← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". قيل: يا سول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: "ولا ركعتي الفجر". وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو متكلم فيه، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به في صحيحه. القول الرابع: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه، وبين أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإِمام، أو لا. وهو قول مالك، فقال: إذا كان قد دخل المسجد، فليدخل مع الإِمام، ولا يركعهما -يعني ركعتي الفجر- وإن لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإِمام بركعة، فليركع خارج المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإِمام، فليدخل وليصلّ معه. القول الخامس: أنه إن خشي فوت الركعتين معًا، وأنه لا يدرك الإِمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما -يعني ركعتي الفجر- خارج السجد، ثم يدخل مع الإِمام. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، كما حكاه ابن عبد البر، وحكي عنه أيضًا نحو قول مالك، وهو الذي حكاه الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه. وحكى النووي عنه مثل قولى الأوزاعي الآتي ذكره. القول السادس: أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت الركعة الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وحكاه النووي عن أبي حنيفة،

стр. 6722

وأصحابه. القول السابع: يركعهما في المسجد وغيره، إلا أن يخاف فوت الركعة الأولى، وهو قول سفيان الثوري، حكى ذلك عنه ابن عبد البر، وهو مخالف لما رواه الترمذي عنه. القول الثامن: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإِمام، إذا كان الوقت واسعًا. قاله ابن الجلاب من المالكية. القول التاسع: أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن فعل فقد عصى، وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعي، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابي. وحكي الكراهة عن الشافعي، وأحمد. وحكى القرطبي في المفهم عن أبي هريرة ﵁، وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة. قال العلامة الشوكاني ﵀: وهذا القول هو الظاهر، إن كان المراد بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف. قال العراقي ﵀: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث. والأحاديث المذكورة في شرح الحديث الذي بعد هذا -يعني حديث عبد الله بن بحينة الآتي- تدل على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة

стр. 6723

الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقي، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذن قبل الشروع في الصلاة، وإذا كان المراد المعنى الأول، فهل المراد به الفراغ من الإقامة؛ لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة، أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقي: يحتمل أن يراد كل من الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون لإدراك التحريم مع الإِمام. ومما يدل على ذلك، قوله في حديث أبي موسى ﵁ عند الطبراني: إن النبي ﷺ رأى رجلاً صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم، قال العراقي: وإسناده جيد. ومثله حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود الطيالسي، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي الله ﷺ ، وقال: "أتصلي الصبح أربعًا؟ " ورواه أيضًا البيهقي، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال: إنه على شرط الشيخين، والطبراني (١). قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة، لظهور أدلته، كما استظهرهُ الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ﵀ بعد ذكر المذاهب وأدلتها، ما نصه: هذا القول -يعني القول بكراهة

стр. 6724

صلاة ركعتي الفجر- أصح؛ لأن فيه حديثًا مسندًا يجب الوقوف عنده، والردّ إليه فيما يتنازع العلماء فيه، إذ لم يكن له في الكتاب ذكر، ولا جاء عن النبي ﷺ ما يعارضه. ثم أخرج بسنده حديث أبي هريرة ﵁: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٦٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ". رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فروة الهاشمي، يعرف بابن الكردي، أبو الحسين البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٧، من [١٠]، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي. تقدم في ٣٩/ ٥٨٣. ٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر البصري، المعروف ببندار، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة. تقدم في

стр. 6725

٢٤/ ٢٧. ٣ - (محمد) بن جعفر، البصري المعروف بغُندر، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة ١٩٣، من [٩]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٢١/ ٢٢. ٤ - (شعبة) بن الحجاج، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٥ - (ورقاء بن عمر) بن كليب، اليشكري ويقال الشيباني، أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن يقال: أصله من مرو، صدوق، في حديثه عن منصور لين، من [٧] (١). قال أبو داود الطيالسي: قال لي شعبة: عليك بورقاء، إنك لا تلقى بعده مثله حتى يرجع. قال محمود بن غيلان: قلت لأبي داود: أيّ شيء عَنَى بذلك؟ قال: أفضل، وأورع، وخير منه. وقال أبو داود السجستاني عن أحمد: ثقة، صاحب سنة، قيل له: كان مرجئًا؟ قال: لا أدري. وقال حنبل عن أحمد: ورقاء من أهل خراسان، قال: وقال حجاج: كان يقول لي: كيف هذا الحرف عندك؟ فأقول له: كذا وكذا، قال: أبو عبد الله: وهو يتصف في غير حرف، وكأنه ضعفه في التفسير. وقال حرب: قلت لأحمد: ورقاء أحب إليك في

стр. 6726

تفسير ابن أبي نجيح، أو شبل؟ (١) قال: كلاهما ثقة، وورقاء أوثقهما، إلا أنهم يقولون: لم يسمع التفسير كله، يقولون: بعضه عرض. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: قال معاذ: قال ورقاء: كتاب التفسير قرأت نصفه على ابن أبي نجيح، وقرأ عليّ نصفه. وقال الدوري: قلت لابن معين: أيما أحب إليك، تفسير ورقاء، أو تفسير شيبان، وسعيدٍ عن قتادة؟ قال: تفسير ورقاء؛ لأنه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قلت: فأيما أحب إليك، تفسير ورقاء، أو ابن جريج؟ قال: ورقاء؛ لأن ابن جريج لم يسمع عن مجاهد إلا حرفًا واحداً. وقال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ورقاء ثقة. وقال إسحاق ابن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال الغَلَابي عن ابن معين: ورقاء وشيبان ثقتان.، قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول ليحيى القطان: سمعتَ حديث منصور؟ قال: نعم، فقال: ممن؟ قال: من ورقاء، قال: لا يساوي شيئًا. وقال إبراهيم الحربي: لما قرأ وكيع التفسير قال للناس: خذوه، فليس فيه عن الكلبي، ولا عن ورقاء شيء. وقال شبابة: قال لي شعبة: اكتب أحاديث ورقاء، عن أبي الزناد. وقال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ ذكر ورقاء، فأحسن الثناء، ورضيه، وحدثنا عنه.

стр. 6727

وقال الآجري: سألت أبا داود، عن ورقاء، وشبل في ابن أبي نجيح؟ فقال: ورقاء صاحب سنة، إلا أن فيه إرجاء، وشبل قَدَري. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة: ورقاء أحب إليك في أبي الزناد، أو شعيبٌ، أو مغيرةُ، أو ابن أبي الزناد؟ فقال: ورقاء أحب إلى منهم. وقال أبو حاتم: كان شعبة يثني عليه، وكان صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يحيى بن أبي طالب: أنا أبو المنذر إسماعيل بن عمر، قال: دخلنا على ورقاء، وهو في الموت، فجعل يهلل ويكبر، وجعل الناس يسلمون عليه، فقال لابنه: يا بني، اكفني رد السلام على هؤلاء، لئلا يشغلوني عن ربي، وقال العقيلي: تكلموا في حديثه عن منصور. وقال ابن عدي: روى أحاديث غلط في أسانيدها، وباقي حديثه لا بأس به. وقال ابن شاهين في الثقات: قال وكيع: ورقاء ثقة. أخرج له الجماعة (١). وأما الباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث والمسائل المتعلقة به، فراجعهما تستفد. وبالله تعالى التوفيق. تنبيه: قال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة".

стр. 6728

نفَيٌ بمعنى النهي، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فلا ينبغي الاشتغال لمن حضر الإقامة إلا بالمكتوبة، ثم النهي متوجه إلى الشروع في غير تلك المكتوبة لمن عليه تلك المكتوبة، وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري، لا اختياري، فلا يشمله النهي، وكذا الشروع خلف الإِمام في النافلة لمن أدّى المكتوبة قبل ذلك، فلا ينافي الحديث ما سبق من الإذن في الشروع في النافلة خلف الإِمام لمن أدى الفرض. والله تعالى أعلم. اهـ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي ﵀ حسن، إلا قوله: "وأما إتمام المشروعة قبل الإقامة فضروري، لا اختياري، فلا يشمله النهي". فإنه غير صحيح؛ لأنه داخل في النهي، بل هو مَورِد النهي، كما سيأتي في الحديث التالي، فإن ذلك الرجل الذي أنكر عليه النبي ﷺ كان يصلي، والمؤذن يقيم، فقد دخل في النهي دخولاً أوّليًا، فلا ينبغي الاشتغال بإتمام ما شرع فيه عند الإقامة، بل يتركه، ويدخل في صلاة الإِمام على ما سبق ترجيحه في المسألة الرابعة من الحديث الماضي. وبالله تعالى التوفيق. تنبيه آخر: قال في "الفتح": واستُدِلَّ بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة" لمن قال بقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة، وبه قال أبو حامد، وغيره من

стр. 6729

الشافعية، وخص آخرون النهي بمن أنشأ النافلة عملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول هو الصواب كما تقدم، وأما الثاني، فليس بشيء، والاستدلال بالآية غير صحيح، إذ هي نهت عن إبطال الأعمال، وهذه الصلاة بطلت بنفسها؛ حيث نفى الشارع صحتها عند الإقامة، بقوله: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، فلا دَخْلَ للمصلي في إبطالها حتى تشمله الآية. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب. تنبيه آخر: استُدِلَّ بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا عند أحمد والطحاوي: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت" على أن المأموم لا يصلي فرضًا، ولا نفلاً خلف من يصلي فرضًا آخر، كالظهر مثلاً خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادة الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض. أفاده في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٨٦٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً يُصَلِّي،

стр. 6730

وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: "أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة. تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري البزاز الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٥، من [٧]. تقدم في ٤١/ ٤٦. ٣ - (سعد بن إِبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني القاضي، ثقة فاضل عابد، مات سنة ١٢٥، وقيل: بعدها، من [٥]. أخرج له الجماعة. تقدم في ١١/ ٥١٨. ٤ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، من [٣] أخرج له الجماعة. قال النسائي: ثقة. وقال هبة الله الطبري: ثقة مجمع عليه، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو زرعة، والعجلي: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. ٥ - (ابن بُحَيْنة) هو عبد الله بن مالك بن القِشْب -واسمه جندب بن نَضْلَة بن عبد الله بن رافع بن محصن بن مبشر بن صعب بن دُهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد، أبو محمد، حليف بني المطلب، المعروف بابن بحينة، وهي أمه. قال ابن سعد: أبوه مالك بن القِشْب، حالف المطلب بن

стр. 6731

عبد مناف، فتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، فولدت له عبد الله، فأسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلاً، يصوم الدهر، ومات ببطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة في عمل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكان ولاية مروان على المدينة من سنة ٥٤ إلى سنة ٥٨. روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه علي، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، والأعرج، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وسُمي في روايةٍ مالك ابن بحينة، له عند أبي داود والترمذي في السهو. واختلف فيه على حفص، ففي رواية شعبة، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، كلهم عن سعد بن إبراهيم، عن حفص ابن عاصم: مالك بن بحينة. وأرخ ابن زبر وفاته سنة ٥٦. وقال النسائي: قول من قال: مالك بن بحينة خطأ، والصواب: عبد الله ابن مالك ابن بحينة. ووقع في رواية لمسلم: "عن ابن بحينة، عن أبيه" قال مسلم: أخطأ القعنبي في ذلك. أخرج له الجماعة (١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فبلخي، وأبا عوانة، فواسطي، وفيه رواية تابعي، عن تابعي؛ سعد بن إبراهيم، عن حفص ابن عاصم. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 6732

شرح الحديث (عن ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك، وبُحينة أمه، كما تقدم قريبًا. ووقع عند البخاري من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلاً من الأزد، يقال له: مالك بن بحينة. قال في الفتح: هكذا يقول شعبة في الصحابي، وتابعه على ذلك أبو عوانة، وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى ابن معين، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود، وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين: أحدهما: أن بحينة والدة عبد الله، لا مالك، وثانيهما: أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك، وهو عبد الله بن مالك بن القشب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقب جندب بن نضلة بن عبد الله. قال ابن سعد: قدم مالك بن القشب مكة -يعني في الجاهلية- فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها عبدة، وبحينة لقب، وأدركت بحينة الإِسلام، فأسلمت، وصحبت، وأسلم ابنها عبد الله قديمًا ولم يذكر أحد مالكًا في الصحابة، إلا بعض من تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له، وكذا أغرب الداودي الشارح، فقال: هذا الاختلاف لا يضر، فأي الرجلين كان فهو صاحب. وحكى ابن عبد البر اختلافًا في بحينة، هل هي أم

стр. 6733

عبد الله، أو أم مالك؟ والصواب أنها أم عبد الله، كما تقدم، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف (١) ويعرب إعراب عبد الله، كما في عبد اللهْ بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، ومحمد بن عليٍّ ابن الحنفية (٢). (قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله ﷺ ) ولفظ البخاري من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً، وقد أقيمت الصلاة، يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس (٣)، فقال له رسول الله ﷺ : "آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ ". ولفظ مسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرفنا أحطنا به، نقول: ماذا قال لك

стр. 6734

رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لي: "يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا". ثم ظاهر رواية شعبة تقتضي أنه ﷺ كلم الرجل بعد الفراغ من الصلاة، بخلاف رواية إبراهيم بن سعد، فإنها تقتضي أنه كلمه، وهو يصلي. ويمكن الجمع بينهما بأنه كلمه أوّلاً سرّاً، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا، فسمعوه. قاله في الفتح (١). (رجلاً يصلي) هو عبد الله الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه، أن النبي ﷺ مر به، وهو يصلي. وفي رواية أخرى له: "خرج، وابن القشب يصلي". ووقع لبعض الرواة هنا "ابن أبي القشب"، وهو خطأ كما بينه في "الإصابة". ووقع نحو هذه القصة أيضًا لابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ ، وقال: "أتصلي الصبح أربعًا؟ ". أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار، والحاكم، وغيرهم، فيحمل على تعدد القصة. (والمؤذن يقيم) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي" (فقال) ﷺ (أتصلي الصبح أربعًا؟) بهمزة الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ. وتقدم في رواية البخاري من طريق شعبة: "آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ ".

стр. 6735

قال في "الفتح": بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكاري، وأعاده تأكيدًا للإنكار، و"الصبح" بالنصب بإضمار فعل تقديره: أتصلي الصبح؟، و"أربعًا" منصوب على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكرماني: على البدلية، قال: ويجوز رفع "الصبح"، أي الصبحُ تُصَلَّى أربعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مالك ابن بُحَينة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٠/ ٨٦٧، وفي "الكبرى" ٦٠/ ٩٣٩ بالسند المذكور. وأشار الحافظ المزي في "تحفته": إلى أن النسائي أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالك ابن بحينة. اهـ. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "الصلاة"، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، وعن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن بهز بن

стр. 6736

أسد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك ابن بحينة. قال: وتابعه غندر، ومعاذ. وقال ابن إسحاق: عن سعد، عن حفص، عن عبد الله. وقال حماد -هو ابن سلمة-: عن سعد، عن حفص، عن مالك. ومسلم فيه، عن القعنبي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، وعن قتيبة، عن أبي عوانة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة. قال مسلم: قال القعنبي: عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، عن أبيه. قال: وقوله. عن "أبيه" خطأ، بحينة هي أم عبد الله. قال أبو مسعود -الدمشقي-: وهذا يخطىء فيه القعنبي بقوله: "عن أبيه"، وأسقط مسلم من أوله: "عن أبيه"، ثم قال في عقبه: وقال القعنبي: "عن أبيه". وأهل العراق منهم شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة يقولون: عن سعد، عن حفص، عن مالك ابن بحينة. وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو الأصح. وابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم بن سعد، به. قال الحافظ المزي ﵀ من زياداته: رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة. انتهى (١). وأخرجه أحمد جـ ٥ ص ٣٤٥. والدارمي رقم ١٤٥٧. والله تعالى أعلم.

стр. 6737

المسألة الرابعة: قال في "الفتح": واختلف في حكمة هذا الإنكار -يعني إنكار النبي ﷺ على من يصلي النافلة عند الإقامة للصلاة-: فقال القاضي عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان، فيظن وجوبها، ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد: "يوشك أحدكم"، وعلى هذا، إذا حصل الأمن، لا يكره ذلك، وتعقب بعموم قوله: "فلا صلاة إلا المكتوبة". وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل. قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا القول أقرب إلى الصواب، وذلك أن قوله ﷺ : "أتصلي الصبح أربعًا؟ " ظاهر في كون الإنكار لكون المتنفل جعل صلاة الصبح أربع ركعات، ويفهم منه أيضًا أن النهي عام لمن يصلي عند الإقامة، سواء ابتدأ بالنافلة قبل الإقامة، أو عندها، أو بعدها، وسواء كان في المسجد، أو خارجها. والله تعالى أعلم. وقال النووي: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإِمام، والمحافظةُ على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة. اهـ. وهذا يليق بقول من يرى قضاء النافلة، وهو قول الجمهور، ومن ثم قال من لا يرى ذلك: إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإِمام، وقال بعضهم: إن كان في الأخيرة لم يكره له التشاغل بالنافلة، بشرط الأمن من الالتباس كما تقدم، والأول عن

стр. 6738

المالكية، والثاني عن الحنفية، ولهم في ذلك سلف عن ابن مسعود وغيره، وكأنهم لَمَّا تعارض عندهم الأمر بتحصيل النافلة، والنهيُ عن إيقاعها في تلك الحالة جمعوا بين الأمرين بذلك. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفي عليك مصادمة هذا الرأي للنص الصحيح الصريح، فلا تلتف إليه. والله الهادي إلى سواء السبيل. وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار، عدم الفصل بين الفرض والنفل، لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاوي، واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكر، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل، لم يحصل إنكار أصلاً؛ لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعًا، ثم دخل في الفرض (١). ويدل على ذلك أيضًا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبي ﷺ حين سأله، لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلاً بها، فدل على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل

стр. 6739

حال صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". وقد فهم ابن عمر ﵄ اختصاص المنع بمن يكون في المسجد، لا خارجًا عنه، فصح عنه أنه كان يحصب من يتنفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد، فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ﵂، ثم دخل المسجد، فصلى مع الإِمام. قال ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح، وتركُ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة: "حي على الصلاة" معناه هلموا إلى الصلاة، أي التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره. والله أعلم (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر وغيره من أن الحجة عند التنازع هي السنة هو التحقيق الصواب نقلاً وعقلاً، فإن الله تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 6740

ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]: إذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي في مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والحاصل أن المذهب الراجح الذي تؤيده النصوص الصحيحة الصريحة المنعُ عن التنفل عند الإقامة للصلاة مطلقًا، سواء كان بركعتي الفجر، أم بغيرهما، شرع فيه حال الإقامة، أم لا، كان في الصف، أم بعيدًا عنه، في المسجد، أم لا. وأن السنة أن يتدارك ما فاته من النافلة بعد أداء المكتوبة جماعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6741

٦١ - فِيمَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ وَالإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم من يصلي ركعتي الفجر، في حال كون الإِمام في صلاة الصبح. فالجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ مقدر، أي هذا الباب كائن فيمن يصلي … إلخ. وجملة: "والإمام في الصلاة" في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي". والله تعالى أعلم. ٨٦٨ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلاة، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: "يَا فُلَانُ أَيُّهُمَا صَلَاتُكَ، الَّتِى صَلَّيْتَ مَعَنَا، أَوِ الَّتِي صَلَّيْتَ لِنَفْسِكَ؟ ". رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٨، وقيل: بعدها، من [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في ٦٠/ ٧٥.

стр. 6742

٢ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة ١٧٩، من [٨]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٣/ ٣. ٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مات بعد سنة ١٤٠، من [٤]. أخرج له الجماعة. تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩. ٤ - (عبد الله بن سَرْجِسَ) (١) المزني حليف بني مخزوم، صحابي سكن البصرة، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في ٣٠/ ٣٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو ٦٢ من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع للمصنف من الأسانيد، كما تقدم غير مرة. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأن حمادًا وعاصمًا من رجال الجماعة، ويحيى وعبد الله بن سَرْجِسَ من رجال مسلم، والأربعة. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. والله تعالى ولي التوفيق. شرح الحديث (عن عبد الله بن سَرْجِس) ﵁، أنه (قال: جاء

стр. 6743

رجل، ورسول الله ﷺ في صلاة الصبح) الجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي والحاصل أنه ﷺ يصلي صلاة الصبح (فركع) ذلك الرجل (الركعتين) أي ركعتي الفجر (ثم دخل في الصلاة) أي صلاة الصبح التي يصليها رسول الله ﷺ بأصحابه (فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته) أي سلم من صلاة الصبح (قال: يا فلان) كناية عن اسم ذلك الرجل الذي بدأ بأداء الركعتين. قال الفيومي: فُلانٌ، وفلانةٌ بغير ألف ولام: كناية عن الأنَاسيّ، وبهما كناية عن البهائم. فيقال: ركبت الفلان، والفلانة. انتهى (١). (أيهما صلاتك) ولأبي داود: "أيتهما صلاتك"، وهو مبتدأ وخبر، و"أي" استفهامية، أيْ أيُّ الصلاتين صلاتُك التي قصدت، واعتمدت عليها، وجئت لأجلها (التي صليت معنا، أو التي صليت لنفسك) الموصول بدل من "أيّ". أيْ أصلاتك التي صليت معنا هي مقصودك، أو التي صليتها وحدك هي المقصودة. فهو استفهام إنكاري، والغرض منه توبيخه على صلاته النافلة، والإمام في الفريضة. وقال السندي ﵀: قوله: "أيهما صلاتك". أي التي جئت لأجلها إلى المسجد، وقصدِ أدائها فيه، فإن كانت تلك الصلاة هي الفرض، فهل العاقل يؤخر مقصوده إذا وُجدَ، ويُقَدِّم عليه غيره، وإن كانت هي السنة، فذاك عكس المعقول؛ إذ البيت أولى من المسجد في

стр. 6744

حق السنة، وأيضًا السنة للفرض، فكيف تُقصَدُ هي دونه. والمقصود الزجر، واللوم على ما فعل. انتهى (١). وقال الخطابي ﵀: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإِمام في الفريضة لم يشتغل بركعتي الفجر، وتَرَكَهُما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة. وقوله: "أيتهما صلاتك" مسألة إنكار، يريد بذلك تبكيته على فعله، وفيه دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإِمام من صلاته؛ لأن قوله: "أو التي صليت معنا" يدل على أنه أدرك الصلاة مع رسول الله ﷺ بعد فراغه من الركعتين. انتهى (٢). وفيه رد على من قال: إن عَلِمَ أنه يدرك الإِمام في الركعة الأولى، أو الثانية يبدأ بسنة الصبح. وقالوا: إن إنكاره ﷺ على الرجل لوصله النافلة بالفريضة، وصلاتِهما في مكان واحد بلا فاصل بينهما غير السلام، وهذا كنهيه من صلى الجمعة عن التطوع بعدها في مكانها حتى يتكلم، أو يتقدم. واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما رواه الطحاوي من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ مر بعبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو منتصب يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال:

стр. 6745

"لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر، وبعدها، واجعلوا بينهما فصلاً". اهـ. فظهر بهذا الحديث أن الذي كرهه ﷺ لابن بحينة إنما هو وصله الفريضة بالنافلة في مكان واحد من غير فصل بينهما. وقالوا أيضًا: إن حديث الباب محمول على أن الرجل صلى ركعتي الفجر مخالطًا للصف، فقد روى ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وهو في الصلاة. اهـ. فإن رؤيته ﷺ إياه لا تتأتى إلا وهو في جانب المسجد في الصف الأول. وقالوا أيضًا: فيما ذهبنا إليه جمع بين الفضيلتين، فضيلة إدراك السنة وفضيلة إدراك الجماعة. وقد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء أنهم أَدَّوُا سنة الصبح، والإمام في الفريضة، ويبعد أن يكون حديث الباب على إطلاقه، ويفعل على خلافه هؤلاء الصحابة الأجلاء. وفي هذا كله نظر؛ لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل في النافلة، والإمام في الفريضة، وحمل الإنكار على عدم الفصل بين النافلة والفريضة بعيد، لما في رواية البيهقي عن عبد الله بن سرجس، قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف … الحديث.

стр. 6746

وما في رواية مسلم من قوله: "دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله ﷺ … " الحديث. فإنهما ظاهران في أنه صلى النافلة في غير مكان الفريضة. وما ذكروه من أن ما ذهبوا إليه ديه الجمعُ بين الفضيلتين متعقب بأنه يمكن الحصول على الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من الفريضة، كما ثبت إقراره ﷺ صلاهما بعد الفريضة، ولم ينكر عليه. وما ذكروه من الآثار معارَضٌ بالمثل، فقد ثبت عن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما أنهم كانوا يمنعون الشروع في النافلة بعد إقامة الصلاة، فقد روى البيهقي عن عمر بن الخطاب، أنه كان إذا رأى رجلاً يصلي، وهو يسمع الإقامة، ضربه. وروى ابن حزم عن أبي هريرة، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. وعلى تقدير عدم المعارض فهي لا تَقْوَى على معارضة الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ . فإنه الحجة وحده، لا فلان وفلان، كما تقدم عن الحافظ أبي عمر ابن عبد البر ﵀ وغيره، أن الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح. جعلنا الله تعالى من المتمسكين بالسنة، والمُحَكِّمينَ لها فيما شجر بيننا، والمُسَلِّمين لها، وجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا بمنه وكرمه.

стр. 6747

آمين، إنه ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن سَرْجِس ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦١/ ٨٦٨، وفي "الكبرى" ٦١/ ٩٤٠ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كامل الجَحْدَري، عن حماد بن زيد، وعن حامد بن عمر البكراوي، عن عبد الواحد بن زياد، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي معاوية، وعن زهير بن حرب، عن مروان بن معاوية الفزاري، كلهم عن عاصم الأحول، عن عبد الله ابن سرجس ﵁. وأبو داود فيه عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن معاوية، به. وأحمد جـ ٥ ص ٨٢. وابن خزيمة رقم ١١٢٥. والله ولي التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6748

٦٢ - الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم صلاة المنفرد خلف الصفّ. والظاهر أن المصنف ﵀ يرى صحة صلاته؛ حيث أورد الحديثين المذكورين استدلالاً على ما ترجم له، لكن في استدلاله بهما نظر. أما حديث أنس ﵁، فإنه لا يدل على جواز صلاة الرجل منفردًا خلف الصف، وإنما يدل على جواز صلاة المرأة خلف الصف وحدها، ومعلوم أن المرأة تختلف في هذا عن الرجل، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. وأما حديث ابن عباس ﵄، فليس فيه ما يدل على صلاة الرجل وحده خلف الصف أصلاً، فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٨٦٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِنَا، فَصَلَّيْتُ أَنَا، وَيَتِيمٌ لَنَا خَلْفَهُ، وَصَلَّتْ أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.

стр. 6749

رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المِسْوَر بن مخرمة الزهري البصري، صدوق، مات سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٣ - (إِسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري، أبو يحيى المدني، ثقة حجة، مات سنة ١٣٢، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٤/ ٦٨. ٤ - (أنس) بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي، أبو حمزة المدني، الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو ٦٣ من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأنهم ما بين بصري، وهو شيخه، وكوفي، ثم مكي، وهو سفيان، ومدني، وهو إسحاق، ومدني، ثم بصري، وهو أنس. ومنها: أنه مسلسل بالإخبار، والتحديث، والسماع.

стр. 6750

ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه؛ وهو إسحاقُ، عن أنس ﵁، وبالله تعالى التوفيق. شرح الحديث (قال) أنس ﵁ (أتانا رسول الله ﷺ في بيتنا، فصليت أنا ويتيم لنا) اسمه ضميرة بن أبي ضميرة، كما تقدم في شرح ١٩/ ٨٠١، قال في الفتح: كذا وقع للجميع، وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن ابن عيينة. ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور: "صليت أنا، وسليم" بسين مهملة، ولام مصغرًا- فتصحفت على الراوي من لفظ "يتيم" ومشى على ذلك ابن فتحون، فقال في ذيله على الاستيعاب: سليم غير منسوب، وساق هذا الحديث. ثم إن هذا الحديث طرف من حديث أنس ﵁، اختصره سفيان، وطوله مالك، كما تقدم ١٩/ ٨٠١ (١). (خلفه) أي وراء النبي ﷺ ، واستُدِلَّ به على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإِمام، خلافًا لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه، والآخر عن يساره، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود ﵁ الذي تقدم للمنصف ١٨/ ٧٩٩، وأبي داود أنه

стр. 6751

أقام علقمة عن يمينه، والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي. أفاده في الفتح. (وصلت أم سليم) بنت ملحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس، يقال: اسمها سهلة، أو رُميلة، أو رميصة، أو مليكة، أو أنيثة، وهي الغميصاء، أو الرميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان ﵃. تقدمت ترجمتها ٤٣/ ٧٣٧. (خلفنا) فيه أن المرأة لا تصف مع الرجال، لما يُخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة. وقد تقدم تحقيق الخلاف في ذلك ١٩/ ٨٠١. واستدل به المصنف على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهو استدلال غير صحيح، إذ المرأة في هذا تخالف الرجل، فإنه ممنوع أن يصلي خلف الصف وحده، بخلافها، كما يأتي تحقيقه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاري.

стр. 6752

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٢/ ٨٦٩، وفي "الكبرى" ٦٢/ ٩٤١ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد المسندي -وعن أبي نعيم- كلاهما عن ابن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس ﵁. والحميدي رقم ١١٩٤. وأحمد جـ ٣ ص ١١٠. وابن خزيمة رقم ١٥٣٩ و١٥٤٠. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة من صلى خلف الصف وحده: قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيما يجب على من صلى خلف الصف وحده: فقالت طائفة: لا يجزيه، هذا قول النخعي، والحكم، والحسن ابن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وقد روينا عن أبي هريرة أنه قال: لا تركع حتى تأخذ مكانك من الصف. وقالت طائفة: صلاة المنفرد في الصف وحده جائزة، وممن رأى ذلك جائزًا: الحسن البصري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.

стр. 6753

قال الجامع: وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله تعالى هنا. قال ابن المنذر ﵀: صلاة الفرد خلف الصف باطلة، لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان (١). ثم أخرج بسنده عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد ﵁، قال: رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي خلف القوم وحده، فأمره، فأعاد الصلاة. قال أبو بكر: وقد ثَبَّتَ هذا الحديث أحمد، وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يُدفعان عنه. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٢). وقال العلامة الشوكاني ﵀ بعد ذكر القولين اللذين ذكرهما ابن المنذر: وفرق آخرون في ذلك، فرأوا على الرجل الإعادة دون المرأة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الفرق بين الرجل والمرأة هو الحق، لصحة الدليل بذلك. والله تعالى أعلم. وتمسك القائلون بعدم الصحة بحديث علي بن شيبان: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف

стр. 6754

الرجل، فقال له: "استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف" رواه أحمد، وابن ماجه. وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: حديث حسن. قال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون، وهو من رواية عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، وعبد الرحمن قال فيه ابن حزم: وما نعلم أحدًا عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن بدر، وهذا ليس بجرحة. انتهى. وصححه ابن حبان، وابن خزيمة. وتمسكوا أيضًا بحديث وابصة بن معبد المتقدم. وهو حديث صحيح (١). وتمسك القائلون بالصحة بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. قالوا: لأنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف، ولم يأمره النبي ﷺ الإعادة، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على الأولَى (٢). ومن جملة ما تمسكوا به، حديث ابن عباس، وجابر، إذ كل واحد منهما وقف عن يسار رسول الله ﷺ مؤتمًا به وحده، فأدار كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه، قالوا: فقد صار كل واحد منهما خلف رسول الله ﷺ في تلك الإدارة، وهو تمسك غير مفيد للمطلوب؛ لأن

стр. 6755

المُدَارَ من اليسار إلى اليمين لا يسمى مصليًا خلف الصف، وإنما هو مصل عن اليمين. ومن مُتَمَسَّكاتهم ما رُوي عن الشافعي أنه كان يضعف حديث وابصة، ويقول: لو ثبت لقلت به، ويجاب عنه بأن البيهقي، وهو من أصحابه قد أجاب عنه، فقال: الخبر المذكور ثابت. وقيل: الأوْلَى الجمعُ بين أحاديث الباب يحمل عدم الأمر بالإعادة على من فعل ذلك لعذر من خشية الفوت لو انضم إلى الصف، وأحاديث الإعادة على من فعل ذلك لغير عذر. قال الجامع عفا الله عنه: هذا جمع حسن، كما سيأتي قريبًا. وقيل: من لم يعلم ما في ابتداء الركوع على تلك الحال من النهي فلا إعادة عليه، كما في حديث أبي بكرة؛ لأن النهي عن ذلك لم يكن تقدم، ومن علم بالنهي، وفعل بعض الصلاة، أو كلها خلف الصف لزمته الإعادة. قال الجامع عفا الله عنه: قد رد على هذا الفرق شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال: وأما الفرق بين العالم والجاهل، فلا يسوغ، فإن المصلي المنفرد لم يكن عالمًا بالنهي، وقد أمره بالإعادة، كما أمر الأعرابي المسيء في صلاته بالإعادة. انتهى (١). وقال ابن سيد الناس: ولايُعَدُّ حكمُ الشروع في الركوع خلفَ

стр. 6756

الصف حكمَ الصلاة كلها خلفه، فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، ويرى أن الركوع دون الصف جائز. انتهى (١). واستدل القائلون بجواز الصلاة خلف الصف وحده أيضًا -كما في تحفة الأحوذي- (٢) بحديث أنس ﵁، قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا. رواه البخاري ومسلم. قال الزيلعي في "نصب الراية": وأحكام الرجال والنساء في ذلك سواء. انتهى. وقال ابن بطال: لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى. انتهى. ورد هذا الاستدلال بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل، فإن له أن يصف معهم، وأن يتزاحم، وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف، فيقوم معه (٣)، فافترقا. وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن خزيمة. لا يصح الاستدلال به؛ لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق ممن يقول تجزئه، أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور

стр. 6757

بها باتفاق، فكيف يقاس مأمور على منهي. انتهى. واستدل لهم أيضًا بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي، حيث لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة. قال الجامع: ويرد هذا بأن الركوع دون الصف ثم الدخول فيه ليس كالصلاة خلف الصف، كما أشار إليه ابن سيد الناس فيما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم. وقال شيخ الإِسلام ﵀: وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإِمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: "ولا تَعُدْ" وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذّ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإِمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه. انتهى (١). وقال الحافظ في "الفتح": جمع أحمد وغيره بين الحديثين -يعني

стр. 6758

حديث وابصة، وحديث أبي بكرة، بأن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع، لم تجب عليه الإعادة، كما في حديث أبي بكرة، وإلا فيجب، على عموم حديث وابصة، وعلي بن شيبان. انتهى. قال العلامة المباركفوري ﵀: وهذا الجمع حسن، بل هو المتعين، فإنه يُحَصِّلُ التوفيقَ بين الأحاديث بلا تكلف. والله تعالى أعلم (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى الجمع المذكور، لأنه لا تخالف بين الأحاديث؛ لأن حديث أبي بكرة ﵁ فيه النهي عن العودة إلى الركوع دون الصف، وهذا داخل في النهي عن الصلاة خلف الصف منفردًا، وأما احتجاج من احتج بأن أبا بكرة لم يؤمر بالإعادة، فإنه احتجاج بعدم النقل، ومعلوم أن عدم النقل للشيء لا يستلزم انتفاء ذلك الشيء، فتدبر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. وقد مر تحقيق هذا البحث في مسألة عدم الاعتداد بالركعة بإدراك الركوع -كما هو المذهب الراجح- خلافًا للجمهور، مُستوفًى، ولله الحمد.

стр. 6759

والحاصل أن الراجح، عدم صحة الصلاة خلف الصف للرجال، دون النساء، إلا للضرورة، كمن تعذر عليه الدخول في الصف، لضيق المكان، ولم يجد من يقوم معه، فإنه تصح صلاته للضرورة، كما استظهره شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، واحتج بأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعذر (١) وهو حسن جدًا. وأما النساء فتخالف الرجال في هذا، فتصح صلاتها وحدها خلف الصف، لحديث أنس ﵁، وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: اختلف فيمن لم يجد فرجة، ولا وسعة في الصف، ما الذي يفعل؟ فحكي عن نص الشافعي في البويطي أنه يقف منفردًا، ولا يجذب إلى نفسه أحدًا؛ لأنه لو جذب إلى نفسه واحداً، لفوّت عليه فضيلة الصف الأول، ولأوقع الخلل في الصف، وبهذا قال أبو الطيب الطبري، وحكاه عن مالك. وقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه يجذب إلى نفسه واحداً، ويستحب للمجذوب أن يساعده، ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة، والحاضر في ابتدائها في ذلك. وقد روي عن عطاء، وإبراهيم النخعي أن الداخل إلى الصلاة،

стр. 6760

والصفوف قد استوت واتصلت، يجوز له أن يجذب إلى نفسه واحداً ليقوم معه، واستقبح ذلك أحمد، وإسحاق، وكرهه الأوزاعي، ومالك. وقال بعضهم: جذب الرجل عن الصف ظلم. واستدل القائلون بالجواز بما رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي من حديث وابصة أنه ﷺ قال لرجل صلى خلف الصف: "أيها المصلي هلا دخلت في الصف، أو جررت رجلاً من الصف، أعد صلاتك". وفيه السَّريّ بن إسماعيل، وهو متروك، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم، وفيه قيس بن الربيع، وفيه ضعف. ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعًا: "إن جاء رجل، فلم يجد أحدًا، فليختلج إليه رجلاً من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المُخْتَلَج". وأخرج الطبراني عن ابن عباس بإسناد واهٍ -كما قال الحافظ- بلفظ: إن النبي ﷺ أمر الآتي، وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أن أحاديث الأمر بالجذب من الصف غير ثابتة، فلا يجوز العمل بها، وأن من جاء بعد استواء الصف، ولم يجد مساغًا للدخول فيه، فَلْيُصَلِّ خلف الصف وحده للضرورة، كما تقدم عن شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀
следующие страницы →