← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة. وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه، ويحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك. وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالاً على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب. ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة

стр. 6512

غير شرط. انتهى. وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة: منها: ما تقدم. ومنها:-وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي نقله عن النووي الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه ﷺ هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه. قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين. ومنها:-وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراقِ مَن تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال ﷺ : "لقد هممت" إلخ، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان. ومنها:-وهو رابعها-: ما قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع

стр. 6513

عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في الجهاد (١) الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع. ومنها:-وهو خامسها-: كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة لأنه ﵇ هَمَّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه ﷺ لا يَهُمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون" … الحديث.

стр. 6514

ومنها:-وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقب بأن في رواية مسلم: "لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة ﵁، عند أحمد: "لا يشهدون العشاء في الجميع" أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد ﵄، عند ابن ماجَهْ مرفوعًا: "لينتهينّ رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم". ومنها:-وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين بن المنير، وهو قريب من الوجه الرابع. ومنها:-وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصة، فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان معرضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقد قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وتعقب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب ترك عقوبتهم.

стр. 6515

انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في صدر حديث أبي هريرة ﵁: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر" … الحديث. ولقوله: "لو يعلم أحدهم … إلخ"؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وقوله في حديث أسامة: "لا يشهدون الجماعة". وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁، عند أبي داود: "ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة"، فهذا يدلّ على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياءً وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب

стр. 6516

من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود ﵁: "لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق". رواه مسلم. انتهى كلامه. وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير ابن أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول الله ﷺ : "ما يشهدهما منافق" يعني العشاء والفجر. ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولاً، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق المنافق عليه مجازًا، لما دل عليه مجموع الأحاديث. ومنها:-وهو تاسعها-: ما ادعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في أول الإِسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نسخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدلّ على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل

стр. 6517

صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر، إذ القول بالفرضية لا ينافي جواز صلاة المنفرد، إلا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة، والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة. فتبصر. والله أعلم. ومنها:-وهو عاشرها- أن المواد بالصلاة الجمعة، لا باقي الصلوات، ونصره القرطبي. وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود، ﵃، أما حديث أبي هريرة ﵁، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومىء إلى أنها العشاء لقوله في آخره: "لشهد العشاء"، وفي رواية مسلم: "يعني العشاء"، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر، وعينها السَّرَّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر الحديث: "أخر العشاء ليلة،

стр. 6518

فخرج، فوجد الناس قليلاً، فغضب" … فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: "يعني الصلاتين، العشاء والغداة". وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد؛ التصريح لتعيين العشاء، ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن بُرقان، عن يزيد بن الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن جعفر، فقال: "الجمعة" أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها لشذوذها. ويدل على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في "الأوسط" من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنَى، أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أذناي إن لم أكن سمعت ألا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ، ما ذكر جمعة، ولا غيرها فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة. وأما حديث ابن أم مكتوم ﵁ فسأذكره قريبًا، وأنه موافق لأبي هريرة ﵁. وأما حديث ابن مسعود ﵁ فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقل؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النووي، والمحب الطبري.

стр. 6519

وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة ﵄ على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حُصَين بن عمد الرحمن، عن عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: "لقد هممت أَنِّي آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم"، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، قد علمت ما بي، وليس لي قائد -زاد أحمد- وأن بيني وبين المسجد شجرًا، أو نخلاً، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم. قال: "فاحضرها"، ولم يرخص له. ولابن حبان من حديث جابر ﵁، قال: "أتسمع الأذان؟ " قال: نعم، قال: "فأتها ولو حبوًا". وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان. واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب، وفيه نظر، ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها،

стр. 6520

وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول مما ذكر أولاً ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولاسيما للصائم، مع ضيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل الذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضا الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك. وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد. قال: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث: "من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلا من عذر" كما سيأتي قريبًا.

стр. 6521

والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة لذلك. فتبصر. ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة ﵁، المذكور في الباب. ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى النبيَّ ﷺ أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "فأجب". ومنها: حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء، فلم يجب (١)، فلا صلاة له، إلا من عذر". أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي (٢). ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃، أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواده: "لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجماعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"

стр. 6522

أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح. وأخرجه مسلم بلفظ "الجمعة". فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات المكتوبات. وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي هريرة ﵁، أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد النداء، فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه. وعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: "حافظوا على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن" … الحديث، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وعن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: "من سمع المنادي، فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له". صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن مسعود ﵁ مثله. وعن أبي هريرة ﵁: "لأن يمتلىء أذنا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه". وعن عائشة ﵂: "من سمع النداء فلم يأته، فلم يُرِد خيرًا، ولم يُرَد به". وعن علي بن أبي طالب ﵁: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان" (١).

стр. 6523

وعن ابن عباس ﵄، قال: "من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له إلا من عذر". وعن عطاء: "ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقرية يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة". وعنه: "كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلا منافق". وعن إبراهيم النخعي: " أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلا لمريض، أو خائف". وعن الحسن، قال: "إذا سمع الرجل الأذان فقد احتُبسَ". وسأل رجل سعيد بن المسيب عن بعض الأمر، ونادى المنادي، فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن أصحابي قد مضوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ قال: "لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلا منافق، إلا رجل خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة". فأبى الرجل إلا الخروج، فقال سعيد: دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، ألم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله. قال سعيد: قد ظننت أنه سيصيبه أمر. نقل هذه الآثار الإِمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "المحلى" جـ ٤ ص ١٩٤ - ١٩٦. قال الجامع عفا الله عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة الرجل وحده كحديث: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" المتقدم برقم ٤٢/ ٨٣٧، وحديث: "صلاة

стр. 6524

الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده … " المتقدم برقم ٤٢/ ٨٣٨، وحديث: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده" … المتقدم ٤٥/ ٨٤٣ لقلت -كما قالت الظاهرية-: إنها من شروط صحة الصلاة. وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عليهن. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6525

٥٠ - الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَي بِهِنَّ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على وجوب المحافظة على الصلوات المكتوبات في المكان الذي يؤذن لها فيه، كالمساجد. ٨٤٩ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَي بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنِّي لَا أَحْسَبُ مِنْكُمْ أَحَدًا إِلاَّ لَهُ مَسْجِدٌ، يُصَلِّي فِيهِ فِي بَيْتِهِ، فَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَتَرَكْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَمْشِى إِلَى صَلَاةٍ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، أَوْ يَرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ يُكَفِّرُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَلَقَدْ

стр. 6526

رَأَيْتُنَا نُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر). ٢ - (عبد الله بن المبارك)، تقدما قبل باب. ٣ - (المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي، صدوق اختلط قبل موته، من [٧]. قال الأثرم: سمعت أبا محمد الله يُسأل عن أبي العميس، والمسعودي؟ قال: كلاهما ثقة، والمسعودي أكثرهما حديثًا، قلت: هو أخوه؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم، وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة، فسماعه جيد. وقال حنبل عن أحمد: سماع أبي النضر، وعاصم، وهؤلاء من المسعودي بعدما اختلط. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن يحيى: من سمع منه في زمان أبي جعفر، فهو صحيح السماع. وقال

стр. 6527

يعقوب بن شيبة، عن يحيى: المسعودي ثقة، وقد كان يخلط فيما يروي عن عاصم، والأعمش، والصغار، يخطىء في ذلك، ويصحح له ما روى عن القاسم، ومعن، وشيوخه الكبار. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: أحاديثه عن الأعمش مقلوبة، وعن عبد الملك أيضًا، وأما عن أبي حصين، وعاصم، فليس بشيء، إنما أحاديثه الصحاح عن القاسم، وعن عون. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: المسعودي ثقة، وقد كان يغلط فيما روى عن عاصم، وسلمة، ويصحح فيما روى عن القاسم، ومعن. وقال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي، ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى يقول: رأيت المسعودي سنة رآه عبد الرحمن بن مهدي، فلم أكلمه، وقال أيضًا: سمعت معاذ بن معاذ يقول: رأيت المسعودي سنة (٥٤) يطالع الكتاب، يعني أنه تغير حفظه. وقال يحيى بن سعيد: آخر ما لقيت المسعودي سنة سبع، أو ثمان وأربعين، ثم لقيته بمكة سنة ٥٨، وكان عبد الله بن عثمان ذلك العام معى، وعبد الرحمن بن مهدي، فلم يسأله عن شيء. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أنه اختلط في آخر عمره، ورواية المتقدمين عنه صحيحة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودي.

стр. 6528

وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: تغير قبل موته بسنة أو سنتين. وقال سليمان بن حرب، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل: مات سنة ستين ومائة. وقال يعقوب بن شيبة: توفي سنة ٦٥، وكان ثقة صدوقًا، إلا أنه تغير بآخره. وقال ابن عمار: كانت ثبتًا قبل أن يختلط، ومن سمع منه ببغداد، فسماعه ضعيف. وقال العجلي. ثقة، إلا أنه تغير باخره. وقال ابن خراش: نحو ذلك. وقال ابن حبان: اختلط حديثه، فلم يتميز، فاستحق الترك. وقال أبو النضر، هاشم بن القاسم: إني لأعرف اليوم الذي اختلط فيه المسعودي، كنا عنده، وهو يعزَّى في ابن له، إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع، وقام، فدخل منزله، ثم خرج إلينا، وقد اختلط. علق له البخاري، كما قاله الحافظ المزي ﵀، وإن كانت اعترض عليه الحافظ، وأخرج له الأربعة (١). ٤ - (علي بن الأقمر) بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن عمرو ابن الحارث بن ربيعة بن عبد الله بن وادعة الهمداني الوادعي، أبو الوازع الكوفي، ثقة من [٤]. قال ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سيفان، والنسائي، وابن

стр. 6529

خراش، والدارقطني. ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم بينه وبين كلثوم بن الأقمر قرابة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وجزم هو، وعمران بن محمد بن عمران الهمداني في طبقات رجال همدان أنه أخوه، وتبع في ذلك ابن سعد، وكذلك ذكره في الطبقة الثالثة، ووقع في "التهذيب" أنه ذكره في الرابعة. أخرج له الجماعة (١). ٥ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نضْلَة الجشمي (٢) مشهور بكنيته، ثقة، من [٣]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال غيره: قتلته الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث، كان أبو عبد الرحمن السلمي يقول: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص. وقال النسائي في "الكنى": كوفي ثقة، أنا أحمد بن سليمان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، سمعت أبا إسحاق، يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج، فقاتلهم، فقتلوه. وذكر الخطيب في "تاريخه" أنه شهد مع علي قتال

стр. 6530

الخوارج بالنَّهْرَوَان، فإن ثبت ذلك، فلا يدفع سماعه منه. والله أعلم أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون (١). ٦ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي، الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، إلا المسعودي، فما أخرج له مسلم، وعلق عنه البخاري على ما قاله المزي، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (أنه كان يقول: من سره) "من" شرطية، و"سره" بمعنى أفرحه، يقال: سَرَّهُ، يَسُرُّهُ سُرُورًا -بالضم، والاسم السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه. قاله الفَيُّوميّ

стр. 6531

(أن يلقى الله غَدًا) أي يوم القيامة (مسلماً) أراد به كمال الإِسلام المتضمن لانقياد الباطن والظاهر، لا مجرد الاستسلام الظاهري، فهو بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، الآية. وجواب الشرط قوله (فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس) أي فليؤدّها مستوفيةَ الشروط والأركان والآداب (حيث ينادى بهن) أي في المكان الذي يؤذن فيه لهن، وهو المسجد، وأراد به أداءهن مع الجماعة (فإِن الله شرع لنبيه) ولمسلم: "لنبيكم" ( ﷺ سنن الهدى)، روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى والصواب. قاله النووي ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد بالسنن السنن المتعارفة في عرف الفقهاء التي هي قسيم الواجب وغيره من أقسام الأحكام الخمسة، بل أراد ما يشمل جميع ما أتى به رسول الله ﷺ من أمور الدين. والله تعالى أعلم. (وإِنهن من سنن الهدى) أي الصلوات الخمس من جملة طرق الهدى التي أوجب الله تعالى سلوكها، دون ما سواها من الطرائق، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية. فينبغي أداؤهن على الوجه المطلوب. والإضافة في: "سنن الهدى" للبيان، أي سنن هي الهدى

стр. 6532

(وإِني لا أحسب) بكسر السين وفتحها لغة. قال الفيومي ﵀: وحَسِبتُ زيدًا قائمًا، أحْسَبُهُ، من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، حِسبَانًا -بالكسر-: بمعنى ظننت. انتهى (١). (منكم أحدًا) "منكم" جار ومجرور صفة لأحد، قدمت عليه، فتكون في محل نصب على الحال (إِلا له مسجد يصلي فية في بيته) أردا به الموضع الذي يصلي فيه الرجل التطوع، حيث إنه مأمور بالتطوع في بيته، مقد أخرج الشيخان، ويأتي للمصنف برقم ١٥٩٨، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً". وعن زيد بن ثابت ﵁ الآتي برقم ١٥٩٩: أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي … الحديث. وفيه: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" (فلو صليتم في بيوتكم) أي لو أديتم الصلوات المكتوبات في مساجد بيوتكم (وتركتم مساجدكم) أي تركتم الصلاة جماعة في المساجد العامة (لتركتم سنة نبيكم) ﷺ ، حيث إنه كان يصلي المكتوبات في المساجد بأصحابه جماعة، ولا يصليها في بيته، إلا من عذر (ولو تركتم سنة

стр. 6533

نبيكم) ﷺ (لضللتيم)، وفي رواية أبي داود: "لكفرتم". قال الخطابي ﵀: معناه أنه يؤدي بكم إلى الكفر بأن تتركوا عرى الإِسلام شيئًا، فشيئًا، حتى تخرجوا من الملة. انتهى. وهو دليل واضح في كون صلاة الجماعة فرضًا على الأعيان، وأما تأويله بأنه محمول على التغليظ والتهديد في ترك صلاة الجماعة، أو أنه محمول على الترك تهاونًا وقلة مبالاة بها -كما قاله في "المنهل"- فغير صحيح. والله تعالى أعلم. (وما من عبد مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء) بإتيانه بواجباته، ومستحباته (ثم يمشي إِلى صلاة)، وهي رواية مسلم: "ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد". ومعنى "يعمد": يقصد (إِلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها) "الخطوة" بفتح الخاء وضمها. قال الفيومي: خطَوت أخْطُو خطْوًا: مشيت، الواحدة خَطْوة، مثل ضَرْب وضَرْبَةَ، والخُطْوَة بالضم: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثل شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطىً، وخُطُوات، مثل غرفة وغرفات في وجوهها. اهـ (١). وجملة "يخطوها" في محل جر صفة "خطوة" (حسنة، أو يرفع له بها درجة، أو يكفر عنه بها خطيئة) هكذا عند المصنف هنا، وفي "الكبرى" بـ"أو" في الموضعين، وفي بعض نسخ "المجتبى" بالواو في قوله: "ويرفع". وفي "مسند أحمد" و"صحيح مسلم" بالواو في

стр. 6534

الموضعين. والظاهر أن "أو" في رواية المصنف بمعنى الواو. والله تعالى أعلم. (ولقد رأيتنا) أي معاشر الصحابة (نقارب بين الخُطا) جمع خُطوة بالضم، وهو مسافة ما بين الرجلين. أي نقارب المسافة التي بين الرجلين في حالة المشي إلى المساجد تكثيرًا لها ليكثر الأجر والثواب. قال السندي في شرحه. وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله، لكن لا يخفى أن فضل الخُطا لأجل الحضور في المسجد والصلاة فيه، والانتظار لها فيه، فينبغي أن يكون نفس الحضور خيرًا منه. فليتأمل. والله أعلم. انتهى (١). (ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها) أي عن صلاة الجماعة في المسجد (إِلا منافق معلوم النفاق)، ولأبي داود: "بيِّن النفاق" أي ظاهرٌ نفاقه (ولقد كان الرجل) أي المريض (يهادى بين الرجلين)، بالبناء للمجهول، أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه، يعتمد عليهما، من ضعفه وتمايله لشدة المرض (حتى يقام) بالبناء للمجهول أيضًا، أي حتى يقيمه الرجلان (في الصف) وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها (٢). والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 6535

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٥٠/ ٨٤٩، وفي "الكبرى" ٥٠/ ٩٢٢ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر العبدي، عن زكريا بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن عمير، كلاهما عن أبي الأحوص، عنه، وأبو داود فيه عن هارون بن عماد الأزدي، عن وكيع، عن المسعودي به. وأخرجه أحمد جـ ١/ ٤١٤ و٤١٩ و٤٥٥. وابن خزيمة رقم ١٤٨٣. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف، وهو وجوب المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن. ومنها: أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن الجماعة في المساجد إلا لعذر؛ لأنها من سنن الهدى التي جاء بها رسول الله ﷺ ، وقام بها حق

стр. 6536

القيام، وحث عليها أمته. ومنها: أن من ترك الصلاة في الجماعة بدون عذر ضل سعيه وخسر. ومنها: فضل إكمال الوضوء، والمشي إلى المساجد، وأن كل خطوة يخطوها إليها تستوجب حسنة، وترفع درجة، وتكفر خطيئة. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من حرصهم على استكثار الخيرات، بحيث يقاربون بين الخُطا في المشي إلى المساجد، ومن شدة ملازمتهم لصلاة الجماعة حتى في حالة المرض. ومنها: أن التخلف عن الجماعة من علامات النفاق، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٥٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ أَعْمَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ، يَقُودُنِي إِلَى الصَّلَاةِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، قَالَ لَهُ: "أَتَسْمَعُ

стр. 6537

النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَجِبْ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) ابن راهويه، الثقة المثبت الحجة، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عم أبي إسحاق الفرازي، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من [٨]، أخرج له الجماعة. قال أبو بكر الأسدي عن أحمد: ثبت حافظ. وقال أبو داود عن أحمد: ثقة، ما كان أحفظه، كان يحفظ حديثه. وقال ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ثقة، وقال الدوري: سألت يحيى بن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد؟ قال: هذا علي بن غراب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثقة فيما روى عن المعروفين، وضعفه فيما يروي عن المجهولين. وقال علي بن الحسين بن الجنيد، عن ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ عن السكك. وقال العجلي: ثقة ثبت، ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يدفع عن صدقه ويكثر روايته عن

стр. 6538

الشيوخ المجهولين. قال ابن المثنى، ودحيم: مات فجأة سنة ١٩٣ قبل التروية بيوم. وقال الآجري عن أبي داود: كان يقلب الألسماء. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حكم بن ظهير. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "الميزان". قال ابن معين: وجدت بخط مروان: وكيع رافضي، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني. وقال الذهبي: كان عالمًا، لكنه يروي عمن دبّ ودرج، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يبرونه -يعني الذين يروي عنهم، كان يجازيهم. أخرج له الجماعة (١). ٣ - (عبيد الله بن عبد الله بن الأصمم) العامري، مقبول، من [٦]. روى عن عمه يزيد بن الأصم. وعنه عبد الواحد بن زياد، ومروان ابن معاوية، وابن عيينة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، إلا البخاري، والترمذي (٢).

стр. 6539

٤ - (يزيد بن الأصم) بن عبيد بن معاوية بن عبادة بن البكّاء بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسم الأصم عمرو، ويقال: عبد عمرو بن عبيد، وقيل في نسبه غير ذلك، أبو عوف البكَّائي الكوفي، نزيل الرقة، أمه برزة بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين ﵂، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة، من [٣]. روى عن خالته ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وابن خالته ابن عباس، وغيرهم. وعنه ابنا أخيه عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن الأصم، والأجلح الكندي، وأبو فروة راشد بن كيسان، ومحمد بن مسلم الزهري، وميمون بن مهران، وأبو إسحاق الشيباني، وجعفر بن برقان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال: وقال هشام بن محمد: سمى النبيُّ ﷺ الأصمَّ: عبدَ الرحمن. وقال العجلي وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عمار: ربته ميمونة بنت الحارث، يقال: مات سنة ١٠١، وقال أبو عبيد القاسم: مات سنة ١٠٣، وقال خليفة: مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، زاد الواقدي. وهو ابن ٧٣ سنة. فهذا يقطع على أنه ولد بعد النبي ﷺ بدهر، وكذا نص عليه ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة، وقال أبو نعيم: لا يصح له صحبة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون.

стр. 6540

٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، والصحابي، فمدني، وفيه رواية الراوي عن عمه، وفيه أبو هريرة، أكثر الصحابة حديثًا، روى ٥٣٧٤. حديثًا والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: جاء أعمى إِلى رسول الله ﷺ ) قال النووي ﵀: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسرًا في "سنن أبي داود" وغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن يكون غيره. والله أعلم. (فقال: إِنه) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (ليس لي قائد يقودني إِلى الصلاة) إن كان الأعمى هو ابن أم مكتوم، فالمراد قائد يلائمه، ففي رواية لأبي داود: "ولي قائد لا يلائمني". وإن كان غيره، فيحتمل أنه لا يجد من يقوده أصلاً (فسأله) أي سأل الأعمى النبيَّ ﷺ (أن يرخص له أن يصلي في بيته) أي يسهل عليه في التأخر عن الصلاة جماعةً في المسجد (فأذن له) في ذلك (فلما ولّى) أي

стр. 6541

أدبر الأعمى عن مجلس رسول الله ﷺ (دعاه) أي ناداه (قال له) وفي "الكبرى": "فقال" بالفاء (أتسمع النداء بالصلاة) وفي حديث ابن أم مكتوم الآتي بعد هذا: "هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح" (قال) الأعمى (نعم) أسمع ذلك (قال) ﷺ : (فأجب) أمر من الإحابة. وفي "الكبرى": "فأجبه"، والفاء فصيحية، أي فإذا كنت تسمع النداء بالصلاة فأجبه بالفعل. وهي حديث ابن أم مكتوم الاتي: "فحَيَّ هَلاً" أي أقبل إلى الصلاة. قال السندي ﵀: ظاهره وجوب الجماعة، لا بمعنى أنها واجبة في الصلاة حتى تبطل بدونها، بل بمعنى أنها واجبة على المصلي، يأثم بتركها. انتهى (١). وقال النووى ﵀: وهي هذا الحديث دلالة لمن قال: الجماعة فرض عين. وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره، فقيل. لا. ويؤيد هذا أن حصور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة: حديث عتبان بن مالك ﵁ المتقدم في [باب الجماعة في النافلة] ٤٦/ ٨٤٤. قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إنها فرض عين لمن لا عذر له، هو الراجح كما أسلفناه، وأما تأويل الجمهور المذكور فبعيد

стр. 6542

وتأييده بحديث عتبان ليس كما ينبغي؛ إذ حديثه نص في تحقق عذره، فقد تقدم بالرقم المذكور أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله؛ إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي … فهذا عذر قائم، وأما الأعمى المذكور فعذره هو العمى، ومعلوم أن كثيرًا من العميان لا يشق عليهم المشي إلى المساجد، كما هو مشاهد، وهذا الأعمى منهم، بدليل أنه ﷺ لم يرخص له، مع كونه رخص لكثير من أصحاب الأعذار، كعتبان، وكمن حضر لديه طعام، وكمن يدافعه الأخبثان، وفي حالة وجود الأمطار. كما يأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والحاصل أن حديث الباب دليل واضح على فرضية الجماعة لمن لا عذر له، وأن مجرد العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة. والله تعالى أعلم. وقال النووي ﵀ أيضًا: وأما ترخيص النبي ﷺ له، ثم رده، وقوله: "فأجب" فيحتمل أنه بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده ﷺ ، إذا قلنا بالصحيح، وقول الأكثر: إنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أوّلاً، وأراد أنه لا يجب عليك الحضور، إما لعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك، والأعظم لأجرك أن تجيب، وتحضر، فأجب. والله أعلم. انتهى (١).

стр. 6543

فقال الجامع عفا الله عنه: قوله. ويحتمل أنه تغير اجتهاده … إلخ. الأرجح عندي أنه بوحي نزل عليه، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وقوله: وأراد أنه لا يجب عليك الحضور … إلخ، غير صحيح؛ لأنه يرده ظاهر الأمر في قوله: "فأجب" مع الأدلة الأخرى لوجوب الجماعة. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٥٠/ ٨٥٠، وفي "الكبرى" ٥٠/ ٩٢٣ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وسويد بن نصر، ويعقوب بن إبراهيم، كلهم عن مروان بن معاوية بسند المصنف ﵀. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف، وهو وجوب المحافظة على الصلوات في المساجد.

стр. 6544

ومنها: أن العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة، وإن لم يجد قائدًا، والظاهر أن هذا فيما إذا كان يعرف طريق المسجد، ولا يخاف عليه من الهلاك. ومنها: أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف إلا بعذر. ومنها: وجوب إجابة المؤذن بالفعل، كما يجب بالقول، لحديث: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" متفق عليه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٨٥١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، قَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَحَيَّ هَلاً". وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ.

стр. 6545

رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (هارون بن زيد (١) بن أبي الزرقاء) التغلبي، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، صدوق، من [١٠]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. مات بعد ٢٥٠، روى عنه أبو داود، والمصنف. ٢ - (زيد بن أبي الزرقاء) يزيد التغلبي (٢)، أبو محمد الموصلي، نزيل الرملة، ثقة، من [٩]. قال ابن معين: ليس به بأس، كان عنده "جامع سفيان"، رأيته بمكة، وقال ابن عمار الموصلي: لم أر مثل هؤلاء الثلاثة في الفضل: المعافى بن عمران، وزيد بن أبي الزرقاء، وقاسم الجرمي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يغرب، وحكي في اسم أبيه بُريد -بالراء، والموحدة أيضًا. وقال أحمد بن أبي رافع: كان زيد يُلْقِي ما في الحديث من غلط وشك، ويحدث بما لا يشك فيه. وقال أبو زكريا الأزدي في الطبقة

стр. 6546

الثالثة من أهل الموصل: ومنهم زيد بن يزيد بن أبي الزرقاء الثعلبي من أهل الفضل والنسك، خرج من الموصل إلى الرملة مهاجرًا لِفِتْنَةٍ، كانت فيها سنة ١٩٣، ومات هناك سنة ١٩٤، وقال أحمد بن صالح: ليس له بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، وكذا قال ابن معين في رواية الدوري. أخرج له أبو داود، والمصنف. ٣ - (عبد الله بن محمد بن إِسحاق) الجزري، أبو عبد الرحمن الأذْرَمي (١) الموصلي، ثقة من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ٦/ ٥٠٣. ٤ - (قاسم بن يزيد (٢)) الجَرْمِي (٣) أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد، مات سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له أبو داود في "مراسيله"، والنسائي. تقدم في ١٠٢/ ١٣٥. ٥ - (سيفان) بن سعيد الثوري الكوفي، الإِمام الحجة الثبت، مات نسة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٦ - (عبد الرحمن بن عابس) بن ربيعة النخعي الكوفي، ثقة،

стр. 6547

مات سنة ١١٩، من [٤]. قال ابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي. ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه ابن نمير، وابن وضاح. وقال الصريفيني: مات سنة ١١٩، أخرج له الجماعة إلا الترمذي. ٧ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة، مات سنة ٨٦، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٨ - (ابن أم مكتوم) عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشي العامري الأعمى الصحابي المشهور، قدير الإِسلام، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبي ﷺ استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر ﵄، تقدم في ٩/ ٦٣٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله ثقات ومنها: أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، فللمصنف في هذا الحديث سندان، أحدهما: هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، والثاني: عبد الله بن محمد بن إسحاق، عن قاسم بن يزيد، وكلاهما يرويان عن سيفان الثوري، وقد تقدم الكلام على مثل هذا غير مرة.

стр. 6548

ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن أم مكتوم) ﵁ (أنه قال: يا رسول الله، إِن المدينة كثيرة الهوام) يعني وأخشى منها الأذى، فهل يرخص لي في التأخر عن الجماعة. والهوام، جمع هامّة كدابّة ودوابّ، وهي ما له سم يقتل، كالحية، قاله الأزهري، وقد تطلق على ما لا يقتل، كالحشرات، ومنه حديث كعب بن عجرة، وقد قال له ﵊: "أيؤذيك هوامّ رأسك"، والمراد القمل على الاستعارة بجامع الأذى. قاله الفيومي (١)، والمراد هنا المعنى الأول. (والسباع) جمع سبع بفتح المهملة، وضم الموحدة، مثل رجل ورجال، حيوان معروف، وإسكان الباء لغة حكاها الأخفش، وغيره، وهي الفاشية عند العامة، وقرىء بهما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ الآية [المائدة: ٣] وجمعه على لغة السكون في القلة أسْبُع، مثل فلس وأفلس، ويقع السبع على كل ما له ناب يعدو به، ويفترس كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له ناب؛ لأنه

стр. 6549

لا يَعْدُو، ولا يَفْتَرِس، وكذلك الضبع، قاله الأزهري (١). وهذا الإطلاق الثاني هو المراد هنا. (قال) ﷺ : (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟) وأراد به الأذان، وخص هذين اللفظين بالذكر لما فيهما من معنى الطلب. وأخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزبن، عن ابن أم مكتوم، أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة". (قال) ابن أم مكتوم ﵁ (نعم) أسمع ذلك (قال) ﷺ : (فحَيَّ هَلاً) بالتنوين، وجاء بالألف بلا تنوين، وبسكون اللام. قاله السندي. وقال بعضهم: يجوز في حي هل سكون اللام وفتحها مع التنوين، وبغير تنوين، ويجوز رسمها كلمتين، وكلمة واحدة. قال الخطابي ﵀: كلمة حث واستعجال. وقال في "النهاية": هما كلمتان، جعلتا كلمة واحدة، فـ"حيّ" بمعنى "أقبل"،

стр. 6550

و"هلا" بمعنى أسرع وقال في "مرقاة الصعود": وفي "شرح المفصل": هو اسم من أسماء الأفعال مركب من "حيّ" و"هلا"، وهما صوتان، معناهما الحث، والاستعجال، وجمع بينهما، وسمي بهما للمبالغة، وكان الوجه أنه لا ينصرف، كحضرموت، وبعلبك، إلا أنه قد وقع موقع فعل الأمر، فبنى، كصَهْ، ومَهْ، وتارة يستعمل حيّ وحده، نحو: حي على الصلاة، وتارة هلا وحدها، واستعمال حيّ وحده أكثر. انتهى (١). (ولم يرخص له) أي لم يسهل له في التخلف عن الجماعة بسبب ما ذكره من كون المدينة كثيرة الهوام والسباع؛ حيث علم ﷺ أنه لا يلحقه منها ضرر، فلم يجعلها من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة. وفيه أن مجرد العمى ليس عذرًا في التخلف عن الجماعة، إلا إذا شق عليه، وتحقق الضرر، كأن يكون هناك سيل، أو بئر يخاف عليه التردي فيه، أو نحو ذلك. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن أم مكتوم ﵁ هذا صحيح.
следующие страницы →