، أو تنبيهًا بالأعلى على الأدنى. والله تعالى أعلم.
٨٢٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ، عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ سُجُودِهِ أَعَادَهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم قبل باب.
٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
стр. 6315
٣ - (عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي المكي قاضيها، ثقة، من [٦].
قال أحمد، وابن معين، وابن سعد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان قاضيًا على مكة. وزعم ابن سعد أن اسم أبي سليمان محمد. علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه (١).
٤ - (عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، ثقة، عابد، مات سنة ١٢١ من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٧/ ٧٣٠.
٥ - (عمرو بن سُلَيم) بن خَلْدَة الأنصاري الزُّرَقي المدني، ثقة، من كبار التابعين، مات سنة ١٠٤، يقال: له رؤية، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٧/ ٧٣٠.
٦ - (أبو قتادة) الحارث بن رِبْعِي الأنصاري ﵁، تقدم قبل باب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
(منها) أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات،
стр. 6316
وكلهم من رجال الجماعة، فعثمان بن أبي سليمان، علق عنه البخاري، وأخرج له الترمذي في "الشمائل"، وشيخه بغلاني، وسفيان وعثمان مكيان، والباقون مدنيون.
قال الجامع عفا الله عنه: أما شرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل، فقد مضى مستوفىً برقم ١٩/ ٧١١ فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن أردت فراجعه تستفد.
وقوله: (أُمامة) -بضم الهمزة، وتخفيف الميمين- ﵂، تزوجها علي ﵁ بعد موت فاطمة ﵂ بوصية منها، زوجها منه الزبير بن العوام، لكون أبيها أوصى بها إليه، فلما قتل علي، تزوجها المغيرة بن نوفل، فولدت له يحيى، وكان يكنى به، وقيل: إنها لم تلد له، ولا لعلي. وقال الزبير بن بكار: ليس لزينب عقب. وماتت أمامة عند المغيرة.
وأمها زينب بنت الرسول ﷺ ، أكبر بناته، وأول من تزوج منهن، وُلِدت قبل البعثة بمدة، وتوفيت سنة ثمان من الهجرة.
وقوله: (بنت أبي العاص): صفة لـ"أمامة"، واسم أبي العاص، لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشم، وقيل: هُشيم، وقيل: ياسر بن الربيع. مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح وهاجر. ورد عليه النبي ﷺ ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة أبي بكر ﵄.
стр. 6317
وقد تقدم تحقيق ذلك كله بالرقم المذكور.
وقوله: (فإِذا ركع وضعها) إلخ: أي إذا انحنى للركوع وضعها على الأرض، وإذا رفع رأسه من السجود وقام أعادها إلى محلها، وهو عاتقه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6318
٣٨ - مُبَادَرَةِ الإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم مبادرة الإمام في أفعال الصلاة.
و"المبادرة": مصدر بادر، كما قال ابن مالك ﵀ في لاميته: [من البسيط]:
لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً أو مُفَاعَلَةً … وَفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فاحْتُمِلَا
قال المجد ﵀: بادَرَه، مُبَادرة، وبِدَارًا، وابتدره، وبَدَر غيره إليه: عاجله، وبَدَرَه الأمرُ إليه: عَجِل إليه، واستبق (١). وقال الفيومي ﵀: بَدَر إلى الشيء، وبَادَرَ إليه مُبَادَرَةً، وبِدَارًا، من باب قعد، وقاتل: أسرع، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
٨٢٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : "أَلَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ".
стр. 6319
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي، الجَهْضَمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، مات سنة ١٧٩، من ٨١، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (محمد بن زياد) الجُمَحي مولاهم، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٩/ ١١٠. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
محمد بن زياد هذا تابعي جمحي، مدني، سكن البصرة، من رجال الجماعة، وله في البخاري وغيره أحاديث عن أبي هريرة
﵁، وفي التابعين أيضًا محمد بن زياد الألهاني الحمصي، وهو من رجال البخاري، والأربعة، وله عند البخاري -كما قال في "الفتح" (١) - حديث واحد عن أبي أمامة في المزارعة. والله تعالى أعلم.
٤ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
стр. 6320
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو أعلى أسانيد المصنف، وهو (٥٦) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات أثبات، ومن رجال الجماعة، وأن شيخه بغلاني، وحمادًا بصري، ومحمد بن زياد مدني، سكن البصرة، وأبو هريرة ﵁ مدني. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : ألا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإِمام) هكذا رواية المصنف: "ألا يخشى"، وفي رواية البخاري: "أما يخشى أحدكم"، أو "ألا يخشى أحدكم"، وفي رواية مسلم: "أما يخشى الذي يرفع رأسه".
وكلمة "ألا" -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام-، وكوزنها "أما" للاستفتاح، والأصل "لا" و"ما" النافيتان، دخلت عليهما همزة الاستفهام، والاستفهام هنا للتوبيخ، والإنكار، و"يخشى": بمعنى يخاف، -وهو كما قال العلامة الصنعاني ﵀ لفظه خبر، ومعناه نهي (١).
زاد مسلم من رواية يونس، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد،
стр. 6321
كلاهما عن محمد بن زياد "في صلاته". وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر "الذي يرفع رأسه والإمام ساجد".
قال في "الفتح": فتبين أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقب على من قال: إن الحديث نص على المنع من الركوع والسجود معًا، وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع، لكونه في معناه، ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه؛ لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خص بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية.
وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود، فقيل: يلتحق به عن باب أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصود، ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المقاصد أشد من دخوله في الوسائل.
وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر، أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي، عن أبي هريرة مرفوعًا: "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان".
стр. 6322
وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في "الفتح" من إلحاق الركوع بالسجود، وأنه لا يشمله صريح النص المذكور، غير سديد، بل الظاهر أنه يشمله، ويقوي ذلك زيادة: "في صلاته" عند مسلم وابن خزيمة. ويؤيد ذلك حديث أنس ﵁ عند مسلم، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: "أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي، ومن خلفي". ثم قال: "والذي نفس محمد ﷺ بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا".
(أن يحول الله رأسه رأس حمار) وفي رواية البخاري: "أن يجعل الله رأسه رأس حمار"، أو "يجعل الله صورته صورة حمار". بالشك، قال في "الفتح": الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلمٌ من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان، فقالا: "رأس"، وأما يونس فقال: "صورة"، وأما الربيع، فقال: "وجه"، والظاهر أنه من تصرف الرواة.
قال عياض: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس،
стр. 6323
ومعظم الصورة فيه. قال الحافظ: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل، فهي المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل. وسيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى بيان اختلاف العلماء في معنى التحويل المذكور في هذا الحديث، هل هو حقيقة أو مجاز، والأصح أنه حقيقة، بمعنى المسخ. والله تعالى أعلم.
ثم إن ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في "شرح المهذب"، كما قاله في "الفتح".
والحاصل أنه يحرم مبادرة الإمام في الركوع وغيره من أفعال الصلاة، وأن من فعل ذلك عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا وجب عليه أن يعود إلى المتابعة، وهذا هو القول الراجح، كما سيأتي تحقيق ذلك مُستَوْفىً في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 6324
أخرجه هنا ٣٨/ ٨٢٨، وفي "الكبرى" ٣٨/ ٩٠٢ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن حجاج بن منهال، عن شعبة، عن محمد بن زياد، به. ومسلم فيه عن خلف بن هشام، وأبي الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيد، كلهم عن حماد بن زيد -وعن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية، عن يونس بن عبيد، وعن عبد الرحمن بن سلام الجمحي، وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، جميعًا عن الربيع بن مسلم، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن حماد بن سلمة- كلهم عن محمد بن زياد به. وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. والترمذي فيه عن قتيبة، به. وابن ماجه فيه عن حميد بن مسعدة، وسويد بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، به.
وأخرحه أحمد جـ ٢/ ص ٢٦٠، ٢٧١، ٤٢٥، ٤٢٦، ٤٢٩، ٤٧٢، ٥٠٤. والدارمي رقم (١٣٢٢). وابن خزيمة ١٦٠٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو حكم مسابقة الإمام، وهو التحريم.
стр. 6325
منها: كمال شفقته ﷺ بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما يرتب عليها من الثواب والعقاب.
ومنها: أن فيه الوعيد المذكور لمن رفع رأسه قبل الإمام.
ومنها: أن بعضهم استدل به على جواز المقارنة، وفيه نظر، إذ لا دلالة فيه عليه، لأنه يدل بمنطوقه على منع المسابقة، وبمفهومه على طللب المتابعة، وأما المقارنة، فمسكوت عنها، قاله الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: مسكوت عنها، يعني في خصوص هذا الحديث، وإلا فإن الشارع لم يسكت عنها، بل نبه على عدم جوازها، وأمر بتأخر المأموم عن الإمام في أفعال الصلاة، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي موسى الأشعري ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، مقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم"، فقال رسول الله ﷺ : "فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله ﵎، قال على لسان
стр. 6326
نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم"، فقال رسول الله ﷺ : "فتلك بتلك … " الحديث، وسيأتي للمصنف ٢٣/ ١٠٦٤، ١٠١/ ١١٧٢، ٤٤/ ١٢٨٠.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والبيهقي بأسانيد صحاح (١)، عن معاوية بن أبي سيفان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم له إذا سجدت، تدركوني إذا رفعت".
فقد نص النبي ﷺ وصرح في أن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام، وهذا معنى الأمر الذي في قوله: "وإذا ركع فاركعوا" إلخ، فتكون أفعال المأموم من الركوع، والسجود، والرفع منهما، وسائر انتقالاته إثر أفعال الإمام، فمن خالف ذلك، ؤقد خالف الأمر، فإن تعمد فلا صلاة له، وإن كان ناسيًا فليَعُدْ إلى المتابعة.
فما يفعله بعض الناس، من المقاربة للإمام في الانتقالات، مستندين إلى ما قاله بعض أهل العلم، ممن لم يبلغهم هذا الحديث، مخالف لهدي رسول الله ﷺ وطاعة للشيطان، فما أقبح ذلك، ولا
стр. 6327
سيما إذا صدر ممن ينتسب إلى العلم، والله المستعان على من خالف الحق بعد وضوحه، تقليدًا لبعض المذاهب، وإليه المشتكى.
تنبيه:
قال ابن بزيزة: استَدَلَّ بظاهر هذا الحديث قومٌ لا يعقلون على جواز التناسخ (١). قال الحافظ. وهو مذهب رديء مبني على دعاوى بغير برهان، والذي استدل بذلك منهم إنما استدلّ بأصل النسخ، لا بخصوص هذا الحديث. انتهى (٢).
نكتة:
قال أبو بكر بن العربي ﵀: ورد عنه ﷺ أن الله سلّط الشيطان على الإنسان في إفساد صلاته عليه قولاً بالوسوسة، حتى لا يدري كم صلى، وفعلاً بالتقدم على الإمام، فيختلّ الاقتداء، فأما الوسوسة، فدواؤها الذكر، وأما التقدم فعلته طلب الاستعجال، ودواؤه أنه لا يسلم حتى يسلم الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال. انتهى (٣). والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في معنى الوعيد المذكور،
стр. 6328
فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولابد، وإنما يدلّ على أن كون فاعله متعرضًا لذلك، وكون فعله ممكنًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء. قاله ابن دقيق العيد.
وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا، وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك.
ويدل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة ما أخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ (١)، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة، فيقولون: "ارجع إلينا غداً"، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قِرَدَة وحَنَازير إلى يوم القيامة".
стр. 6329
وأخرج أحمد بإسناد صحيح من حديث صُحَارٍ (١) العبدي، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يُخسَف بقبائل، فيقال: مَن بقي عن بني فلان؟ ". قال. فعرفت حين قال: "قبائل" أنها العرب؛ لأن العجم تنسب إلى قراها (٢).
وأخرج الترمذي بإسناد صحيح، من حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذف". قالت. قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث" (٣).
وأخرج ابن أبي خيثمة عن طريق هشام بن الغازي بن ربيعة الُجَرشي، عن أبيه، عن جده، رفعه: "يكون في أمتي الخسف، والمسخ، والقذف" الحديث (٤).
قال الحافظ ﵀: ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد: "أن يحول الله رأسه رأس كلب". فهذا يبعد المجاز، لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار. ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدالّ
стр. 6330
على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً: فرأسه رأس حمار. وإنما قلت ذلك؛ لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يُخشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة.
وقال ابن الجوزي في الرواية التي عبر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنع تأويل عن قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبين وجه المنع، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذُكر أن الراجح حمل الحديث على ظاهره، من كون المراد بالتحويل مسخ رأسه إلى رأس حمار، أو مسخ صورته إلى صورة الحمار عقوبة لإجرامه بالمخالفة المذكورة، ولا داعي لدعوى المجاز. والله أعلم.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في بطلان صلاة من سابق إمامه في أفعال الصلاة:
ذهب الجمهور إلى أن فاعل ذلك يأثم، وتجزىء صلاته. وعن ابن عمر ﵄: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد. وفي "المغني"، عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب. أفاده في "الفتح".
стр. 6331
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: وفَرْضٌ على كل مأموم أن لا يرفع، ولا يركع، ولا يسجد، ولا يكبر، ولا يقوم، ولا يسلم قبل إمامه، ولا مع إمامه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، فإن فعل ذلك ساهيًا، فليرجع ولابد، حتى يكون ذلك كله منه بعد كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو.
ثم قال: وبه قال السلف، روينا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام، ويخفض قبله، فإن ناصيته بيد شيطان. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: ما يُؤَمّن الرجلَ إذا رفع رأسه قبل الإمام أن تعود رأسه رأس كلب. وعنه: لا تبادروا أئمتكم بالسجود، فإن سبقكم من ذلك شيء، فليضع أحدكم رأسه كقدر ما سُبِق. وعن عمر بن الخطاب ﵁: مثل هذا حرفًا حرفًا.
قال أبو محمد: لا وعيد أشد من المسخ في صورة كلب أو حمار، ولا عقوبة أعظم من إسلام ناصية المرء إلى يد الشيطان. والمعصية المحرمة المبعدة من الله تعالى لا تنوب عن الطاعة المفترضة المقربة منه . انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار وتصرف (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن عمر ﵄،
стр. 6332
ونُقِل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى من بطلان صلاة من سابق إمامه، وعزاه ابن حزم إلى السلف هو الراجح عندي، لما ذكر من الأدلة. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٢٩ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامُوا قِيَامًا، حَتَّى يَرَوْهُ سَاجِدًا، ثُمَّ سَجَدُوا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدَّوْرَقِي، أبو يوسف البغدادي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة ١٩٣، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩.
стр. 6333
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السَّبِيعي الكوفي، مكثر، ثقة عابد، اختلط بآخره، مات سنة ١٢٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث ابن خَطْمة (١)، واسمه عبد الله بن جُشَم بن مالك بن الأوس الأنصاري أبو موسى الخَطْمي، شهد الحديبية، وهو صغير (٢)، وشهد الجمل، وصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي أيوب، وأبي مسعود، وقيس بن سعد بن عبادة، وحذيفة، وزيد ابن ثابت، والبراء بن عازب، وغيرهم، وعن كتاب عمر بن الخطاب. وعثه ابنه موسى، وابن ابنته عدي بن ثابت الأنصاري، ومحارب بن دثار، والشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن سيرين، وأبو جعفر الفراء، وغيرهم.
قال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله بن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت ابن معين يقول هذا، قال أبو داود:
стр. 6334
سمعت مصعبًا الزبيري يقول: ليست له صحبة. وقالى أبو حاتم: روى عن النبي ﷺ ، وكان صغيرًا في عهده، فإن صحت روايته، فذاك.
قال الحافظ كذا في الأصل (١): "إن صحت روايته"، وفيما وقفت عليه من كتاب ابن أبي حاتم: "فإن صحت رؤيته"، فيحرر هذا. وروايته عن النبي ﷺ في صحيح البخاري، ولم يرقم المزي على ذلك سهوًا، وإلا قد ذكره هو في الأطراف. وقال ابن حبان في كتاب الصحابة: كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه.
وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله. لعبد الله بن يزيد صحبة؟ فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت النبي ﷺ … ، قال: وما أرى ذاك بشيء. وقال ابن البرقي: ذكر عبد الله بن عبد الحكم، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي ابن ثابت، أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير. وذكر أنه شهد بيعة الرضوان، وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جسر أبي عبيد. وقال البرقاني: قلت للدارقطني: موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري؟ فقال: ثقة، وأبوه وجده صحابيان. أخرج له
стр. 6335
الجماعة (١). وقال البغوي: سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، ومات في زمن ابن الزبير (٢).
٦ - (البراء) بن عازب ﵄، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
(منها) أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بدون واسطة، وقد تقدموا غير مرة، وهو بغدادي، وابن علية وشعمة بصريان، والباقون كوفيون، وأن فيه رواية صحابي عن صحابي، إن ثبتت صحبة عبد الله بن يزيد، وهو الأصح، ورواية تابعي عن تابعي، إن لم تثبت.
وقال في "الفتح": وفيه لطيفة، وهي رواية صحابي ابن صحابي عن صحابي ابن صحابي، كلاهما من الأنصار، ثم عن الأوس، وكلاهما سكن الكوفة. انتهى (٣).
وفيه من صيغ الأداء: الإخبارُ، والتحديثُ، والإنباء، والعنعنة، والسماع. والله تعالى أعلم.
стр. 6336
شرح الحديث
(عن أبي إِسحاق) السبيعي، أنه (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) قال في "الفتح": وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب، لكنه سمع هذا عنه بواسطة. اهـ.
(يخطب) جملة فعلية في محل نصب على الحال، أي حال كونه خطيباً. وقد تقدم في ترجمته أنه كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير.
وقد روى الطبراني في مسند عبد الله بن يزيد هذا ما يبين سبب تحديثه بهذا الحديث، فأخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم. أفاده الحافظ رحمه الله تعالى (١).
(قال) أي عبد الله بن يزيد (حدثنا البراء) بن عازب ﵄ (وكان غير كذوب) أي كان البراء ﵁ غير كذوب، فالقائل: وكان … إلخ هو عبد الله بن يزيد، واسم "كان" يرجع للبراء، فرواية المصنف واضحة في هذا المعنى، وأما جعل القائل أبا إسحاق، والضمير لعبد الله بن يزيد فبعيد، وإن قيل به، كما يأتي قريبًا.
стр. 6337
وقال السندي ﵀ في شرحه: قوله: "وكان" أي البراء، غير كذوب، أي حتى يُتوهم منه أنه كذب في تبليغ الأحكام الشرعية، وفيه أن الكذب في الأحكام لا يتأتى عادة إلا من كذوب، يبالغ في الكذب، والمقصود التوثق بما حدث. انتهى (١).
ووقع عند البخاري: "وهو غير كذوب". فقال في "الفتح": الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد، وعلى ذلك جرى الحميدي في "جمعه"، وصاحب "العمدة". لكن روى عباس الدوري في "تاريخه" عن يحيى بن معين، أنه قال: قوله: "وهو غير كذوب" إنما يريد عبد الله ابن يزيد الراوي عن البراء، لا البراء، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ غير كذوب. يعني أن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته، والصحابة كلهم عدول، لا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقبه الخطابي، فقال: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، وإنما يوجب حقيقة الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العِلْم بالراوي، والعمل بما روى. كان أبو هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق. وقال ابن مسعود ﵁: حدثني الصادق المصدوق.
وقال عياض وتبعه النووي: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة؛ لأنه لم يرد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث، إذْ حدث به البراء،
стр. 6338
وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخَوْلانيّ: حدثني الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة ﵄، فذكرهما. قال: وهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أن قائله قصد له تعديل راويه. وأيضًا فتنزيه ابن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة. انتهى كلامه.
قال الحافظ: وقد علمت أنه أخذ كلام الخطابي، فبسطه، واستدرك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد؛ لأن يحيى بن معين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضًا مصعب الزبيري، وتوقف فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو داود، وأثبتها ابن البرقي، والدارقطني، وآخرون.
وقال النووي معني الكلام: حدثني البراء، وهو غير متهم، كما علمتم، قثقوا بما أُخْبِركم به عنه.
وقد اعترض بعض المتأخرين عن التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلِمَّ بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق، وفلان غير كذوب؛ لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه، فهما مفترقان. قال: والسر فيه أن نفي الضدّ كأنه يقع جوابًا لمن أثبته، يخالف إثبات الصفة. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى
стр. 6339
المراد باللفظين، لأن كلا منهما يرد عليه أنه تزكية في حق مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع.
وذكر ابن دقيق العيد أن بعضهم استدل على أنه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد، وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب. قال: وهو محتمل أيضًا.
قال الحافظ: لكنه أبعد من الأول. وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، وفيه قوله أيضًا: حدثنا البراء، وهو غير كذوب. أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق مُحارب بن دِثَار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر، يقول … فذكره. وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب. وهذا يقوي أن الكلام لعبد الله بن يزيد. والله أعلم. انتهى ما في الفتح (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر أن الراجح كون قائل: "وهو غير كذوب" عبد الله بن يزيد، وأنه لم يرد به التزكية، وإنما أراد تقوية حديثه، وأن صيغة "فَعول" ليست هنا للمبالغة، بقرينة المقام، وإنما هي لإفادة أصل الفعل، وهو الحَدَثُ، فكذوب بمعنى كاذب،
стр. 6340
فتبصر. والله أعلم.
(أنهم) أي الصحابة ﵃ (كانوا إِذا صَلَّوا مع رسول الله ﷺ ) أي جماعة (فرفع رأسه من الركوع قاموا قيامًا) وفي رواية البخاري: كان رسول الله ﷺ ، إذا قال: "سمع الله لمن حمده" لم يَحْنِ منا ظهره … ولمسلم: فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: "سمع الله لمن حمده" لم نزل قيامًا … (حتى يروه ساجدًا) غاية لقيامهم، أي ينتظرونه قائمين إلى أن يروه ساجدًا (ثم) إذا رأوه ساجدًا (سجدوا) وفي "الكبرى": "ثم يسجدون". وللبخاري من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق: "حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سُجودًا". وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق: "حتى يضع جبهته على الأرض".
وقال السندي ﵀ عند قوله: "ثم سجدوا": أي فحق المقتدي أن يتأخر عن إمامه في الأفعال، لا أن يقارنه، وأيضًا المقارنة قد تؤدي إلى أن يتقدم المقتدي على الإمام، وذلك بالاتفاق منهي عنه. انتهى (١).
وقال في "الفتح": واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام. وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يشرع المأموم بعد شروعه، وقبل الفراغ منه.