انتهى (١) والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٩/ ٨٣١، وفي "الكبرى" ٣٩/ ٩٠٥، عن واصل بن عبد الأعلى، عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، وأبي صالح، كلاهما عنه. وفي ٤١/ ٨٣٥، و"الكبرى" ٤١/ ٩٠٩، عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه، وفي ٦٣/ ٩٨٤، و"الكبرى" ١٠/ ١٠٥٦، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن محارب ابن دثار، عنه. وفي٧٠/ ٩٩٧، عن محمد بن قُدامة، عن جرير، عن الأعمش، عن محارب، عنه. وفي ٧١/ ٩٩٨، عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه وفي "التفسير" من "الكبرى"، عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن مسعر، عن محارب، عنه. وأعاد فيه حديث محمد بن قدامة. وعن عبد الوهاب بن الحكم، عن يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن محارب، وأبي صالح، كلاهما عنه. والله تعالى أعلم.
стр. 6372
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن آدم، عن شعبة. قال عقبه تعليقًا. وتابعه سعيد بن مسروق، ومسعر، والشيباني، والأعمش، خمستهم عن محارب، به. وعن مسلم بن إبراهيم، وعن بندار، عن غندر، كلاهما عن شعبة، عن عمرو، عنه. وعن محمد بن عَبَادَة، عن يزيد ابن هارون، عن عمرو، عنه.
ومسلم فيه عن محمد بن عبادة، عن سيفان، به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو، به. وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن منصور، عن عمرو، به. وعن قتيبة، عن حماد بن زيد، به. وعن قتيبة، وابن رمح، كلاهما عن الليث، عن أبي الزبير، عنه.
وأبو داود فيه عن مسدد، وأحمد بن حنبل، كلاهما عن سيفان، عن عمرو بن دينار، عنه، وعن عبيد الله بن عمر بن ميسرة، عن يحيى بن سعيد، وعن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، كلاهما عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عنه. والترمذي فيه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، به. وابن ماجه فيه عن محمد بن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه.
وأخرجه الحميدي رقم (١٢٤٦). وأحمد جـ ٣ ص ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٨، ٣٣٧، ٣٤٠، ٣٦٩ وابن خزيمة رقم (٥٢١، ١٦٣٣، ١٦٣٤). والله تعالى أعلم.
стр. 6373
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز خروج الرجل عن صلاة الإِمام، وصلاته منفردًا لحاجة.
قال النووي ﵀: واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا، وإن لم يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه يجوز لعذر، ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا. والثالث: يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وعلى هذا العذرُ هو ما يسقط به عنه الجماعة ابتداء، ويعذر في التخلص عنها بسببه، وتطويل القراءة عذر على الأصح، لقصة معاذ ﵁، وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه فارقه، وبني على صلاته، بل في الرواية أنه سَلَّمَ، وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، وهذا لا دليل فيه للمسألة المذكورة، وإنما يدل على جواز قطع الصلاة، وإبطالها لعذر. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
وقال في "الفتح": وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وأما بغير عذر، فاستدل به بعضهم، وتُعُقِّب. وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة. وفيه نظر؛ لأن فائدة الأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز
стр. 6374
الصلاة منفرداً، وهذا كما استدل بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة، وفيه نحو هذا النظر. انتهى (١).
ومنها: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، وسيأتي تحقيق القول فيه في ٤١/ ٨٣٥ إن شاء الله تعالى.
ومنها: استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأما من قال: لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين، فيشكل عليه أن الإِمام قد لا يعلم حال من يأتي، فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا، إلا إذا فرض في فصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم. قاله في "الفتح" (٢).
ومنها: أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وجواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين لعذر.
ومنها: جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
ومنها: الإنكار بلطف، لوقوعه بصورة الاستفهام، ويؤخذ منه تعزير كل أحد بحسبه، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار
стр. 6375
في المكروهات، وأما تكراره ثلاثاً فللتأكيد، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه.
ومنها: اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر، وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأولاً، وأن التخلف عن الجماعة من صفات المنافق، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6376
٤٠ - الاِئْتِمَامِ بِالإِمَامِ، يُصَلِّي قَاعِدًا
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الاقتداء بالإمام الذي يصلي قاعدًا لعذر.
٨٣٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد، الثقفي المغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، الإِمام الحجة الفقيه المثبت، مات سنة
стр. 6377
١٧٩، من [٧] أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري المدني، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٢٥، من [٤] أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو (٥٧) من رباعيات الكتاب، والحديث قد تقدم مستوفى الشرح سندًا ومتناً، برقم ١٦/ ٧٩٤، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته، فإن شئت فارجع إليه تستفد.
وقوله: (فصرع عنه) بالنباء للمفعول، أي سقط عن ظهره.
وقوله: (فجحش) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، وبناء الفعل للمفعول: أي قُشِر، وخُدِشَ جلده.
وقوله: (فصلينا وراءه قعودًا) أي بعد أن أشار إليهم بالقعود، ففي هذه الرواية اختصاره
وقوله: (أجمعون) قال السندي ﵀: بالرفع على أنه تأكيد لضمير الفاعل في قوله: "صلوا" وروي "أجمعين" بالنصب، قال السيوطي ﵀ في حاشية أبي داود: نصبه على الحال، وبه يعرف أن رواية: "أجمعون" بالرفع على التأكيد من تغيير الرواة؛ لأن شرطه
стр. 6378
في العربية تقدم التأكيد بـ "كل". انتهى.
قال السندي: وهذا الشرط فيما يظهر ضعيف، وقد جوز غير واحد خلاف ذلك، فالوجه جواز الردع على التأكيد، وقال البدر الدماميني: نصب على الحال، أي مجتمعين، أو على أنه تأكيد لـ "جلوساً"، وكلاهما لا يقول به البصريون؛ لأن ألفاظ التأكيد معارف، قلت: ذلك إن سُلِّمَ، فما دام تأكيدًا، وإذا جعل حالاً يكون بمعنى مجتمعين، فلا تعريف، فليتأمل، فالوجه صحة الوجهين، أعني الرفع، والنصب، وقد جاءت الرواية بهما. انتهى (١).
وإلى جواز التأكيد لأجمعين بعد كل، ودونه، أشار في الخلاصة بقوله:
وَبَعْدَ كُلٍّ اُكَّدُوا بِأجْمَعَا … جَمْعَاءَ أجْمَعِينَ ثُمَّ جُمَعَا
وَدُون كُلٍّ قَدْ يَجِيءُ أجْمَعُ … جَمْعَاءُ أجْمَعُونَ ثمَّ جُمَعُ
ثم اعلم أن ظاهر الحديث وجوب الجلوس إذا جلس الإِمام، وأكثر الفقهاء على خلافه، وادعوا نسخه بحديث مرضه ﷺ الذي توفي فيه، وقالوا: قد أم الناس فيه جالسًا، والناس كانوا وراءه قيامًا، وهو آخر الأمرين، ولذا عقب المصنف ﵀ هذا الحديث بحديث
قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِى أَبُو بَكْرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ رضى الله عنه.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمداني، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٧، من [١٠] أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٢ - (أبو معاوية) محمَّد بن حازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، ورمي بالإرجاء، مات سنة ١٩٥، من كبار [٩]، تقدم في ٢٦/ ٣٠.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران، الكاهلي الكوفي، ثقة حافظ، يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥] أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (إبراهيم) يزيد بن قيس الأسود النخعي، أبو عمران الفقيه الكوفي، ثقة يرسل كثيراً، مات سنة ٩٦، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
стр. 6381
٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، مخضرم، ثقة مكثر، مات سنة ٧٤ أو ٧٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها. أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير عائشة فمدنية، ومسلسل بالفقهاء.
ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وقد تقدموا غير مرة.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود.
ومنها: أن صحابيته من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 6382
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ ) بضم القاف، بوزن صَغُرَ. قاله في "الصحاح". وقال ابن منظور ﵀. وثَقُلَ الرجل ثِقَلا، فهو ثقيل، وثاقل: اشتد مرضه. يقال: أصبح فلان ثاقلاً، أي أثقله المرض، قال لبيد [من الطويل]:
رَأيْتُ التُّقَى وَالحَمْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ … رَبَاحًا إِذا مَا المَرْءُ أصْبَحَ ثَاقِلا
أي ثقيلاً من المرض، قد أدْنَفَهُ، وأشرف على الموت، ويروى ناقلاً، أي منقولاً من الدنيا إلى الأخرى، وقد أثقله المرض والنوم. انتهى (١).
(جاء بلال) بن رباح المؤذن ﵁ (يؤذنه) لضم الياء التحتانية، من الإيذان بمعنى الإعلام: أي يعلمه (بالصلاة) أي بحضورها، وهي العشاء، كما يأتي في الحديث التالي (فقال) ﷺ (مروا أبا بكر) أصله اؤمروا؛ لأنه من أمَرَ، فحذفت الهمزة للاستثقال، واستغني عن الألف، فحذفت، فبقي مرُوُا، على وزن عُلُوا؛ لأن المحذوف فاء الفعل. قاله العلامة العيني رحمه الله تعالى (٢).
стр. 6383
وقال الحافظ ﵀: استدل بقوله: "مروا أبا بكر" إلخ على أن الآمر بالأمر بالشيء يكون آمرًا به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى: بلغوا أبا بكر أني أمرته. وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة، فمسلم؛ لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه، فمردود. والله أعلم. انتهى (١).
(فليصل بالناس) الفاء فيه للعطف على مقدر، أي فاذكروا له: قَوْلي: "فليصل" (قالت) عائشة ﵂ (قلت: يا رسول الله إِن أبا بكر رجل أسيف) بفتح الهمزة، على وزن فَعيل، بمعنى فاعل، من الأسَف، وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب، سريع البكاء، ولا يستطيع لغلبة البكاء، وشدة الحزن. والأسَفُ عند العرب: شدة الحزن، والندم، يقال منه: أسف فلان على كذا، يَأسَف: إذا اشتد حزنه، وهو رجل أسيف، وأَسُوف، ومنه قول يعقوب ﵊: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ الآية [يوسف: ٨٤]. يعني واحُزناه، واجزعاه، تأسفًا، وتوجعًا لفقده. وقيل: الأسيف: الضعيف من الرجال في بطشه، وأما الأسف، فهو الغضبان المتلهف، قال تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ الآية [طه: ٨٦] (٢).
(وإِنه متى يقوم في مقامك لا يسمع الناس) هكذا برفع "يقوم"،
стр. 6384
و"يسمع" في بعض النسخ، وفي بعضها بجزمهما، وهو الذي في الكبرى، وهو الأظهر، لكون "متى" عن أدوات الشرط الجازمة للمضارع، قال السندي ﵀: ووجه الرفع أنها أهملت حملاً على "إذا"، كما تعمل "إذا" حملاً على "متى".
وقوله: "لا يسمع" -بضم حرف المضارعة- من الإسماع. وقال السندي: من الإسماع، أو من السماع، والأول أظهر وأشهر. اهـ.
(فلو أمرت عمر) "لو" للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، أو للشرط، فيقدر جوابها، أي لكان أولى (فقال: مروا أبا بكر، فليصل بالناس)، قالت عائشة: (فقلت لحفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين ﵄، تزوجها رسول الله ﷺ بعد خُنَيس بن حُدْافة، سنة ثلاث، وماتت لسنة -٤٥ - ، وتقدمت ترجمتها في ٣٩/ ٥٨٣.
(قولي له) أي ما قالت هي له، من أن أبا بكر وجل أسيف إلخ، (فقالت) حفصة ذلك (له فقال: إِنكن لأنتن صواحبات يوسف) ﵊، و"الصواحبات" جمع صاحبة، قال الفيومي: الصاحبة تأنيث الصاحب، وجمعها صواحب، وريما أنث الجمع، فقيل: صواحبات. انتهى (١).
وقال ابن منظور: وقالوا في النساء: هن صواحب يوسف.
стр. 6385
وحكى الفارسي عن أبي الحسن: هن صواحبات يوسف، جمعوا صواحب جمعَ السلامة. انتهى (١).
قال الحافظ ﵀: والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن. ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة، وهي عائشة فقط، كما أن "صواحب" صيغة جمع، والمراد زَلِيخا فقط. ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵇، ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صرحت هي فيما بعد ذلك، فقالت -كما أخرجه الشيخان-: "لقد راجعته، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا" … الحديث. وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن
ووقع في مرسل الحسن عند ابن أبي خيثمة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم النبي ﷺ أن يصرف ذلك عنه، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق، فلم يتم.
стр. 6386
ووقع في أمالي ابن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز، يظهرن تعنيفها، ومقصودهن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن. كذا قال، وليس في الآية ما يساعد ما قال. انتهى فتح بتصرف يسير (١).
وقال العلامة العيني ﵀: قوله: "صواحب يوسف" أي مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة الإلحاح فيما يملن إليه، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في كونه أسيفًا، لا يستطيع ذلك. وقيل: يراد بها امرأة العزيز وحدها، وإنما جمعها، كما يقال: فلان يميل إلى النساء، وإن كان مال إلى واحدة، وعن هذا قيل: المراد بهذا الخطاب عائشة وحدها، كما أن المراد زليخا وحدها في قصة يوسف ﵊. انتهى عمدة القاري باختصار (٢).
[فائدة]: زاد حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله ﷺ بأن يأمر عمر بالصلاة. أخرجه الدورقي في مسنده، وزاد مالك في روايته: "فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا"، ومثله للإسماعيلي في حديث الباب، وإنما قالت حفصة ذلك؛ لأن كلامها صافى المرة الثالثة من المعاودة، وكان النبي ﷺ لا يراجع بعد ثلاث،
стр. 6387
فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك، لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضًا في قصة المغافير، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قاله في "الفتح" (١).
(مروا أبا بكر فليصل بالناس، فأمروا أبا بكر) أي أمره بلال ﵁؛ لأنه هو الذي أعلم النبي ﷺ بحضور الصلاة، فأجيب بذلك، ففي الرواية التي بعد هذا: "فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن صل الناس، فجاءه الرسول، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقًا، فقال: يا عمر، صل بالناس، فقال: أنت أحق بذلك" … الحديث.
وقال في "الفتح": وقول أبي بكر ﵁ هذا لم يرد به ما أرادت عائشة ﵂. قال النووي ﵀: تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعًا، وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس. انتهى (٢).
ويحتمل أنه ﵁ فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر ﵁ على ذلك، فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه، أو
стр. 6388
يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح ﵃. والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة، وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه، أو استخلف.
قال القرطبي ﵀: ويستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف، ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك. انتهى (١).
(فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة) قال السندي ﵀: أي فلما دخل في أن يصلي بالناس، أي في منصب الإمامة، وتقرر إمامًا لهم، واستمر على ذلك أيامًا، وجد النبي ﷺ من نفسه خفة في بعض تلك الأيام، أو لما دخل في الصلاة في بعض تلك الأيام وجد ﷺ نفسه خفة. وليس المراد أنه حين دخل في تلك الصلاة التي جرى في شأنها الكلام وجد في أثنائها خفة من نفسه، فلا تنافي هذه الرواية الروايات الأُخَر لهذا الحديث. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": ظاهره أنه ﷺ وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذف، وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة: "فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة". وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء. انتهى.
стр. 6389
(فقالت: فقام يُهادى) بضم أوله، وفتح الدال، بالبناء للمجهول، من المفاعلة، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين: إذا كان يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه، متمايلاً إليهما في مشيته، من شدة الضعف. قاله البدر العيني (١). وقال ابن منظور: والتهادي: مشي النساء والإبل الثقال، وهو مشى في تمايل وسكون. اهـ. باختصار (٢). وجملة "يهادى" في محل نصب على الحال من فاعل "قام".
(بين رجلين) متعلق بـ "يهادى" والرجلان هما: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ﵄، كما سيأتي في الحديث التالي. ووقع عند ابن حبان: "فخرج بين بريرة ونوبة". ويجمع كما قال النووي ﵀ بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثَمَّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي، أو يحمل على التعدد، ويدل عليه ما في رواية الدارقطني، أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن العباس. وأما ما في مسلم، أنه خرج بين الفضل بن العباس وعلي، فذاك في حال مجيئه إلى بيت عائشة ﵂.
[فائدة]: نُوبة -بضم النون وبالموحدة- ذكره بعضهم في النساء الصحابيات، فوهم، وإنما هو عبد أسود، كما وقع عند سيف في
стр. 6390
كتاب الردة، ويؤيده حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة بلفظ: "خرج بين بريرة، ورجل آخر". قاله في "الفتح" (١).
(ورجلاه تخطان في الأرض) أي لكونه لا يقدر على تمكينهما من الأرض، وعند ابن حبان: "إني لأنظر إلى بطون قدميه". والجملة الاسمية في محل نصب عطف على الجملة الحالية.
(فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه) قال المجد: والحس -بالكسر-: الحركة، وأن يمر بك قريبًا، فتسمعه، ولا تراه، كالحسيس. اهـ (٢). وعند ابن ماجه بإسناده حسن، "فلما أحس الناس به سبحوا".
(فذهب ليتأخر) أي أراد، وقصد أبو بكر أن يتأخر عن الإمامة، ظنًا منه أنه ﷺ يؤم الناس (فأومأ إِليه رسول الله ﷺ ) أي أشار ﷺ إلى أبي بكر (أن قم كما أنت) أي كن قائمًا مثل قيامك، والمراد ابقَ على ما أنت عليه عن القيام. و"أن" تفسيرية لما في الإيماء من معنى القول. قاله السندي. ويحتمل أن تكون مصدرية، أي أومأ إليه بالقيام. والكاف للتشبيه، ويحتمل أن تكون بمعنى "على"، أي دُمْ على الحال الذي أنت عليه، من الإمامة. وعند البخاري: "فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك".
стр. 6391
(قالت: فجاء رسول الله ﷺ حتى قام عن يسار أبي بكر جالسًا) ومعنى "قام" أي ثبت، وليس من القيام ضد القعود، ولذا وقع بعده "جالسًا" منصوبًا على الحال من فاعله. وفي رواية البخاري: "ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه" وفي رواية: "فقال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه".
وتفيد رواية المصنف أنه ﷺ كان إمامًا، حيث قال: عن يسار أبي بكر جالسًا، إن اليسار مقام الإِمام.
قال في "الفتح": وأغرب القرطبي شارح مسلم لَمَّا حكى الخلاف، هل كان أبو بكر إمامًا، أو مأمومًا؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيان جلوسه ﷺ ، هل كان عن يمين أبي بكر، أو عن يساره. انتهى. ورواية معاوية هذه عند مسلم أيضًا -يعني كما هي عند البخاري- فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له. انتهى (١).
(فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس) أي إمامًا لهم، حال كونه (جالسًا) هذا صريح في كونه ﷺ إمامًا (و) يصلي (أبو بكر قائمًا، يقتدي برسول الله ﷺ ) وهذا صريح في كون أبي بكر مأمومًا به ﷺ : (والناس يقتدون بصلاة أبي بكر وضي الله عنه) من حيث إنه كان يُسمعهم تكبيره ﷺ .
واستدل به الجمهوو على نسخ حديث: "وإذا صلى جالسًا،
стр. 6392
فصلوا جلوسًا". لكن قد جاء عن عائشة، وأنس ﵄: "أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه". وتقدم للمصنف ٨/ ٨٧٥ و٧٨٦، ورواه الترمذي، وصححه. وروى ابن خزيمة في "صحيحه"، وابن عبد الحر عن عائشة ﵂، قالت: مِن الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف، ومنهم من يقول: كان رسول الله ﷺ المقدم، وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، ولعل سبب ذلك عظم المصيبة، فعلى هذا فالحكم بنسخ الحكم الثابت لهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء. والله تعالى أعلم. قاله السندي ﵀.
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٤٠/ ٨٣٣، وفي "الكبرى" ٤٠/ ٩٥٦ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عمر بن حفص بن غياث، عن
стр. 6393
أبيه -وعن مسدد، عن عبد الله بن داود- ومن قتيبة بن سعيد، عن أبي معاوية.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن يحيى بن يحيى، كلاهما عن أبي معاوية -وعن مِنجاب بن الحارث التميمي، عن أبي مسهر، ومن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ومن علي بن محمَّد، عن وكيع، خمستهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنه.
وأخرجه أحمد جـ ٦ ص ١٦٩ و٢٢٤. وابن خزيمة رقم ١٦١٦ و١٦١٨). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو بيان حكم الاقتداء بالإمام إذا صلى قاعدًا لعلة، وقد تقدم في أولى الباب أن المصنف يرى صحة الاقتداء به قائمًا، خلافًا لمالكية مطلقًا، ولأحمد حيث أوجب القعود، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة من الحديث التالي، إن شاء الله تعالى.
ومنها: تأكيد أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ
стр. 6394
بالأشد، وإن كانت الرخصة أولى. وقال الطبري ﵀: إنما فعل ذلك لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر، فيتخلف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لأهليته لذلك، حتى إنه صلى خلفه.
ومنها: بيان فضل أبي بكر ﵁، وتقديمه على جميع الصحابة ﵃، وفضل عمر بعده.
ومنها: جواز مراجعة الصغير للكبير.
ومنها: الأدب مع الكبير، لهمّ أبي بكر بالتأخر عن الصف، وإكرام الفاضل؛ لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصف، فلم يتركه النبي ﷺ يتزحزح عن مقامه.
ومنها: أن البكاء، ولو كثر لا يبطل الصلاة؛ لأنه ﷺ بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب، وكثرة البكاء لم يعدل عنه، ولا نهاه عن البكاء.
ومنها. أن الإيماء يقوم مقام النطق، واقتصار النبي ﷺ على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق.
ومنها: أنه استدل به على جواز استخلاف الإِمام لغير ضرورة، لصنيع أبي بكر وضي الله عنه، وعلى جواز مخالفة موقف المأموم
стр. 6395
للضرورة، كمن قصد أن يبُبَلِّغ عنه، ويلتحق به من زُحِم عن الصف.
ومنها: أنه استدل به على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو قول الشعبي، واختيار الطبرى، وأومأ إليه البخاري، وتعقب بأن أبا بكر إنما كان مبلغًا، فمعنى الاقتداء به اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أنه ﷺ كان جالسًا، وكان أبو بكر قائمًا، فكان بعض أفعاله يخفي على بعض المأمومين، فمن ثم كان أبو بكر كالإمام في حقهم. والله أعلم.
ومنها: جواز اتباع صوت المكبر، وصحة صلاة المستمع والسامع، وشَرَطَ بعضهم في صحته تقدم الإذن من الإِمام، ويرد عليه هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم يأمره النبي ﷺ بالتبليغ.
ومنها: أنه استدل له الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة.
ومنها: جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة.
ومنها: جواز تقدم إحرام المأموم على الإِمام، بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتم برسول الله ﷺ ، وهو ظاهر الحديث، ويؤيده أن في رواية أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس ﵄: "فابتدأ النبي ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر".
ومنها: أن فيه تقديم الأفقه الأقرإ، وقد جمع الصديق رضي الله
стр. 6396
عنه بين الفقه والقرآن في حياة النبي ﷺ ، كما ذكره أبو بكر بن الطيب، وأبو عمرو الداني. قاله العيني (١).
ومنها: جواز تشبيه أحد بأحد في وصف مشهور بين الناس.
ومنها: أن ابن المسيب استدل به على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإِمام؛ لأنه ﷺ جلس عن يسار أبي بكر، والجماعة على خلافه، ويتمشى قوله على أن الإِمام هو أبو بكر، وأما من قال: إن الإِمام هو النبي ﷺ فلا يتمشى عليه قوله.
وقد اختلفت الروايات، هل كان النبي ﷺ هو الإِمام، أو أبو بكر الصديق؟
فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ صريح في أن النبي ﷺ كان الإِمام، إن جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله: "فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يقتدي به"، وكان أبو بكر مبلغًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان.
وقال جماعة: كان أبو بكر هو الإِمام، لما رواه شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود: عن عائشة: "أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر"، وفي رواية مسروق عنها: "أنه ﷺ صلى خلف أبي بكر جالسًا في مرضه الذي توفي فيه". وروي حديث عائشة
стр. 6397
رضي الله عنها بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح.
وقال البيهقي ﵀: لا تعارض في أحاديثهما، فإن الصلاة التي كان فيها النبي ﷺ إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت، أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها ﷺ حتى خرج من الدنيا.
وقال نعيم بن أبي هند ﵀: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات ميه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا.
وقال الضياء المقدسي، وابن ناصر رحمهما الله: صح، وثبت أنه ﷺ صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك كان مرتين، جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان ﵀. وقال ابن عبد البر ﵀: الآثار الصحاح على أن النبي ﷺ هو الإِمام (١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثقة حافظ، من كبار [١١] مات سنة ٢٤٠، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٩٦/ ١١٩.
٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) العنبري أبو سعيد المصري، ثقة ثبت حجة، عن [٩]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٣ - (زائدة) بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، مات سنة ١٦٠، وقيل بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (موسى بن أبي عائشة) المخزومي الهمداني، أبو الحسن الكوفي، مولى آل جعدة، ابن هبيرة، ثقة عابد، وكان يرسل، من [٥].
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: كان سيفان الثوري يحسن الثناء عليه. وقال الحميدي، عن ابن عيينة: حدثنا موسى بن أبي عائشة، وكان من الثقات. وقال إسحاق منصور، عن ابن عيينة: ثقة. وقال محمد بن حميد، عن جرير: كنت إذا رأيت موسى بن أبي عائشة ذكرت الله تعالى لرؤيته. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تريبني رواية موسى ابن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي ﷺ .
стр. 6401
قال الحافظ. عَنَى أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو حديث صحيح. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. أخرج له الجماعة (١).
٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وشيخه علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ موسى، عن عبيد الله.
ومنها: أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد تقدموا غير مرة. وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث
(عن عبيد الله بن عبد الله) الهذلي، أنه (قال: دخلت على عائشة) ﵂ (فقلت: ألا) بفتح الهمز، والتخفيف، أداة
стр. 6402
عرض وتحضيض (تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ) زاد في الكبرى: "فقالت: بلى" (لما ثقل رسول الله ﷺ )، بفتح المثلثة، وضم القاف، أي اشتد مرضه، وفي الكبرى: "ثقل رسول الله ﷺ " بدون "لما"، وهو الظاهر (فقال) الفاء زائدة، إذ لا تدخل على جواب "لما". قاله السندي ﵀ ("أصلى الناس؟ ") الهمزة للاستفهام والاستخبار (فقلنا: لا) أي لم يصلوا (وهم ينتظرونك يا رسول الله) وفي نسخة: "هم" بدون واو، والجملة في محل نصب على الحال، أي حال كونهم منتظرين لك للصلاة معك، (فقال: "ضعوا لي) من الوضع، ووقع في شرح السندي: "دعوا لي" بالدال، قال: أي اتركوا لي. ولم أره في نسخ المجتبى، ولا في الكبرى. والله أعلم.
(ماء في المخضب) بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، آخره باء موحدة. هو المِرْكَنُ، وهو الإجَّانَة (١) (ففعلنا) وفي نسخة: "فَفُعِل" بالبناء للمفعول (فاغتسل، ثم ذهب لينوء) بضم النون، بعدها همزة، أي أخذ لينهض بجهد، وقال الكرماني: ينوء، كيقوم وزناً ومعنى. اهـ.
(فأغمي عطيه) بالبناء للمفعول، من الإغماء، يقال أيضا: غُمِي، ثلاثيًا. قال الفيومي. وغُمِي على المريض، ثلاثيًا، مبنيًا
стр. 6403
للمفعول، فهو مَغْمِيٌّ عليه على مفعول، قاله ابن السكيت، وجماعة، وأغمي عليه إغماء، بالبناء للمفعول أيضًا. قيل الإغماء: امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. انتهى (١).
وفيه جواز الإغماء على الأنبياء؛ لأنه شبيه بالنوم. وقال النووي ﵀: لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فإنه لم يجز عليهم؛ لأنه نقص. قال العلامة العيني ﵀: العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوباً. انتهى (٢).
(قالت: والناس عكوف في المسجد) ولفظة: "قالت" زائدة في بعض النسخ، و"العكوف" -بالضم-: جمع عاكف، يقال: عكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعكفًا، من باب قعد، وضرب. لازمه، وواظبه. وقرىء بهما في السبعة في قوله تعالى. ﴿قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الآية.
وعكفت الشيء أعكُفه، وأعكفه: حبسته، ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرفاَت العادية، وعكفته عن حاجته: منعته قاله في "الصباح" (٣). أي ملازمو المسجدِ لأداء الصلاة معه ﷺ ،
стр. 6404
والجملة في محل نصب على الحال.
(ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء) جملة فعلية في محل نصب على الحال مما قبله، فيكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة (فأرسل رسول الله ﷺ إِلى أبي بكر أن صل بالناس) "أن" تفسيرية، أو مصدرية، كما تقدم البحث عنها في الحديث الماضي. وفي الكبرى: "أن يصلي بالناس".
(فجاءه الرسول) هو بلال، كما تقدم (فقال: إِن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقًا، فقال: يا عمر صلّ بالناس) كأن أبا بكر ﵁ رأى آن أمره بذلك كان تكرمًا منه له، والمقصود أداء الصلاة بإمام لا تعيين أنه الإِمام، ولم يدر ما جرى بينه ﷺ ، وبين أزواجه في ذلك، وإلا لما كان له تفويض الإمامة إلى عمر. قاله السندي رحمه الله تعالى.
(فقال: أنت أحق بذلك) أي قال عمر ﵁: أنت أحق بأن تصلي بالناس، لأمر رسول الله ﷺ إياك به (فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام) استدل بهذا الحديث على أن استخلاف الإِمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاف بهم قاعدًا، لأنه ﷺ استخلف أبا بكر ﵁، ولم يصل بهم قاعدًا غير مرة واحدة. قاله في الفتح (١).
стр. 6405
(ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة، فجاء يهادى بين رجلين) أي يعتمد على رجلين متمايلاً في مشيه من شدة الضعف (أحدهما العباس) بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ ، المتوفى سنة ٣٢ أو بعدها، وهو ابن ٨٨ سنة، والرجل الآخر هو علي بن أبي طالب ﵁، كما يأتي قريبًا.
(لصلاة الظهر) قال في الفتح: هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت الظهر، وزمحم بعضهم أنها الصبح، واستدل بقوله في رواية أرقم ابن شُرَحْبيل، عن ابن عباس: "وأخذ رسول الله ﷺ القراءة من حيث بلغ أبو بكر". هذا لفظ ابن ماجه، وإسناده حسن، لكن في الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون ﷺ سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان ﷺ يُسمِع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، كما سيأتي من حديث أبي قتادة ﵁.
ثم لو سلم، لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. وهذا لفظ البخاري.
قال الحافظ: لكن وجدت بعدُ في النسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرح الشافعي بأنه ﷺ لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى
стр. 6406
فيها قاعدًا، وكان أبو بكر فيها أولاً إمامًا، ثم صار مأمومًا، يسمع الناس التكبير. انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أن تلك الصلاة هي الظهر. والله تعالى أعلم.
(فلما رآه أبو بكر) أي علم بحضوره، لما في الرواية السابقة "فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه، فذهب يتأخر" .. ويحتمل أن يكون التفت لما سمع حسه، فرآه (ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا يتأخر، وأمرهما، فأجلساه إِلى جنبه) أي أمر النبي ﷺ الرجلين أن يجلساه إلى جنب أبي بكر ﵁، فأجلساه إلى جنبه، (فجعل أبو بكر يصلي قائمًا، والناس يصلون بصلاة أبي يكر) أي بتسميعه التكبيرَ لهم (ورسول الله ﷺ يصلي قاعدًا)، ولفظ البخاري: "فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد".
قال عبيد الله: (فدخلت على ابن عباس)، ﵄، (فقلت: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف "لا": أداة عرض وتحضيض، كما تقدم قريباً.
(أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ )
стр. 6407
"أعرض" -بفتح العين المهملة- مضارع عرض، من باب ضرب، يقال: عرضت المتاع للبيع: أظهرته لذوي الرغبة ليشتروه. قاله في المصباح. وفي اللسان: وعرضت الجارية، والمتاع على البيع. فعداه إلى المفعول الثاني بـ "على" مثل ما هنا (قال) ابن عباس ﵄ (نعم) أي اعرضه علي، (فحدثته، فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي مع العباس؟) قال عبيد الله: (قلت: لا) أي لم تسمه لي (قال: علي كرم الله وجهه) فاعل "قال" ضمير ابن عباس، و"علي" خبر لمحذوف، أي قال ابن عباس ﵄: هو علي بن أبي طالب ﵁.
قال في "الفتح": زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق، عن معمر: "ولكن عائشة لا تطيب نفسًا له بخير"، ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري: "ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير"، ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة، فعبر عنها بعبارة شنيعة. وفي هذا، رد على من تنطع، فقال: لا يجوز أن يظن ذلك لعائشة، ورد على أن من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة، إذ كان تارة يتوكأ على الفضل، وتارة على أسامة، وتارة على علي، وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختص بذلك إكرامًا له، وهذا توهم ممن قاله، والواقع خلافه؛ لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم علي، فهو المعتمد. والله أعلم. انتهى (١).
стр. 6408
وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٤٠/ ٨٣٤، وفي "الكبرى" ٤٠/ ٩٠٨ بالسند المذكور، وفي ١٧/ ٧٩٧، و"الكبرى" ١٧/ ٨٧٢، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله عنها. وفي الوفاة "الكبرى" ٤/ ٧٠٨٣، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن موسى بن عائشة، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم في "الصلاة" كلاهما عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة له. وأحمد جـ ٢ ص ٢٥١ وجـ ٦ ص ٢٤٩، ٢٥١. والدارمي رقم (١٢٦٠). وابن خزيمة رقم ٢٥٧ و١٦٢١.
قال الجامع عفا الله عنه: أما فوائد الحديث، فقد تقدمت في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها، فراجعها إن شئت تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 6409
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في الصلاة خلف الإِمام القاعد لعلة:
قال الإِمام الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الإِمام يصلي قاعدًا من علة:
فقالت طائفة: يصلون قعودًا استنانًا بأمر النبي ﷺ أصحابه الذين صلوا خلفه قيامًا بالقعود، فممن روي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسَيد بن حُضير، وقد روينا عن قيس ابن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- أن إمامًا اشتكى لهم على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فكان يؤمنا جالسًا، ونحن جلوس.
قال أبو بكر: وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. قال أحمد: كذا قال النبي ﷺ ، وفَعَلَه أربعة من أصحابه، أسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر، وأبو هريرة رضي الله عتهم.
قال أبو بكر: وكان أحق الناس بالاستدلال بفعل أصحاب النبي ﷺ بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مشي ابن عمر بعد بيعه بأنها (١) أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان، لما روى ابن عمر الحديث، قال. ابن عمر أعلم بتأويل حديث رسول الله ﷺ ممن بعده، فكذلك لما كان فيما (٢) روى عن النبي ﷺ أمْرَه الذين صلوا خلفه قيامًا
стр. 6410
بالقعود؛ أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة، وجابر أعلم بتأويل حديث رسول الله ﷺ وبناسخه ومنسوخه ممن بعده.
ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضوع رسول الله ﷺ لم يجز الانتقال عما سنه النبي ﷺ لهم وأمرهم بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر فوجب عليهم القيام لقيام أبي بكر بهم، مما لم يحدث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علة، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدم إمام غير الإِمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلى جالسًا، فليس عليهم الجلوس ما دام الإِمام الذي عقدوا معه الصلاة قائمًا، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبي ﷺ الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلى بهم النبي ﷺ في منزله، وافتتح بهم الصلاة قاعدًا، فعليهم القعود بقعوده.
فيكون كلُّ سنة من هاتين السنتين مستقلة في موضعها، ولا يبطل كل واحدة للأخرى، أن معنى كل سنة غير معنى الأخرى، وقد تأول هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلاً، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه.