← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

فيها قاعدًا، وكان أبو بكر فيها أولاً إمامًا، ثم صار مأمومًا، يسمع الناس التكبير. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أن تلك الصلاة هي الظهر. والله تعالى أعلم. (فلما رآه أبو بكر) أي علم بحضوره، لما في الرواية السابقة "فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه، فذهب يتأخر" .. ويحتمل أن يكون التفت لما سمع حسه، فرآه (ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا يتأخر، وأمرهما، فأجلساه إِلى جنبه) أي أمر النبي ﷺ الرجلين أن يجلساه إلى جنب أبي بكر ﵁، فأجلساه إلى جنبه، (فجعل أبو بكر يصلي قائمًا، والناس يصلون بصلاة أبي يكر) أي بتسميعه التكبيرَ لهم (ورسول الله ﷺ يصلي قاعدًا)، ولفظ البخاري: "فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد". قال عبيد الله: (فدخلت على ابن عباس)، ﵄، (فقلت: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف "لا": أداة عرض وتحضيض، كما تقدم قريباً. (أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ )

стр. 6407

"أعرض" -بفتح العين المهملة- مضارع عرض، من باب ضرب، يقال: عرضت المتاع للبيع: أظهرته لذوي الرغبة ليشتروه. قاله في المصباح. وفي اللسان: وعرضت الجارية، والمتاع على البيع. فعداه إلى المفعول الثاني بـ "على" مثل ما هنا (قال) ابن عباس ﵄ (نعم) أي اعرضه علي، (فحدثته، فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي مع العباس؟) قال عبيد الله: (قلت: لا) أي لم تسمه لي (قال: علي كرم الله وجهه) فاعل "قال" ضمير ابن عباس، و"علي" خبر لمحذوف، أي قال ابن عباس ﵄: هو علي بن أبي طالب ﵁. قال في "الفتح": زاد الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق، عن معمر: "ولكن عائشة لا تطيب نفسًا له بخير"، ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري: "ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير"، ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة، فعبر عنها بعبارة شنيعة. وفي هذا، رد على من تنطع، فقال: لا يجوز أن يظن ذلك لعائشة، ورد على أن من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة، إذ كان تارة يتوكأ على الفضل، وتارة على أسامة، وتارة على علي، وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس، واختص بذلك إكرامًا له، وهذا توهم ممن قاله، والواقع خلافه؛ لأن ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم علي، فهو المعتمد. والله أعلم. انتهى (١).

стр. 6408

وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٤٠/ ٨٣٤، وفي "الكبرى" ٤٠/ ٩٠٨ بالسند المذكور، وفي ١٧/ ٧٩٧، و"الكبرى" ١٧/ ٨٧٢، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله عنها. وفي الوفاة "الكبرى" ٤/ ٧٠٨٣، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن موسى بن عائشة، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم في "الصلاة" كلاهما عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة له. وأحمد جـ ٢ ص ٢٥١ وجـ ٦ ص ٢٤٩، ٢٥١. والدارمي رقم (١٢٦٠). وابن خزيمة رقم ٢٥٧ و١٦٢١. قال الجامع عفا الله عنه: أما فوائد الحديث، فقد تقدمت في الحديث الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها، فراجعها إن شئت تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 6409

المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في الصلاة خلف الإِمام القاعد لعلة: قال الإِمام الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الإِمام يصلي قاعدًا من علة: فقالت طائفة: يصلون قعودًا استنانًا بأمر النبي ﷺ أصحابه الذين صلوا خلفه قيامًا بالقعود، فممن روي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسَيد بن حُضير، وقد روينا عن قيس ابن قَهْد -بفتح القاف، وسكون الهاء- أن إمامًا اشتكى لهم على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فكان يؤمنا جالسًا، ونحن جلوس. قال أبو بكر: وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. قال أحمد: كذا قال النبي ﷺ ، وفَعَلَه أربعة من أصحابه، أسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر، وأبو هريرة رضي الله عتهم. قال أبو بكر: وكان أحق الناس بالاستدلال بفعل أصحاب النبي ﷺ بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مشي ابن عمر بعد بيعه بأنها (١) أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان، لما روى ابن عمر الحديث، قال. ابن عمر أعلم بتأويل حديث رسول الله ﷺ ممن بعده، فكذلك لما كان فيما (٢) روى عن النبي ﷺ أمْرَه الذين صلوا خلفه قيامًا

стр. 6410

بالقعود؛ أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة، وجابر أعلم بتأويل حديث رسول الله ﷺ وبناسخه ومنسوخه ممن بعده. ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضوع رسول الله ﷺ لم يجز الانتقال عما سنه النبي ﷺ لهم وأمرهم بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر فوجب عليهم القيام لقيام أبي بكر بهم، مما لم يحدث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علة، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدم إمام غير الإِمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلى جالسًا، فليس عليهم الجلوس ما دام الإِمام الذي عقدوا معه الصلاة قائمًا، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبي ﷺ الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلى بهم النبي ﷺ في منزله، وافتتح بهم الصلاة قاعدًا، فعليهم القعود بقعوده. فيكون كلُّ سنة من هاتين السنتين مستقلة في موضعها، ولا يبطل كل واحدة للأخرى، أن معنى كل سنة غير معنى الأخرى، وقد تأول هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلاً، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه.

стр. 6411

وقالت طائفة: إن صلى الإِمام قاعدًا صلى المأمومون قيامًا إذا أطاقوا، وصلى كل واحد فرضه، هذا قول الشافعي، قال: أمْرُ النبي ﷺ في حديث أنس، ومن حدث معه في صلاة النبي ﷺ أنه صلى بهم جالسًا، ومن خلفه جلوس منسوخ بحديث عائشة أن النبي ﷺ صلى بهم في مرضه الذي مات فيه جالسًا، وصلوا خلفه قيامًا. وقال سفيان الثوري في رجل صلى بقوم جالسًا مريضًا، وهم جلوس، قال: لا يجزيه، ولا يحزيهم. وقال أصحاب الرأي في مريض صلى قاعدًا يسجد ويركع، فائتم به قوم، فصلوا خلفه قيامًا، قال: يجزيهم، وإن كان الإِمام قاعدًا يومىء إيماء، أو مضطجعًا على فراشه يومىء إيماء، والقوم يصلون قيامًا، قال. لا يجزيه، ولا يجزي القوم في الوجهين جميعًا. وقال أبو ثور كما قال الشافعي. وفي المسألة قول ثالث، قاله مالك، قال: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدًا، وحكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلي الإِمام بالقوم جلوسًا، وقد روينا عن جابر الجعفي، عن الشعبي أن النبي ﷺ قال: "لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالسًا". قال أبو بكر: وهذا خبر واهٍ تحيط به العلل، جابر متروك الحديث، والحديث مرسل، وهو مخالف للأخبار الثابتة عن النبي ﷺ كثيراً. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصًا (١).

стр. 6412

وقال الحافظ رحمه الله تعالى: واستدل به -يعني حديث عائشة المذكور في الباب- على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاص بالنبي ﷺ ، واحتج بحديث جابر، عن الشعبي مرفوعًا: "لا يؤمن أحد بعدي جالسًا". واعترضه الشافعي، فقال: قد علم من احتج لهذا أن لا حجة فيه؛ لأنه مرسل، ومن رواية رجل يَرغب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني جابرًا الجعفي- وقال ابن بزيزة: لو صح لم يكن فمه حجة؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله: "جالسًا" مفعولاً، لا حالاً. وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدل على نسخ أمره المتقدم لهم بالجلوس لَمَّا صلوا حْلفه قيامًا. وتعقب بأن ذلك يحتاج لو صح إلى تاريخ، وهو لا يصح، لكنه زعم أنه تقوى لأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم، قال: والنسخ لا يثبت بعد النبي ﷺ ، لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور. وتعقب بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز، لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام، للاتفاق على أن صلاة القاعدة بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كاف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود.

стр. 6413

واحتج أيضًا بأنه ﷺ إنما صلى بهم قاعدًا؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحد شافعًا له، وتعقب بصلاته ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف. وصح أيصًا أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمناه، والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قول ربيعة: إن النبي ﷺ كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون ﷺ أم في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعي في "الأم"، فكيف يدعي أصحابه عدم تصوير أنه صلى مأمومًا، وكأن حديث إمامته المذكور لما كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم رده سلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة، وقد تبين بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أن المراد بمنع المتقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء، أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة. ثم لو سلم أنه لا يجوز أن يؤمه أحد، لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أم قاعدًا جماعة من الصحابة بعده ﷺ ؛ منهم: أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن قهد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة، أخرجها عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، بل ادعى ابن حبان، وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد، كما سيأتي.

стр. 6414

وقال أبو بكر بن العربي: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي ﷺ يخلص عند السبك، واتباع السنة أولى، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي ﷺ ، والتبرك به، وعدم العوض عنه يقتضي الصلاة معه على آية حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه، ويتصور في حق غيره. والجواب عن الأول: رده بعموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". وعن الثاني: بأن النقص إنما هو في حق القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم. واستدل بحديث الباب أيضًا على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى الإِمام قاعدًا؛ لكونه ﷺ أقر الصحابة على القيام خلفه، وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي، وكذا نقله البخاري عن شيخه الحميدي، وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك، وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إِحداهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعودًا. ثانيتهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتب قائمًا، لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا، أم لا، كما في

стр. 6415

الأحاديث التي في مرض موت النبي ﷺ ، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلوا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى، فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالسًا، فلما صلوا خلفه قيامًا أنكره عليهم، ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لاسيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات. وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى: منها: قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يختلف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته ﷺ قاعدًا، فاختلف فيها، هل كان إمامًا، أو مأمومًا. قال: وما لم يختلف فيه، لا ينبغي تركه لمختلف فيه، وأجيب بدفع الاختلاف والحمل على أنه كان إمامًا مرة، ومأمومًا أخرى. منها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر، من أم قاعدًا لعذر تخير من صلى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أولى،

стр. 6416

لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك. وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي ﷺ بذلك، واستمر عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْد الأنصاري: "أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فكان يؤمنا، وهو جالس، ونحن جلوس". وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا، فاقعدوا، فصلى بهم قاعدًا، وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله، إن إمامنا مريض، قال: "إن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا". وفي إسناده انقطاع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر رضي الله أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسًا، وصلوا معه جلوسًا، وعن أبي هريرة ﵁ أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا. وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابي أعلم بتأويل ما روى، بأن يقول بذلك؛ لأن أبا هريرة، وجابرًا رويا الأمر المذكور، واستمرا على العمل به، والفتيا بعد النبي ﷺ ، ويلزم ذلك من قال: إن الصحابي إذا روى، وعمل بخلافه أن العبرة بما عمل من باب أولى؛

стр. 6417

لأنه هنا عمل بوفق ما روى. وقد ادعى ابن حبان الإجماع على العمل به، وكأنه أراد السكوتي؛ لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم، وقال: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه، لا من طريق صحيح، ولا ضعيف. وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، ثم نازع في ثبوت كون الصحابة صلوا خلفه ﷺ ، وهو قاعد قيامًا غير أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرد صريحًا، وأطال في ذلك بما لاطائل فيه. والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي، وقال: إنه في رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، ثم وجدته مصرحًا به أيضًا في مصنف عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، فذكر الحديث، ولفظه: "فصلى النبي ﷺ قاعدًا، وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قيامًا". وهذا مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدؤوا الصلاة مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك، فعليه البيان. ثم رأيت ابن حبان استدل على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قيامًا بما رواه من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: "اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، قال:

стр. 6418

فالتفت إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما سلم قال: "إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، فلا تفعلوا … " الحديث. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته، وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس، كما في رواية أبي سفيان، عن جابر أيضًا، قال: "ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه … " الحديث. أخرجه أبو داود، وابن خزيمة بإسناد صحيح، فلا حجة على هذا لما ادعاه، إلا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير: "وأبو بكر يسمع الناس التكبير"، وقال: إن ذلك لم يكن إلا في مرض موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد، بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم. انتهى. ولا راحة له فيما تمسك به؛ لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحد، وعلى تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يحتمل على أن صوته ﷺ كان خفيًا من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك، ووراء ذلك كله أنه أمر محتمل لا يترك لأجله الخبر الصريح بأنهم صلوا قيامًا، كما تقدم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قيامًا إلى أن انقضت الصلاة.

стр. 6419

نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلاً به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا، فقال النبي ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما صليتم إلا قعودًا، فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا". وهذه الزيادة تقوي ما قال ابن حبان أن هذه القصة كانت في مرض موت النبي ﷺ ، ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأنه ﷺ يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيحمل أمره الأخير أن يصلوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رفع بتقريره لهم، وترك أمرهم بالإعادة. هذا مقتضى الجمع بين الأدلة. وبالله التوفيق، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ المحقق رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى أخيرًا، جمع حسن جدًّا، وهو يدلس على إنصاف الحافظ المحقق رحمه الله تعالى، مع أن المذهب الشافعي بخلافه، وهذا هو الذي يجب على كل مسلم عرف صحيح الأحاديث من سقيمها، وعرف وجه الجمع بين متعارضها أن يتعصب لرأي بعض الناس، فيتكلف، بتأويل ما لا يقبل التأويل، وهو صرف ظواهر الأحاديث عن مقتضاها بلا دليل،

стр. 6420

بل بمجرد مخالفتها لمذهبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6421

٤١ - اخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على جواز اختلاف نية الإِمام والمأموم، بأن كان أحدهما يصلي فرضًا، والآخر يصلي تطوعًا، أو كلاهما يصليان فرضًا، لكن أحدهما ظهرًا، والآخر عصرًا مثلاً. والله تعالى أعلم. ٨٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ يَؤُمُّهُمْ، فَأَخَّرَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، يَؤُمُّهُمْ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ تَأَخَّرَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالُوا: نَافَقْتَ يَا فُلَانُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نَافَقْتُ، وَلآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأُخْبِرُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَكَ، ثُمَّ يَأْتِينَا، فَيَؤُمُّنَا، وَإِنَّكَ أَخَّرْتَ الصَّلَاةَ الْبَارِحَةَ، فَصَلَّى مَعَكَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَمَّنَا، فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ،

стр. 6422

تَأَخَّرْتُ فَصَلَّيْتُ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ، اقْرَأْ بِسُورَةِ كَذَا، وَسُورَةِ كَذَا". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (محمد بن منصور) الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الكوفي المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الجُمَحي مولاهم المكي، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (جابر بن عبد الله) ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الإسناد هو (٥٨) من رباعيات الكتاب، أما شرح الحديث، والمسائل المتعلقة له، فقد تقدمت مستوفاةً برقم (٣٩/ ٨٣١)، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتهاهنا، فراجعهاهناك إن شئت تستفد. وإنما أذكر هنا حل بعض ألفاظه، وبيان حكم ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى: فقوله: (ذات ليلة)، أي ليلة من الليالي، فـ "ذات" مقحمة.

стр. 6423

وقوله: (الصلاة) أي هي صلاة العشاء، أو المغرب، كما تقدم ذكر الخلاف فيه ٣٩/ ٨٣١. وقوله: (البارحة) قال الفيومي ﵀: بَرَح الشيء يبرَح، من باب تعب، براحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا، لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة. انتهى (١). وقوله: (أصحاب نواضح)، أي أصحاب عمل شاقّ، والنواضح جمع ناضح، الإبل التي يستقى عليها الماء. وتقدم تمام البحث فيه بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. (فصل): وأما ما بَوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو حكم اختلاف نية الإِمام ونية المأموم، فقد اختلف فيه أهل العلم: قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر قصة معاذ ﵁، وقصة صلاة الخوف -يعني الآتي في الحديث التالي- وممن قال ذلك عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وبه قال الشافعي، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، وقال بمثل هذا المعنى الأوزاعي.

стр. 6424

وقالت طائفة: كل من خالفت نيته نية الإِمام في شيء من الصلاة لم يعتد بما صلى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، وروي معنى ذلك عن الحسن البصري، وأبي قلابة، وبه قال الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحكى أبو ثور عن الكوفي (١) أنه قال: إن كان الإِمام متطوعًا لم يجز من خلفه الفريضة، وإن كان الإِمام مفترضًا، وكان من خلفه متطوعًا، كانت صلاتهم جائزة. وكان عطاء، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في قيام رمضان، ولم يكن صلى المكتوبة، قالا: يصلي معهم ركعتين فيبني عليهما ركعتين، ويعتد به من العتمة، وأبى ذلك سعيد بن المسيب، والزهري، وقالا: يصلي معهم، ثم يصلي العشاء وحده. ورجح ابن المنذر رحمه الله تعالى: قول من قال بالجواز، عملاً بحديث الباب (٢)، والله تعالى أعلم. وقال في "الفتح" في شرح حديث الباب ما نصه: واستُدِلّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمنتفل، بناء على أن معاذاً ﵁ كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعي، والطحاوي، والدارقطني، وغيرهم من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ في

стр. 6425

حديث الباب، زاد: "هي له تطوع، ولهم فريضة". وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه. فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح، مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسن، وأجلّ من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه، ولاسيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار، عنه. وقول الطحاوي: هو ظن من جابر -مردود؛ لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه. وأما احتجاج أصحابنا -يعني الشافعية- لذلك بقوله ﷺ : "إذا

стр. 6426

أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فليس بجيد؛ لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية لقومه، لأنها ليست حينئذ فرضًا له. وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي ﷺ لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع. وكذلك قول الخطابي: إن العشاء في قوله: "كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء" حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل. وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يجحزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟ فهذا إن كان كما قال، نقضٍ قوي. وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة. وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي ﷺ ولا تقريره، فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عَقَبيًا، وأربعون بدريًا. قاله ابن حزم. قال:

стр. 6427

ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز: عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم. وأما قول الطحاوي: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة؛ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرتين، أي فيكون منسوخًا -فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه ألزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة. انتهى. قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث ابن عمر ﵄، رفعه: "لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين". ومن وجه آخر مرسل: "إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم، ثم يصلون مع النبي ﷺ ، بلغه ذلك، فنهاهم". ففي صحة الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة؛ لأن صاحبها استشهد بأحد؛ لأنا نقول: كانت في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلاً. وقد قال ﷺ للرجلين اللذين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". أخرجه أصحاب السنن من حديث

стр. 6428

يزيد بن الأسود العامري (١)، وصححه ابن خزيمة، وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة النبي ﷺ ، ويدل على الجواز أيضًا أمره ﷺ لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن "صلوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها معهم نافلة". وأما استدلال الطحاوي أنه ﷺ نهى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف بقومك"، ودعواه أن معناه: إما أن تصلي معي، ولا تصل بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي، ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلي معي، وهو أولى من تقديره، لما فيه من مؤابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه. وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلى النبي ﷺ بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دلّ ذلك على المنع -فجوابه أنه ثبت أنه ﷺ صلى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع

стр. 6429

من المخالفة، فلبيان الجواز. وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة، لقلة القراء في ذلك الوقت، فهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزىء من القراءة في الصلاة كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: إذا تأملت ما تقدم تبين لك أن الأصح قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمنتفل، وبالعكس، لحديث الباب، والذين منعوا عن ذلك لم يأتوا بحجة مقنعة. ولذا قال العلامة السندي ﵀ ما نصه: فدلالة هذا الحديث على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل واضحة، والجواب عنه مشكل جدًّا، وأجابوا بما لا يتم، وقد بسطتُ الكلامَ فيه في حاشية ابن الهمام. انتهى (٢). والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٣٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ،

стр. 6430

وَبِالَّذِينَ جَاءُوا رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَرْبَعًا، وَلِهَؤُلَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. تنبيه: هكذا وقع في بعض نسخ "المجتبى": أخبرنا عمرو بن علي، ووقع في بعضها: أخبرنا بشر بن هلال، بدل عمرو، وهو الذي في "الكبرى"، وهكذا ذكر النسختين الحافظ المزي ﵀ في "تحفة الأشراف" جـ ٩ ص ٤١. و (بشر بن هلال) هو الصواف، أبو محمد النُّمَيري البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٧، من [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ١١٧/ ١٦٢. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (أشعث) بن عبد الملك الحمراني، مولى حُمران، أبو هانىء البصري، ثقة فقيه، من [٦].

стр. 6431

قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو أوثق من الحداني، وأصلح من ابن سوّار. وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه، ويحتج له، وهو في جملة أهل الصدق، وهو خير من أشعث بن سوار بكثير. وقال أبو يعلى، ومسلم عن بندار: ثقة. وكذا قال البزار. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيهًا متقنًا. وحكى ابن شاهين، عن عثمان ابن أبي شيبة توثيقه. علق عنه البخاري، وأخرج له الأربعة. فائدة: قال البرقاني: قلت للدارقطني. أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة يحدثون جميعًا عن الحسن: الحمراني، وهو عبد الملك، أبو هانىء، ثقة، وابن عبد الله بن جابر الحداني، يعتبر به، وابن سوار، يعتبر به، وهو أضعفهم، انتهى. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، ففيه فاضل، يرسل ويدلس، مات سنة ١١٠ وقد قارب ٩٠، رأس [٤]، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٥ - (أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عَمْرو بن علاج بن أبي سلمة، واسمه عبد العزى بن غِيرة -بكسر المعجمة- بن عوف بن قيس، وهو ثقيف، الثقفي، صاحب رسول الله ﷺ . وقيل: اسمه مسروح. وقيل. كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سمية لأمه،

стр. 6432

وكانت سمية أمة للحارث بن كلدة، وإنما قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلَّى إلى النبي ﷺ ببكرة من حصن الطائف، فأعتقه يومئذ، وكان نادى منادي رسول الله ﷺ يومئذ أن من نزل إليه من عبيد الطائف، فهو حر. روى عن النبي ﷺ . وعنه أولاده: عبيد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، وكبشة، وأبو عثمان النهدي، وربعي بن حراش، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، والأحنف بن قيس، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأشعث بن ثُرْمُلة، وغيرهم. قال العجلي: كان من خيار الصحابة. وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، ثم استحاب نافعًا، وشبلاً، فتابا، فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة، فأبى، وأقام، فلم يقبل شهادته، وكان أفضل القوم. وقال يعقوب بن سفيان: نفيع، ونافع، وزياد، هم إخوة لأم، أمهم سمية، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا هوذة بن خليفة، ثنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: مرّ بي أنس بن مالك، وقد بعثه زياد إلى أبي بكرة يعاتبه، فانطلقت معه، فدخلنا على الشيخ، وهو مريض، فأبلغه عنه، فقال: إنه يقول. ألم أستعمل عبيد الله على فارس، ورَوّادًا على دار الرزق، وعبد الرحمن على الديوان؟ فقال

стр. 6433

أبو بكرة: هل زاد على أن أدخلهم النار؟ فقال له أنس: إني لا أعلمه إلا مجتهداً، فقال الشيخ: أقعدوني، إني لا أعلمه إلا مجتهدًا، وأهل حروراء قد اجتهدوا، فأصابوا، أم أخطأوا؟ قال أنس: فرجعنا مخصومين. قال ابن سعد: مات بالبصرة في ولاية زياد. وقال المدائني: مات سنة خمسين. وقال البخاري: قال مسدد: مات أبو بكرة، والحسن ابن علي في سنة واحدة، قال: وقال غيره: مات بعد الحسن سنة ٥١، وقال خليفة: مات سنة ٥٢، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، زاد غيره: وكان أوصى بذلك. وقال غيره: بلغ ثلاثاً وستين سنة. وقال أبو نعيم: آخى النبي ﷺ بينهما. وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد مع الفريقين. أخرج له الجماعة، له ١٣٢ حديثًا، اتفقا على ٨، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث (١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات. منها: أنه مسلسل بالبصريين. منها: أن صحابيه مشهور بأبي بكرة، وهو لقب، وليس بكنية،

стр. 6434

وقد تقدم آنفًا سبب تلقيبه به، وأنه روى من الأحاديث ١٣٢ حديثًا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي بكرة) ﵁ (عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف، فصلى بالذين خلفه ركعتين) أي ثم سلم، كما هو مصرح به في الرواية الآتية ١٨/ ١٥٥١ من طريق خالد بن الحارث، عن أشعث، ولفظه: "عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ صلى بالقوم في الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين، ثم سلم، فصلى النبي ﷺ أربعًا". فهذه الرواية صريحة في كونه سلم من الركعتين (وبالذين جاءوا ركعتين) أي وصلى ركعتين أُخريين بالطائفة الذين جعلهم بإزاء العدو، فجاءوا بعد أن قام الذين صلوا معه الركعتين مقامهم (فكانت) الصلاة (للنبي ﷺ أربعًا) حيث صلى مع كل طائفة ركعتين (و) كانت (لهؤلاء ركعتين، ركعتين) أي كانت لكل طائفة ركعتان. وفيه دليل على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي الإِمام الصلاة مرتين، بكل طائفة مرة، فتكون إحدى الصلاتين له فريضة، والأخرى نافلة، فيكون فيه دليل واضح لما بوّب له المصنف ﵀، وهو جواز اقتداء المفترض بالمتنفل.

стр. 6435

قال في "المنهل": وأجاب من لم يجوز اقتداء المفترض بالمنتفل بأن الحديث محمول على صلاة الحضر، وأن كل طائفة أتموا لأنفسهم ركعتين بعد سلام الإِمام، وأن تسليمة ﷺ بعد الركعتين الأوليين من خصوصياته. قال: ولا يخفى بعد هذا، إذ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل عليها، وليس في الحديث ما يفيد أن الطائفتين أتموا لأنفسهم ركعتين بعد سلام الإِمام، وأجابوا بأجوبة غير ما ذكر لا تقوى على رد ظاهر الحديث. قال محمد بن عبد الهادي الحنفي: ولا يخفى أنه يلزم فيه اقتداء المفترض بالمتنفل قطعًا، ولم أر لهم عنه جوابًا شافيًا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن هذا الحديث صريح في جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وكل ما ذكروه من الأجوبة غير مقبول. و ﴿الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ [يونس: ٣٥] نسأل الله تعالى أن يهدينا لاتباع الحق، ويميتنا عليه، إنه بعباده رؤوف رحيم. وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بكرة ﵁ هذا صحيح.

стр. 6436

تنبيه: أعل ابن القطان حديث أبي بكرة هذا بأنه إنما أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة. أي فيكون مرسلاً. قال الحافظ ﵀: وهذه ليست بعلة، فإنه يكون مرسل صحابي (١). أي ومرسل الصحابي في حكم الموصول عند المحدثين وجمهور العلماء، وإن خالف بعض أهل الأصول، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفيته": وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وصلٌ في الأصَحّ … ....................... المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٤١/ ٨٣٦ عن عمرو بن علي، وفي نسخة عن بشر بدل عمرو، عن يحيى القطان، عن أشعث، عن الحسن، عنه. وفي "الكبرى" ٤١/ ٩١٠ عن بشر بن هلال، عن يحيى، به. وفي ١٥٥١ عن محمد بن عبد الأعلى، وإسماعيل بن مسعود، كلاهما عن خالد ابن الحارث، عن أشعث، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في "الصلاة"، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشْعَثَ، به. وأحمد جـ ٥ ص ٣٩، ٤٩، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني.

стр. 6437

قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ما يتعلق بصلاة الخوف في بابه إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6438

٤٢ - فَضْلُ الْجَمَاعَةِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بيان فضل صلاة الجماعة. ٨٣٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]. أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس، الإِمام الحجة الثبت، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. ولطائف هذا الإسناد قد ذكرت غير مرة، وهو (٥٩) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ ، قال:

стр. 6439

صلاة الجماعة) الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف مضاف، أي صلاة آحاد الجماعات، فليس المراد تفصيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاة الواحد باعتبار حالين. أفاده السندي رحمه الله تعالى (١). (تفضل على صلاة الفذّ) أي تزيد على صلاة المنفرد. قال ابن الأثير في "شرح المسند" لما كانت "تَفضُلُ" بمعنى "تزيد"، وهي تتعدى بـ"على" أعطاها معناها، فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها، قال وأما الذي في مسلم: "أفضل من صلاة الفذ" فجاء بها بلفظ "أفعل" التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من "تَفْضُل" على ما لا يخفى. انتهى (٢). والفذّ -بالمعجمة-: المنفردُ، يقالُ: فذَّ الرجل من أصحابه: إذا بقي منفردًا وحده. وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وسياقه أوضح، ولفظه: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده" (٣). (بسبع وعشرين درجة) قال الترمذي ﵀: عامة من رواه

стр. 6440

قالوا: خمسًا وعشرين، إلا ابن عمر، فإنه قال: سبعًا وعشرين. انتهى. قال الحافظ ﵀: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري، عن نافع، فقال: خمسًا وعشرين، لكن العمري ضعيف، ووقع عند أبي عوانة في "مستخرجه" من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فإنه قال فيه: بخمس وعشرين، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله، وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة. وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان، عن نافع بلفظ: "بضع وعشرين" فليست مغايرة لرواية الحفاظ، لصدق البضع على السبع، وأما غير ابن عمر، فصح عن أبي سعيد، وأبي هريرة، كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد، وابن خزيمة، وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه، والحاكم، وعن عائشة، وأنس عند السراج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ، وصهيب وعبد الله ابن زيد بن ثابت، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أُبَيٍّ، فَقال: "أربع"، أو "خمس" على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد، قال فيها: "سبع وعشرون" وفي إسنادها شريك القاضي، وهي حفظة ضعف. وفي رواية لأبي عوانة: "بضعًا وعشرين"، وليست مغايرة أيضاً،

стр. 6441

لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس، والسبع؛ إذ لا أثر للشك. واختلف في أيهما أرجح، فقيل: رواية الخمس، لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع، لأن فيها زيادة من عدل حافظ. ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعمير بقوله: "درجة"، أو حذف المميز، إلا طريق حديث أبي هريرة، ففي بعضها "ضعفًا"، وفي بعضها: "جزءًا"، وفي لعضها: "درجة"، وفي لعضها: "صلاة". ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة. وأما قول ابن الأثير: إنما قال: "درجة"، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًا، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ "درجة"، وما عدا ذلك مق تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف. وسيأتي ما ذكره العلماء في الجمع بين روايتي الخمس والسبع، في المسائل، إن شاء الله. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 6442

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٤٢/ ٨٣٧ وفي "الكبرى" ٤٢/ ٩١١ بالسند المذكور. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك. ومن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، وابن نمير، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، كلاهما عن عبيد الله، ومن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان. وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن ابن عمر رُسْتَهْ، عن يحيى القطان به. والترمذي فيه عن هناد، عن عبدة، عن عبيد الله، ثلاثتهم عن نافع عنه. ومالك في "الموطأ" رقم ١٠٠. وأحمد جـ ٢ ص ١٧ و٦٥ و١٠٢ و١٩٢ و٩٥٦. والدارمي رقم ١٢٨٠. وابن خزيمة ١٤٧١ والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: ذكر العلماء في الجمع بين روايتي الخمس والعشرين، والسبع والعشرين وجوهًا، كما قال الحافظ في "الفتح":

стр. 6443

أحدها: أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحكي عن نصه، وعلى هذا، فقيل: وهو: الوجه الثاني: لعله ﷺ أخبر بالخمس، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، لكن إذا فرّعنا على المنع تعين تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص. ثالثها: أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما، وعلى هذا، فقيل: الدرجة أصغر من الجزء. وتعقب بأن الذي روي عنه الجزء روي عنه الدرجة. وقال بعضهم: الجزء في الدنيا، والدرجة في الآخرة، وهو مبني على التغاير. رابعها: الفرق بقرب السجد وبعده. خامسها: الفرق بحال المصلي، كأن يكون أعلم، أو أخشع. سادسها: الفرق بإيقاعها في المسجد، أو في غيره. سابعها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. ثمامنها: الفرق بإدراك كلها أو بعضها. تاسعها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.

стр. 6444

عاشرها: السبع مختصة بالفجر والعشاء. وقيل: بالفجر والعصر، والخمس بما عدا ذلك. حادي عشرها: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية. قال الحافظ: وهذا الوجه عندي أوجهها، لما سأبينه (١). ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى. ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله: إن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرت علوم الأَلِبَّاءِ عن إدراك حقيقتها كلها، ثم قال: ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإِسلام، وغير ذلك. قال الحافظ: وكأنه يشير إلى ما قدمته عن غيره، وغفل عن مراد من زعم أن هذا الذي ذكره لا يفيد المطلوب، لكن أشار الكرماني إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأريد المبالغة في تكثيرها، فضربت في مثلها، فصارت خمسًا وعشرين. ثم ذكر للسبع مناسبة أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها. وقال غيره: الحسنة بعشر للمصلي منفرداً، فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس، أو يزاد عدد أيام الأسبوع، ولا يخفى فساد هذا، وقيل: الأعداد عشرات، ومئون،

стр. 6445

وألوف، وخير الأمور الوسط، فاعتبرت المائة، والعدد المذكور ربعها، وهذا أشد فسادًا من الذي قبله. قال الحافظ: وقرأت بخط شيخنا البلقيني فيما كتب على "العمدة": ظهر لي في هذين العددين شيء لم أُسبَق إليه؛ لأن لفظ ابن عمر ﵄: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ"، ومعناه في الجماعة، كما وقع في حديث أبي هريرة ﵁: "صلاة الرجل في الجماعة"، وعلى هذا، فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحق فيها ذلك ثلاثة حتى يكون كل واحد صلى في جماعة، وكل واحد منهم أتى بحسنة، وهي بعشرة، فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد، وهو سبعة وعشرون، دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. انتهى. وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإِمام ما سمي المأموم مأمومًا، وكذا عكسه، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة "خمس وعشرين درجة"، حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزائد، والخبر الوارد للفظ "سبع وعشرين" على الأصل والفضل. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كل ما قالوه مما لا ينشرح له الصدر، ولا تطمئن إليه النفس، إن هو من الأمور التي مرجعها إلى علم النبوة التي تقصر عن إدراك حقائقها عقول الحُكَمَاء، وتتقاصر دون
следующие страницы →