← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

كان قديمًا. وحكى البعْوي عن محمد ابن سعد أنه قال: ميسرة والد بُديل هذا، هو ميسرة الفجر صاحب رسول الله ﷺ ، قال البغوي: وهو عندي وهم. قال البخاري عن علي بن المديني: مات سنة ١٣٠. وفي "ت": مات سنة ١٢٥ أو ١٣٠، أخرج له الجماعة، إلا البخاري. قال الحافظ: وقع ذكره في البخاري ضمنًا، فإنه علق أثر الأحنف، عن عمر في القراءة في الصبح، وهو موصول من طريق بديل هذا، عن عبد الله بن شقيق، عن الأحنف. ٦ - (أبو العالية) البَرَّاء -بالتشديد- زياد، وقيل: غيره، ثقة، مات سنة ٩٠، من [٤]. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. تقدم في ٢/ ٧٧٨. ٧ - (عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، ثقة، مات بعد سنة ٧٠، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٧/ ٧٥٠. ٨ - (أبو ذرّ) الغفاري جندب بن جُنادة على الأصح، وقيل: غيره، الصحابي ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. وأما الحديث فقد تقدم شرحه مستوفى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به برقم ٢/ ٧٧٨، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فإن أردت فارجع إليها تزدد علمًا.

стр. 6617

قوله: (وضرب فخذي) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وإنما ضرب فخذه للتنبيه، وجمع الذهن على ما يلقي عليه. والله تعالى أعلم بالصواب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6618

٥٦ - سُقُوطِ الصَّلَاةِ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على سقوط إعادة الصلاة جماعة عن الشخص الذي صلى جماعة مع الإِمام في المسجد. أراد رحمه الله تعالى بهذه الترجمة تقييد ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة في الأبواب السابقة من إعادة الصلاة مع الجماعة بما إذا لم تكن الأولى قد صليت مع الإِمام في المسجد. لكن قد تقدم أن الراجح مشروعية الإعادة مطلقًا، سواء صلاها وحده، أو مع جماعة، لإطلاق الأحاديث المتقدمة، وأما حديث الباب فإنه محمول على إعادتها في يوم مرتين بدون جماعة، أو على أن يكون كل منهما فريضة، ويدل عليه رواية: "لا تصلوا مكتوبة في يوم مرتين". ثم إن الظاهر أنه يرى كون الصلاة الأولى في المسجد فقط، فلو صلى جماعة في غير المسجد أعاد، لكن في دلالة الحديث عليه بُعْد لا يخفى. والله تعالى أعلم. ٨٦٠ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ

стр. 6619

جَالِسًا عَلَى الْبَلَاطِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا لَكَ لَا تُصَلِّي؟ قَالَ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِبراهيم بن محمد) بن عبد الله بن عبيد الله بن مَعْمَر التيمي المعمري، أبو إسحاق البصري قاضيها، ثقة، مات سنة ٢٥٠، من [١١]، أخرج له أبو داود، والنسائي. تقدم في ٢٨/ ٥٥٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (حسين المعلم) ابن ذكران العَوذي البصري، ثقة، ربما وهم، مات سنة ١٤٥، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٤. ٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، مات سنة ١٢٨، من [٥]، أخرج له البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام"، والأربعة. تقدم في ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (سليمان) بن يسار مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة، الهلالي المدني، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، مات بعد سنة ١٠٠،

стр. 6620

وقيل: قبلها، من كبار [٣]. أخرج له الجماعة. تقدم في ١٢٢/ ١٥٦. ٦ - (ابن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد له هو، وأبو داود، وعمرو بن شعيب، فمن رجال الأربعة، وأخرج له البخاري في جزء القراءة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو، عن سليمان، وأن سليمان أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدم ذكرهم غير مرة، وأن فيه ابن عمر، أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سليمان مولى ميمونة) بنت الحارث، أم المؤمنين ﵂، وقيل: هو مولى أم سلمة ﵂، أنه (قال: رأيت ابن عمر) عبد الله ﵄ (جالسًا) حال من المفعول (على البلاط) متعلق بـ"جالسًا"، وفي رواية أبي داود: "قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون .. .. " قال ابن منظور ﵀: والبلاط -بالفتح-: الحجارة المفروشة

стр. 6621

في الدار وغيرها، قال الشاعر [من الرجز]: هَذَا مَقَامِي لَكِ حَتى تَنْضَحِي … رِيًّا وَتَجْتَازِي بَلاطَ الأبْطَحِ ويقال: دار مُبَلَّطَة بآجُرّ، أو حجارة. ويقال: بَلَطتُ الدار، فهي مَبْلُوطة: إذا فرشتها بآجرّ، أو حجارة، وكل أرض فُرِشَت بالحجارة والآجرّ بَلاط. وقال أيضًا: البلاط: ضرب من الحجارة، تفرش به الأرض، ثم سمي المكان بَلاطًا اتساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة. اهـ (١). وقال المجد ﵀: البلاط: موضع بالمدينة بين المسجد والسوق. اهـ (٢)، (والناس يصلون) جملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو، وفي رواية أبي داود: "وهم يصلون". قال السندي ﵀ عند قوله: "يصلون"، ما نصه: أي على البلاط، لا في المسجد، وابن عمر قد صلى قبلهم في المسجد، هذا على ما مهمه المصنف من أن الحديث يدلّ على الترجمة. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا في المسجد" فيه نظر، بل كانوا يصلون فيه، فقد صرح به في رواية أحمد جـ ٢ ص ١٩، ولفظه: قال: أتيت على ابن عمر، وهو بالبلاط، والقوم يصلون في المسجد،

стр. 6622

قلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس، أو القوم؟ … الحديث. فقد صرح أنهم صلوا في المسجد. وكذا كون ابن عمر صلى في ذلك المسجد ليس عليه دليل، فتبصر. والله تعالى أعلم. (قلت: يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر ﵄ (مالك لا تصلي؟) "ما" استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور خبره، وجملة "لا تصلي" في محل نصب على الحال، أيْ أيُّ شيء ثبت لك حال كونك غير مصل مع الناس؟ والاستفهام للإنكار (قال: إِني قد صليت، إِني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعاد الصلاة في يوم مرتين") "لا" نافية، والمراد من النفي النهي، ففي رواية أبي داود: "لا تصلوا صلاة" بصيغة النهي. قال السندي ﵀: "مرتين" ظرف لما يُفهَمُ من الكلام، أي فلا تُصَلَّى مرتين، لا لـ"تعاد"، وإلا لجاز الإعادة مرة، وهذا لا يناسب المقام، وقد جاء في رواية أبي داود: "لا تصلوا مرتين"، قال البيهقي: إن صح هذا الحديث يحمل على ما إذا صلاها مع الإِمام، فلا يعيد. قال السندي: وإلى هذا التأويل أشار المصنف في الترجمة، بل زاد عليه أن تكون الصلاة مع الإِمام في المسجد. قال البيهقي: وفي رواية: "لا تصلوا مكتوبة في يوم مرتين"، فالمراد: أنّ كلتيهما على وجه الفرض، ويرجع ذلك إلى أن الأمر بالإعادة اختيار، وليس بحتم

стр. 6623

عليه، وعند كثير من العلماء: إذا صلى مع الإِمام، وقد صلى قبل ذلك في البيت، ينوي مع الإِمام نافلة، فلا إشكال عليهم هنالك، نعم يلزم عليهم الإشكال فيما قالوا فيه بالإعادة كالمغرب بمزدلفة، فإنه إذا صلاها في الطريق، يعيدها بمزدلفة، فتأمل. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في صلاة المغرب في طريق مزدلفة فيه نظر، سيأتي تحقيقه في محله من "كتاب الحج" إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنف هنا ٥٦/ ٨٦٠، وفي "الكبرى" ٥٦/ ٩٣٣ عن إبراهيم بن محمد التيمي القاضي، عن يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار، عنه. وأخرجه أبو داود في "الصلاة"، عن يزيد بن زريع، عن حسين المعلم، به. وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ١٩٠. وابن خزيمة برقم ١٦٤١. وابن حبان ٢٣٩٦. والبيهقي جـ ٣ ص ٦٩. والبغوي ٨٥٩. والحاكم جـ ١ ص ٢٠٩. والله تعالى أعلم.

стр. 6624

المسألة الثالة: اختلف العلماء في تأويل قوله ﷺ : "لا تعاد الصلاة في يوم مرتين". فحمله بعضهم على إطلاقه، فمنع إعادة أَيِّ صلاة، سواء صليت فرادى، أو بجماعة، وحمله المصنف على ما إذا صليت مع الإِمام في المسجد، وحمله بعضهم على ما إذا أعيدت بصفة فرضيتها، وهذا هو القول الراجح، توفيقًا بين الأحاديث. قال الخطابي ﵀: وقوله، لا تعاد … إلخ، أي إذا لم تكن عن سبب، كالرجل يدرك الجماعة، وهم يصلون، فيصلي معهم ليدرك فضيلة الجماعة توفيقًا بين الأحاديث، ورفعًا للاختلاف بينها. انتهى (١). وتقدم عن البيهقي نحوه. وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في "الاستذكار": اتفق أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى قول رسول الله ﷺ : "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم يقوم بعد الفراغ، فيعيدها على جهة الفرض أيضًا، قالا: وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها له نافلة، اقتداءً برسول الله ﷺ في أمره بذلك، فليس ذلك ممن أعاد الصلاة في يوم مرتين؛ لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقله الحافظ أبو عمر ﵀

стр. 6625

عن الإمامين، أحمد وإسحاق، وأيده الخطابي، والبيهقي في معنى هذا الحديث، من أن المراد به. إعادة صلاة واحدة على أنها فرض فيهما هو الوجه الأولى، والمسلك الأقرب في طريقة الجمع بين الأحاديث، بدليل رواية: "لا تصلوا صلاة مكتوبة في يوم مرتين". رواه الدارقطني، والبيهقي، فإنها تدل دلالة واضحة على أن النهي فيما إذا قصد كونهما مكتوبتين. ويؤيده ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه". وفي رواية أحمد: قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر، قال: فدخل رجل من أصحابه، فقال له النبي ﷺ : "ما حبسك يا فلان عن الصلاة؟ " قال: فذكر شيئًا اعتلّ به، قال: فقام يصلي، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ "، قال: فقام رجل من القوم، فصلى معه (١). وأخرج البيهقي بسنده عن الحسن مرسلًا في هذا الحديث، قال: فقام أبو بكر ﵁، فصلى معه، وقد كان صلى مع رسول الله ﷺ . انتهى (٢).

стр. 6626

قال الجامع: فهذا نص صريح في مشروعية إعادة من صلى جماعة، فإن ذلك الرجل كان قد صلى مع رسول الله ﷺ جماعة، ولكن لما حث النبي ﷺ على التصدق على من فاتته الجماعة، أعاد تلك الصلاة، وصلاها مرتين، ومعلوم أن صلاته الأولى فريضة، والثانية نافلة، فدل على أن النهي لمن صلى صلاة مرتين على أنهما فريضتان. وأما جمع المصنف يحمل حديث الباب على خصوص من صلى مع الإِمام في المسجد جماعة، فمما لا دليل عليه. والحاصل أن الراجح حمل حديث الباب على من أعاد الصلاة بنية الفريضة، وأما من أعادها تطوعًا لإحراز فضيلة الجماعة، فليس داخلاً في النهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6627

٥٧ - السَّعْيُ إِلَى الصَّلَاةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن السعي إلى الصلاة. والمراد بالسعي هنا العَدْوُ. قال العلامة ابن منظور ﵀: والسَّعْيُ: عَدْوٌ دون الشَّدِّ. سَعى يَسْعَى سَعيًا. والحديث: "إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها، وأنتم تسعون، ولكن ائتوها، وعليكم السكينة، مما أدركتم، فصلوا، وما فاتكم، فأتموا". فالسعي هنا: العَدْوُ. سعى: إذا عدا، وسعى: إذا مَشَى، وسَعى: إذا عَمِلَ، وسَعى: إذا قصد، وإذا كان بمعنى المُضِيّ عُدِّيَ بإلى، وإذا كان بمعنى العمل عُدِّيَ باللام، والسعي: القصد، وبذلك فسر قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وليس من السعي الذي هو العَدْوُ. وقرأ ابن مسعود: "فامضوا إلى ذكر الله"، وقال: لو كانت من السعي لسعيت حتى يسقط ردائي. قال الزجاج: السعي، والذهاب بمعنى واحدٍ؛ لأنك تقول للرجل: هو يسعى في الأرض، وليس هذا باشتداد. وقال الزجاج: أصل السعي في كلام العرب: التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، معناه إلا ما عمل، ومعنى قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فاقصدوا. انتهى (١).

стр. 6628

٨٦١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسْوَر بن مَخْرَمَةَ الزهري البصري، صدوق، مات سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة، الإِمام الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرجه له الجماعة. تقدم في ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدني، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، مات سنة ٩٤، من كبار [٢]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٩/ ٩.

стр. 6629

٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبصري، وسفيان فكوفي، ثم مكي. ومنها: أنه من أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن سعيد. ومنها: أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة من التابعين. ومنها: أن أبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ٥٣٧٤ حديثًا. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. تنبيه: اختلف في إسناد حديث أبي هريرة ﵁ هذا: فأخرجه البخاري عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة … قال: وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الحافظ: قوله: وعن الزهري. أي بالإسناد الذي قبله، وهو

стр. 6630

آدم، عن ابن أبي ذئب، عنه، أي إن ابن أبي ذئب حدث به، عن الزهري، عن شيخين، حدثاه به، عن أبي هريرة، وقد جمعهما البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] عن آدم، فقال فيه: عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة. وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عنهما. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عنده عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما. وأما الترمذي، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. ثم أخرجه من طريق ابن عيينة، عن الزهري، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما. وقد أخرجه البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] من طريق شعيب، ومسلمٌ من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. فترجح ما قال الدارقطني. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم.

стр. 6631

شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: إذا أتيتم الصلاة) أي خرجتم إليها، وأردتم حضورها، وليس الراد ظاهره؛ لأنه لا يناسب قوله: "فلا تأتوها، وأنتم تسعون". قاله السندي رحمه الله تعالى. ووقع عند أحمد من رواية همام، عن أبي هريرة ﵁: "إذا نودي بالصلاة" … قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: يحتمل أن يراد بالنداء الأذان، ويحتمل أن يراد به الإقامة، ويدل للاحتمال الثاني قوله في رواية أخرى في الصحيح: "إذا أقيمت الصلاة" … وسواء فسرناه بالأذان أو الإقامة فليس هذا القيد معتبرًا في الحكم، فلو قصد الصلاة قبل الإقامة كره له الإسراع أيضًا، بل هو أولى بالكراهة؛ لأنه بعد الإقامة يخاف فوت بعض الصلاة، وقبلها لا يخاف ذلك، فإذا نهي عن الإسراع مع خوف فوات بعض الصلاة، فمع عدم الخوف أولى، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو من مفهوم الموافقة، وقد صرح بذلك النووي، فقال في "شرح مسلم": إنما ذكر الإقامة لينبه بها على ما سواها؛ لأنه إذا نهي عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكد ذلك ببيان العلة، فقال ﷺ : "فإن أحدكم إذ كان يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة". قال: وهذا

стр. 6632

يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدًا آخر، فقال: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". فحصل به تنبيه وتأكيد، لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي، وإذ فات من الصلاة ما فات. انتهى. وهو حسن. وقال والدي -يعني الحافظ العراقي- في "شرح الترمذي" بعد حكايته: ويحتمل أن هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنه إنما يفعل ذلك من خاف الفوت، فأما من بادر في أول الوقت، فلا يفعل ذلك، لوثوقه بإدراك أول الصلاة. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الوصية بالسكينة، إنما هي لمن غفل عن المشي إلى المسجد حتى سمع الإقامة، أو لمن كان له عذر، وكلاهما سواء في النهي عن الإسراع. انتهى. ومقتضى هذه العبارة، أنه فهم أن مفهوم الشرط هنا معتبر، وأنه من مفهوم المخالفة، فلا ينهى عن الإسراع مَن قَصَدَ الصلاةَ قبل الإقامة، وهذا مردود يُنفَرُ عن القول به ببادىء الرأي وآخره، إلا أن يقال: إنما خص النهي عن الإسراع بما بعد الإقامة؛ لأنه يدخل في الصلاة مُنبَهِرًا، فيمنعه ذلك عن الخشوع، وإقامة الأركان على وجهها، وأما إذا كان قبل الإقامة، فإنه إذا وصل إلى المسجد لا يدخل في الصلاة بمجرد دخوله؛ لأن الصلاة لم تُقَمْ، فيستريح، ويذهب عنه ما به من البهر والتعب قبل الإقامة، وفي هذا نظر؛ لأن الصلاة

стр. 6633

وإن كانت لم تُقَمْ، فقد تقام بمجرد وصوله إلى المسجد، فيقع في المحذور، ثم إن هذا المعنى ليس هو المعتبر في الحديث على ما سيأتي بيانه، وقد ظهر بذلك أنه وقع التردد في أن هذا من مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو لا مفهوم له، والأول هو الراجح. والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (١). (فلا تأتوها وأنتم تسعون) الجملة الاسمية في محل نصب على الحال من الفاعل. والمراد من السعي: الإسراع البليغ، وقد يطلق على مطلق المشي، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]. فلا تنافي بين الآية والحديث في الذهاب إلى الجمعة (وأتوها وأنتم تمشون) الجملة الاسمية كسابقتها. قال السندي ﵀: المشي وإن كان يعم السعي، لكن التقييد بقوله: "وعليكم السكينة" خصه بغيره، ولولا التقييد صريحًا لكفى المقابلة في إفادته. انتهى (٢). وإنما أتى بجملة: "وأتوها … " إلخ بعد قوله: "فلا تأتوها … " إلخ تأكيدًا. (وعليكم السكينةُ) كذا في رواية البخاري عند غير أبي ذر، ورواية مسلم أيضًا، وضبطها القرطبي شارح مسلم بالنصب على الإغراء، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال. ووقع في رواية أبي ذرّ للبخاري: "وعليكم بالسكينة" بزيادة

стр. 6634

الباء. قال في "الفتح": واستشكل بعضهم دخول الباء، قال: لأنه متعد بنفسه، كقوله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفيه نظر، لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث: "عليكم برخصة الله"، وحديث: "فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، وحديث: "فعليك بالمرأة"، قاله لأبي طلحة في قصة صفية وحديث: "عليك بعيبتك"، قالته عائشة لعمر، وحديث: "عليكم بقيام الليل"، وحديث: "عليك بخويصة نفسك". وغير ذلك. ثم إن الذي علل به هذا المعترض غير موف بمقصوده، إذ لا يلزم من كونه يجوز أن يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء، وإذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لغتين والله أعلم. انتهى (١) وقد اعترض العيني على كلامه الأخير بما فيه تعنت (٢).

стр. 6635

قال ولي الدين ﵀: والسكينة: هي الوقار، كما فسره أئمة اللغة، لكن في بعض طرقه في "صحيح البخاري": "وعليكم السكينة والوقار"، فقال القاضي عياض في "المشارق": كرر فيه الوقار للتأكيد، وكذا قال أبو العباس القرطبي: السكينة والوقار اسمان لمسمى واحد؛ لأن السكينة من السكون، والوقار من الاستقرار والتثاقل، وهما بمعنى واحد. وأنكر الحافظ العراقي قوله: إن الوقار من الاستقرار؛ لأن الوقار معتل الفاء، وهذا واضح، وقال في "الصحاح": الوقار: الحلم والرزانة. وقال النووي: الظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغض البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه من غير التفات، ونحو ذلك. انتهى (١). (فما أدركتم، فصلوا) قال الكرماني ﵀: الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتم فصلوا (وما فاتكم فاقضوا) هكذا رواه ابن عيينة، عن الزهري بلفظ: "فاقضوا"، ورواه الأكثرون عنه بلفظ: "فأتموا". قال في "الفتح": هذا هو الصحيح في رواية الزهري، وحكم مسلم في كتابه "التمييز" على ابن عيينة بالوَهَم، مع أنه أخرج إسناده في صحيحه، لكن لم يسق لفظه. وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق بلفظ: "فأتموا".

стр. 6636

واختلف أيضا في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور: "فأتموا"، ووقع لمعاوية بن هشام، عن سفيان: "فاقضوا"، كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه. وأخرج مسلم إسناده في "صحيحه"، عن ابن أبي شيبة، فلم يسق لفظه أيضًا. وروى أبو داود مثله عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: ووقعت في رواية أبي رافع، عن أبي هريرة. واختلف في حديث أبي ذرّ، قال: وكذا قال ابن سيرين، عن أبي هريرة: "وليقض". قال الحافظ: ورواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: "صل ما أدركت، واقض ما سبقك". والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ: "فأتموا" وأقلها بلفظ: "فاقضوا". وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحداً، واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك؛ لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبًا، لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]. ويرد بمعان أخَر، فيُحْمَلُ قوله: "فاقضوا" على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغاير قوله: "فأتموا" فلا حجة فيه لمن تمسك برواية "فاقضوا" على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخريين، وقراءة السورة، وترك القنوت، بل هو أولها،

стр. 6637

وإن كان آخر صلاة إمامه؛ لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإِمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد. وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد -ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضًا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى. انتهى ما في "الفتح" (١). وسيأتي تمام البحث على هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا ٥٧/ ٨٦١، وفي "الكبرى" ٥٧/ ٩٣٤ بالإسناد المذكور. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أحمد ٢/ ٥٣٢، والبخاري ١/ ٦٤ و٢/ ٩، وفي "جزء

стр. 6638

القراءة" ١٦٩ و١٧٠ و١٧١ و١٧٢ و١٧٦ و١٧٧ و١٧٨، ومسلم ٢/ ٩٩ و٢/ ١٠٠، وأبو داود ٢/ ٥٧٢ و٥٧٣، والترمذي رقم ٣٢٧ و٣٢٨ و٣٢٩، وابن ماجه رقم ٧٧٥، وأحمد جـ ٢/ ٢٥٣ و٣٢٨ و٢٧٠ و٢٣٩ و٤٥٢ و٣٨٢ و٣٨٧ و٤٧٢، والحميدي رقم ٩٣٥، والدارمي ١٢٨٦، وابن خزيمة ١٥٠٥، ١٧٧٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: اختلف في إسناد حديث أبي هريرة ﵁ هذا: فأخرجه البخاري، عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة … قال: وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … قال الحافظ: قوله: وعن الزهري. أي بالإسناد الذي قبله، وهو آدم، عن ابن أبي ذئب، عنه، أي إن ابن أبي ذئب حدث به، عن الزهري، عن شيخين، حدثاه له، عن أبي هريرة، وقد جمعهما البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] عن آدم، فقال فيه: عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري عنهما. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عنده عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما.

стр. 6639

وأما الترمذي، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. ثم أخرجه عن طريق ابن عيينة، عن الزهري، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما. وقد أخرجه البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] من طريق شعيب، ومسلمٌ من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. فترجح ما قال الدارقطني. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: يستفاد من هذا الحديث: النهي عن الإسراع في إتيان الصلاة، وهو الذي أراده المصنف ﵀ هنا، حيث ترجم بقوله [السعي إلى الصلاة] فينبغي لمن أتى إلى الصلاة أن يأتيها بتؤدة ووقار. قال الحافظ ولي الدين ﵀: وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الجمعة وغيرها، ولا بين أن يخاف فوت تكبيرة الإحرام، أو فوت ركعة، أو فوت الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك، وبهذا قال

стр. 6640

جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، والزبير بن العوام، وأبي ذرّ، وعلي بن الحسين، ومجاهد، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. وروى ابن أبي شيبة الهرولة إلى الصلاة عن ابن عمر، والأسود، وسعيد بن جبير، وعن إبراهيم النخعي، قال: رأيت عبد الرحمن بن يزيد مسارعًا إلى الصلاة، ومن ابن عمر أنه سمع الإقامة بالبقيع، فأسرع المشي. وعن ابن مسعود أنه قال: أحق ما سعينا إلى الصلاة. وقال الترمذي في "جامعه": اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد، فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذكر بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة، ومنهم من كره الإسراع، واختار أن يمشي على تؤدة ووقار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع في المشي. انتهى. وقال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي" بعد نقل ما تقدم عن مصنف ابن أبي شيبة. والظاهر أن من أطلق الإسراع عن ابن عمر وغيره، إنما هو عند خوف تكبيرة الإحرام كما قيده الترمذي، فقد روى ابن أبي شيبة من رواية محمد بن زيد بن خليدة، قال: كنت أمشي مع ابن عمر إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت أن لا يسبقها.

стр. 6641

وحُكي عن ابن مسعود أيضا الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، وحُكي عن مالك أنه إذا خاف فوت الركعة أسرع، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، قاله القاضي عياض، وتبعه صاحب "المفهم"، وتأوله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشي؛ لأنه لا ينهز كما ينهز الماشي. وحكي أيضًا عن إسحاق أنه يسرع إذا خاف فوت الركعة، وهو مخالف لما حكاه الترمذي عن إسحاق من تعليق الإسراع بخوف فوات التكبيرة الأولى، ولعله يقول بالإسراع في الموضعين. والله أعلم. انتهى. وقال أبو إسحاق المروزي عن الشافعية بالإسراع إذا خاف فوت تكبيرة الإحرام. وقال ابن بطال بعد نقله عن ابن عمر أنه سمع الإقامة، فأسرع المشي، وهذا يدل على ما روي عنه أنه لا يسرع المشي إلى الصلاة أنه جعل معنى قوله: "وعليكم بالسكينة" على ما إذا لم يخش فوت الصلاة، وكان في سعة من وقتها، قال: وقوله: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة"، يرد فعل ابن عمر، ويبين أن الحديث على العموم، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة كما تلزم عن كان في سعة من الوقت. انتهى. وأما الجمعة، فلا نعلم أحدًا قال بالإسراع لها دون غيرها من الصلوات، وأما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا

стр. 6642

إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فإن المراد بالسعي فيه مطلق المضي، أو القصد. وقال عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي: السعي: العمل، وبوب البخاري علي هذا الحديث: "باب المشي إلى الجمعة"، وقول الله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومن قال: السعي: العمل والذهاب، لقول الله تعالى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] انتهى (١). وقال الحافظ أبو بكر ابن المنذر ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم من الخلاف: ما نصه: يمشي المرء إذا خرج إلى الصلاة على عادته التي يمشي في سائر الأوقات، وأغفل عن قال: يسعى إذا خاف فوات التكبيرة الأولى، جائز (٢) أن يسعى إذا خاف فوات الركوع، والخروج عن ظاهر خبر رسول الله ﷺ غير جائز انتهى (٣). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ بعد ذكر الخلاف أيضًا ما نصه: معلوم أن النبي ﷺ إنما زجر عن السعي من خاف الفوت: "إذا أقيمت الصلاة"؛ و"إذا ثوب بالصلاة"؛ وقال: "فما أدركتم فصلوا"، فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها؛ ومن لم يخف بالوقار والسكينة، وترك السعي، وتقرير الخطأ، لأمر النبي ﷺ بذلك، وهو الحجة ﷺ . انتهى (٤).

стр. 6643

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هذان الإمامان: أبو بكر ابن المنذر، وأبو عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى من أن الخروج عن ظاهر خبر رسول الله ﷺ غير جائز، وأنه ﷺ هو الحجة دون غيره تحقيق حقيق بالقبول، وما عداه من الأقوال لا يَلتَفتُ إليه من حقق المنقول، ويُعتذر عمن خالفوه بأنه لم يصل إليهم النهي، أو وصل إليهم ولكن تأولوه، وما قصدوا مخالفته، فحاشاهم أن يُظَنَّ بهم ذلك، فالقوم أهل اتباع، لا أهل ابتداع، فرضي الله تعالى عنهم جميعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: المعنى في نهي قاصد الصلاة عن الإسراع، وأمره بالمشي بسكينة أمور: أحدها: قوله ﷺ في رواية مسلم: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة"، فأشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب الصلاة، من ترك العجلة، والخشوع، وسكون الأعضاء، ومن هذا أمره ﷺ مَن خرج إلى المسجد أن لا يشبك بين أصابعه، وعلل ذلك بكونه في صلاة، وحَكَى النوويُّ هذا المعنى عن العلماء. الثاني: تكثير الخطأ، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنت أمشي مع زيد بن ثابت، فقارب الخطا، فقال: أتدري لم مشيت بك هذه المِشْيَة؟ فقلت: لا، فقال: لتكثر خُطانا في المشي إلى الصلاة، وقد روي هذا مرفوعًا من

стр. 6644

حديث زيد بن ثابت، ومن حديث أنس ﵄. الثالث: ذكر المهلب أن المعنى في ذلك أن لا يبهر الإنسان نفسه، فلا يتمكن من ترتيل القرآن، ولا من الوقار اللازم له في الخشوع. انتهى. وذكره القاضي عياض أيضًا. وقال الحافظ العراقي: ينبني على المعنيين، أي الأولين عود المصلي من المسجد إلى بيته، فإن عللنا بالمعنى الأول، فقد زال في رجوعه إلى بيته كونه في صلاة، وإن عللنا بالمعنى الثاني، فيستحب أيضًا المشي، ومقاربة الخطا، لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا". وإسناده جيد. قال ولي الدين: وإن عللنا بالمعنى الثالث، فلا يثبت هذا الحكم في الرجوع، كما قلنا على المعنى الأول. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: تعليله بالمعنى الثاني أولى، لحديث عبد الله بن عمرو المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: قال الحافظ ولي الدين ﵀: هذا الحديث ناسخ لما روي أن الصحابة ﵃ كانوا إذا سبقوا ببعض الصلاة صلوا ما فاتهم منفردين، تم دخلوا مع الإِمام فصلوا معه بقية

стр. 6645

الصلاة، كما رواه أبو داود في أبواب الأذان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا، قال: كان الرجل إذا جاء يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله ﷺ من بين قائم، وراكع، وقاعد، ومصل مع رسول الله ﷺ ، فجاء معاذ، فأشاروا إليه، فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فقال: "إن معاذًا قد سن لكم، كذلك فافعلوا". ورواه الطبراني في "معجمه" من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، وهي لفظ: فقال: "قد سن لكم معاذ، فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم، وقد سُبق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإِمام بصلاته، فإذا فرغ الإِمام، فليقض ما سبقه به". قال المزني: قوله: "إن معاذاً قد سن لكم" يحتمل أن يكون النبي ﷺ أُمِرَ أن تُسن هذه السنة، فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك أن بالناس حاجة إلى رسول الله ﷺ في كل ما يسن، وليس بهم حاجة إلى غيره. انتهى. ويحتمل أن يقال: لا نسخ في هذه القضية، ولكن الأمران جائزان، أعني متابعة الإِمام فيما هو فيه، ثم استدراك ما بقي بعد سلامه، والدخول في الصلاة منفردًا، ثم الاقتداء بالإمام في أثناء الصلاة، وكان الصحابة ﵃ يفعلون أحد الأمرين، فلما فعل معاذ الأمر الآخر استحسنه النبي ﷺ ، ورجحه على الأمر الأول،

стр. 6646

لا أنه حتمه، وصيره ناسخًا بحيث إنه امتنع فعل الأمر الآخر. والله أعلم انتهى (١). المسألة الثامنة: استُدلَّ بهذا الحديث على إدراك الجماعة بجزء من الصلاة وإن قلّ؛ لأنه ﷺ قال: "فما أدركتم، فصلوا". ولم يفصل بين القليل والكثير، وبهذا قال الجمهور، قال ابن حزم: وهذا خبر زائد على الخبر الذي فيه: "من أدرك من الصلاة مع الإِمام ركعة، فقد أدرك الصلاة". قال: وروينا عن ابن مسعود أنه أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال: أدركتم إن شاء الله وعن شقيق بن سلمة: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة. وعن الحسن، قال: إذا أدركهم سجودًا سجد معهم. وعن ابن جريج: قلت لعطاء: إن سمع الإقامة والأذان، وهو يصلي المكتوبة، أيقطع صلاته، ويأتي الجماعة؟ قال: إن ظن أنه يدرك من المكتوبة شيئاً، فنعم، وذهب الغزالي من الشافعية إلى أن الجماعة لا تدرك بأقل من ركعة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة لإدراك جزء من الصلاة، لقوله: "فما أدركتم، فصلوا"، ولم يفصل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك

стр. 6647

الجماعة بأقل من ركعة؛ لحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك"، وقياسًا على الجمعة، وأجيب عنه لأنه ورد في الأوقات، وأن في الجمعة حديثًا خاصًا بها. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة وإن قل هو الحق، لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: قال الحافظ ولي الدين ﵀: استدل ابن حزم ﵀ بهذا الحديث على أنه إذا وجد الإِمام جالسًا في آخر الصلاة قبل أن يسلم، وجب عليه أن يدخل معه، سواء طمع بإدراك الصلاة عن أولها في مسجد آخر، أم لا، فحمل الأمر في قوله ﷺ : "فما أدركتم فصلوا"، على الوجوب على عادته، ثم ذكر آثارًا عن السلف بالأمر بصلاة ما أدركه، يمكن حملها على الاستحباب كما حمل الجمهور الأمر في هذا الحديث على ذلك. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من أهل المدينة، عن النبي ﷺ أنه سمع خفق نعلي، وهو ساجد، فلما فرغ من صلاته، قال: "من هذا الذي سمعت خفق نعله؟ " قال: أنا يا رسول الله، قال: "فما صنعت؟ "، قال: وجدتك ساجدًا، فسجدت، قال: "هكذا فاصنعوا، ولا تعتدوا بها، من وجدني راكعًا، أو قائمًا، أو ساجدًا، فليكن معي على حالتي

стр. 6648

التي أنا عليها". انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ما قاله ابن حزم من وجوب المتابعة هو الأقرب إلى الصواب، لأن الأمر للوجوب على الراجح عند الأصوليين، إلا إذا وجد له صارف، ولم يَذْكُر الجمهور دليلاً صارفًا عن الوجوب، فكيف يحمل على الاستحباب؟ فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة العاشرة: قال الحافظ ولي الدين ﵀: استدل بقوله ﷺ : "وما فاتكم، فأتموا" على أن ما أدركه المسبوق مع الإِمام هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإِمام هو آخر صلاته، وهو مذهب الشافعي، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وحكاه ابن المنذر عن هؤلاء، خلا سعيد بن جبير، وقال: إنه لا يثبت عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وحكاه أيضًا عن مكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه، والمزني، قال ابن المنذر: وبه أقول. ورواه البيهقي عن ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وأبي قلابة، وهو منصوص مالك في "المدونة"، فإنه قال فيها: إن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة. قال ابن بطال: ورواه ابن نافع عن مالك. وقال سحنون في

стр. 6649

"العتبية": هو الذي لم نعرف خلافه، وهو قول مالك، أخبرني به غير واحد. وحكاه ابن بطال عن أحمد بن حنبل، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء والسلف، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإِمام هو آخر صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإِمام هو أول صلاته، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن مسعود، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وأبي قلابة، وعمرو بن دينار، والشعبي، وابن سيرين، وعُبيد بن عُمَير، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وسفيان الثوري، والشافعى، وأحمد. فأما مالك فهو المشهور في مذهبه، كما قال القاضي عبد الوهاب. قال ابن بطال: وهو قول أشهب، وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، وقال: الذي يقضي هو أولها؛ لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه، فتكونَ له أولى، وللإمام ثانيةً، أو ثالثة. انتهى. وأما الشافعي، فليس هذا مذهبه، وما رأيت أحدًا حكاه عنه، إلا أن النووي حكاه في "الروضة"، قال: إنه حكي عنه قول غريب أنه يجهر. وأما أحمد، فكذلك حكاه عنه الخطابي أيضًا، وهو خلاف ما حكاه عنه ابن بطال، كما تقدم. واستدل هؤلاء بقوله في الرواية الأخرى: "وما فاتكم فاقضوا"،

стр. 6650

فلما استعمل لفظ القضاء في المأتي به بعد سلام الإِمام، دل على أنه مؤخر عن محله، وأنه أول الصلاة، لكنه يقضيه. وأجاب الجمهور عنه بجوابين: أحدهما: تضعيف هذه اللفظة، كما تقدم عن غير واحد. قال الجامع عفا الله عنه: لكن الأصح صحتها. فتبصر. والله تعالى أعلم. الثاني: أن قوله: "اقضوا" بمعنى أتموا، والعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقالوا: قضى فلان حق فلان، فيحمل القضاء في هذا الحديث على هذا المعنى جمعًا بين الروايتين. وفي المسألة مذهب ثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، وهي رواية عن مالك، ويوافقه ما نص عليه الشافعي ﵀ من أنه لو أدرك ركعتين من رباعية، ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الركعتين، واختلف أصحابه في هذا، فقال بعضهم: هو تفريع على قوله: يستحب قراءة السورة في جميع الركعات، وقال بعضهم: هو تفريع على القولين معاً، لئلا تخلو صلاته عن السورة، وصححه النووي، ويوافقه ما رواه البيهقي عن

стр. 6651

علي بن أبي طالب أنه قال: ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. انتهى المقصود من كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بأن ما يقضيه المسبوق أول صلاته هو الأرجح، لظهور دليله؛ لأن "ما" في قوله: "وما فاتكم" للعموم، فكل ما فات المسبوق من الأفعال والأقوال يجب عليه الإتيان به، لعموم هذا النص، والذي وجب عليه الإتيان به هو الذي فاته، وما فاته إلا أول صلاته، فإذا أتى به فقد قضاه، وما في رواية الأكثرين من لفظ: "فأتموا" لا ينافي هذا المعنى، إذ لولا إتيانه بما فاته من أول صلاته لما حصل الإتمام، فإن الذي أدركه مع الإِمام ناقص لا يتم حتى يقضي ما فاته، فإذا قضاه فقد أتم نقصة، ولا يستلزم ذلك أن يكون ما يقضيه أخيرًا. والحاصل أنه يجب عليه الإتيان بما سُبِقَ به من قراءة الفاتحة، والسورة، وسائر الأفعال التي فاتته مع الإمام، وإذا كانت الصلاة جهرية جهر فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في إدراك الركعة بإدراك الركوع: ذهب الجمهور إلى أن عن أدرك الإِمام راكعًا تحتسب له تلك الركعة، على تفصيل في حد إدراك الركوع عندهم.

стр. 6652

وذهب بعض أهل العلم إلى أن من أدرك الإِمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة، وهو قول أبي هريرة ﵁، وجماعة، بل حكاه البخاري في "جزء القراءة خلف الإِمام" عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، واختاره ابن خزيمة والصبغي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين. قاله في "الفتح" (١). وقال العلامة الشوكاني ﵀ عند البحث عن وجوب قراءة الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة: ما نصه: ومن هاهنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإِمام راكعًا دخل معه، واعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئًا من القراءة. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁: "من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة، فليضعف إليها ركعة أخرى". رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك، وأخرجه الدارقطني بلفظ: "إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجماعة، فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى". ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر، وسليمان متروك، وصالح ضعيف. على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة

стр. 6653

بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدلّ على خلاف المدّعى؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز، لا يصار إليه إلا لقرينة، كما وقع عند مسلم من حديث البراء ﵁ بلفظ: "فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله، فسجدته" … فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام، والاعتدال، والسجود، قرينة تدلّ على أن المراد بها الركوع. وقد ورد حديث: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة" بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن: "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها". وكذا قال الدراقطني، والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها قبل أن يقيم الإِمام صلبه". وليس في ذلك دليل لمطلوبهم، لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها، وأركانها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة، وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. فإِن قلت: فأيّ فائدة على هذا في التقييد بقوله: "قبل أن يقيم صلبه"؟. قلت: دفع توهم أن من دخل مع الإِمام، ثم قرأ الفاتحة، وركع الإِمام قبل فراغه منها غير مدرك.

стр. 6654

إذا تقرر لك هذا، علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية، لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية، وأدلة وجوب الفاتحة. وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الصّبغي. روى ذلك ابن سيد الناس في "شرح الترمذي"، وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "من أدرك الإِمام في الركوع، فليركع معه، وليُعِدِ الركعة". وقد رواه البخاري في "القراءة خلف الإِمام" من حديث أبي هريرة أنه قال: "إن أدركت القوم ركوعًا لم تعتدّ بتلك الركعة". قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا، وأما المرفوع فلا أصل له. وقال الرافعي تبعاً للإمام: إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج له. وقد حكى هذا المذهب البخاري في "القراءة خلف الإِمام" عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، وحكاه في "الفتح" عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي، وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة، وأحطتها في جميع بحثي فقهًا وحديثًا، فلم أحصل منها على غير ما ذكرت -يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط-.

стр. 6655

قال العراقي في "شرح الترمذي" بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتدّ بالركعة من لا يدرك الفاتحة، ما لفظه: وهو الذي نختاره. اهـ. والعجب ممن يدعي الإجماع، والمخالفُ مثل هؤلاء. وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة ﵁، حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة، فقال ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تَعُد" ولم يؤمر بإعادة الركعة، فليس فيها ما يدلّ على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتدّ بها، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن الكون مع الإِمام مأمور له، سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدًا به، أم لا، كما في حديث: "إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا". أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي ﷺ قد نهى أبا بكرة عن العودة إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح. وقد أجاب ابن حزم في "المُحَلَّى" عن حديث أبي بكرة، فقال: إنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة. ثم استدلّ على ما ذهب إليه من أنه لابد في الاعتداد بالركعة عن إدراك القيام والقراءة بحديث: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة، والركن، والذكر المفروض؛ لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به. قال: فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإِمام وإتمامه، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر،
следующие страницы →