الصف حكمَ الصلاة كلها خلفه، فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، ويرى أن الركوع دون الصف جائز. انتهى (١).
واستدل القائلون بجواز الصلاة خلف الصف وحده أيضًا -كما في تحفة الأحوذي- (٢) بحديث أنس ﵁، قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا. رواه البخاري ومسلم. قال الزيلعي في "نصب الراية": وأحكام الرجال والنساء في ذلك سواء. انتهى. وقال ابن بطال: لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى. انتهى.
ورد هذا الاستدلال بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل، فإن له أن يصف معهم، وأن يتزاحم، وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف، فيقوم معه (٣)، فافترقا.
وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن خزيمة. لا يصح الاستدلال به؛ لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق ممن يقول تجزئه، أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور
стр. 6757
بها باتفاق، فكيف يقاس مأمور على منهي. انتهى.
واستدل لهم أيضًا بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي، حيث لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
قال الجامع: ويرد هذا بأن الركوع دون الصف ثم الدخول فيه ليس كالصلاة خلف الصف، كما أشار إليه ابن سيد الناس فيما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم.
وقال شيخ الإِسلام ﵀: وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإِمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: "ولا تَعُدْ" وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذّ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإِمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه. انتهى (١).
وقال الحافظ في "الفتح": جمع أحمد وغيره بين الحديثين -يعني
стр. 6758
حديث وابصة، وحديث أبي بكرة، بأن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع، لم تجب عليه الإعادة، كما في حديث أبي بكرة، وإلا فيجب، على عموم حديث وابصة، وعلي بن شيبان. انتهى.
قال العلامة المباركفوري ﵀: وهذا الجمع حسن، بل هو المتعين، فإنه يُحَصِّلُ التوفيقَ بين الأحاديث بلا تكلف. والله تعالى أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى الجمع المذكور، لأنه لا تخالف بين الأحاديث؛ لأن حديث أبي بكرة ﵁ فيه النهي عن العودة إلى الركوع دون الصف، وهذا داخل في النهي عن الصلاة خلف الصف منفردًا، وأما احتجاج من احتج بأن أبا بكرة لم يؤمر بالإعادة، فإنه احتجاج بعدم النقل، ومعلوم أن عدم النقل للشيء لا يستلزم انتفاء ذلك الشيء، فتدبر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف.
وقد مر تحقيق هذا البحث في مسألة عدم الاعتداد بالركعة بإدراك الركوع -كما هو المذهب الراجح- خلافًا للجمهور، مُستوفًى، ولله الحمد.
стр. 6759
والحاصل أن الراجح، عدم صحة الصلاة خلف الصف للرجال، دون النساء، إلا للضرورة، كمن تعذر عليه الدخول في الصف، لضيق المكان، ولم يجد من يقوم معه، فإنه تصح صلاته للضرورة، كما استظهره شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، واحتج بأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعذر (١) وهو حسن جدًا.
وأما النساء فتخالف الرجال في هذا، فتصح صلاتها وحدها خلف الصف، لحديث أنس ﵁، وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: اختلف فيمن لم يجد فرجة، ولا وسعة في الصف، ما الذي يفعل؟
فحكي عن نص الشافعي في البويطي أنه يقف منفردًا، ولا يجذب إلى نفسه أحدًا؛ لأنه لو جذب إلى نفسه واحداً، لفوّت عليه فضيلة الصف الأول، ولأوقع الخلل في الصف، وبهذا قال أبو الطيب الطبري، وحكاه عن مالك.
وقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه يجذب إلى نفسه واحداً، ويستحب للمجذوب أن يساعده، ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة، والحاضر في ابتدائها في ذلك.
وقد روي عن عطاء، وإبراهيم النخعي أن الداخل إلى الصلاة،
стр. 6760
والصفوف قد استوت واتصلت، يجوز له أن يجذب إلى نفسه واحداً ليقوم معه، واستقبح ذلك أحمد، وإسحاق، وكرهه الأوزاعي، ومالك. وقال بعضهم: جذب الرجل عن الصف ظلم.
واستدل القائلون بالجواز بما رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي من حديث وابصة أنه ﷺ قال لرجل صلى خلف الصف: "أيها المصلي هلا دخلت في الصف، أو جررت رجلاً من الصف، أعد صلاتك". وفيه السَّريّ بن إسماعيل، وهو متروك، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم، وفيه قيس بن الربيع، وفيه ضعف.
ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعًا: "إن جاء رجل، فلم يجد أحدًا، فليختلج إليه رجلاً من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المُخْتَلَج".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس بإسناد واهٍ -كما قال الحافظ- بلفظ: إن النبي ﷺ أمر الآتي، وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أن أحاديث الأمر بالجذب من الصف غير ثابتة، فلا يجوز العمل بها، وأن من جاء بعد استواء الصف، ولم يجد مساغًا للدخول فيه، فَلْيُصَلِّ خلف الصف وحده للضرورة، كما تقدم عن شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀
стр. 6761
تعالى. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. والله تعالى أعلم بالصواب. وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحٌ -يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ- عَنِ ابْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَسْنَاءُ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، قَالَ: فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَتَقَدَّمُ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ لِئَلاَّ يَرَاهَا، وَيَسْتَأْخِرُ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ، فَإِذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْتِ إِبْطِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢٤].
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (نوح بن فيس) بن رَبَاح الأزدي، أبو روح البصري، أخو خالد، صدوق رُمِيَ بالتشيع، مات سنة ١٨٣ أو ١٨٤، من [٨]،
стр. 6762
تقدم في ٥/ ٤٥٩.
٣ - (عمرو بن مالك) النُّكْرِي بضم النون أبو يحيى، أو أبو مالك البصري، صدوق له أوهام، مات سنة ١٢٩، من [٧].
روى عن أبيه وأبي الجوزاء، عنه ابنه يحيى، ونوح بن قيس، ومهدي بن ميمون، وسعيد وحماد ابنا زيد، ومخلد بن الحسن، ويزيد بن كعب العوذي، وعباد بن عباد، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطىء، ويغرب. مات سنة ١٢٩، أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والأربعة (١).
٤ - (أبو الجوزاء) -بالجيم والزاي- أوس بن عبد الله الرَّبَعي -بفتح الموحدة- من رَبَعَةِ الأزد البصري، ثقة يرسل كثيراً، من [٣].
قال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: كان عابدًا فاضلاً. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": أبو الجوزاء عن عمر، وعلي مرسل. قال البخاري: في إسناده نظر. قاله عقب حديث له رواه في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري، والنُّكْري عنده ضعيف. وقال ابن عدي: حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة، وأرجو أنه لا بأس به، ولا تصح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري: في
стр. 6763
إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود، وعائشة، وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع.
قال الحافظ: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضًا أنه لم يسمع منها، وقال جعفر الفريابي في "كتاب الصلاة": ثنا مزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا بُدَيلٌ العُقَيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولاً إلى عائشة يسألها … فذكر الحديث. فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك، فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء. حكى البخاري عن يحيى بن سعيد أنه قتل في الجماجم سنة ٨٣. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قال الذهبي في "الكاشف" جـ ١ ص ١٤٢: ثقة، قتل في الجماجم. وقال في "الميزان" جـ ١ ص ٢٧٨: وثقوه. ثم ذكر قول البخاري المتقدم. فيظهر من هذا أنه ثقة عندهم، وما نقل عن البخاري، يعود إلى ضعف حديث معين له، لسبب ضعف الراوي عنه. والله تعالى أعلم.
٥ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
стр. 6764
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون، ومن رجال الجماعة، إلا نوحًا، فما أخرج له البخاري، وعمرو بن مالك، فما أخرج له الشيخان، وإن أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد".
ومنها: أن فيه قوله: "يعني ابن قيس"، وذلك أن شيخه قتيبة لم ينسب شيخه نوحًا إلى أبيه، فلما أراد المصنف نسبته إليه، زاد كلمة "يعني" فصلاً بين كلامه وكلام شيخه، وكذا قوله: "وهو عمرو"، وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي في "ألفية الحديث"؛ حيث قال:
وَلا تَزِدْ في نَسَبٍ أوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أوْ بـ"أنَّ" أو بِـ"هُو" … أمَّا إِذَا أتَمَّهُ أوَّلَهُ
أجِزْهُ في الباقي لَدَى الجُمْهُورِ … وَالفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
ومنها: أن فيه ابن عباس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثاً، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة، سنة ٦٨ هـ. وبالله التوفيق.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: كانت امرأة
стр. 6765
تصلي خلف رسول ﷺ حسناءُ) تأنيث أحسن، بالرفع، نعت لـ"امرأة" بعد النعت بالجملة الفعلية (من أحسن الناس) متعلق بحال محذوف (قال) ابن عباس ﵄ (فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها) هؤلاء هم أهل الدين والورع، (ويستأخر بعضهم) أي من المنافقين، أو الجهلة من الأعراب، وضعفاء الإيمان، فيتأخر عن الصف المقدم (حتى يكون في الصف المؤخر) أخذ المصنف من هذا صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهو غير ظاهر، إذ لا ينافي كونه في الصف المؤخر للغرض المذكور أن لا يكون معه غيره ممن لا يريد ما أراده هو من النظر لتلك المرأة فليُتأمَّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
(فإِذا ركع نظر إِليها من تحت إِبطه) -بكسر فسكون-: ما تحت الجَنَاح، ويذكّر ويؤنث، والجمع آباط، مثل حِمْل وأحمال، وزعم بعض المتأخرين أن كسر بائه لغة وهو غير ثابت. قاله الفيومي (١).
فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل معنى الآية على هذا الحديث: أنه أقسم الله بأنه علم الذين يتقدمون إلى الصف الأول مخافة الافتتان بالنظر لهذه المرأة الحسناء وَرَعًا وتقوى، وعلم الذين
стр. 6766
يتأخرون إلى الصف المؤخر رغبة في النظر إليها.
وقال العلامة الآلوسي ﵀ في "تفسيره": والمراد من علمه تعالى بهؤلاء، علمه سبحانه بأحوالهم، والآية لبيان كمال علمه جلّ وعلا بعد الاحتجاج على كمال قدرته تعالى (١)، فإن ما يدل عليها دليل عليه، ضرورةَ أن القادر على كل شيء، لابد من علمه بما يصنعه، وفي تكرير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ ما لا يخفى من الدلالة على التأكيد. انتهى (٢) والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٦٢/ ٨٧٠، وفي "الكبرى" ٦٢/ ٩٤١، وفي التفسير منها ١١٢٧٣، عن قتيبة، عن نوح بن قيس، عن عمرو النُّكْرِي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه الترمذي في "التفسير" بسند المصنف. وقال: روى جعفر ابن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء نحوه،
стр. 6767
ولم يذكر ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح بن قيس. وابن ماجه في "الصلاة" عن حميد بن مَسعَدَة السامي، وأبي بكر ابن خلاد، كلاهما عن نوح بن قيس، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في ذكر ما قاله الفسرون في معنى الآية الكريمة:
قال الإِمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ في تفسيره: اختلف أهل التأويل في ذلك:
فقال بعضهم معنى ذلك: ولقد علمنا من مضى من الأمم، فتقدم هلاكهم، ومن قد خُلق، وهو حي، ومن لم يخلق بعدُ ممن سيخلق، فذكر من قال بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون عَنَى بالستقدمين الذين قد هلكوا، والمستأخرين الأحياء الذين لم يهلكوا، ثم ذكر أسماء من قال بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين في أول الخلق، والمستأخرين في آخرهم. وذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم، والمستأخرين من أمة محمد ﷺ ، ثم ذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الخير، والمستأخرين عنه، ثم ذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين
стр. 6768
منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها بسبب النساء، ثم ذكر أسماء القائلين بهذا القول.
ثم قال: وأقوى الأقوال عندي في ذلك بالصحة، قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم، فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حي، ومن هو حادث منكم، ممن لم يحدث بعدُ، لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، وما بعده، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ [الحجر: ٢٥] على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يَجْرِ قبل ذلك من الكلام ما يدل على خلافه، ولا جاء بعدُ، وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمستأخرين فيه لذلك.
ثم يكون الله عمّ بالمعنى المراد منه جميعَ الخلق، فقال: جلّ ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق، وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حي منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرها، وأحصينا جميع ذلك، ونحن نحشر جميعهم، فنجازي كلاً بأعماله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا، فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من تعدّى حدّ الله، وعمل بغير ما أذن له به، ووعدًا لمن تقدم في الصفوف لسبب النساء، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في
стр. 6769
أفعاله كلها. انتهى كلام ابن جرير ملخصًا (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد ذكر بعض أقوال المفسرين في معنى الآية، وإيراده حديث ابن عباس من طريق ابن جرير: ما نصه: وكذا رواه أحمد، وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي، والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، وابن ماجه من طرق، عن نوح بن قيس الحُدَّانِي، وقد وثقه أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرج له مسلم، وأهل السنن.
وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر ابن سليمان، عن عمرو بن مالك، وهو النكري، أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ في الصفوف في الصلاة ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. والظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء، فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر. وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن كثير في الحديث: فيه نكارة شديدة، فيه نظر، إذ لم يذكر دليل النكارة، إلا مخالفة سليمان بن جعفر لنوح بن قيس، كما أشار إليه الترمذي، وهذا لا يضره؛ إذ هو ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والعجلي، وقال النسائي:
стр. 6770
ليس به بأس. وأما ما روي من تضعيف ابن معين له، فقد ذكره أبو داود بقوله: "بلغني عن يحيى أنه ضعفه، وقال مرة: يتشيع، وهذا مع كونه منقطعًا يحتمل أن يكون تضعيفه لتشيعه. فراجع ترجمته في تهذيب التهذيب جـ ١٠ ص ٤٨٥ - ٤٨٦. وأما جعفر بن سليمان، فالكلام فيه أكثر من الكلام في نوح، يظهر ذلك بمراجعة ترجمته في التهذيب أيضًا جـ ٢ ص ٩٥ - ٩٨، فمخالفة مثله لنوح غير مؤثرة.
والترمذي، وإن جعل رواية جعفر أصح، لكنه ما ذكر وجه ترجيحه.
فالظاهر أن الحديث صحيح، وقد تقدم في كلام ابن جرير ﵀ توجيهه من حيث المعنى، فلا نكارة فيه، والحمد لله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6771
٦٣ - الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على حكم الركوع قبل الوصول إلى الصف.
واستدلال المصنف ﵀ على ما ترجم له بحديث أبي بكرة واضح، وأما استدلاله بحديث أبي هريرة ﵁، فغير واضح، إلا أن يكون ذلك الرجل الذي قال له النبي ﷺ : "ألا تحسن صلاتك" قد رآه ركع دون الصف، فأنكر عليه ذلك، لكن الحديث لا يدلّ على هذا، بل في رواية أحمد وابن خزيمة، ما يدل على أنه كان داخل الصف، كما سيأتي التنبيه عليه في آخر شرح الحديث، إن شاء الله تعالى، فالله تعالى أعلم.
٨٧١٤ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ زِيَادٍ الأَعْلَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالنَّبِىُّ ﷺ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (حميد بن مسعَدَة) بن المُبَارك السامي الباهلي البصري،
стр. 6772
صدوق، مات سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة. تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا -أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة/ مِهْران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، مات سنة ١٥٦، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (زياد الأعلم) ابن حسان بن قُرَّةَ الباهلي البصري، ثقة، من [٥].
روى عن أنس، والحسن البصري، وابن سيرين. وعنه ابن عون، والحمادان، وسعيد بن أبي عروبة، وهمَّام بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال أبو حاتم: هو من قدماء أصحاب الحسن. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله. وقال الدارقطني: هو قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي (١).
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن/ يسار الأنصاري، مولاهم، أبو سعيد
стр. 6773
البصري، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيراً، ويدلس، مات سنة ١١٠، رأس [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٦ - (أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَةَ بن عَمْرو الثقفي، صحابي مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مَسْروح -بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، مات سنة ٥١ أو ٥٢، أخرج له الجماعة. تقدم في ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وزيادًا، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه مَن لُقِّبَ بصورة الكنية، وهو أبو بكرة، قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبي ﷺ ، فأعتقه يومئذ.
ومنها: أن فيه الأعلم، وهو لقب لزياد بن حسان، لقب به لأنه كان مشقوق الشفة العليا. يقال: عَلِمَ يَعلَم، من باب تعب: إذا انشقت شفته العليا، فالذكر أعلم، والأنثى عَلْمَاء، مثل أحمر وحمراء. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم.
стр. 6774
شرح الحديث
(عن زياد الأعلم) هو ابن حسان، من صغار التابعين، تقدم آنفًا سبب تلقيبه بالأعلم، أنه قال (حدثنا الحسن) البصري (أن أبا بكرة) نفيع بن الحارث ﵁ (حدثه) في هذه الرواية رد على من أعلّ الحديث بعنعنة الحسن في أكثر الطرق. قال في "الفتح": وقد أعَلَّه بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، وردّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة، عن الأعلم، قال: "حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه". أخرجه أبو داود، والنسائي (١).
(أنه دخل السجد) زاد الطبراني من رواية عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه: "وقد أقيمت الصلاة، فانطلق يسعى"، وللطحاوي من رواية حماد بن سلمة، عن الأعلم: "وقد حفزه النفس". وفي رواية همام، عن زياد: "أنه انتهى إلى النبي ﷺ " (والنبي ﷺ راكع) جملة اسمية في محل نصب على الحال من فاعل "دخل" (فركع دون الصف) أي ركع أبو بكرة قبل أن يصل إلى الصف خوفًا من أن يفوته الركوع معه ﷺ (فقال النبي ﷺ ) وفي رواية البخاري من طريق همام: "فذَكَرَ ذلك للنبي ﷺ "، وفي رواية حماد عند الطبراني: "فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "أيكم دخل الصف، وهو راكع".
стр. 6775
(زادك الله حرصًا) أي اجتهاداً على الخير. يقال: حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضَرَبَ: إذا اجتهد، والاسم الحِرْصُ -بالكسر- وحَرصَ على الدنيا من باب ضرب أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغة: إذا رَغِبَ رغبةً مذمومةً، فهو حريص، وجمعه حِراص، مثل ظريف وظراف. أفاده الفيومي. والمعنى الأول هو المناسب هنا. يعني أن منشأ هذا الفعل هو الحرص على العبادة، وإدراك فضل الركوع معه ﷺ والحرصُ على الخير مطلوب محمود، فلذا دعا له بأن يزيده الله تعالى منه. وقال الزين بن المنير ﵀: صَوَّب النبي ﷺ فعل أبي بكرة من الجهة العامة، وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة، وخطَّأه من الجهة الخاصة. اهـ.
(لا تَعُدْ) قال الحافظ ﵀: ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله، وضم العين، من العَوْد، وحكى بعض شراح المصابيح أنه روي بضم أوله، وكسر العين، من الإعادة. انتهى.
قيل: معناه لا تَعُدْ إلى أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف. وقيل: معناه: لا تعد إلى أن تسعى إلى الصلاة سعيًا، بحيث يضيق عليك النفس. وقيل: لا تعد إلى الإبطاء. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون عائدًا إلى المشي إلى الصف في الصلاة، فإن الخطوة والخطوتين، وإن لم تفسد الصلاة، لكن الأولى التحرز عنها (١).
стр. 6776
وقال الحافظ: لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف. وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحًا في طرق حديثه، كما تقدم بعضها، وفي رواية عبد العزيز المذكورة: فقال: "مَن الساعي؟ " وفي رواية يونس بن عبيد، عن الحسن، عند الطبراني: "فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيت أن تفوتني الركعة معك". وله من وجه آخر عنه في آخر الحديث: "صل ما أدركت، واقض ما سبقك". وفي رواية حماد عند أبي داود وغيره: "أيكم الراكع دون الصعف"، وقد تقدم من روايته قريبًا: "أيكم دخل الصف وهو راكع".
وتمسك المهلب بهذه الرواية الأخيرة، فقال: إنما قال له: "لا تعد" لأنه مَثَّلَ بنفسه في مشيته راكعًا كمشية البهائم. اهـ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما فسر به الحافظ هو الأولى؛ لأنه المفهوم من مجموع الروايات المذكورة، وأما الاقتصار على بعض المعاني، فيؤدي إلى إلغاء ما دلت عليه بقية الروايات.
والحاصل أنه نهاه عن العودة إلى مثل ما صنع من السعي الشديد؛ بحيث تتضايق نفسه، فيخل بالخشوع المطلوب، ومن الركوع دون الصف، ثم المشي إليه.
وأما ما قاله المهلب من أن سبب النهي هو التشبه بمِشْية البهائم،
стр. 6777
فليس بجيد؛ لأن أصل الركوع المأمور به فيه مشابهة أيضًا للبهائم، فلو كان هو سبباً للنهي، لما شُرِعَ، فتبصر. والله تعالى أعلم.
والحديث يدل على النهي عن الركوع قبل الوصول إلى الصف، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة ﵁ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٦٣/ ٨٧١، وفي "الكبرى" ٦٣/ ٩٤٣ بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن هَمَّام، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عنه. وأبو داود فيه بسند المصنف نحوه. وأحمد جـ ٥ ص ٣٩، ٤٥، ٤٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان حكم الركوع قبل أن يصل إلى الصف، وهو النهي، لقوله ﷺ : "لا تَعُدْ" بعد قوله: "أيكم الراكع دون الصف".
стр. 6778
ومنها: ما كان عليه الصحابة من المسارعة والحرص على إدراك الصلاة معه ﷺ ، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣].
ومنها: إنكار الرئيس على أتباعه إذا رأى منهم منكرًا.
ومنها: الدعاء لمن يسارع إلى الخيرات.
ومنها: أن الحرص على الخير إنما يحمد إذا كان على الوجه المشروع، وإلا فيكون مذمومًا.
ومنها: أنه احتج به من رأى صحة الصلاة خلف الصف وحده، وقد تقدم الجواب عنه في الباب الماضي.
ومنها: أنه احتج به من يقول بإدراك الركعة لمن أدرك الركوع، حيث لم يأمره ﷺ بالإعادة، وقد تقدم الجواب عنه أيضًا.
ومنها: أن من أدرك الإِمام على حال ينبغي له أن يصنع كما يصنع الإِمام، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في سنن سعيد بن منصور من رواية عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من أهل المدينة: أن النبي ﷺ قال: "من وجدني قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، فليكن معي على الحالة التي أنا عليها". وفي الترمذي نحوه عن علي، ومعاذ بن جبل، مرفوعًا، وفي إسناده ضعف، ولكنه ينجبر بطريق سعيد بن منصور المذكورة. قاله في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 6779
المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في حكم الركوع قبل الوصول إلى الصف:
ذهب قوم إلى أن من أدرك الإِمام راكعًا يركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم يَدِبُّ حتى يدخل فيه.
رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" جـ ١ ص ٢٥٥ - ٢٥٦ عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبي سلمة، وعطاء. ورواه البيهقي في سننه جـ ٢ ص ٩٠ عن أبي بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وفي سنده مكحول مدلس، وقد عنعنه.
واستُدِلَّ لهؤلاء بما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر، يقول: "إذا دخل أحدكم المسجد، والناس ركوع، فليركع حين يدخل، ثم يدبّ راكعًا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك سنة". قال الحافظ أبو بكر الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس. وقد حاول الشيخ الألباني في تصحيحه، ولكنه ما أتى بما يزيل تدليس ابن جريج، وغاية ما استدل به، أن ابن جريج قال في آخر الحديث: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك. قال: هذا مما يشعر أنه تلقى
стр. 6780
ذلك عنه مباشرة؛ لأنه يبعد جِدّاً أن يكون سمعه عنه بالواسطة، ثم يراه يعمل بما حدث به عنه، ثم لا يسأله عن الحديث، ولا يعلو به، هذا بعيد جِدّاً، فالصواب أن الإسناد صحيح. انتهى كلامه.
قال الجامع: هذا الذي قاله الشيخ عجيب منه، فهل مثلُ هذا الكلام يقال في كل مدلس عنعن، أم في ابن جريج فقط؟ فهلا قال مثل هذا في الحديث الآتي: "إذا أتى أحدكم إلى الصلاة، فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف". ورجاله رجال الصحيح أيضًا، فقد أعله بتدليس عمر بن علي المقدمي مع قوله: حدثنا ابن عجلان، فقال ما معناه: كان يقول: حدثنا، ثم يسكت (١). فهلا قال فيه: من البعيد أن يكون عمر دلسه بالسكوت، ثم لا يبينه محمد بن أبي بكر الراوي عنه، وهو ابن أخيه يعرفه حق المعرفة، هذا بعيد جِدّاً؟.
والحاصل أن حديث ابن الزبير لا يصح لعنعنة ابن جريج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وذهب آخرون إلى النهي عنه، منهم أبو هريرة، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي. فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن أبي هريرة، أنه قال: لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف. وفي لفظ: إذا ركعت، والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف. وأخرج عن الحسن أنه سئل عن الرجل يركع قبل أن يصل إلى الصف؟ فقال: لا
стр. 6781
يركع. وعن مغيرة، قال: قلت لإبراهيم: إذا دخلتُ المسجد، والإمام راكع، أركع قبل أن أنتهي إلى الصف؟ قال: لا تفعل ذلك.
واستُدِلَّ لهؤلاء بحديث أبي بكرة ﵁ المذكور في الباب، فإن قوله: "لا تعد" بعد قوله: "أيكم الراكع دون الصف؟ " صريح في النهي عنه. وبما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: حدثني عمر بن علي، قال: ثنا ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف، حتى يأخذ مكانه من الصف". انتهى (١).
حسنه الحافظ في "الفتح"، وقال الشيخ الألباني: ظاهره الصحة، وقال أيضًا: إن الرجال كلهم ثقات، لكنه أعله بما تقدم ذكره، وقد عرفت أن تصحيحه لحديث ابن الزبير، وفيه عنعنة المدلس، وتضعيفه هذا بالتدليس غير جيد، فإن الطريق الذي صحح به ذاك منطبق على هذا، بلا فرق، وتقويته له بالآثار المذكورة فيه معارض بمثله من الآثار التي ذكرت في هذا.
وأقوى الدليل لهم حديث أبي بكرة، هذا، فإنه صريح في النهي عن الركوع دون الصف.
والحاصل أن أقوى المذهبين في هذه المسألة مذهب من قال بالنهي عن الركوع دون الصف، لحديث أبي بكرة هذا، وما حاول به الشيخ
стр. 6782
الألباني في سلسلته الصحيحة جـ ١ ص ٤٠٤ - ٤٠٨، مع اعترافه بكونه ظاهراً في النهي المذكور، إلا أنه اضطر إلى تأويله لئلا يختلف مع حديث ابن الزبير المذكور؛ حيث إنه يرى صحته، مع ما عرفت من ضعفه -غير مقبول، إذ تأويل الحديث الصحيح عن ظاهره ليوافق حديثًا ضعيفًا غير معقول، وما ذكره من التقوية بالآثار التي تقدم ذكرها فلا يلتفت إليه، لوجود ما يعارضها من الآثار في الجانب الآخر، كما ذكرته آنفا. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَا تُحَسِّنُ صَلَاتَكَ، أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي كَيْفَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ؟ إِنِّي أُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ بَيْنَ يَدَيَّ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك) المُخَرِّمِيُّ، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة بضع وخمسين ومائتين، من [١١]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ٤٣/ ٥٠.
стр. 6783
٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي، مولاهم الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة ٢٠١، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٣ - (الوليد بن كثير) المخزومي، أبو محمد المدني، ثم الكوفي، صدوق عارف بالمغازي، رُمِي برأي الخوارج، مات سنة ١٥١، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٤ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، أبو سَعْد المدني، ثقة، من [٣]، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في سنة ١٢٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٥ - (كيسان) أبو سعيد المقبري المدني مولى أم شريك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقة ثبت، من [٣].
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ١٠٠، وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حفر القبور، فسمي المقبري، وجعل نعيمًا على إجمار المسجد، فسمي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيمًا أدرك عمر.
وقال البخاري في صحيحه: قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سمي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر. وزعم الطحاوي في بيان المشكل أنه مات سنة ١٢٥، وهو وَهَم منه، فإن ذاك تاريخ وفاة ابنه
стр. 6784
سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي لكان عُمْرُ أبي سعيد أكثر من مائة وعشرين سنة، وهذا لم يقله أحد. وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع.
وفرق ابن حبان في الثقات بين كيسان صاحب العباء روى عن عمر، وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر، فالله أعلم. أخرج له الجماعة (١).
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، والبخاري، وأبو داود، وأنهم مدنيون إلا شيخه، فبغدادي، وأبا أسامة فكوفي، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة، أكثر الصحابة رواية، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
стр. 6785
شرح الحديث
(عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) كيسان، هكذا عند المصنف، ومسلمٍ من طريق الوليد بن كثير، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة بزيادة: "عن أبيه". وكذا عند ابن خزيمة في صحيحه رقم ٤٤٧٤ من طريق عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد و٦٦٤، من طريق أبي خالد -أعني الأحمر- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد. ووقع في مسند أحمد جـ ٢ ص ٤٤٩ من طريق يزيد -أعني ابن هارون- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة .. بدون ذكر "عن أبيه".
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: صلى رسول الله ﷺ يومًا) وفي رواية أحمد، وابن خزيمة "صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر"، وعند ابن خزيمة من طريق أبي خالد المذكورة: "العصر"، (ثم انصرف) أي سَلَّم من الصلاة. ولفظ أحمد من طريق يزيد، عن ابن إسحاق المذكورة: "صلى بنا رسول الله ﷺ ، الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجل، فأساء الصلاة، فلما سلم، ناداه رسول الله ﷺ ، يا فلان، ألا تتقي الله، ألا ترى كيف تصلي، إنكم ترون أني يخفى علي شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ".
ولفظ ابن خزيمة من طريق عبد الأعلى المذكورة: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فلما سلم، نادى رجلاً كان في آخر الصفوف،
стр. 6786
فقال: "يا فلان ألا تتقي الله، ألا تنظر كيف تصلي، إن أحدكم إذا قام يصلي، إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أراكم، إني والله لأرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدي".
ولفظه من طريق أبي خالد المذكورة، عن ابن إسحاق: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر، فبصر برجل يصلي، فقال: "يا فلان، اتق الله، أحسن صلاتك، أترون أني لا أراكم، إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي، أحسنوا صلاتكم، وأتموا ركوعكم وسجودكم".
(فقال: يا فلان ألا) أداة استفتاح وتنبيه (تُحسن صلاتك) من التحسين. أو الإحسان. يقال: حسَّنَ الشيءَ: إذا زَيَّنَهُ. أفاده في "مختار الصحاح". ويقال: أحسنتُ الشيءَ: عَرَفته، وأتقنته. كما في المصباح، ونحوُه في "ق" والمختار (١).
أي ألا تُزَينُ صلاتك وتُتْقِنها بإتمام الركوع والسجود، والخشوع (ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه) ولفظ مسلم: "ألا ينظر المصلي إذا صلى، كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه".
يعني أن نفع الصلاة لنفس المصلي، فمن واجبه أن يتقن أعمالها؛ لأنه إنما يصلي لنفسه، ومعلوم أن كل من يعمل لنفسه يتقن عمله؛ حيث إن نفعه يعود له، لا لغيره (إِني أبصر) وفي نسخة: "فإني
стр. 6787
أبصر"، وفي رواية مسلم: "إني والله لأبصر" وهو من الإبصار (من ورائي، كما أبصر بين يديّ) وفي الكبرى "من بين يدي" بزيادة "من". أي: إني انظر من وراء ظهري معجزةً مثل ما أرى من أمامي عادةً.
وقال السندي ﵀: يحتمل أدن تكون "من" جارّة، أو موصولة. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي قاله يَعْتَمدُ عَلى صحة الرواية بالوجهين، وإلا فما صحت به الرواية هو المتعين. والله تعالى أعلم.
قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له ﷺ إدراكًا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به. قال القاضي عياض: قال أحمد بن حنبل ﵀، وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقةً. انتهى (١).
تنبيه:
استنباط المصنف من هذا الحديث حكم ما ترجم له بعيد جدّاً، كما أشرف إليه في أول الباب؛ لأنه ليس في الحديث أن ذلك الرجل كان خلف الصف وحده، بل في رواية أحمد ما يدل على أنه كان داخل الصف؛ حيث قال: "وفي مؤخر الصفوف رجل … " ولفظ
стр. 6788
ابن خزيمة: "نادى رجلاً كان في آخر الصفوف … " فإنه ظاهر في كونه في الصف، لا خارجه. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه.
أخرجه المصنف هنا ٦٣/ ٨٧٢، وفي "الكبرى" ٦٣/ ٩٤٤ بالسند المذكور.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ٤٤٩. وابن خزيمة رقم ٤٧٤ و٦٦٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: مشروعية إنكار الرئيس على رعيته إذا رأى منهم تقصيرًا في الأمور الشرعية، ولاسيما ما يتعلق بالصلاة.
ومنها: أنه ينبغي للمصلي أن يعتقد أن صلاته لنفسه، فيؤديها
стр. 6789
بواجباتها، ومسنوناتها، ومستحباتها حتى يكون نفعها له أتم.
ومنها: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف؛ لأنه ﷺ حلف كما تقدم في رواية مسلم، قال النووي ﵀: لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف. اهـ (١).
ومنها: إثبات معجزة باهرة للنبي ﷺ ؛ حيث جعله الله تعالى يرى من خلفه كما يرى من أمامه ﷺ . قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة:
أكْثَرُ الأنْبِيَاءِ حَقَّاً تَبَعَا … يَرَى مَنْ خَلْفَة كَقُدَّامٍ مَعَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6790
٦٤ - الصَّلَاةِ بَعْدَ الظُّهْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية الصلاة النافلة بعد أداء صلاة الظهر.
ثم إنه لا وجه لذكر هذا الباب والذي بعده هنا، بل محله [كتاب قيام الليل، وتطوع النهار] كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وذكر أحاديث البابين في الكبرى في أوائل كتاب الصلاة خلال بيان أعداد الصلوات، وهو أنسب مما هنا، فالله تعالى أعلم.
٨٧٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
стр. 6791
٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) هو عبد الله العدوي الصحابي ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو ٦٤ من رباعيات الكتاب.
ومنها: أنه مسلسل بالثقات الفقهاء، المدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، والظاهر أنه دخل المدينة.
ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالرواية لهم.
ومنها: أنه من أصح الأسانيد على ما قاله الإِمام البخاري، وهو المعروف عند المحدثين بسلسلة الذهب، روى الخطيب البغدادي ﵀ في "الكفاية" عن يحيى بن بكر أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زعْزَعَة عن زَوْبَعَة، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبي ﷺ والصحابة: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. اهـ (١).
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان يصلي
стр. 6792
قبل الظهر) أي قبل صلاة الظهر (ركعتين). وفي رواية مسلم، ورواية للبخاري: "سجدتين" بدل "ركعتين" في الكل. والمراد بهما الركعتان. وفي رواية للبخاري: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات؛ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا يُدْخَلُ على النبي ﷺ فيها: (وبعدها ركعتين).
وفي هذا الحديث الاقتصار على ركعتين قبل الظهر، وسيأتي للمصنف برقم ٥٦/ ١٧٥٧، من حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يدع أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر". ويجمع بأن كل واحد منهما وصف ما رأى، ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵁ نسي ركعتين من الأربع، وهذا -كما قال الحافظ- احتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالتين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا.
وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا. ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد، فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه مسلم (١)، وأحمد، وأبو داود في حديث عائشة ﵂: "كان
стр. 6793
يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين". قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها (١).
(وكان يصلي بعد المغرب ركعتين في بيته) قيد للركعتين بعد المغرب، ومثله العشاء، لما تقدم في رواية البخاري، وفي رواية له: "فأما المغرب والعشاء ففي بيته".
(وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف) أي يرجع إلى بيته (فيصلي ركعتين) بالرفع، لا بالنصب. قاله العيني (٢).
وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ﵁ ذكر الجمعة بعد الظهر من أجل أنه ﷺ كان يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدهما في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. انتهى.
قال في "الفتح": وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. انتهى (٣). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6794
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٦٤/ ٨٧٣، وفي "الكبرى" ١٨/ ٣٤٤، وأعاده في الجمعة ٤٥/ ١٤٢٧ بالجزء الأخير فقط: "وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين" ومثله في "الكبرى" في "الجمعة" ٣٩/ ١٧٤٥ بالسند المذكور. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الجمعة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عنه. ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. ومالك في "الموطأ" رقم ١٢١. وأحمد جـ ٢ ص ٦٣، ٨٧. والدارمي رقم ١٤٤٤ و١٥٨١. وابن خزيمة ١٨٧.
وأخرجه من طريق أيوب، عن نافع، البخاري عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. والترمذي عن الحسن بن علي الحلواني الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلاهما عن أيوب به. وأحمد جـ ٢ ص ٦، ٣٥. وابن خزيمة رقم ١١٩٧، ١٨٦٩.
стр. 6795
ومن طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، البخاري عن مسدد، عن يحيى بن سعيد. ومسلم عن زهير بن حرب، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة. والمصنف في الكبرى عن أحمد بن سليمان، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر، به. وأحمد جـ ٢ ص ١٧، ٧٥، ٧٧.
ومن طريق الليث بن سعد، عن نافع، مسلم عن يحيى بن يحيى، ومحمد بن رُمْح، وقتيبة. وابن ماجه عن محمد بن رمح. والترمذي عن قتيبة. والمصنف في الكبرى عن قتيبة، ثلاثتهم عن الليث به. وأحمد جـ ٢ ص ١٢٣. ولفظ رواية الليث: "أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فصلى سجدتين في بيته، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك" (١).
وبقية المسائل ستأتي في محلها، من "كتاب الجمعة"، و"كتاب قيام الليل، وتطوع النهار" إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…