(ذلك من أجورهم شيئًا) اسم الإشارة فاعل "ينقص" و"من أجورهم" متعلق به، و"شيئًا" مفعوله.
يعني أن أجر ذلك الرجل لا ينقص من أجور من حضر تلك الصلاة، فصلاها جماعة، بل يُعْطَى كُلُّ واحد من الحاضرين، وهذا الذي جاء بعد الصلاة، فصلاها وحده أجرًا كاملاً، لكمال فضل الله تعالى، وسعة رحمته، والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٢/ ٨٥٥، وفي "الكبرى" ٥٢/ ٩٢٨ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن الدراوردي يسند المصنف.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو أن عن توجه إلى المسجد، وقد أحسن وضوءه، فقد نال أجر الجماعة، وإن وجد الناس قد انتهوا من الصلاة.
رجال هذا الإسناد: تسعة
١ - (سليمان بن داود) بن حماد المَهْريّ، أبو الربيع المصري، ابن أخي رِشْدين بن سَعْد، ثقة، مات سنة ٢٥٣، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، مات سنة ١٩٧، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ، مات قبل سنة ١٥٠، من [٧]. أخرج له الجماعة. تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٤ - (الحُكَيم (١) بن عبد الله القرشي) المُطَّلِبي، نزيل مصر، صدوق، مات سنة ١١٨، من [٤]. أخرج له مسلم، والأربعة تقدم في ٣٨/ ٦٧٩.
٥ - (نافع بن جُبَير) بن مطعم النوفلي، أبو محمد أو أبو عبد الله المدني، ثقة فاضل، مات سنة ٩٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٦/ ١٢٤.
٦ - (عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون التيمي مولى آل المنكدر،
стр. 6584
ثقة، من [٣].
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، قال: يروي عن أسماء بنت أبي بكر، ولا يبعد سماعه منها إن كان سمع من ابن عمر، وابن مخرمة، وقال البخاري عن هارون بن محمد بن عبد الملك ابن الماجشون، قال: هلك جدي سنة ١٠٦، واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي (١).
٧ - (معاذ بن عبد الرحمن) بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، من آل طلحة المدني، لأبيه صحبة، وهو صدوق، ويقال: له صحبة أيضًا. روى عن إبيه، وحمران بن أبان مولى عثمان. وقيل: سمع من عمر. قال أبو حاتم: ولا يصح. وعنه أخوه عثمان، ونافع بن جبير، والزهري، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن فتحون في الصحابة، وعزاه لخليفة بن خياط، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي (٢).
٨ - (حُمْران مولى عثمان بن عفان) وهو ابن أبان، اشتراه عثمان في زمن الصديق ﵄، المدني، ثقة، مات سنة ٧٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٨/ ٨٤.
стр. 6585
٩ - (عثمان بن عفان) ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أمير المؤمنين ﵁، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة ٣٥، أخرج له الجماعة. تقدم في ٦٨/ ٨٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، ومدنيين، فإلى الحُكَيم بن عبد الله مصريون، ومَن بعده مدنيون، وفيه أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حمران) -بضم المهملة، وسكون الميم- بن أبان (مولى عثمان بن عفان) في بعض نسخ "المجتبى" إسقاط "ابن عفان"، وهو الذي في "الكبرى" (عن عثمان بن عفان) ﵁، أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ للصلاة، فأسبغ الوضوء)، بضم الواو؛ لأن المراد الفعل، والمراد من الإسباغ إتمامه بمراعاة واجباته ومستحباته، فيتوضأ ثلاثًا ثلاثًا.
وفي رواية للبخاري في "كتاب الرقاق" عن طريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن معاذ بن عمد الرحمن "أن ابن أبان أخبره، قال: أتيت عثمان بن عفان بطهور، وهو جالس على المقاعد، فتوضأ،
стр. 6586
فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ، وهو قاعد في هذا المجلس، فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه". قال النبي ﷺ : "لا تغتروا" (١).
(ثم مشى إِلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد) الظاهر أن "أو" الأولى للشك من الراوي، والثانية للتنويع، ومن هنا يظهر مطابقة الحديث لترجمة المصنف رحمه الله تعالى؛ لأن المراد بمن صلى في المسجد، هو الذي صلى وحده بعد صلاة الناس جماعة، فقد حصلت له المغفرة مثل ما حصل لمن صلى بالجماعة، فيكون حد إدراك فضل الجماعة لمن لم يدركها هو الصلاة في المسجد. والله تعالى أعلم.
(غفر له ذنوبه) وفي رواية مسلم: "غفر الله ذنوبه". وفي رواية له من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران: "لا يتوضأ رجل مسلم، فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها". أي التي سسقتها. وفيه تقييد لما أطلق في قوله في الرواية الأخرى: "غفر له ما تقدم من ذنبه"، وأن المتقدم خاص بالزمان الذي بين الصلاتين، وأصرح منه رواية أبي صخرة، عن حمران، عند مسلم أيضًا: "ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب الله عليه،
стр. 6587
فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارة لما بينهن"، وله من طريق عمرو بن سعيد بن العاص، قال: كنت عند عثمان، فدعا بطهور، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وركوعها وخشوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يُؤتِ كبيرة، وذلك الدهر كله" (١). ففيه تقييده باجتناب الكبائر.
والحاصل أن لحمران عن عثمان ﵁ حديثين في هذا الباب:
أحدهما: مقيد بترك حديث النفس، وذلك في صلاة ركعتين مطلقًا غير مقيد بالمكتوبة، وقد تقدم تمام البحث فيه في الوضوء.
والثاني: في الصلاة المكتوبة في الجماعة، أو في المسجد من غير تقييد بترك حديث النفس، لكنه مقيد في بعض الروايات باجتناب الكبائر، وفي بعضها بتحديد الذنوب بما بين هذه الصلاة وبين التي قبلها، أو بما بين الصلوات. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في بيان درجته:
حديث عثمان بن عفان ﵁ هذا متفق عليه.
стр. 6588
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخص هنا ٥٢/ ٨٥٦، وفي "الكبرى" ٥٢/ ٩٢٩ بالسند المذكور، وفي "الكبرى" في "الطهارة" ١١٣/ ١٧٥ عن إسحاق بن منصور، عن عبيد الله، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ ابن عبد الرحمن، عن حمران، عنه، ولفظه. أتيت عثمان بطهور، فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ مثل هذا الوضوء، ثم أتى المسجد فركع فيه ركعتين، غفر له ما تقدم من ذنبه". وعن محمود ابن خالد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبى كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن شقيق بن سلمة، عن حمران، عنه.
تنبيه: اختلف في سند هذا الحديث، فوقع في رواية البخاري من طريق شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن معاذ بن عبد الرحمن، عن حمران، وتابع محمد بن إبراهيم نافعُ بن جبر، وعبدُ اللهِ بن أبي سلمة في رواية المصنف في هذا الباب.
ووقع في رواية النسائي في "الكبرى" المذكورة آنفًا، وهي رواية لابن ماجه أيضًا من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن شقيق بن سلمة، عن حمران.
ووقع في رواية لابن ماجه -كما سيأتي قريبًا- من طريق عبد الحميد
стр. 6589
ابن حبيب عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن حمران، فقال في "الفتح": قال المزي في "الأطراف": رواية الوليد أصوب (١).
قال الحافظ: قلت: ورواية شيبان أرجح من رواية الأوزاعي؛ لأن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة، وافقا محمد بن إبراهيم التيمي في روايته له عن معاذ بن عبد الرحمن.
ويحتمل أن يكون الطريقان محفوظين؛ لأن محمد بن إبراهيم صاحب حديث، فلعله سمعه من معاذ، ومن عيسى بن طلحة، وكل منهما من رهطه، ومن بلده المدينة النبوية، وأما شقيق بن سلمة، فليس من رهطه، ولا من بلده، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الرقاق" عن سعد بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم القرشي، عن معاذ بن عبد الرحمن،
стр. 6590
عن حمران، عنه. ومسلم في "الوضوء"، عن أبي الطاهر، ويونس ابن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب بسند المصنف. وابن ماجه عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، به، وعن هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن حمران به. وأحمد جـ ١ ص ٦٤ و٦٧ و٦٦ و٧١.
وأما فوائد الحديث فواضحة مما تقدم. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6591
٥٣ - إِعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على مشروعية صلاة الرجل مع الجماعة بعد صلاته وحده.
٨٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، يُقَالُ لَهُ: بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ، وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ "، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جِئْتَ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، أبو رجاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام، دار الهجرة، الحجة الثبت الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
стр. 6592
٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة ثبت فقيه، مات سنة ١٣٦، من [٣]، تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٤ - (بُسْر بن مِحْجَن) بن أبي محجن الديلي (١)، صدوق، من [٤].
كذا قال مالك -بضم الموحدة، بعدها مهملة ساكنة-، وأما الثوري، فقال: بشر -بكسر الموحدة، بعدها معجمة ساكنة-. ونقل الدارقطني أنه رجع عن ذلك. روى عن إليه، وله صحبة. وروى عنه زيد بن أسلم حديثًا واحداً. وقال ابن عبد البر: إن عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني رواه عن زيد بن أسلم، فقال: بشر بن محجن بالمعجمة. وقال الطحاوي: سمعت البرلسي، يقول: سمعت أحمد ابن صالح بجامع مصر، يقول: سمعت جماعة من ولده، ومن رهطه، فما اختلف اثنان أنه بشر، كما قال الثوري -يعني بالمعجمة-.
وقال ابن حبان في "الثقات": عن قال: بشر، فقد وهم. وقال ابن القطان: لايعرف حاله. وقال الإِمام أحمد في مسنده: ثنا وكيع، ثنا سفيان -هو الثوري- عن زيد بن أسلم، عن بشر، أو بسر، عن أبيه، فدكر حديثه. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون الشك فيه من وكيع. والله أعلم. أخرج له النسائي (٢).
стр. 6593
٥ - (محجن) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- بن أبي مِحجن الدِّيلي. روى عن النبي ﷺ بعد انصرافه من صلاة الفجر، يقال: إنه كان مع زيد بن حارثة في سريه حِسْمَى (١)، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. أخرج له النسائي (٢). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بسر بن محجن) هكذا في نسخ "المجتبى" بسر بالمهملة، ووقع في "الكبرى": "بشر" بالمعجمة بدل المهملة.
قال الحافظ أبو عمر ﵀: اختلف الناس عن زيد بن أسلم في اسم هذا الرجل، فقال مالك، وأكثر الرواة له، عن زيد فيه: بسر بن محجن بالسين المهملة، كذلك هو في "الموطأ" عند جمهور رواته، وقال فيه: بشر بن عمر الزهراني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن بشر ابن محجن، فقيل له في ذلك؟ فقال: كان مالك بن أنس يروي هذا الحديث قديمًا عن زيد بن أسلم، فيقول فيه: بشر، فقيل له: هو بشر؟ فقال: عن بسر، أو بشر، وقال بعد ذلك عن زيد بن أسلم، عن ابن محجن، ولم يقل: بسر، ولا بشر.
وقال فيه الثوري، عن زيد بن أسلم: بشر -بالشين المنقوطة-. وكان أبو نعيم يقول: بالسين -كما قال مالك، ومن تابعه. ورواه ابن
стр. 6594
جريج، عن زيد بن أسلم، فقال فيه: بسر، كما قال مالك.
وروى هذا الحديث أيضًا حنظلة بن علي الأسلمي، عن بشر بن محجن، ولم يذكر أباه. ورواه عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن زيد ابن أسلم، عن بشر بن محجن، عن أبيه -بالمنقوطة- كما قال الثوري في رواية أصحاب الثوري عنه. وقد قيل فيه عن الثوري: بسر أيضًا. ثم أخرج بسنده ما تقدم في عبارة "تت" عن الطحاوي. انتهى (١).
(عن محجن) بن أبي محجن الديلي ﵁ (أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ) الجار والمجرور خبر "كان"، والظرف حال من اسمها (فأذن بالصلاة) ببناء الفعل للمفعول. وفي رواية لأحمد: قال. أتيت النبي ﷺ ، فأقيمت الصلاة … (فقام رسول الله ﷺ ) أي إلى محل الصلاة (ثم رجع) أي إلى مجلسه بعدما صلى. ففي رواية مالك في الموطأ "فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع .... ".
تنبيه: قال السندي في شرحه: قوله: مقام رسول الله ﷺ ، ثم رجع. ظاهره أن المجلس كان في غير المسجد، وعلى هذا، ينبغي إن سمع النداء يعيد الصلاة، ويحتمل أن المراد: فقام، أي إلى الصلاة، ثم رجع، أي فرغ عنها، والأقرب أن موضع المجلس من المسجد، كان غير موضع الصلاة، وعلى هذا فالمجلس كان في المسجد، وهو الأظهر الأوفق بالروايات، والله أعلم. وقوله: إذا جئت. على الأول معناه أي جئت إلى محل ما سمعت فيه النداء، وعلى الثاني ظاهر. انتهى
стр. 6595
كلامه بحروفه.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح السندي ﵀ في هذا الموضع محل نظر. فإن الحديث بعيد مما ذكره من الاحتمالات (١). والله أعلم.
(ومحجن في مجلسه) جملة اسمية في محل نصب على الحال، وفيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا في مجلسي، وكذا في قوله: (فقال له رسول الله ﷺ ) إذ الظاهر أن يقول: فقال لي (ما منعك أن تصلي) زاد في رواية الموطأ: "مع الناس". و"ما" استفهاميةٌ استفهامًا إنكاريًا، أي أي شيء منعك أن تصلي مع المصلين جماعة (ألست برجل مسلم) فيه أن من لم يصل لا يسمى مسلمًا (قال) محجن (بلى)، وفي الموطأ: "بلى يا رسول الله ﷺ ". أي أنا مسلم.
قال الفيومي ﵀: و"بلى" حرف جواب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣]. والتقدير: بلى نجمعها،
стр. 6596
وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. انتهى (١).
وفي رواية أحمد: "فلما صلى، قال لي: "ألست بمسلم؟ "، قلت: بلى، قال: "فما منعك أن تصلي مع الناس" … " (ولكني كنت قد صليت في أهلي) أراد بهذا الاعتذار إلى رسول الله ﷺ في تركه الصلاة معه، وحاصل اعتذاره أن الذي منعه أن يصلي مع الناس مع كونه مسلمًا كونه صلى في بيته، وظن أن من صلى صلاة لا يعيد تلك الصلاة، وإن وجد جماعة.
(فقال رسول الله ﷺ : إِذا جئت) أي إلى المسجد (فصل مع الناس، وإِن كنت قد صليت) وفي رواية لأحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم: "ولو كنت قد صليت في أهلك" (٢). وفي رواية من طريق وكيع، عن سفيان: "فإذا فعلت، فصل معهم، واجعلها نافلة" (٣). وفيه أن الأولى هي الفريضة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث محجن بن أبي محجن الديلي ﵁ هذا صحيح.
стр. 6597
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٣/ ٨٥٧، وفي "الكبرى" ٥٣/ ٩٣٠ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مالك في "الموطأ" ص ١٠٢. وأحمد جـ ٤ ص ٣٤ و٣٣٨.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو مشروعية إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى لنفسه. قال أبو عمر ﵀: وفي هذا الحديث أن من صلى في بيته، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة أنه يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وإن كان قد صلى في جماعة أهله، أو غيرهم؛ لأن قوله: صليت في أهلي. أي في جماعة أهلي، ويحتمل أن يكون صلى في بيته وحده. اهـ (١). وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن قوله ﷺ : "ألست برجل مسلم؟ " يدل على أن من لم يصل ليس بمسلم، ومن صلى الصلاة مواظبًا عليها شُهِدَ له بالإِسلام.
ومنها: أن من أقر بعمل الصلاة، وإقامتها على ما يجب وُكِلَ إلى قوله، وقُبل منه؛ لأن رسول الله ﷺ قد قبل من ابن محجن قوله: قد صليت في بيتي.
стр. 6598
ومنها: أن الحديث دليل لمذهب الجمهور القائلين بصحة صلاة المنفرد، ووحه الاستدلال أنه ﷺ لم يستفصله مع قيام الاحتمال، هل صلى مع الجماعة، أم صلى وحده؟ وهذا لا ينافي القول بوجوب الجماعة؛ لأن الراجح أنها واجبة، وليست شرطاً لصحة الصلاة، كما تقدم تحقيقه في محله. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم من صلى صلاة، ثم وجد جماعة:
ذهب جمهور الفقهاء -كما قال الحافظ أبو عمر ﵀ إلى أن من صلى في بيته وحده، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة، فلا يعيد، وممن قال بهذا القول مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم. واحتجوا بحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". وسيأتي للمصنف بعد بابين.
وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو قول داود إلى أنه يصليها ثانية في جماعة. قال أحمد: ولا يجوز له أن يخرج إذا أقيمت الصلاة حتى يصليها، وإن كان قد صلى في جماعة واحتج بقول أبي هريرة ﵁ في الذي خرج عند الإقامة من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ .
وروي عن أبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وصِلَة بن زُفَر، والشعبي، والنخعي إعادة الصلاة في جماعة
стр. 6599
لمن صلاها في جماعة، وبه قال حماد بن زيد، وسليمان بن حرب.
واتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى حديث اين عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين"، قالا: إنما ذلك أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم، فيصليها ثانية. ينوي بها الفرض مرة أخرى يعتقد ذلك، فأما إذا صلاها مع الإِمام على أنها سنة تطوع، فليس بإعادة للصلاة.
قال أبو عمر: قد علمنا أن رسول الله ﷺ إنما أمر الذي صلى في أهله وحده أن يعيد في جماعة من أجل فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، ليتلافى ما فاته من فضل الجماعة، إذا كان قد صلى منفردًا، والمصلي في جماعة قد حصل له الفرض والفضل، فلم يكثر لإعادته الصلاة وجه، إلا أن يتطوع بها، وسنة التطوع أن يصلي ركعتين؛ لحديث: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وللنهي عن القصد إلى التطوع بعد العصر والصبح. انتهى كلام أبي عمر ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله أبو عمر نظر، بل الظاهر إطلاق الإعادة للجميع، سواء صلى وحده، أو مع الجماعة عملاً بظاهر النص؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. فإنه ﷺ ما استفصل محجنًا، لما قال له: قد صليت في أهلي.
стр. 6600
هل صلى وحده، أم صلى مع الجماعة؟ بل قال له: "إذا جئت، فصل مع الناس". وكذا ما استفصل الرجلين في الحديث الآتي، في الباب التالي، هل صليا وحدهما، أم صليا مع جماعة، بل قال لهما: "فصليا معهم".
والحاصل أن الراجح قول أحمد، وإسحاق، ومن قال بقولهما من إعادة من صلى إذا وجد جماعة مطلقًا، سواء صلى وحده، أو مع جماعة. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في اختلاف العلماء، هل تعاد جميع الصلوت، أم لا؟:
قال أبو عمر ﵀: واختلف الفقهاء فيما يعاد من الصلوات مع الإِمام لمن صلاها في بيته، فقال مالك ﵀: تعاد الصلوات كلها مع الإِمام، إلا المغرب وحدها، فإنه لا يعيدها؛ لأنها تصير شنفعًا. قال: ومن صلى في جماعة، ولو مع واحد، فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا آن يعيدها في مسجد النبي ﷺ أو المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى. وقال: إنه لا يدري أيّ صلاتيه فريضته، وإنما ذلك إلى الله، يجعلها أيتها شاء، ولا يقول: إنها نافلة ونقل مثل ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب رحمهما الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا معارض للنص؛ حيث جعل الثانية هي النافلة، وتأويلهم بأن النافلة بمعنى فضيلة، وزيادة خير،
стр. 6601
وليس بمعنى التطوع، كما في قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تأويل بعيد؛ إذ لا دليل عليه، والله أعلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ﵏: لا يعيد المصلي وحده العصر مع الإِمام، ولا الفجر ولا المغرب، ويصلي معه الظهر والعشاء، ويجعل صلاته مع الإِمام نافلة. قال محمد بن الحسن ﵀: لأن النافلة بعد العصر والصبح لا تجوز، ولا تعاد المغرب؛ لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر.
وقال الأوزاعي ﵀: يعيد جميع الصلوات، إلا المغرب والفجر، وهو قول عبد الله بن عمر ﵄؛ لحديث: "لا وتران في ليلة"، وحديث "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". وأما العصر فقد ثبت جواز الصلاة بعدها ما كانت الشمس بيضاء نقية، والنهي الوارد محمول على ما بعد ذلك.
وهذا مذهب جماعة من السلف، كابن عمر ﵄، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في [باب الرخصة في الصلاة بعد العصر] برقم ٣٦/ ٥٧٣.
وقال الشافعي ﵀: تعاد الصلوات كلها، لحديث محجن المذكور في الباب، حيث لم يخص له ﷺ صلاة من صلاة، بل قال له: "فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت"، قال: والأولى هي الفريضة، والثانية سنة، وهو قول داود بن علي ﵀، إلا أنه يرى الإعادة في الجماعة على من صلى وحده فرضًا، ولا يحتسب عنه
стр. 6602
بما صلى وحده، وأما من صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فالإعادة هاهنا استحباب.
واختلف عن الثوري ﵀، فروي عنه: يعيد الصلوات كلها، كقول الشافعي، وروي عنه مثل قول مالك، ولا خلاف عنه أن الثانية تطوع.
وقال أبو ثور ﵀: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر، إلا أن يكون في مسجد، فتقام الصلاة، فلا يخرج حتى يصليها، وحجته النهي عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الصبح. انتهى كلام ابن عبد البر ﵀ بالاختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، وداود رحمهما الله من إعادة جميع الصلوات، عن غير استثناء شيء من الصلوات، لقوة دليله؛ حيث عمم النبي ﷺ بقوله: "فَصَلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت" من غير استثناء شيء. بل حديث يزيد بن الأسود الآتي، نص في أن ذلك كان بعد الصبح. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في بيان اختلاف العلماء في أن الفريضة هي الأولى، أم الثانية:
ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الفريضة هي الأولى، وبه قال
стр. 6603
الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وداود،
وذهبت طائفة إلى أن الفريضة هي الثانية، إن كانت الأولى صليت بلا جماعة. وعزا هذا القول العلامة الشوكاني ﵀ إلى الأوزاعي، والهادي، وبعض أصحاب الشافعي، قال: وهو قول الشافعي القديم.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يُدْرَى أيّ الصلاتين هي الفريضة، وإنما ذلك إلى الله تعالى، وعزا هذا القول ابن عبد البر إلى مالك، قال: وروي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب مثل قوله.
وحجة الأولين حديث يزيد بن الأسود الآتي في الباب التالي: "فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". وما رواه أبو ذر، وابن مسعود، وأبو هريرة، ﵃، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "سيكون عليكم بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة" (١). وقد تقدم حديث أبي ذرّ، وابن مسعود ﵄ برقم ٢/ ٧٧٨ و٧٧٩.
واحتج أصحاب القول الثاني: بما أخرجه أبو داود عن يزيد بن عامر ﵁، قال: جئت، والنبي ﷺ في الصلاة، فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله ﷺ ، فرآني جالسًا، فقال. ألم تسلم يا يزيد؟ قال: بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال: "فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ " قال:
стр. 6604
إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أنكم قد صليتم، فقال: "إذا جئت إلى الصلاة، فوجدت الناس، فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة".
ولكنه ضعيف؛ لأن في سنده نوح بن صعصعة المكي، قال الدارقطني: مجهول الحال (١). ومع هذا فقد خالف حديثه أحاديث الأثبات، فلا يصلح للاحتجاج به.
قال الشوكاني ﵀: وعلى فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به، فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن، يحمل حديث الباب على من صلى الصلاة الأولى في جماعة، وحمل هذا على من صلى منفرداً، كما هو الظاهر من سياق الحديثين. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لهذا الجمع، إذ الحديث ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي أن يتكلف له.
فقد تبين مما ذكر من الأقوال وأدلتها أن الراجح قول من قال: إن الفريضة هي الأولى، وإن الثانية نافلة، كما هو النص الصريح في الأحاديث المذكورة. والله أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6605
٥٤ - إِعَادَةِ الْفَجْرِ مَعَ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية إعادة صلاة الفجر مع الجماعة لمن صلاها منفردًا.
٨٥٨ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا"، فَأُتِيَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ " قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي، أبو هاشم الطوسي
стр. 6606
الأصل، يلقب دَلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. تقدم في ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار، أبو معاوية بن أبي خازم السلمي الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ١٨٣، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (يعلي بن عطاء) العامري، ويقال: الليثي الطائفي، ثقة، مات سنة ١٢٠ أو بعدها، من [٤]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام"، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٤٠/ ٥٨٤.
٤ - (جابر بن يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: الخزاعي، صدوق، من [٣]. روى عن أبيه، وله صحبة، وعنه يعلي بن عطاء. قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وخرج حديثه في "صحيحه". أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
٥ - (يزيد بن الأسود) السُّوَائي، ويقال: ابن أبي الأسود الخزاعي، ويقال: العامري، حليف قريش، عداده في الكوفيين. روى عن النبي ﷺ حديثًا في الصلاة. وعنه ابنه جابر، وأما أبوه، فقال ابن سعد: إنه مدني. وقال خليفة: سكن الطائف. وقال ابن حبان: مكي. وقال أبو عيسى الترمذي: إنه حجازي. أخرج له
стр. 6607
أبو داود، والترمذي، والنسائي.
وفي "ت": صحابي نزل الطائف، ووهم من ذكره في الكوفيين. والله تعالى أعلم.
من لطائف هذا الإسناد
أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن يزيد بن الأسود) العامري ﵁، أنه (قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر) وفي رواية أبي داود: "أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وهو غلام شاب … ". وفي رواية الترمذي: "قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه الصبح في مسجد الخيف .. " (في مسجد الخيف) هو مسجد منى.
قال الفيومي ﵀: الخيف ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بني في خيف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخفف بالحذف، ولا يكون خيف إلا بين جبلين. انتهى (١).
(فلما قضى صلاته إِذا هو برجلين في آخر القوم) وفي رواية
стр. 6608
أبي داود: "إذا رجلان، لم يصليا في ناحية المسجد" (لم يصليا معه) جملة في محل نصب على الحال من "رجلين" لوصفه بالجار والمجرور (قال) ﷺ (عَلَيَّ بهما) قال في "اللسان": عَلَيَّ زيدًا، وعلي يزيد: معناه أعطني زيدًا. اهـ (١).
وأراد هنا إحضارهما لديه ليسألهما عن عدم صلاتهما معه (فأتي بهما) لبناء الفعل للمفعول، أي جيء بالرجلين (تُرعَد فرائصهما) ببناء الفعل للمفعول أيضًا (٢)، أي تَرْجُف، وتَضْطَربُ من الخوف. و"الفرائصُ" نائب فاعله، وهي جمع فريصة -بالصَاد المهملة- وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف. قاله في "النهاية" قال ابن سِيدَهْ: الفريصة لحمة عند نُغْض (٣) الكتف في وسط الجنب عند مَنْبِضِ القلب (٤)، وهما فريصتان تُرعَدَان عند الفزع.
وإنما ارتعدت فرائصهما لما اجتمع في رسول الله ﷺ من الهيبة والحرمة الجسيمة لكل من رآه، مع كثرة تواضعه (فقال: ما منعكما أن تصليا معنا) "ما" استفهامية للإنكار والتوبيخ (قالا) اعتذارًا عن عدم الصلاة معهم (يا رسول الله قد صلينا في رحالنا) أي منازلنا، ومأوانا (قال: فلا تفعلا) أي قال ﷺ لهما: لا تصنعا مثل صنيعكما
стр. 6609
هذا (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة) قال الشوكاني ﵀: ظاهره أن ذلك مختص بالجماعات التي تقام في المساجد، لا التي تقام في غيرها، فيحمل المطلق من ألفاظ حديث الباب، كلفظ أبي داود: " إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإِمام، فليصلها معه" - على المقيد بمسجد الجماعة، قال: ويؤيد ذلك، ما أخرجه أبو داود، والنسائي، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة، قال: رأيت ابن عمر جالسًا على البلاط -وهو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق بالمدينة- وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ فقال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" (١).
انتهى كلام الشوكاني (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الشوكاني نظر؛ بل الأظهر عدم التقييد؛ لأن ذكر بعض أفراد المطلق الموافق له في الحكم لا يقيد، على الأصح عند الأصوليين، كما تقدم نقلُ الشوكانيِّ نفسِهِ عنهم، وما استدل به من حديث ابن عمر ﵄ الراجح أنه محمول على من يصلي صلاة مرتين لا لغرض الجماعة، وسيأتي الكلام عليه بعد باب إن شاء الله تعالى.
стр. 6610
(فإِنها لكما نافلة) أي إنّ تلك الصلاة التي صليت مع الناس نافلة. وهذا صريح في كون الأولى هي الفريضة، والثانية المعادة نافلة، وظاهره عدم الفرق بين أن تكون الأولى قد صليت في جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث يزيد بن الأسود العامري ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥٤/ ٨٥٨، وفي "الكبرى" ٥٤/ ٩٣١ بالسند المذكور، وفي ٧٨/ ١٣٣٤، وفي "الكبرى" ١١٢/ ١٢٥٧ عن يعقوب، عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد ابن الأسود، عنه. مختصراً، ولفظه: "أن صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى انحرف". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن حفص بن عمر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وعن مسدد، عن يحيى القطان، عن الثوري، كلاهما عن يعلي بن عطاء، به. والترمذي عن
стр. 6611
أحمد بن منيع، عن هشيم، عن يعلي بن عطاء، به.
وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ١٦٠ و١٦١، ولفظه من طريق أبي عوانة، عن يعلي بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ححة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، أو استقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس، لم يصليا مع الناس، فقال: "ائتوني يهذين الرجلين"، قال: فأتي بهما، تُرعَد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ "، قالا: يا رسول الله، إنا قد كنا صلينا في الرحال، قال: "فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإِمام فليصلها معه، فإنها له نافلة"، قال: فقال أحدهما: استغفر لي يا رسول الله، فاستغفر له، قال: ونهض الناس إلى رسول الله ﷺ ، ونهضت معهم، وأنا يومئذ أشب الرجال، وأجلده، قال. فما زلت أزْحَمُ الناسَ حتى وصلت إلى رسول الله ﷺ ، قال: فأخذت بيده فوضعتها، إما على وجهي، أو صدري، قال: فما وجدت شيئًا أطيب، ولا أبرد من يد رسول الله ﷺ ، قال: وهو يومئذٍ في مسجد الخيف.
وفي رواية، من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء: ثم ثار الناس يأخذون بيده، يمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده، فمسحت بها وجهي، فوجدتها أبرد من الثلج، وأطيب من ريح المسك.
стр. 6612
وأخرجه الدارمي برقم ١٣٧٤. وابن خزيمة ١٢٧٩ و١٦٣٨ و١٧١٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعية إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى منفردًا، وأن هذه الصلاة مستثناة من عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح، ومثلها الصلوات ذوات الأسباب، مثل ركعتي تحية المسجد، وركعتين الطواف، وركعتي الوضوء، ونحوها. وقد تقدم في الباب الماضي بيان اختلاف العلماء في حكم إعادة صلاة الصبح، والعصر، والمغرب مفصلاً بالأدلة.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من عظيم الهيبة، مع كثرة تواضعه، وبشاشة وجهه.
ومنها: الإنكار على مرتكب المخالفة الشرعية بالقول والفعل.
ومنها: أن من رأى مخالفة ينبغي له أن يسأل مرتكبها عن سبب ارتكابه لها؛ لأنه ربما يكون له عذر يبيح له ذلك.
ومنها: جواز الصلاة خارج المسجد، وإن كان منفردًا، إلا أنه يحرم عليه إذا لم يكن له عذر يبيح التخلف.
ومنها: أن من صلى خارج المسجد، ثم أدرك الجماعة فيه يؤمر بالدخول معهم في تلك الصلاة.
стр. 6613
ومنها: أن الصلاة التي صلاها لنفسه هي الفريضة، والثانية نافلة. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6614
٥٥ - إِعَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَهَابِ وَقْتِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية إعادة الصلاة مع الجماعة بعد ذهاب وقتها.
وقد حمل المصنف ﵀ قوله ﷺ : "يؤخرون الصلاة عن وقتها" على معنى الإخراج عن الوقت بالكلية، لا الإخراج عن الوقت المستحب، فلهذا قال هنا: "بعد ذهاب وقتها"، وهذا هو القول الراجح، كما تقدم. وقيل: معنى التأخير أن تؤخر عن الوقت المستحب. وقد تقدم تحقيق القول في ذلك برقم ٢/ ٧٧٨. فأرجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.
٨٥٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صُدْرَانَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَضَرَبَ فَخِذِي: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قَالَ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلِّ".
стр. 6615
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٥ من [١٠]. أخرج له مسلم، وأبو داود في "القدر"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (محمد بن إِبراهيم بن صُدْران) -بضم فسكون- الأزدي السَّلَمِيُّ -بالفتح- أبو جعفر المؤذن البصري، وقد ينسب لجده، صدوق، مات سنة ٢٤٧، من [١٠]. أخرج له أبو داود، والترمذي والنسائي. تقدم في ٦٦/ ٨٢.
٣ - (خالد بن الحارث) الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]. أخرج له الجماعة. تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٤ - (شعبة) بن الحجاج، أبو بسطان الواسطي، ثم البصري، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٦٠ من [٧]. أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٥ - (بديل) -مصغرًا- بن ميسرة العُقَيلي البصري، ثقة، من [٥]. قال ابن سعد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" في الطبقة الثالثة. وقال البزار: لم يسمع من عبد الله بن الصامت، وإن
стр. 6616
كان قديمًا. وحكى البعْوي عن محمد ابن سعد أنه قال: ميسرة والد بُديل هذا، هو ميسرة الفجر صاحب رسول الله ﷺ ، قال البغوي: وهو عندي وهم. قال البخاري عن علي بن المديني: مات سنة ١٣٠. وفي "ت": مات سنة ١٢٥ أو ١٣٠، أخرج له الجماعة، إلا البخاري. قال الحافظ: وقع ذكره في البخاري ضمنًا، فإنه علق أثر الأحنف، عن عمر في القراءة في الصبح، وهو موصول من طريق بديل هذا، عن عبد الله بن شقيق، عن الأحنف.
٦ - (أبو العالية) البَرَّاء -بالتشديد- زياد، وقيل: غيره، ثقة، مات سنة ٩٠، من [٤]. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. تقدم في ٢/ ٧٧٨.
٧ - (عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، ثقة، مات بعد سنة ٧٠، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٧/ ٧٥٠.
٨ - (أبو ذرّ) الغفاري جندب بن جُنادة على الأصح، وقيل: غيره، الصحابي ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢.
وأما الحديث فقد تقدم شرحه مستوفى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به برقم ٢/ ٧٧٨، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن أردت فارجع إليها تزدد علمًا.
стр. 6617
قوله: (وضرب فخذي) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وإنما ضرب فخذه للتنبيه، وجمع الذهن على ما يلقي عليه. والله تعالى أعلم بالصواب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6618
٥٦ - سُقُوطِ الصَّلَاةِ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على سقوط إعادة الصلاة جماعة عن الشخص الذي صلى جماعة مع الإِمام في المسجد.
أراد رحمه الله تعالى بهذه الترجمة تقييد ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة في الأبواب السابقة من إعادة الصلاة مع الجماعة بما إذا لم تكن الأولى قد صليت مع الإِمام في المسجد.
لكن قد تقدم أن الراجح مشروعية الإعادة مطلقًا، سواء صلاها وحده، أو مع جماعة، لإطلاق الأحاديث المتقدمة، وأما حديث الباب فإنه محمول على إعادتها في يوم مرتين بدون جماعة، أو على أن يكون كل منهما فريضة، ويدل عليه رواية: "لا تصلوا مكتوبة في يوم مرتين".
ثم إن الظاهر أنه يرى كون الصلاة الأولى في المسجد فقط، فلو صلى جماعة في غير المسجد أعاد، لكن في دلالة الحديث عليه بُعْد لا يخفى. والله تعالى أعلم.
٨٦٠ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ
стр. 6619
جَالِسًا عَلَى الْبَلَاطِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا لَكَ لَا تُصَلِّي؟ قَالَ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِبراهيم بن محمد) بن عبد الله بن عبيد الله بن مَعْمَر التيمي المعمري، أبو إسحاق البصري قاضيها، ثقة، مات سنة ٢٥٠، من [١١]، أخرج له أبو داود، والنسائي. تقدم في ٢٨/ ٥٥٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (حسين المعلم) ابن ذكران العَوذي البصري، ثقة، ربما وهم، مات سنة ١٤٥، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٤.
٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، مات سنة ١٢٨، من [٥]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام"، والأربعة. تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (سليمان) بن يسار مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة، الهلالي المدني، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، مات بعد سنة ١٠٠،
стр. 6620
وقيل: قبلها، من كبار [٣]. أخرج له الجماعة. تقدم في ١٢٢/ ١٥٦.
٦ - (ابن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد له هو، وأبو داود، وعمرو بن شعيب، فمن رجال الأربعة، وأخرج له البخاري في جزء القراءة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو، عن سليمان، وأن سليمان أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدم ذكرهم غير مرة، وأن فيه ابن عمر، أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سليمان مولى ميمونة) بنت الحارث، أم المؤمنين ﵂، وقيل: هو مولى أم سلمة ﵂، أنه (قال: رأيت ابن عمر) عبد الله ﵄ (جالسًا) حال من المفعول (على البلاط) متعلق بـ"جالسًا"، وفي رواية أبي داود: "قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون .. .. "
قال ابن منظور ﵀: والبلاط -بالفتح-: الحجارة المفروشة