٤٦ - الْجَمَاعَةُ لِلنَّافِلَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية الجماعة للصلاة النافلة. والاستدلال بالحديث المذكور على الترجمة واضح. والله تعالى أعلم.
٨٤٤ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودٍ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ السُّيُولَ لَتَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي، فَتُصَلِّيَ فِي مَكَانٍ مِنْ بَيْتِي، أَتَّخِذُهُ (٢) مَسْجِدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَنَفْعَلُ"، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَيْنَ تُرِيدُ؟ "، فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صُهْبَان الجَهْضَميُّ البصري، ثقة ثبت، طلب للقضاء، فامتنع، مات سنة ٢٥٠ أو
стр. 6477
بعدها، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٣٨٦.
٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي أبو محمد البصري، ثقة، مات سنة ١٨٩، عن [٨]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٠/ ٣٨٦.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، مات سنة ١٥٤، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني الإِمام الحجة الثبت، مات سنة ١٢٥، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٥ - (محمود) بن الربيع بن سُراقة بن عمرو الخزرجي المدني، صحابي صغير، ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ٧٨٨.
٦ - (عتبان بن مالك) بن عمرو العجلاني الأنصاري السَّلَمي صحابي مشهور، مات في خلافة معاوية ﵄. أخرجه الجماعة، تقدم في ١٠/ ٧٨٨.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم
стр. 6478
شرحه، وذكر ما يتعلق به من المسائل مستوفًى برقم ١٠/ ٧٨٨، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6479
٤٧ - الْجَمَاعَةُ لِلْفَائِتِ مِنَ الصَّلَاةِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية الجماعة لقضاء الصلاة الفائتة.
٨٤٥ - أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي".
قال الجامع عفا الله عنه: استدلال المصنف لهذا الحديث على ما ترجم له غير واضح، فليتأمل. الحديث متفق عليه، وقد تقدم مستوفى الشرح سندًا ومتنًا ومسائل برقم ٢٨/ ٨١٤ وهذا الإسناد هو (٦٠) من رياعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
وإسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني، وحميد هو الطويل البصري.
٨٤٦ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُبَيْدٍ -وَاسْمُهُ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ- عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِنِّي
стр. 6480
أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ". قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أَحْفَظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا فَنَامُوا، وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ "، قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، فَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ، قُمْ يَا بِلَالُ، فَآذِنِ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ"، فَقَامَ بِلَالٌ، فَأَذَّنَ، فَتَوَضَّئُوا -يَعْنِي حِينَ ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ- ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى بِهِمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (هناد بن السري) أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٤٣، من [١٠]، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو زبيد، عبثر بن القاسم) (١) الزُّبَيدي الكوفي، ثقة، مات سنة ١٧٩، من [٨].
стр. 6481
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: صدوق ثقة. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو داود: ثقة ثقة وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قيل: مات سنة ١٧٩. وقال ابن سعد: توفي سنة ١٧٨، وكان ثقة كثير الحديث. وقال البخاري في تاريخه. يقال: توفي سنة ١٧٨، أخرج له الجماعه (١).
٣ - (حصين) بن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، ابن عم منصور بن المعتمر، ثقة، تغير حفظه في الآخر، من [٥].
قال أبو حاتم، عن أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون، من كبار أصحاب الحديث. وقال ابن معين: ثقة وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، سكن المُبَارك (٢) بآخره، والواسطيون أروى الناس عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: ثقة. قلت: يحتح بحديثه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم. صدوق ثقة في الحديث، وهي آخر عمره ساء حفظه. وقال النسائي. تغير. وقال يزيد بن هارون: اختلط. وقال ابن عدي: له أحاديث، وأرجو أنه لا بأس به. وقال هشيم: روى عن ستة عن الصحابة. وقال أسلم بن سهل: روى عن ثمانية، وامرأتين. وقال هشيم: أتى عليه ٩٣ سنة،
стр. 6482
وكان أكبر من الأعمش. وقال علي بن عاصم، عن حصين: جاءنا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأن وجوهنا طُلِيت رماداً، قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجل مناهد (١). قال مطين: مات سنة ١٣٦، روى له الجماعة (٢).
٤ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة ٩٥، من [٢]، أخرح له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو قتادة) الحارث بن ربعي، وقيل غيره، الأنصاري السلمي الصحايي المشهور ﵁، مات سنة ٥٤، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري إلا في "خلق أفعال العباد"، وأنهم كوفيون، إلا الصحابي، وابنه فمدنيان.
ومنها: أن فيه عبثرًا، وليس في الكتب الستة من اسمه عبثر غيره، وهو يشتبه مع عنبر بعين، فنون، فباء موحدة، جد محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري.
стр. 6483
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن فيه الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه) أبي قتادة الحارث بن ربعي، ﵁، أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ ) ولفظ "الكبرى" في "التفسير": "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، ونحن في سفر، ذات ليلة"، وفي رواية للبخاري: "سرنا مع النبي ﷺ ليلة" قال الحافظ رحمه الله تعالى: ما حاصله: جزم بعض الشراح بأن ذلك كان في رجوعه من خيبر معتمدًا على ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة، وفيه نظر. قال: ولأبي نعيم في "المستخرج" من هذا الوجه في أوله:" كنا مع النبي ﷺ ، وهو يسير بنا" … وزاد مسلم من طريق عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في أول الحديث قصة له فى مسيره مع النبي ﷺ ، وأنه نعس حتى مال عن راحلته، وأن أبا قتادة دعمه ثلاث مرات، وأنه في الأخير مال عن الطريق، فنزل في سبعة أنفس، فوضع رأسه، ثم قال: "احفظوا علينا صلاتنا" ولم يذكر ما وقع هنا من قول بعض الناس: لو عَرَّست بنا ولا قول بلال: أنا أوقظكم. انتهى كلام الحافظ (١)
تنبيه: قال في "الفتح": اختلف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه وقع عند رجوعهم من
стр. 6484
خيبر قريب من هذه القصة، وفي رواية أبي داود من حديث ابن مسعود ﵁: أقبل النبي ﷺ من الحديبية ليلاً، فنزل فقال: "من يكلؤنا؟ " فقال: أنا. وفي "الموطأ" عن زيد بن أسلم مرسلاً: عرّس رسول الله ﷺ ليلة طريق مكة. وفي "مصنف عبد الرزاق"، عن عطاء ابن يسار مرسلاً أن ذلك كان بطريق تبوك. وللبيهقي في "الدلائل" نحوه من حديث عقبة بن عامر. وروى مسلم من حديث أبي قتادة مطولاً، والبخاري مختصرًا في "الصلاة" قصة نومهم عن صلاة الصبح أيضًا، لكنه لم يعينه ووقع في رواية لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء. وتعقبه ابن عبد البر لأن غزوة جيش الأمراء هي غزوة مؤتة، ولم يشهدها النبي ﷺ ، وهو كما قال، لكن يحتمل أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة.
وقد اختلف العلماء، هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرة، أو أكثر؟ فجزم الأصيلي بأن القصة واحدة. وتعقبه القاضي عياض بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين، وهو كما قال، فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبي ﷺ لَمَّا نام، وقصة عمران فيها أنهما كانا معه. وأيضًا فقصة عمران فيها أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبي ﷺ حتى أيقظه عمر بالتكبير، وقصة أبي قتادة فيها أن أول من استيقظ النبي ﷺ ، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات، ومع ذلك فالجمع بينهما ممكن، ولاسيما
стр. 6485
ما وقع عند مسلم وغيره أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر أن عمران بن حصين سمعه، وهو يحدث بالحديث بطوله، فقال له: انظر كيف تحدث، فإني كنت شاهدًا لقصة، قال: فما أنكر عليه من الحديث شيئًا، فهذا يدلّ على اتحادها، لكن لمدعي التعداد أن يقول: يحتمل أن يكون عمران حضر القصتين، فحدث بإحداهما، وصدّق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى. والله أعلم.
ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها كما قدمناه، وحاول ابن عبد البر الجمع بينهما بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن اسم طريق مكة يصدق عليهما، ولا يخفى ما فيه عن التكلف، ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه.
وروى الطبراني من حديث عمرو بن أمية شبيهًا لقصة عمران، وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مِخْبَر -وهو بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحدة- وأخرجه من طريق ذي مخبر أيضًا، وأصله عند أبي داود، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن بلالاً هو الذي كلأ لهم الفجر، وذكر فيه أن النبي ﷺ كان أولهم استيقاظًا، كما في قصة أبي قتادة. ولابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر، وهذا أيضًا يدلّ على تعدد القصة. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١).
стр. 6486
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحمل على تعدد القصة كما يرشد إليه كلام الحافظ أولى من تكلف الجمع البارد الذي يبعده الذوق السليم. والله تعالى أعلم.
(إِذ قال بعض القوم) لم يُعرَف القائل، كما قاله في "الفتح". وفي "التفسير" من "الكبرى": "قلنا".
(لو عرّست بنا يا رسول الله) جواب "لو" محذوف، تقديره: لكان أسهل علينا، أولو للتمني. و"عَرَّسْتَ" من التعريس، وهو نزول القوم من السفر آخر الليل للاستراحة (١).
(قال: "إِني أخاف أن تناموا عن الصلاة")، أي صلاة الصبح. وفي "التفسير": "فمن يوقظنا للصلاة" (قال بلال: أنا أحفظكم) أي أمنعكم من تضييع الصلاة، وللبخاري: "أنا أوقظكم" (فاضطجعوا) قال العيني: يجوز أن يكون بصيغة الماضي، ويجوز أن يكون صيغة الأمر. اهـ.
(فناموا) إنما أتى له مع ما قبله؛ لأن الاضطجاع لا يستلزم النوم، إذ هو وضع الجنب على الأرض (وأسند بلال ظهره إِلى راحلته) أي إلى مركبه. زاد في "التفسير": "فغلبته عيناه" (فاستيقظ رسول الله ﷺ ، وقد طلع حاجب الشمس) جملة في محل نصب على الحال عن الفاعل، أي والحال أنه طلع طرف الشمس، وحواجب الشمس. نواحيها. وفي رواية مسلم: "فكان أول من استيقظ النبي ﷺ ،
стр. 6487
والشمس في ظهره" (فقال) ﷺ (يا بلال أين ما قلت؟)، "ما" مصدرية، أي أين الوفاء بقولك: أنا أحفظكم؟ (قال) بلال (ما) نافية (ألقيت علي نومة) ببناء الفعل للمفعول، و"نومة" بالرفع نائب فاعله، وهو بالفتح: المرة من النوم، وفي "التفسير": "قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما ألقيت علي نومة مثلها" (مثلها) بالرفع صفة "نومة"، أي مثل هذه النومة التي ألقيت عليه. قال السندي: والإضمار بقرينة الحضور. اهـ. وقال العلامة العيني ﵀: و"مثل" لا يتعرف بالإضافة ولهذا وقع صفة للنكرة. اهـ.
(قط) قال المجد ﵀: ما رأيته قَطُّ، ويضم، ويخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. انتهى (١).
(قال رسول الله ﷺ : إِن الله قبض أرواحكم)، هو مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] الآية. ولا يلزم من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا، والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط. زاد مسلم في روايته: "أما إنه ليس في النوم تفريط" … الحديث. قاله في "الفتح" (حين شاء، فردها حين شاء) "حين" في الموضعين ليست لوقت واحد، فإن نوم القوم لا يتفق غالباً في وقت واحد، بل
стр. 6488
يتتابعون، فتكون "حين" الأولى خبرًا عن أحيان متعددة (قم يا بلال، فآذن الناس بالصلاة) من الإيذان، بمعنى الإعلام، و"الناس" مفعوله، أي فأعلم الناس بحضور الصلاة، وليس من التأذين، إذ لا يتعدى إلى المفعول (فقام بلال فأذن) من التأذين، أي أذن الأذان المعروف، وفي "التفسير": "ثم أمرهم فانتشروا لحاجتهم"، ولم يذكر الأذان.
(فتوضئوا) وللبخاري: "فتوضأ" أي النبي ﷺ . وزاد أبو نعيم في "المستخرج": "فتوضأ الناس، فلما ارتفعت". وفي رواية البخاري في "التوحيد" من طريق هُشَيم، عن حُصَين: "فقضوا حوائجهم، فتوضئوا إلى أن طلعت الشمس". قال الحافظ: وهو أبين سياقًا، ونحوه لأبي داود من طريق خالد، عن حصين. ويستفاد منه أن تأخيره الصلاة إلى أن طلعت الشمس وارتفعت كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم، لا لخروج وقت الكراهة. انتهى (١).
(يعني حين ارتفعت الشمس)، وهي "التفسير": "فتوضئوا، وقد ارتفعت الشمس". بدون "يعني" (ثم قام) النبي ﷺ (فصلى بهم)، وفي "التفسير": "فصلى بهم الفجر"، أي صلى بأصحابه ﵃ صلاة الفجر. ولفظ البخاري: "فلما ارتفعت الشمس وابياضّت قام، فصلى". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6489
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﵁ هذا أخرجه البخاري (١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصف له:
أخرجه هنا ٤٧/ ٨٤٦، وفي "الكبرى" ٤٧/ ٩١٩ بالسند المذكرر. وفي "التفسير" من "الكبرى" ١١٤٤٨ عن محمد بن كامل، عن هشيم، عن حصين، به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عمران بن ميسرة، عن محمد بن فضيل - وفي "التوحيد" عن محمد بن سلام، عن هشيم. وأبو داود في "الصلاة" عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، وهناد بن السري، عن عبثر بن القاسم، تلاثتهم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. وأحمد جـ ٥ ص ٣٠٧ وابن خزيمة رقم ٤٠٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو مشروعية الجماعة لقضاء الصلاة الفائتة. قال في "الفتح": وبه قال أكثر أهل العلم، إلا
стр. 6490
الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فأتت. اهـ.
ومنها: جواز التماس الأتباع ما يتعلق بمصالحهم الدنيوية وغيرها، ولكن بصيغة العرض، لا بصيغة الاعتراض، وأن على الإِمام أن يراعي الصالح الدينية، والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه.
ومنها: جواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك، والاكتفاء في الأمور المهمة بالواحد، وقبول العذر ممن اعتذر بأمر سائغ، وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام، وتوجهت المطالبة على بلال بذلك تنبيهًا له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس، وحسن الظن بها لاسيما في مظان الغلبة، وسلب الاختيار، وإنما بادر بلال إلى قوله: "أنا أحفظكم" اتباعًا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان.
ومنها: خروج الإِمام بنفسه في الغزوات والسرايا.
ومنها: الرد على منكري القدر، وأنه لا واقع في الكون إلا بقدر.
ومنها: مشروعية الأذان للصلاة الفائتة، وبه قال الشافعي في القديم، وأحمد وأبو ثور، وابن المنذر، وقال الأوزاعي، ومالك، والشافعي في الجديد: لا يؤذن لها، والمختار عند كثير من أصحابه أن يؤذن لصحة الحديث، وحمل الأذان هنا على الإقامة متعقب؛ لأنه عقب الأذان بالوضوء، ثم بارتفاع الشمس، فلو كان المراد به الإقامة لما أخر الصلاة عنها، وحمله على المعنى اللغوي، وهو محض الإعلام بعيد، يرده ما أخرجه أبو داود، وابن المنذر من حديث عمران بن
стр. 6491
حصين في نحو هذه القصة: "فأمر بلالاً، فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره، فأقام فصلى الغداة".
ومنها: أن بعض المالكية استدل به على عدم قضاء السنة الراتبة؛ لأنه لم يذكر فيه أنهم صلوا ركعتي الفجر، وفيه نظر؛ لأنه عند مسلم في حديث أبي قتادة هذا أنهم صلوهما.
ومنها: أنه استدل به المهلب على أن الصلاة الوسطى هي الصبح، قال: لأنه ﷺ لم يأمر أحدًا بمراقبة وقت صلاة غيرها. وفيما قاله نظر لا يخفى. قال: ويدل على أنها هي المأمور بالمحافظة عليها أنه ﷺ لم تفته صلاة غيرها لغير عذر شغله عنها. اهـ. قال الحافظ: وهو كلام متدافع، فأيّ عذر أبين من النوم.
ومنها: أنه استدل به على قبول خبر الواحد. قال ابن بزيزة: وليس هو بقاطع فيه، لاحتمال أنه ﷺ لم يرجع إلى قول بلال بمجرده، بل بعد النظر إلى الفجر، لو استيقظ مثلاً.
ومنها: جواز تأخير قضاء الفائتة عن وقت الانتباه مثلاً. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6492
٤٨ - التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التشديد في ترك أداء الصلوات المكتوبات بالجماعة.
٨٤٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّائِبُ بْنُ حُبَيْشٍ الْكَلَاعِيُّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قُلْتُ: فِي قَرْيَةٍ دُوَيْنَ حِمْصَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ".
قَالَ السَّائِبُ: يَعْنِي بِالْجَمَاعَةِ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٠ من [١٠]، أخرج له الترمذي، والنسائي. تقدم في ٤٥/ ٥٥.
стр. 6493
٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي الإِمام الحجة الثبت، مات سنة ١٨١، من [٨]، أخرج له الجماعة تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (زائدة بن قدامة) أبو الصلت الثقفي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (السائب بن حبيش (١) الكلاعي) الحمصي، مقبول، من [٦].
قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ثقة هو؟ قال: لا أدري. وقال العجلي: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: وَهِمَ عبد الرحمن في اسمه، فقال: حدثنا زائدة، عن حنش وقال الدارقطني: صالح الحديث من أهل الشام، لا أعلم حدث عنه غير زائدة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له أبو داود والمصنف هذا الحديث فقط.
٥ - (معدان بن أبي طلحة اليعمري) ويقال: ابن طلحة، شامي، ثقة، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧٠٨.
٦ - (أبو الدرداء) عويمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن ثعلبة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل. ابن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، وقال الكديمي عن الأصمعي: اسمه عامر، وكانوا يقولون له: عويمر، وكذا قال
стр. 6494
عمرو بن علي عن بعض ولده. روى عن النبي ﷺ ، ومن عائشة، وزيد بن ثابت.
وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، ومعدان بن أبي طلحة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو مرة مولى أم هانىء، وأبو حبيبة الطائي، وأبو السَّفَر الهَمْدَاني، مرسل، وأبو سلمة بن محمد الرحمن، وجبير بن نفير، وسويد بن غَفَلَة، وآخرون. قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشْهد أحدًا، وأبلى فيها.
وقال الأعمش، عن خيثمة، عنه: كنت تاجرًا قبل البعثة، فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة. وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسولى الله ﷺ يوم أحد: "نعم الفارس عويمر". وقال: "هو حكيم أمتي" (١)، ومناقبه وفضائله كثيرة جِدّاً.
قال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء، وكعب الأحبار في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته. وقال الواقدي، وغير واحد. مات سنة ٣٢، وقال ابن حبان: ولاّه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب.
وقال ابن سعد: آخى النبي ﷺ بينه وبين عوف بن مالك. وقال ابن عبد البر: قال طائفة من أهل الأخبار: مات بعد صِفِّين، قال:
стр. 6495
والأصح عند أهلا الحديث أنه توفي في خلافة عثمان، وصحح ابن الحذاء قول البخاري: إنه عويمر بن زيد. وقال عمرو بن علي عن بعض ولده: مات قبل عثمان. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة (اليعمري) بفتح أوله، والميم، وسكون المهملة، آخره راء: نسبة إلى بطن من كنانة. قاله في "اللب" (١).
(قال: قال لي أبو الدرداء) عويمر بن زيد ﵁ (أين مسكنك؟) أي محل إقامتك.
(قلت: في قرية دوين حمص) "دوين": تصغير "دون" تَصْغيرَ تقريب، أي قريبًا من حمص، و"حمص" بكسر المهملة، وسكون الميم، آخره صاد مهملة: قال المجد: كُورة بالشام، أهلها يمانون، وقد تُذَكَّر. انتهى (٢). وقال الفيومي: بالصرف وعدمه. انتهى (٣).
(فقال أبو الدرداء) ﵁ (سمعت رسول الله ﷺ
стр. 6496
يقول: ما من ثلاثة) أي من الرجال؛ لأن وجوب الجماعة خاص بهم، دون النساء، وتقييده بالثلاثة المفيد أن ما فوقها كذلك بالطريق الأولى نظرًا إلى أن أقل أهل القرية يكونون كذلك غالبًا؛ ولأنه أقل الجمع، وأقل صور الكمال في الجماعة، وإن كانت تحصل باثنين (١).
فـ "من" زائدة، و"ثلاثة" مبتدأ، خبره جملة "استحوذ" (في قرية) قال المجد ﵀: القرية -أي بالفتح- ويكسر: المصر الجامع، والنسبة إليها قَرَئِي، وقَرَويّ. انتهى (٢).
وقال الفيومي ﵀: القرية: هي الضَّيْعَة، وقال في "كفاية المتحفظ": القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها، والجمع قُرًى على غير قياس، قال بعضهم: لأن ما كان على فَعْلَة من المعتلّ، فبابه أن يجمع على فِعَال بالكسر، مثل ظَبْية وظِبَاءَ، ورَكْوَة ورِكَاء، والنسبة إليها قَرَويّ بفتح الراء على غير قياس. انتهى (٣).
(ولابدو) أي ولا في بادية. و"البَدْو" وِزَان فلْسٍ، والبَدَاة، والبَداوة، بالفتح فيهما، والبداة بالكسر: خلاف الحضر، والنسبة إليه بَداوي بالفتح، وبِداوي بالكسر، على القياس، وبَدَوي بفتحتين
стр. 6497
نادر. أفاده في "اللسان" (١).
(لا تقام فيهم الصلاة) أي جماعةً، يعني أنهم لا يؤدون الصلاة بالجماعة (إِلا قد استحوذ عليهم الشيطان) أي استولى عليهم، وغلبهم، وحَوَّلَهم إليه، فينسون ذكر الله تعالى، فيتركون الشريعة، والعمل بها (فعليكم بالجماعة) أي الزموا الجماعة، والفاء فصيحية، أي إذا كان الأمر كذلك، من تسلط الشيطان على من لا يؤدون الصلاة جماعة، فالزموا الجماعة، ثم علل ذلك بقوله (فإنما يأكل الذئب القاصية)، أي الشاة البعيدة من الأغنام، لبعدها عن راعيها، والمراد أن الشيطان يتسلط على تارك الجماعة، كما يتسلط الذئب على الشاة المنفردة عن القَطيع من الغنم؛ لأن عين الراعي تراقب الغنم المجتمعة، لا المنفردة
وقال السندي ﵀: قيل: المراد أن الشيطان يتسلط على من يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة، والأوفق بالحديث أن المراد ما ذكره السائب، أي يسلط على من يعتاد الصلاة بالانفراد، ولا يصلي مع الجماعة. والله أعلم. انتهى (٢).
تنبيه: قال في "المرقاة": وأما إفتاء الغزالي فيمن يتحقق من نفسه أنه يخشع في جميع صلاته منفردًا، دون ما إذا صلى في
стр. 6498
جماعة، لتشتت همه بأنه إذا كان الجمع يمنعه الخشوع في أكثر صلاته، فالانفراد له أولى فردوه، -وإن تبعه ابن عبد السلام- بأن المختار، بل الصواب أن الجماعة أولى، كما هو ظاهر السنة، وبأن في ذلك فتح باب عظيم، ومن ثم قيل: في بركة الجماعة ما يلم شعث التفرقة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله: إن من أغرب ما يُسمع، ويُرى أن يُنقَلَ عمن ينتسب إلى العلم مثلُ هذا القول المنابذ للسنة الغراء، إن هذا لشيء عُجاب، وما كتبت مثل هذه الآراء الباطلة الْبَشِعَةَ، إلا تعجبًا، واستنكارًا لما حوته من الأهواء الشنيعة ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. والله الهادي إلى سواء السبيل.
(قال السائب) بن حبيش. ولأبي داود: قال زائدة: قال السائب: (يعني بالجماعة الجماعة في الصلاة)، ولأبي داود: "يعني بالجماعة: الصلاة بالجماعة". أي يريد النبي ﷺ بقوله: "فعليكم بالجماعة" أداء الصلاة بالجماعة، وإنما فسره بهذا، وإن كان يمكن حملة على ملازمة جماعة المسلمين التي من ضمنها الصلاة في الجماعة لقوله: "لا تقام فيهم الصلاة"، فإن المراد به إقامتها في جماعة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6499
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي الدرداء ﵁ هذا حديث حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٤٨/ ٨٤٧، وفى "الكبرى" ٤٨/ ٩١٩ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن أحمد بن يونس، عن زائدة بن قدامة، عن السائب بن حبيش، عن معدان بن أبي طلحة، عنه. وأحمد جـ ٥ ص ١٩٦، وجـ ٦ ص ٤٤٦. وابن خزيمة رقم ١٤٨٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم عليه المصنف ﵀، وهو التشديد في ترك الجماعة، والتحذير من تركها.
ومنها: بيان تأكد أمر الصلاة في الجماعة للحاضر والبادي.
ومنها: أن من ترك الجماعة تسلط عليه الشيطان، واستولى عليه، فيفتح له باب التهاون بالدين.
ومنها: مشروعية ضرب الأمثال. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6500
٤٩ - التَّشْدِيدُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التشديد في التخلف عن أداء الصلاة بالجماعة. والفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها، أن تلك في ترك أهل القرية إقامة الجماعة أصلاً، وهذه في تخلف بعض الناس عنها مع كونها تقام في القرية. والله تعالى أعلم.
٨٤٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً، فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسْنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]. تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، الحجة المثبت المدني،
стр. 6501
من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدني، ثقة فقيه، من [٥]، تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وكلهم من رجال الجماعة.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة.
ومنها: أنه من أصح الأسانيد لأبي هريرة ﵁، كما نقله أبو عبد الله الحاكم عن البخارى. كما قاله في "التدريب" جـ ١ ص ٨٣.
ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء.
ومنها: أن فيه روايين اشتهر كل منهما باللقب، وأحدهما لقبه بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَب لُقِّبَ به لذكائه، وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن.
стр. 6502
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ أبو الزناد، عن الأعرج.
ومنها: أن صحابيه أكثر من روى الحديث من الصحابة، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، وهي رواية السراج من طريق شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده) هو قسم كان النبي ﷺ كثيراً ما يقسم به، وفيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الرد على من كره الحلف بالله مطلقًا.
(لقد هممت) جواب القسم أكده باللام، وكلمة "قد". ومعنى "هممت": أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه. وزاد مسألة في أوله: أنه فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال: "لقد هممت" … فأفاد ذكر سبب الحديث.
(أن آمر بحطب) كل ما جَفّ من زرع وشجر، توقد به النار، وشوك العِضَاهِ (١) (فيحطب) بالبناء للمجهول، ونصبه عطفًا على "آمر". ومعناه: يُجْمَع، يقال: حَطَبْتُ الحَطَبَ حَطْبًا، من باب
стр. 6503
ضَرَبَ: جمعتُهُ، واسم الفاعل: حاطب، وحَطَّاب للمبالغة، واحتَطَب مثلُ حَطَبَ. أفاده الفيومي (١).
(ثم آمر بالصلاة) أي ليظهر من حصر ممن لم يحضر. و"أل" في "الصلاة" إن كانت للجنس، فهو عام، وإن كانت للعهد، ففي رواية أنها العشاء، وفي أخرى الفجر، وفي أخرى الجمعة، ومي أخرى: "يتخلفون عن الصلاة"، ولا تعارض بينها لجواز حملها على تعدد الواقعة (٢).
(فيؤذن لها) أي ينادى لأجل أداء اصلاة جماعة (ثم آمر رجلاً فيؤم الناس) أي يصلي بهم إمامًا (ثم أخالف إِلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، أو المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، وأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو معنى أخالف: أتخلف، أي عن الصلاة إلى قصد المذكورين، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان. قاله في "الفتح" (٣).
وقال البدر العيني ﵀: قوله: "ثم أخالف" من باب المفاعلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا
стр. 6504
غاب عنه. وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلٍّ عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] الآية.
والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال: أذهب إليهم (١).
(فأحرق عليهم بيوتهم) بتشديد الراء، من التحريق، والمراد به التكثير، يقال: حَرَّقَه -بالتشديد-: إذا بالغ في تحريقه، ويحتمل أن يكون من الإحراق.
وقوله: "عليهم": يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعًا للقاطنين بها. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح: "فأحرق بيوتًا على من فيها". قاله في "الفتح".
(والذي نفسي بيده) فيه إعادة اليمين للمبالغة في التأكيد (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سميناً) وفي رواية الشيخين: "عَرْقًا سمينًا" وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف -قال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْق. وفي
стр. 6505
"المحكم" عن الأصمعي: العرق بسكون الراء: قطعة لحم. وقال الأزهري: العرق واحد العُراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم (١)، ويبقى عليها لحم رقيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال. عَرَقت اللحم، واعترقته، وتعرقته. إذا أخذت اللحم منه نهشًا. وفي "المحكم": جمع العَرْق على عُراق بالضم عزيز -أي نادر -. وقول الأصمعي هو اللائق هنا (٢).
(أو مرماتين حسنتين) تثنية مرماة -بكسر الميم وحكي فتحها. قال الخليل: هي ما بين ظلفي الشاة. وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه. ونقله المستملي في روايته في "كتاب الأحكام" عن الفربري، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاري: المرماة -بكسر الميم، مثل مسناة، وميضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم. قال عياض: فالميم على هذا أصلية.
وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة.
قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية،
стр. 6506
وحكى الحربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني … ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ نحو الحديث، بلفظ: "لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل". وقيل: المرماة سهم يُتعلَّم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستوٍ غير محدد. قال الزين بن المنير: ويدل على التثنية، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العَرْق معه. ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين لأنهما مما يُلهَى به. انتهى.
وإنما وصف العَرْق بالسِّمَن، والمِرْمَاة بالحُسْن ليكون ثَمَّ باعث نفساني على تحصيلهما.
وقال الطيبي: "الحسنتين" بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتين. انتهى.
وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يُحَصِّلُ رفيعَ الدرجات، ومنازلَ الكرامات (١).
стр. 6507
(لشهد العشاء) أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيوياً، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها، لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٤٩/ ٨٤٨، وفي "الكبرى" ٤٩/ ٩٢١، بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، وفي "الأحكام" عن إسماعيل بن أبي أويس -كلاهما عن مالك-.
ومسلم في "الصلاة" عن عمرو الناقد، عن ابن عيينة -كلاهما عن أبي الزناد-، عن الأعرج، عنه.
وأخرجه مالك في "الموطأ" رقم ١٠٠، والحميدي ٩٥٦، وأحمد جـ ٢ ص ٢٤٤، وابن خزيمة رقم ١٤٨١. والله تعالى أعلم.
стр. 6508
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو التشديد في التخلف عن الجماعة.
ومنها: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة. نبه عليه ابن دقيق العيد.
ومنها: جواز العقوبة بالمال. كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه نظر لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به، إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم.
ومنها: جواز أخذ أهل الجرائم على غِرَّة؛ لأنه ﷺ هَمَّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد. وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل. وترجم عليه البخاري في "كتاب الإشخاص"، وفي "كتاب الأحكام": "باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة". يريد أن من طلب منهم بحق، فاختفى، أو امتنع في بيته لَدَدًا، ومَطْلاً أخرج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد ﷺ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.
стр. 6509
ومنها: أنه استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تعكر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة، أو مندوبة كان مَنْ تَرَكهَا أصلاً رأسًا أحق بذلك، لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا، ولا غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب، وفي قوله في رواية أبي داود: "ليست بهم علة" دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة. قاله في "الفتح" (١).
ومنها: الرخصة للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حق الإِمام كالغرماء.
ومنها: أنه استدل له على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة. قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه.
ومنها: أنه استدل ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما
стр. 6510
هو مذهب مالك. وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عن: قد اعترض بعض الأفاضل على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معرودة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط، والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في وجوب صلاة الجماعة:
قال الإِمام البخاري ﵀: [باب وجوب صلاة الجماعة]، وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها. ثم أورد حديث الباب.
قال الحافظ ﵀: هكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين، أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب. وأثر الحسن وصله الحسين بن الحسن المووزي في كتاب "الصيام" بإسناد
стр. 6511
صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة.
وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه، ويحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك.
وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب.
ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة
стр. 6512
غير شرط. انتهى.
وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة:
منها: ما تقدم.
ومنها:-وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي نقله عن النووي الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه ﷺ هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه. قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين.
ومنها:-وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراقِ مَن تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال ﷺ : "لقد هممت" إلخ، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان.
ومنها:-وهو رابعها-: ما قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع
стр. 6513
عقوبة المسلمين بذلك.
وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في الجهاد (١) الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع.
ومنها:-وهو خامسها-: كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة لأنه ﵇ هَمَّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه ﷺ لا يَهُمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون" … الحديث.
стр. 6514
ومنها:-وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقب بأن في رواية مسلم: "لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة ﵁، عند أحمد: "لا يشهدون العشاء في الجميع" أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد ﵄، عند ابن ماجَهْ مرفوعًا: "لينتهينّ رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم".
ومنها:-وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين بن المنير، وهو قريب من الوجه الرابع.
ومنها:-وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصة، فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان معرضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقد قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وتعقب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب ترك عقوبتهم.
стр. 6515
انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في صدر حديث أبي هريرة ﵁: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر" … الحديث. ولقوله: "لو يعلم أحدهم … إلخ"؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وقوله في حديث أسامة: "لا يشهدون الجماعة".
وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁، عند أبي داود: "ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة"، فهذا يدلّ على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياءً وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي.
وأيضًا فقوله في رواية المقبري: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب