شرح الحديث
(عن أبي إِسحاق) السبيعي، أنه (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) قال في "الفتح": وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب، لكنه سمع هذا عنه بواسطة. اهـ.
(يخطب) جملة فعلية في محل نصب على الحال، أي حال كونه خطيباً. وقد تقدم في ترجمته أنه كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير.
وقد روى الطبراني في مسند عبد الله بن يزيد هذا ما يبين سبب تحديثه بهذا الحديث، فأخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم. أفاده الحافظ رحمه الله تعالى (١).
(قال) أي عبد الله بن يزيد (حدثنا البراء) بن عازب ﵄ (وكان غير كذوب) أي كان البراء ﵁ غير كذوب، فالقائل: وكان … إلخ هو عبد الله بن يزيد، واسم "كان" يرجع للبراء، فرواية المصنف واضحة في هذا المعنى، وأما جعل القائل أبا إسحاق، والضمير لعبد الله بن يزيد فبعيد، وإن قيل به، كما يأتي قريبًا.
стр. 6337
وقال السندي ﵀ في شرحه: قوله: "وكان" أي البراء، غير كذوب، أي حتى يُتوهم منه أنه كذب في تبليغ الأحكام الشرعية، وفيه أن الكذب في الأحكام لا يتأتى عادة إلا من كذوب، يبالغ في الكذب، والمقصود التوثق بما حدث. انتهى (١).
ووقع عند البخاري: "وهو غير كذوب". فقال في "الفتح": الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد، وعلى ذلك جرى الحميدي في "جمعه"، وصاحب "العمدة". لكن روى عباس الدوري في "تاريخه" عن يحيى بن معين، أنه قال: قوله: "وهو غير كذوب" إنما يريد عبد الله ابن يزيد الراوي عن البراء، لا البراء، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ غير كذوب. يعني أن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته، والصحابة كلهم عدول، لا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقبه الخطابي، فقال: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، وإنما يوجب حقيقة الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العِلْم بالراوي، والعمل بما روى. كان أبو هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق. وقال ابن مسعود ﵁: حدثني الصادق المصدوق.
وقال عياض وتبعه النووي: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة؛ لأنه لم يرد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث، إذْ حدث به البراء،
стр. 6338
وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخَوْلانيّ: حدثني الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هريرة ﵄، فذكرهما. قال: وهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أن قائله قصد له تعديل راويه. وأيضًا فتنزيه ابن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة. انتهى كلامه.
قال الحافظ: وقد علمت أنه أخذ كلام الخطابي، فبسطه، واستدرك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد؛ لأن يحيى بن معين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضًا مصعب الزبيري، وتوقف فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو داود، وأثبتها ابن البرقي، والدارقطني، وآخرون.
وقال النووي معني الكلام: حدثني البراء، وهو غير متهم، كما علمتم، قثقوا بما أُخْبِركم به عنه.
وقد اعترض بعض المتأخرين عن التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلِمَّ بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق، وفلان غير كذوب؛ لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه، فهما مفترقان. قال: والسر فيه أن نفي الضدّ كأنه يقع جوابًا لمن أثبته، يخالف إثبات الصفة. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى
стр. 6339
المراد باللفظين، لأن كلا منهما يرد عليه أنه تزكية في حق مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع.
وذكر ابن دقيق العيد أن بعضهم استدل على أنه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد، وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب. قال: وهو محتمل أيضًا.
قال الحافظ: لكنه أبعد من الأول. وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، وفيه قوله أيضًا: حدثنا البراء، وهو غير كذوب. أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق مُحارب بن دِثَار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر، يقول … فذكره. وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب. وهذا يقوي أن الكلام لعبد الله بن يزيد. والله أعلم. انتهى ما في الفتح (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذكر أن الراجح كون قائل: "وهو غير كذوب" عبد الله بن يزيد، وأنه لم يرد به التزكية، وإنما أراد تقوية حديثه، وأن صيغة "فَعول" ليست هنا للمبالغة، بقرينة المقام، وإنما هي لإفادة أصل الفعل، وهو الحَدَثُ، فكذوب بمعنى كاذب،
стр. 6340
فتبصر. والله أعلم.
(أنهم) أي الصحابة ﵃ (كانوا إِذا صَلَّوا مع رسول الله ﷺ ) أي جماعة (فرفع رأسه من الركوع قاموا قيامًا) وفي رواية البخاري: كان رسول الله ﷺ ، إذا قال: "سمع الله لمن حمده" لم يَحْنِ منا ظهره … ولمسلم: فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: "سمع الله لمن حمده" لم نزل قيامًا … (حتى يروه ساجدًا) غاية لقيامهم، أي ينتظرونه قائمين إلى أن يروه ساجدًا (ثم) إذا رأوه ساجدًا (سجدوا) وفي "الكبرى": "ثم يسجدون". وللبخاري من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق: "حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سُجودًا". وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق: "حتى يضع جبهته على الأرض".
وقال السندي ﵀ عند قوله: "ثم سجدوا": أي فحق المقتدي أن يتأخر عن إمامه في الأفعال، لا أن يقارنه، وأيضًا المقارنة قد تؤدي إلى أن يتقدم المقتدي على الإمام، وذلك بالاتفاق منهي عنه. انتهى (١).
وقال في "الفتح": واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام. وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يشرع المأموم بعد شروعه، وقبل الفراغ منه.
стр. 6341
ووقع في حديث عمرو بن حريث ﵁ عند مسلم: "فكان لا يحني أحد منا ظهره، حتى يستتم ساجدًا". ولأبي يعلى من حديث أنس ﵁: "حتى يتمكن النبي ﷺ من السجود". وهو أوضح في انتفاء المقارنة.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث الباب صريح في أنه ينبغي للمأموم أن يشرع في أيّ جزء من أجزاء الصلاة بعد تأكده من تلبس إمامه بذلك الجزء، فيشاركه في أدائه مع تأخره عنه قليلا في الابتداء، ولا ينبغي له أن يقارنه في الشروع فيه، كما يفعله المقلدون لبعض الآراء المخالفة للسنة، فضلاً عن أن يسابقه، كما يفعله الجهال الذين نواصيهم بيد الشيطان، ولا أن يتأخر عنه حتى يكمله، فينتقل إلى جزء آخر، كما يرشد إليه قول ابن الجوزي رحمه الله تعالى. فتبصر. والله تعالى أعلم.
قال: واستدل به على طول الطمأنينة، وفيه نظر، وعلى جواز النظر إلى الإمام لاتباعه في انتقالاته. انتهى (١). والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 6342
حديث البراء ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٨/ ٨٢٩، وفي "الكبرى" ٩٠٣ بالإسناد المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة"، عن حجاج بن منهال، عن شعبة -وعن مسدد، عن يحيى القطان، عن الثوري- وعن أبي نعيم، عن الثوري- وعن آدم، عن إسرائيل، كلهم عن أبي إسحاق، به.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيى القطان، وعن أحمد ابن يونس، ويحيى بن يحيى، كلاهما عن زهير بن معاوية، كلاهما عن أبي إسحاق، به. وعن محمد بن عبد الرحمن بن سهم، عن إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن يزيد به. وعن زهير بن حرب، وابن نمير، كلاهما عن سفيان، عن أبان بن تغلب، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ﵁.
وأبو داود فيه، عن حفص بن عمر، عن شعبة، به. وعن الربيع ابن نافع، عن أبي إسحاق الشيباني، به. وعن زهير بن حرب، وهارون ابن معروف، كلاهما عن سفيان، عن أبان، به.
والترمذي فيه عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي،
стр. 6343
عن سيفان الثوري، به.
وأخرجه أحمد جـ ٤ ص ٢٨٤، ٢٨٥، ٣٠٠، ٣٠٤. والحميدي رقم (٧٢٥).
قال الجامع عفا الله عنه: فوائد هذا الحديث تُعلَم مما قبله، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٣٠ - أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى، فَلَمَّا كَانَ فِي الْقَعْدَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ، وَالزَّكَاةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَبُو مُوسَى، أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، قَالَ: يَا حِطَّانُ لَعَلَّكَ قُلْتَهَا، قَالَ: لَا، وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُنَا صَلَاتَنَا، وَسُنَّتَنَا، فَقَالَ: "إِنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، وَإِذَا رَكَعَ،
стр. 6344
فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِذَا سَجَدَ، فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (مؤمل بن هشام) اليشكري، أبو هشام البصري، ثقة، مات سنة ٢٥٣، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي. تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٢ - (اسماعيل بن علية) تقدم في السند الماضي.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة/ مِهْران، أبو النضر البصري، ثقة حافظ مدلس، اختلط بآخره، مات سنة ١٥٦، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مدلس، مات سنة ١١٧، من كبار [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (يونس بن جُبير) الباهلي، أبو غَلاب (١) البصري، ثقة،
стр. 6345
من [٣].
قال ابن سعد: أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك لما مات، وكان ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن علية، عن أيوب، عن محمد: لقيت أبا غلاَّب، يونسَ بنَ جبير، وكان ذا ثبت، فحدثني. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال البخاري: مات بعد التسعين. أخرج له الجماعة (١).
٦ - (حِطَّان (٢) بن عبد الله) الرَّقَاشي (٣) البصري، تقة، من [٢].
قال ابن المديني: ثبت. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": مات في ولاية بشر بن مروان على العراق. وقال أبو عمرو الداني: كان مقرئًا، قرأ عليه الحسن البصري. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. أخرج له الجماعة، إلا البخاري (٤).
٧ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي ﵁، تقدم في ٣/ ٣. والله تعالى أعلم.
стр. 6346
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو دَاود، وحطان بن عبد الله، فما أخرج له البخاري.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي لعضهم عن بعض؛ قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حطان بن عبد الله) أنه (قال: صلى بنا أبو موسى) الأشعري ﵁، ولمسلم: "صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة" … (فلما كان في القعدة)، ولمسلم "عند القعدة" اسم "كان" ضمير أبي موسى (دخل رجل من القوم) أي في الصلاة، وظاهره أنه كان مسبوقًا، فلحقهم، وهم في القعدة. وعند أبي داود. "فلما جلس في آخر صلاته، قال رجل عن القوم: أقرت الصلاة … (فقال: أقرت الصلاة بالبر والزكاة)، ببناء الفعل للمفعول، قال النووي ﵀. قالوا: معناه: قُرِنَتْ بهما، وأقرت معهما، وصار الجميع مأمورًا به. انتهى. (١)
стр. 6347
وقال العلامة ابن الأثير في "النهاية": "أُقِرت الصلاة بالبر، والزكاة": ورُوِيَ "قَرَّتْ": أي استقرت معها، وقرنت بهما، يعني أن الصلاة مقرونة بالبر، وهو الصدق، وجِمَاع الخير، ومقرونة بالزكاة في القرآن، مذكورة معها. انتهى (١).
وقال في "المنهل": والبر -بالكسر-: الخير، والزكاة: التطهير. والمراد أن الصلاة توجب لصاحبها الخير، والطهارة من الذنوب. ويحتمل أن يكون "أقرت" بمعنى أثبتت، من الإقرار، أي أثبتت الصلاة مصاحبة للخير، والطهارة من الذنوب. انتهى (٢).
(فلما سلم أبو موسى) ﵁ (أقبل على القوم، فقال: أيكم القائل هذه الكلمة؟) ولمسلم: "فلما قضى أبو موسى الصلاة، وسلم، انصرف، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ ".
وأشار بهذه الكلمة إلى قوله: "أقرت الصلاة بالبر، والزكاة"، وأطلق عليها الكلمة، مع كونها جملة، والجملة إنما يطلق عليها الكلام مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]. إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. قال ابن مالك ﵀ في خلاصته:
.............. … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
стр. 6348
(فأرمّ القوم) أي سكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرَمَّ، فهو مُرِمّ. ويُرْوى: "فأزَمَ" بالزاي، وتخفيف الميم، وهو بمعناه؛ لأن الأزْمَ. الإمساك عن الطعام والكلام. قاله في "النهاية" (١).
(قال) أبو موسى (يا حطان لعلك قلتها) ولعل ألا موسى خص حطانًا بهذا الخطاب، إدلالاً عليه؛ حيث كان يلازمه، ولذا قال حطان: وقد خشيت أن تبكعني بها؛ حيث إنه توقع لما قال ذلك الرجل ما لا ينبغي أن يقال في الصلاة، أن أبا موسى سيواجه الناس بالتوبيخ، والإنكار عليهم في ذلك، وأنه سيبدأ بمن هو أقرب إليه، وألزم له، تنبيهًا لغيره، ممن جهل الحكم، وسترًا عليه، لئلا يخجل. والله تعالى أعلم.
(قال) وفي "الكبرى": "قلت" بتاء المتكلم، وهو الظاهر (لا) أي لم أقلها (وقد خشيت) ولمسلم، وأبي داود: "ولقد رَهِبت"، أي خِفْت (أن تبكعني بها) بفتح المثناة في أوله، وإسكان الموحدة بعدها، أي تُبَكِّتَني بها، وتوبخني. قاله النووي. وقال ابن منظور: وبكّعه تبكيعًا، وبَكَعَه بَكْعًا: استقبله بما يكره، وبَكَّته. انتهى (٢). وفي "الكبرى": "أن تبلعني لها" باللام بدل الكاف، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم.
стр. 6349
زاد مسلم من طريق أبي عوانة: "فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير"، ونحوه لأبي داود من طريق هشام الدستوائي.
(فقال) أبو موسى (إِن رسول الله ﷺ كان يعلمنا صلاتنا) أي كيفيتها (وسنتنا) أي ما يليق بنا من السنة، وما ينبغي لنا من الطريق.
وفي رواية مسلم، وأبي داود: فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: "إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم".
قال النووي ﵀: فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب، أم أمر إيجاب، على أربعة مذاهب، فالراجح في مذهبنا، وهو نص الشافعي رحمه الله تعالى، وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله من يحصل به إظهار هذا الشعار، سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وقالت طائفة من أصحابنا: هي سنة، وقال ابن خزيمة من أصحابنا: هي فرض عين، لكن ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفردًا بلا عذر أثم، وصحت صلاته. وقال بعض أهل الظاهر: هي شرط لصحة الصلاة، وقال بكل قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء (١).
стр. 6350
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح ما ذهب إليه ابن خزيمة رحمه الله تعالى، وستأتي المسألة مفصلة بأدلتها في بابها ٤٨/ ٨٤٧ - ٤٩/ ٨٤٨. إن شاء الله تعالى.
(إِنما الإِمام ليؤتم به) أي إنما جعل الإمام ليُقتدى به في أفعال الصلاة، فلا تجوز مخالفته بالتقدم عليه مطلقًا، ولا بالتأخر عنه (فإِذا كبر، فكبروا) قال النووي ﵀: فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين:
إِحداهما: أنه لا يكبر قبله، ولا معه، بل بعده، فلو شرع المأموم في تكبيرة الإحرام ناويًا الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف، لم يصح إحرام المأموم بلا خلاف، لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إمامًا، بل بمن سيصير إمامًا إذا فرغ من التكبير.
والثانية: أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام، ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
(وإِذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين) قال النووي ﵀: فيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده، فإذا
стр. 6351
قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الإمام والمأموم معًا: آمين، وتأولوا قوله ﷺ : "إذا أمّن فأمنوا"، قالوا: معناه إذا أراد التأمين، ليجمع بينه، وبين هذا الحديث، وهو يريد التأمين في آخر قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فيعقب إرادته تأمينه، وتأمينكم معًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع حسن جِدًّا. والله تعالى أعلم.
وفي "آمين" لغتان. المد، والقصر، والمد أفصح، والميم خفيفة فيهما، ومعناه. استجب. وسيأتي تمام الكلام في التأمين، وما يتعلق به في بابه ٣٣، ٣٤، ٣٥ إن شاء الله تعالى.
(يجبكم الله) بالجيم، من الإجابة، وهو مجزوم بالطلب قبله، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقًطِ الفَا وَالْجَزَاءً قَدْ قُصِدْ
أي يستجب الله دعاءكم، وهذا فيه حث عظيم على التأمين، فيتأكد الاهتمام له.
(وإِذا ركع فاركعوا) زاد في الرواية الآتية: ١٠١/ ١١٧٢ و٤٤/ ١٢٨٠: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم" قال نبي الله ﷺ : "فتلك بتلك" (وإذا رفع، فقال: سمع الله لمن حمده) أي أجاب دعاء من حمده (فقولوا: وبنا لك الحمد)، وفي ٢٣/ ١٠٦٤: "اللهم ربنا، ولك الحمد" بزيادة الواو، ولفظ "اللهم"، وفي ٤٤/ ١٢٨٠: "اللهم
стр. 6352
ربنا لك الحمد" بلا واو.
قال النووي ﵀: قوله: "ربنا لك الحمد" هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع: "ربنا ولك الحمد". وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز، وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. ونقل القاضي عياض ﵁ اختلافًا عن مالك رحمه الله تعالى، وغيره في الأرجح منهما.
وعلى إثبات الواو يكون قوله: "ربنا" متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا، فاستجب حمدنا، ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك. انتهى.
(يسمع الله لكم) بالجزم جوابًا للأمر. أي يستجب الله دعاءكم. زاد في ١٠١/ ١١٧٢: "فإن الله قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده".
قال النووي ﵀: فيه دلالة لما قاله أصحالنا، وغيرهم أنه يستحب للإمام الجهر بقوله: سمع الله لمن حمده، وحينئذ يسمعونه، فيقولون. وفيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم على قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده. ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام، والمأموم، والمنفرد، لأنه ثبت أنه ﷺ جمع بينهما، وثبت أنه ﷺ ، قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". انتهى.
стр. 6353
قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الأول، وهو عدم مشروعية التسميع للمأموم هو الراجح، لكون حديث الباب صريحًا فيه، وأما حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فعام خص منه عدم متابعته في الجهر بالقراءة إجماعًا، فليخص أيضًا هذا لهذا الحديث الصريح الخاص. وسيأتي تمام الكلام على هذا في موضعه ١٠٦١، ١٠٦٢، ١٠٦٤ إن شاء الله تعالى.
(وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، فإِن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم) وفي الرواية ١٠١/ ١١٧٢: "ثم إذا كبر الإمام وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم".
والمعنى: اجعلوا تكبيركم للسجود وسجودكم، بعد تكبيره وسجوده، وكذلك رفعكم من السجود يكون بعد رفعه.
(قال رسول الله ﷺ : "فتلك بتلك") أي أن اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدمه إلى السجود، تقابل لكم بتأخركم في السجود بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار سجودكم كقدر سجوده. أفاده النووي رحمه الله تعالى (١).
وزاد في الروايات الآتية بالأرقام المذكورة: "فإذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات، الصلوات لله،
стр. 6354
سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، سمع كلمات، وهي تحية الصلاة.
وسيأتي شرح هذه الزيادة في محلها، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي موسى الأشعري ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٨/ ٨٣٠، وفي "الكبرى" ٣٨/ ٩٠٤، عن مؤمل بن هشام، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عنه. وفي ٢٣/ ١٠٦٤، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، به. وفي ١٠١/ ١١٧٢، عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، به، وفي ٤٤/ ١٢٨٠ عن محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. وفي ١٠٢/ ١١٧٣ عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، به، بقصة التشهد، فقط.
стр. 6355
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم فيه عن سعيد بن منصور، وقتيبة، وأبي كامل، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أربعتهم عن أبي عوانة، عن قتادة، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن ابن أبي عروبة، به. وعن أبي غسان/ مالك بن عبد الواحد، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن سليمان التيمي، به. وعن إسحاق، وابن أبي عمر، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، به.
وأبو داود فيه عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، به. وعن أحمد ابن حنبل، عن يحيي بن سعيد، عن هشام، به. وعن عاصم بن النضر، عن المعتمر، عن أبيه، به نحوه.
وابن ماجه فيه عن يوسف بن موسى، عن جرير به، ببعضه "وإذا قرأ، فأنصتوا". وعن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن سعيد، به بقصة التشهد. وعن عبد الرحمن بن رسته، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام به، بهذه القصة.
وأخرجه أحمد جـ ٤ ص ٣٩٣، ٣٩٤، ٤٠١، ٤٠٥، ٤٠٩، ٤١٥. والدارمي رقم (١٣١٨) و (١٣٦٥). وابن خزيمة رقم (١٥٨٤)، و (١٥٩٣).
стр. 6356
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو عدم جواز مبادرة الإمام، وموضع الاستدلال قوله: "فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم"، فإنه صريح في عدم جواز التقدم عليه، وكذا المقارنة.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الاهتمام في التبليغ، وتعليم الأمة أحكام الدين.
ومنها: أن الإمام هو القدوة للمأموم، فلا يجوز له أن يسابقه في أفعال الصلاة، ولا أن يقارنه.
ومنها: الترغيب في قول: "آمين" عند فراغ الإمام من قراءة الفاتحة، وأن الله تعالى يجيب الدعاء بذلك.
ومنها: أن الله تعالى يسمع حمد من حمده، ويثيبه عليه.
ومنها: أن الإمام يسجد، ويرفع قبل المأموم، ومثله في الركوع.
ومنها: أن كل لحظة من اللحظات التي تفوت المأموم بتأخره عن الإمام تقابل باللحظة التي تليها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6357
٣٩ - خُرُوجِ الرَّجُلِ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَفَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز خروج المأموم من صلاة إمامه، إذا أصابته مشقة عن تطويل الإمام الصلاة، أو نحو ذلك، وإكماله صلاته في جانب من جوانب المسجد. ووقع في بعض النسخ: "خروج المأموم" بدل "الرجل".
٨٣٩ - أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى خَلْفَ مُعَاذٍ، فَطَوَّلَ بِهِمْ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ، قِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَئِنْ أَصْبَحْتُ لأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى مُعَاذٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى
стр. 6358
الَّذِي صَنَعْتَ؟، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ عَلَى نَاضِحِي مِنَ النَّهَارِ، فَجِئْتُ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، فَطَوَّلَ، فَانْصَرَفْتُ، فَصَلَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (واصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الكوفي، ثقة من [١٠].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ومحمد بن عبد الله الحضرمي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مُطَيَّن، والسرّاج: مات سنة ٢٤٤. روى عنه الجماعة إلا البخاري (١).
٢ - (ابن فضيل) هو محمد بن فضيل بن غَزْوَان الضبي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، رمي بالتشيع، مات سنة ١٩٥، من ٩١، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ٧٩٩.
стр. 6359
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، ثقة، حافظ، ورع يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (مُحارب بن دِثَار) السَّدُوسِيُّ الكوفي القاضي، ثقة إمام زاهد، مات سنة ١١٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ٦٥٢.
٥ - (أبو صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١٠١، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٦ - (جابر) بن عبد الله الأنصاري السَّلَمِيُّ ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما روى عنه البخارى.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابي، فمدني، وأبو صالح وإن كان مدنيًا، إلا أنه كان يسكن الكوفة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيين، وهما يرويان عن صحابي ابن صحابي.
стр. 6360
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ١٥٧٠ حديثًا.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "وأبي صالح" لفظ "كلاهما"، أي كلا محارب، وأبي صالح يرويان عن جابر ﵁، وقد تقدمت القاعدة غير مرة.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محاوب بن دثار، وأبي صالح) ذكوان السمان الزيات.
قال الحافظ ﵀: اعلم أن هذا الحديث رواه عن جابر عمرُو ابن دينار، ومحاربُ بن دثار، وأبو الزبير، وعبيدُ الله بن مِقْسَم، فرواية عمرو بن دينار عند البخاري في "الصلاة" عن شعبة، وفي "الأدب" عن سَلِيم بن حَيَّان وعند مسلم عن ابن عيينة، ثلاتتهم عنه، ورواية محارب بن دثار عند البخاري في "الصلاة"، وهي عند النسائي مقرونة بأبي صالح، ورواية أبي الزبير عند مسلم، ورواية عبيد الله عند ابن خزيمة، وله طرق أخرى غير هذه، سأذكر ما يُحتاج إليه منها مَعْزُوًا، وإنما قدمت ذكر هذه لتسهل الحوالة عليها. انتهى (١).
стр. 6361
(عن جابر) بن عبد الله ﵄، أنه (قال: جاء رجل من الأنصار) قال الحافظ ﵀: لم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل، لكن روى أبو داود الطيالسي في "مسنده"، والبزار من طريقه، عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: مرّ حَزم بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل، وهو يصلي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة، ومع حزم ناضح له … الحديث.
قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلا ابن جابر. انتهى. وقد رواه أبو داود في "السنن" من وجه آخر عن طالب، فجعله عن ابن جابر، عن حزم صاحب القصة، وابن جابر لم يدرك حزمًا. ورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، فسماه حازمًا، وكأنه صحفه. أخرجه ابن شاهين من طريقه. ورواه أحمد، والنسائي، وأيو يعلى، وابن السكن بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن صهب، عن أنس، قال: كان معاذ يؤم قومه، فدخل حرام، وهو يريد أن يسقي نخله … الحديث. كذا فيه براء بعدها ألف، وظن بعضهم أنه حرام بن ملحان، خال أنس، وبذلك جزم الخطيب في "المبهمات"، لكن لم أره منسوبًا في الرواية، ويحتمل أن يكون تصحيفًا من حزم، فتجتمع هذه الروايات، وإلى ذلك يومىء صنيع ابن عبد البر، فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أبي كعب، وذكر له هذه القصة، وعزا تسميته
стр. 6362
لرواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بنى على أن اسمه تصحف، والأب واحد، سماه جابر، ولم يسمه أنس.
وجاء في تسميته قول آخر أخرجه أحمد أيضًا من رواية معاذ بن رفاعة، عن رجل من نبي سَلِمَة، يقال له: سليم أنه أتى النبي ﷺ ، فقال. يا نبي الله، إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي، فيأتي معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطول بنا … الحديث. وفيه أنه استشهد لأحد، وهذا مرسل؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه. ورواه البزار من وجه آخر عن جابر، وسماه سليمًا أيضا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه أن اسمه سَلْم -بفتح أوله، وسكون اللام- وكأنه تصحيف. والله أعلم.
وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف لأنهما واقعتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة، هل هي العشاء، أو المغرب، وبالاختلاف في السورة، هل هي "البقرة"، أو "اقتربت"، وبا لاختلاف في عذر الرجل، هل هو لأجل التطويل فقط، لكونه جاء من العمل، وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله، إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل، كما في حديث بريدة.
واستشكل هذا الجمع؛ لأنه لا يظن بمعاذ أنه ﷺ يأمره بالتخفيف، ثم يعود إلى التطويل، ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أوّلاً
стр. 6363
"البقرة"، فلما نهاه قرأ "اقتربت"، وهي طويلة بالنسبة إلى السورة التي أمره أن يقرأ لها، كما سيأتي، ويحتمل أن يكون النهي أوّلاً وقع لما يخشى من تنفير بعض يدخل في الإسلام، ثم لما اطمئنت نفوسهم بالإسلام ظن أن المانع زال، فقرأ باقتربت؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فصادف صاحب الشغل.
وجمع النووي باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، فانصرف رجل، ثم قرأ اقتربت في الثانية، فانصرف آخر، ووقع في رواية أبي الزبير عند مسلم: "فانطلق رجل منا"، وهذا يدل على أنه كان من بني سلِمَة، ويقوي رواية من سماه سليمًا. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١).
(وقد أقيمت الصلاة) اختلفت الروايات في تعيين تلك الصلاة، ومعظم الروايات أنها العشاء، ووقع من رواية محارب بن دثار الآتية ٦٣/ ٩٨٤ أنها المغرب، وظاهر صنيع المصنف يميل إلى الجمع بالحمل على تعدد القصة، فإنه بوب للقراءة في المغرب بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، فأورد الحديث من طريق سيفان، عن محارب. ثم بوب للقراءة في العشاء الاخرة بـ"سبح اسم ربك الأعلى"، فأورد الحديث من طريق الأعمش، عن محارب.
стр. 6364
وقال في "الفتح" عند قوله: "فصلى العشاء": ما نصه: كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة، والطحاوي من طريق محارب بن دثار: "صلى بأصحابه المغرب"، وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي الزبير: فإن حُمِلَ على تعدد القصة، كما سيأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تَمَّ، وإلا فما في الصحيح أصح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي طريقة الجمع بالحمل على تعدد القصة، كما هو صنيع المصنف الآتي أولى من دعوى إلغاء الرواية الصحيحة. والله تعالى أعلم.
(فدخل) ذلك الرجل (المسجد) أي المسجد الذي يصلي فيه معاذ إمامًا (فصلى) أي دخل في الصلاة (خلف معاذ) ﵁ (فطول بهم) أي طول القراءة، ففي الرواية الآتية ٦٣/ ٩٨٤ من طريق سفيان، عن محارب: "فافتتح بسورة البقرة". وقال في "الفتح": وفي رواية محارب عند البخاري: "فقرأ بسورة البقرة، أو النساء" على الشك. وللسرّاج من رواية مسعر، عن محارب: "فقرأ بالبقرة، والنساء". كذا رأيته بخط الزكي البرزالي بالواو، فإن كان ضبطه احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء، ووقع عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قويّ: "فقرأ اقتربت الساعة"، وهي
стр. 6365
شاذة، إلا إن حمل على التعدد. انتهى (١).
(فانصرف الرجل) وفي رواية سَلِيم بن حيان عند البخاري: "فتجوز رجل، فصلى صلاة خفيفة"، ولابن عيينة عند مسلم: "فانحرف رجل، فسلم، فصلى وحده"، وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة، لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله: "ثم سلم"، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر، لم يذكروا السلام، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدل على أنه قطع القدوة فقط، ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفرداً.
قال الرافعي في "شرح المسند" في الكلام على رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث: "فتنحى رجل من خلفه، فصلى وحده": هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة، وتنحى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه؛ لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه. انتهى.
ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفرداً. ونازع النووي فيه، فقال: لا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه فارقه، وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل
стр. 6366
على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر. انتهى "فتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النووي ﵀ من كون الحديث يدل على جواز قطع الصلاة واستئنافها، لا على قطع الاقتداء، هو الظاهر، وهو الذي مال إليه المصنف ﵀، حيث عبر بقوله: "خروج الرجل من صلاة الإمام، وفراغه من صلاته في ناحية المسجد"، والرواية التي أوردها هنا واضحة في ذلك؛ إذ قوله: "فانصرف الرجل، فصلى في ناحية المسجد" صريح في كونه قطع الصلاة، واستأنفها، وأصرح منها رواية مسلم: "فانحرف رجل، فسلم، ثم صلى وحده، وانصرف" لكن لا يبعد أن يقال: إذا جاز قطع الصلاة، فجواز قطع الاقتداء أولى، لأنه أخف. والله تعالى أعلم.
(فصلى في ناحية المسجد) أي في جانبه، قال الفيومي: الناحية: الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نحوتها، أي قصدتها. اهـ (٢).
(ثم انطلق) أي ذهب لحاجته (فلما قضى معاذ الصلاة) أي أداها، وانتهى منها. يقال: قضيت وَطَري: بلغته، ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج، والدَّيْنَ: أديته، قال الله تعالى:
стр. 6367
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٠]. أي أديتوها. قاله الفيومي (قيل له: إِن فلاناً فعل كذا وكذا) كناية عن انصرافه عن الصلاة معه، وصلاته منفردًا (فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله ﷺ ) اللام في "لئن" هي اللام الموطئة للقسم المقدر، وفي "لأذكرن" هي التي يتلقى بها جواب القسم، أي قال معاذ بن جبل ﵁ لما علم بما صنعه ذلك الرجل: والله لئن أصبحت، أي دخلت في وقت الصباح لأذكرن صنيعه هذا لرسول الله ﷺ ، ولأشكونه إليه، ليزجره عنه.
وفي الرواية الآتية ٧١/ ٩٩٨: "من رواية أبي الزبير عن جابر، فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق". ونحوه لمحي رواية سَليم بن حيان عند البخاري.
وفي رواية عمرو بن دينار الآتية ٤١/ ٨٣٥: "فقالوا: نافقت يا فلان، دقال: والله ما نافقت، ولآتين النبي ﷺ فأخبره". قال في "الفتح": وكأن معاذاً قال ذلك أوّلا، ثم قال أصحاب معاذ للرجل. انتهى.
(فأتى معاذ النبي ﷺ ، فذكر ذلك له) وفي رواية عمرو المذكورة آنفًا أن الذي جاء فاشتكى من معاذ هو الرجل، لكن يجمع بين الروايتين بأن معاذاً سبقه بالشكوى، فلما أرسل إليه، جاء فاشتكى من معاذ.
стр. 6368
(فأرسل رسول الله ﷺ إليه) إلى ذلك الرجل (فقال) ﷺ (ما حملك) "ما" استفهامية مبتدأ، خبرها الجملة بعدها، أي أيّ شيء حملك (على الذي) وفي نسخة على ما، بدل "الذي" متعلق بحمل (صنعت) بحذف العائد المنصوب، أي على الصنع الذي صنعته من الخروج من صلاة معاذ؟ (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله عملت على ناضحي من النهار) وفي رواية عمرو بن دينار الآتية ٤١/ ٨٣٥: "فأتى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله إن معاذًا يصلي معك، ثم يأتينا، فيؤمنا، وإنك أخرت الصلاة البارحة، فصلى معك، ثم رجع فأمنا، فاستفتح بـ"سورة البقرة"، فلما سمعت ذلك تأخرت، فصليت، وإنما نحن أصحاب نواضح، نعمل بأيدينا" …
و"الناضح": الإبل التي يستقى عليها الماء، جمعه نواضح. يقال: نضَحَ البعيرُ الماءَ: حمله من نهر أو بئر لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، بالهاء، سمي ناضحًا لأنه يَنضَح العَطَشَ، أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء. قاله الفيومي ﵀ (١).
وأراد الرجل الاعتذار إلى النبي ﷺ بأنه صاحب عمل شديد في النهار، ومن كان كذلك لا يستطيع تطويل الصلاة.
(فجئت، وقد أقيمت الصلاة) وتقدم اختلاف الروايات في كون
стр. 6369
تلك الصلاة العشاء، أو المغرب، والجمع بالحمل على تعدد الواقعة (فدخلت المسجد، فدخلت معه) أي مع معاذ (في الصلاة، فقرأ سورة كذا وكذا) وتقدم اختلاف الروايات في كون السورة البقرة، أو النساء، أو اقتربت (فطول، فانصرفت، فصليت في ناحية المسجد) أي في جانبه (فقال وسول الله ﷺ : "أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ" بالرفع، والتكرار ثلاثًا، وفي "الكبرى": "أفتاناً يا معاذ، أقتاناً يا معاذ " بالنصب، والتكرار مرتين. والهمزة للاستفهام الإنكاري، وإنما كرره للتأكيد.
و"فتان" صيغة مبالغة، ورفعه على أنه خبر لمحذوف، تقديره: أي "أنت فتان"، والنصب على أنه خبر لكان المقدرة، أي أتكون فتاناً.
وفي رواية أبي الزبير الآتية ٧١/ ٩٩٨: "أتريد أن تكون فتاناً"، ولأحمد من حديث معاذ بن رفاعة المتقدم: "يا معاذ لا تكن فتانًا"، زاد في حديث أنس: "لا تطول بهم".
ومعنى الفتنة هنا، أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة، ولكراهتهم الصلاة في الجماعة. وروى البيهقي في "الشعب" بإسناد صحيح عن عمر ﵁: "لا تُبَغِّضُوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة، حتى يُبَغِّض إليهم ما هم فيه".
стр. 6370
وقال الداودي ﵀: يحتمل أن يريد بقوله: "فتان" أي معذب؛ لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] الآية. قيل: معناه عذبوهم. انتهى (١).
زاد في رواية أبي الزبير الآتية بالرقم المذكور: "يا معاذ إذا أممت الناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك الذي خلق".
وفي رواية البخاري من طريق شعبة: "وأمره بسورتين من أوسط المفصل. قال عمرو: لا أحفظهما". قال في "الفتح": وكأنه -يعني عمرًا- قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سَليم بن حيان عن عمرو: "اقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها". وفي رواية ابن عيينة عند مسلم "اقرأ بكذا"، قال ابن عيينة: فقلت لعمرو. إن أبا الزبير حدثنا عن جابر، أنه قال: اقرأ: والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى"، فقال عمرو: نحو هذا. وجزم محارب في حديته عن جابر، وفي رواية الليث، عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة. "اقرأ باسم ربك"، وزاد ابن جريج، عن أبي الزبير: "والضحى" أخرجه عبد الرزاق. وفي رواية الحميدي، عن ابن عيينة مع الثلاثة الأوَل: "والسماء ذات البروج، والسماء والطارق".
وفي المراد بالمفصل أقوال، أصحها أنه من أول "ق" إلى آخر القرآن.
стр. 6371
انتهى (١) والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٩/ ٨٣١، وفي "الكبرى" ٣٩/ ٩٠٥، عن واصل بن عبد الأعلى، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، وأبي صالح، كلاهما عنه. وفي ٤١/ ٨٣٥، و"الكبرى" ٤١/ ٩٠٩، عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه، وفي ٦٣/ ٩٨٤، و"الكبرى" ١٠/ ١٠٥٦، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن محارب ابن دثار، عنه. وفي٧٠/ ٩٩٧، عن محمد بن قُدامة، عن جرير، عن الأعمش، عن محارب، عنه. وفي ٧١/ ٩٩٨، عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه وفي "التفسير" من "الكبرى"، عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن مسعر، عن محارب، عنه. وأعاد فيه حديث محمد بن قدامة. وعن عبد الوهاب بن الحكم، عن يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن محارب، وأبي صالح، كلاهما عنه. والله تعالى أعلم.
стр. 6372
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن آدم، عن شعبة. قال عقبه تعليقًا. وتابعه سعيد بن مسروق، ومسعر، والشيباني، والأعمش، خمستهم عن محارب، به. وعن مسلم بن إبراهيم، وعن بندار، عن غندر، كلاهما عن شعبة، عن عمرو، عنه. وعن محمد بن عَبَادَة، عن يزيد ابن هارون، عن عمرو، عنه.
ومسلم فيه عن محمد بن عبادة، عن سيفان، به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو، به. وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن منصور، عن عمرو، به. وعن قتيبة، عن حماد بن زيد، به. وعن قتيبة، وابن رمح، كلاهما عن الليث، عن أبي الزبير، عنه.
وأبو داود فيه عن مسدد، وأحمد بن حنبل، كلاهما عن سيفان، عن عمرو بن دينار، عنه، وعن عبيد الله بن عمر بن ميسرة، عن يحيى بن سعيد، وعن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، كلاهما عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عنه. والترمذي فيه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، به. وابن ماجه فيه عن محمد بن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه.
وأخرجه الحميدي رقم (١٢٤٦). وأحمد جـ ٣ ص ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٨، ٣٣٧، ٣٤٠، ٣٦٩ وابن خزيمة رقم (٥٢١، ١٦٣٣، ١٦٣٤). والله تعالى أعلم.
стр. 6373
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز خروج الرجل عن صلاة الإِمام، وصلاته منفردًا لحاجة.
قال النووي ﵀: واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا، وإن لم يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه يجوز لعذر، ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا. والثالث: يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وعلى هذا العذرُ هو ما يسقط به عنه الجماعة ابتداء، ويعذر في التخلص عنها بسببه، وتطويل القراءة عذر على الأصح، لقصة معاذ ﵁، وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه فارقه، وبني على صلاته، بل في الرواية أنه سَلَّمَ، وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة، وإنما يدل على جواز قطع الصلاة، وإبطالها لعذر. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
وقال في "الفتح": وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وأما بغير عذر، فاستدل به بعضهم، وتُعُقِّب. وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة. وفيه نظر؛ لأن فائدة الأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز
стр. 6374
الصلاة منفرداً، وهذا كما استدل بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة، وفيه نحو هذا النظر. انتهى (١).
ومنها: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، وسيأتي تحقيق القول فيه في ٤١/ ٨٣٥ إن شاء الله تعالى.
ومنها: استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأما من قال: لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين، فيشكل عليه أن الإِمام قد لا يعلم حال من يأتي، فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا، إلا إذا فرض في فصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم. قاله في "الفتح" (٢).
ومنها: أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وجواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين لعذر.
ومنها: جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
ومنها: الإنكار بلطف، لوقوعه بصورة الاستفهام، ويؤخذ منه تعزير كل أحد بحسبه، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار
стр. 6375
في المكروهات، وأما تكراره ثلاثاً فللتأكيد، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه.
ومنها: اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر، وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأولاً، وأن التخلف عن الجماعة من صفات المنافق، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***