٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) هو عبد الله العدوي الصحابي ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو ٦٤ من رباعيات الكتاب.
ومنها: أنه مسلسل بالثقات الفقهاء، المدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، والظاهر أنه دخل المدينة.
ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالرواية لهم.
ومنها: أنه من أصح الأسانيد على ما قاله الإِمام البخاري، وهو المعروف عند المحدثين بسلسلة الذهب، روى الخطيب البغدادي ﵀ في "الكفاية" عن يحيى بن بكر أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زعْزَعَة عن زَوْبَعَة، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبي ﷺ والصحابة: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. اهـ (١).
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، واحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان يصلي
стр. 6792
قبل الظهر) أي قبل صلاة الظهر (ركعتين). وفي رواية مسلم، ورواية للبخاري: "سجدتين" بدل "ركعتين" في الكل. والمراد بهما الركعتان. وفي رواية للبخاري: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات؛ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا يُدْخَلُ على النبي ﷺ فيها: (وبعدها ركعتين).
وفي هذا الحديث الاقتصار على ركعتين قبل الظهر، وسيأتي للمصنف برقم ٥٦/ ١٧٥٧، من حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يدع أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر". ويجمع بأن كل واحد منهما وصف ما رأى، ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵁ نسي ركعتين من الأربع، وهذا -كما قال الحافظ- احتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالتين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا.
وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا. ويحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد، فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه مسلم (١)، وأحمد، وأبو داود في حديث عائشة ﵂: "كان
стр. 6793
يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين". قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها (١).
(وكان يصلي بعد المغرب ركعتين في بيته) قيد للركعتين بعد المغرب، ومثله العشاء، لما تقدم في رواية البخاري، وفي رواية له: "فأما المغرب والعشاء ففي بيته".
(وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف) أي يرجع إلى بيته (فيصلي ركعتين) بالرفع، لا بالنصب. قاله العيني (٢).
وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ﵁ ذكر الجمعة بعد الظهر من أجل أنه ﷺ كان يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدهما في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. انتهى.
قال في "الفتح": وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. انتهى (٣). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 6794
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٦٤/ ٨٧٣، وفي "الكبرى" ١٨/ ٣٤٤، وأعاده في الجمعة ٤٥/ ١٤٢٧ بالجزء الأخير فقط: "وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين" ومثله في "الكبرى" في "الجمعة" ٣٩/ ١٧٤٥ بالسند المذكور. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الجمعة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عنه. ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. ومالك في "الموطأ" رقم ١٢١. وأحمد جـ ٢ ص ٦٣، ٨٧. والدارمي رقم ١٤٤٤ و١٥٨١. وابن خزيمة ١٨٧.
وأخرجه من طريق أيوب، عن نافع، البخاري عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. والترمذي عن الحسن بن علي الحلواني الخلال، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلاهما عن أيوب به. وأحمد جـ ٢ ص ٦، ٣٥. وابن خزيمة رقم ١١٩٧، ١٨٦٩.
стр. 6795
ومن طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، البخاري عن مسدد، عن يحيى بن سعيد. ومسلم عن زهير بن حرب، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة. والمصنف في الكبرى عن أحمد بن سليمان، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر، به. وأحمد جـ ٢ ص ١٧، ٧٥، ٧٧.
ومن طريق الليث بن سعد، عن نافع، مسلم عن يحيى بن يحيى، ومحمد بن رُمْح، وقتيبة. وابن ماجه عن محمد بن رمح. والترمذي عن قتيبة. والمصنف في الكبرى عن قتيبة، ثلاثتهم عن الليث به. وأحمد جـ ٢ ص ١٢٣. ولفظ رواية الليث: "أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فصلى سجدتين في بيته، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك" (١).
وبقية المسائل ستأتي في محلها، من "كتاب الجمعة"، و"كتاب قيام الليل، وتطوع النهار" إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
стр. 6796
٦٥ - الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الصلاة النافلة قبل أداء صلاة العصر. وفي بيان اختلاف الرواة الناقلين للحديث عن أبي إسحاق السبيعي فيه.
٨٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَيُّكُمْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إِنْ لَمْ نُطِقْهُ سَمِعْنَا، قَالَ: كَانَ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الْعَصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا كَانَتْ مِنْ هَاهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَاهُنَا عِنْدَ الظُّهْرِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَيُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا ثِنْتَيْنِ، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمٍ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالنَّبِيِّينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ.
стр. 6797
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري أبو مسعود البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مكثر مدلس، اختلط بآخره، مات سنة ١٢٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (عاصم بن ضَمْرَة) السَّلُولي الكوفي، صدوق من [٣]، قيل: إنه أخو عبد الله بن ضمرة.
روى عن علي، وحَكى عن سعيد بن جبير، وهو أكبر منه. وعنه أبو إسحاق السبيعي، ومنذر بن يعلى الثوري، والحكم بن عتيبة، وكثير بن زاذان، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
قال يحيى بن سعيد عن الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم على حديث الحارث. وقال حرب عن أحمد: عاصم أعلى من
стр. 6798
الحارث. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: قُدِّمَ عاصمٌ على الحارث الأعور. وقال ابن عمار: عاصم أثبت من الحارث. وقال علي بن المديني، والعجلي: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث وقال البزار: هو صالح الحديث، وأما حبيب بن أبي ثابت، فروى عنه مناكير، وأحسب أن حبيبًا لم يسمع منه، ولا نعلمه روى إلا عن علي إلا حديثًا أخطأ فيه مسكين بن بكير، فرواه عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن ابن أبي بصير، عن أبي بن كعب.
وهذا مما لا يشك في خطئه، يعني أن الحديث معروف لأبي إسحاق عن ابن أبي بصير، ليس بينهما عاصم مع أن مسكيناً لم يتفرد بهذا، فقد رواه معمر بن سليمان الرقي، عن الحجاج كذلك، والوهم فيه من حجاج بن أرطأة.
وقال أبو إسحاق الجُوزَجاني: هو عندي قريب من الحارث. وروى عنه أبو إسحاق حديثًا في تطوع النبي ﷺ ست عشرة ركعة، فَيَالَعِبَاد اللهِ، أما كان ينبغي لأحد من الصحابة، وأزواج النبي ﷺ يحكي هذه الركعات؟ … إلى أن قال: وخالف عاصم الأمة واتفاقها، فروى في خمس وعشرين من الإبل خمسًا من الغنم.
قال الحافظ: تعصبُ الجوزجاني على أصحاب علي معروف، ولا إنكار على عاصم فيما روى، هذه عائشة أخص أزواج النبي ﷺ تقول لسائلها عن شيء من أحوال النبي ﷺ : سل عليًا، فليس بعجب أن
стр. 6799
يروي الصحابي شيئًا يرويه غيره من الصحابة بخلافه، ولاسيما في التطوع، وأما حديث الغنم فلعل الأمة فيه (١) ممن بعد عاصم، وقد تبع الجوزجانيَّ في تضعيفه ابنُ عدي، فقال: وعن علي بأحاديث باطلة، لا يتابعه الثقات عليها، والبلاء منه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ على أنه أحسن حالاً من الحارث. وقال خليفة: مات في ولاية بشر بن مروان سنة ٧٤، وكذا أرخه ابن سعد، أخرج له الأربعة (٢).
٦ - (علي) بن أبي طالب الهاشمي أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، أبو الحسن ﵁، تقدم في ٧٤/ ٩١. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله موثقون، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وعاصمًا، فما أخرج له الشيخان، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ أبو إسحاق، عن عاصم، والله تعالى أعلم.
стр. 6800
شرح الحديث
(عن عاصم بن ضمرة) السلولي، أنه (قال: سألنا عليًّا) هو ابن أبي طالب ﵁، وفي نسخة: "سالت عليّاً" (عن صلاة رسول الله ﷺ ) أي تطوعه، ولفظه عند أحمد، وابن ماجه من طريق وكيع، ثنا سفيان، وأبي، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرَة السَّلُولي، قال: سألنا عليّاً عن تطوع رسول الله ﷺ بالنهار؟ فقال: إنكم لا تطيقونه، فقلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما استطعنا، قال. كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر يُمْهِلُ حتى إذا كانت الشمس من هاهنا، يعني من قبل المشرق بمقدارها من صلاة العصر من هاهنا، يعني من قبل المغرب، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا، يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا قام فصلى أربعًا، وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، يفصل بين كل تسليمتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين.
قال علي: فتلك ست عشرة ركعة تطوع رسول الله ﷺ بالنهار وقَلَّ من يداوم عليها.
وزاد في رواية ابن ماجه: قال وكيع: زاد فيه أبي: فقال حبيب ابن أبي ثابت: يا أبا إسحاق ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهبًا.
стр. 6801
(قال) علي ﵁: (أيكم يطيق ذلك؟) استفهام إنكاري، أي إنكم لا تطيقون القيام به، وفي رواية أحمد، وابن ماجه المذكورة: "إنكم لا تطيقونه" (قلنا: إِن لم نطقه سمعنا) أي إن لم نطق العمل بكله، سمعنا، فعملنا بما نستطيع، ففي رواية أحمد وابن ماجه المذكورة: "فقلنا: أخبرنا به، نأخذْ منه ما استطعنا".
(قال: كان إِذا كانت الشمس من ههنا) يعني من قبل المشرق (كهيآتها من ههنا عند العصر) أي كمقدار ارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر، والمراد به وقت صلاة الضحى (صلى ركعتين) والحاصل أنه إذا ارتفعت الشمس عن جانب المشرق مقدار ارتفاعها من جانب المغرب وقت العصر صلى ركعتين، وهي صلاة الضحى، وسماها بعضهم صلاة الإشراق.
واستدل به لأبي حنيفة ﵀ على أن وقت العصر بعد المثلين، وفيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا الحديث ليس فيه أن الشمس كانت عند المثلين، فلا يعارض النصوص الصحيحة الصريحة التي دلت على أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثلَهُ، ولو سلم فهي مقدمة عليه، لقوَّتِهَا، وكونها صريحة، وقد تقدم تمام البحث فيه في [باب أول وقت العصر] من "كتاب المواقيت" فارجع إليه تستفد.
وقال صاحب "إنجاح الحاجة": هذه الصلاة هي الضحوة الصغرى، وهو وقت الإشراق، وهذا الوقت هو أوسط وقت الإشراق
стр. 6802
وأعلاها، وأما دخول وقته فبعد طلوع الشمس، وارتفاعها مقدار رمح، أو رمحين حين تصير الشمس بازغة، ويزول وقت الكراهة، وأما الصلاة الثانية فهي الضحوة الكبرى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فيه أن هذا ليس وسط وقت الإشراق، لما سيأتي في "الكبرى" أن هذا الوقت مقدار رمح، أو رمحين، ولفظه: "كان نبي الله ﷺ إذا زالت الشمس، يعني من مطلعها قدر رمح، أو رمحين كقدر صلاة العصر من مغربها صلى ركعتين" … فدلّ على أن هذا الوقت هو أول وقت زوال الكراهة. فتدبر. والله تعالى أعلم بالصواب.
(فإِذا كانت) الشمس (من ههنا) يعني من قبل المشرق (كهيآتها من ههنا عند الظهر) أي كمقدار ارتفاعها من جهة المغرب وقت صلاة الظهر (صلى أربعًا) وتسمى هذه الصلاة صلاة الأوابين، ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم: أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين حين تَرْمَضُ الفصال".
و"ترمض" -بفتح التاء، والميم-: أي تحترق، و"الفصال" جمع فَصِيل: ولد الناقة إذا فُصِلَ عن أمه، يعني حين تحترق أخفافها من شدة حر النهار.
(ويصلي قبل الظهر أربعًا) أي بعد الزوال، ففي الرواية
стр. 6803
المتقدمة: "وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس" (وبعدها ثنتين) أي يصلي بعد صلاة الظهر ركعتين.
وفيه استحباب أربع قبل الظهر، وركعتين بعدها، وقد ثبت في غير حديث علي ﵁ أربع بعدها أيضًا، ففي حديث أم حبيبة ﵂، قالت: سمعت رسول ﷺ يقول: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وسيأتي للمصنف ٦٧/ ١٨١٦.
(ويصلي قبل العصر أربعًا) أي يصلي قبل صلاة العصر أربع ركعات (يفصل) جملة فعلية في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي" (بين كل ركعتين بتسليم) ولأحمد، والترمذي: "بالتسليم" معرفًا (على الملائكة المقربين والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين) المراد بالمسلمين هم المؤمنون، فيكون العطف للتفسير.
وأراد بالتسليم التشهد، كما قاله إسحاق بن إبراهيم، ذكره عنه الترمذي، وسمي تسليمًا لما فيه من قول: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، وهذا هو الظاهر، وتؤيده الرواية الثانية: "يجعل التسليم في آخره"، يحمل ذلك التسليم على تسليم الخروج. والله تعالى أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى (١).
стр. 6804
وقال البغوي ﵀: المراد بالتسليم التشهد، دون السلام. أي وسمي تسليمًا على مَنْ ذُكِرَ لاشتماله عليه، وكذا قاله ابن الملك، قال الطيبي: ويؤيده حديث عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، وكان ذلك في التشهد. انتهى.
وقال الحافظ العراقي ﵀: حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفصل بالتسليم التشهُد؛ لأن فيه السلام على النبي ﷺ ، وعلى عباد الله الصالحين. قاله إسحاق بن إبراهيم، فإنه كان يرى صلاة النهار أربعًا، قال: وفيما أوَّلَهُ عليه بُعدٌ. انتهى.
قال المباركفوري ﵀: لا بُعْدَ عندي فيما أوَّلَه عليه، بل هو الظاهر القريب، بل هو التعين، إذ النبيون والمرسلون لا يحضرون الصلاة حتى ينويهم المصلي بقوله: "السلام عليكم"، فكيف يراد بالتسليم تسليم التحلل من الصلاة، هذا ما عندي. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على التشهد هو الأرجح عندي، لظاهر الرواية الأخرى؛ حيث إن فيها "يجعل التسليم في آخر ركعة"، فإن المراد به تسليم الخروج؛ ولأن تسليم التحلل ليس فيه تسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، وإنما هذا معنى قول المصلي في التشهد: "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، فقد صح تفسيره ﷺ بهذا المعنى، فقد أخرج الشيخان
стр. 6805
وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، وميكائيل، السلام على فلان، وفلان، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ ، فقال: "إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". متفق عليه.
فقد بَيَّنَ في هذا الحديث معنى التسليم المذكور في حديث علي ﵁، وخير ما يفسر به الحديث ما جاء في حديث آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر بعض اختلاف الرواة على أبي إسحاق السبيعي في رواية هذا الحديث، فقال:
٨٧٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النَّهَارِ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ؟ قَالَ: مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ ثُمَّ أَخْبَرَنَا، قَالَ:
стр. 6806
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِي آخِرِهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيُّ البصري، ثقة ثبت حافظ، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد بن عبد الرحمن) الطُّفَاوي أبو المنذر البصري، صدوق يَهِمُ، من [٨].
قال محمد بن عبد الله الحضرمي، عن أحمد بن حنبل: كان يدلّس. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال علي بن الحسين بن حبان: وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا -يعني يحيى بن معين- عن محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي؟ فقال: قَدِمَ علَيْنا هاهنا، لم يكن به بأس، البصريون يرضونه. وقال علي بن المديني: كان ثقة. وقال أبو داود، وأبو حاتم: ليس به بأس، زاد أبو حاتم: صدوق صالح، إلا أنه يَهِمُ أحيانَّاَ. وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي العلل لابن أبي حاتم: قال أبو زرعة: الطفاوي صدوق،
стр. 6807
إلا أنه يهم أحيانًا.
وقال أبو حاتم أيضًا: ضعيف الحديث. وقال الدارقطني: قد احتج به البخاري. وقال ابن عدي: وعامة رواياته إفرادات وغرائب، وكلها يُحتَمَلُ، ويكتب حديثه، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، وإنما ذكرته لأحاديث أيوب التي انفرد بها، وكل محتمل، ولا بأس به. قال الحافظ: لكنه أورد ما رواها عن هشام بن عروة، والذنب فيها لغير الطفاوي، فإنها من رواية عمرو بن عبد الجبار السخاوي، عن الطفاوي، وقد أورد له ابن عدي الحديث الأول في ترجمته، وهو المتهم به. قال عبد الباقي بن قانع: مات سنة ١٨٧، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (١).
٣ - (حصين بن عبد الرحمن) السلمي أبو الهُذَيل الكوفي، ثقة تغير حفظه في الآخر، مات سنة ١٣٦، أخرج له الجماعة. تقدم في ٤٧/ ٨٤٦.
والباقون تقدموا في السند السابق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عاصم بن ضمرة) السَّلُولي، أنه (قال: سألت علي بن أبي طالب) وفي الرواية السابقة "سألنا عليّاً" (عن صلاة رسول الله ﷺ
стр. 6808
في النهار قبل المكتوبة) أي عن تطوعه قبل أن يصلي الصلاة المفروضة. (قال) علي: (من يطيق ذلك؟) استفهام إنكاري، استعظامًا لشأنه، واستبعادًا لقيامهم بحقه، كما يدل عليه قوله في رواية أحمد، وابن ماجه في آخره: "وقلَّ من يداوم عليها".
(ثم أخبرنا، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي) جملة "قال" إلخ تفسير لقوله: "أخبرنا" (حين ترتفع الشمس ركعتين) وهكذا في الكبرى ١٥/ ٣٣٨، وفي نسخة من "المجتبى": "حين تزيغ الشمس"، أي تميل عن وسط السماء، والمراد ميلها الذي قبل الزوال، لا بعده، فيكون بمعنى "ترتفع الشمس" فلا تخالف بين النسختين، فتنبه.
(و) يصلي (قبل نصف النهار أربع ركعات، يجعل التسليم في آخره) لعل تذكيره للضمير لتأويله بالمُصَلَّى، أي يجعل التسليم في آخر ما صلاه. وفي الكبرى: "يجعل التسليم في آخر ركعة"، وهو واضح.
قال الجامع عفا الله عنه: بيَّن المصنف ﵀ في هذه الرواية اختلاف أصحاب أبي إسحاق في الرواية عنه.
ووجه ذلك أن سياق حصين بن عبد الرحمن مخالف لسياق شعبة، مع أن كلاً منهما رواه عن أبي إسحاق السبيعي، ففي رواية شعبة: "سألنا عليّاً" وفي رواية حصين: "سألت عليًا" وفي روايته زيادة قولِهِ: "في النهار قبل المكتوبة"، وقَولِهِ: "يجعل التسليم في آخره".
стр. 6809
ويحتمل أن يريد بالاختلاف الاختلافَ في محل التسليم فقط؛ حيث إنه في رواية شعبة: "يفصل بين كل ركعتين بالتسليم"، وفي رواية حصين: "يجعل التسليم في آخره". والله تعالى أعلم.
هذا هو الاختلاف الواقع فيما ساقه في "المجتبى"، وليس هو تمام الاختلاف، بل اختصره اختصارًا شديدًا، مع كونه ترجم لبيان الاختلاف الواقع على أبي إسحاق، ولا أدري سبب اختصاره، وقد بَيَّن الاختلاف بيانًا شافيًا في "الكبرى"، ودونك بيانه فيه:
قال رحمه الله تعالى:
"ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي في ذلك"
٣٣٧ - أخبرنا واصل بن الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنه سئل عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ قالوا: نحب أن نعملها، قال: كان نبي الله ﷺ إذا زالت الشمس، يعني من مطلعها قدر رمح أو رمحين، كقدر صلاة العصر من مغربها صلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا ارتفع الضحى صلى أربع ركعات،
стр. 6810
ثم يمهل حتى إذا زالت الشمس صلى أربع ركعات قبل الظهر حين تزول الشمس، فإذا صلى الظهر صلى بعدها ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات، فذلك ست عشرة ركعة".
٣٣٨ - أَنبأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى النَّهَارِ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ، قَالَ: "مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟، ثُمَّ أَخْبَرَه، قَالَ: كَانَ يُصَلِّي حِينَ ترتفع الشَّمْسُ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِى آخِرِ ركعة، وقبل الظهر أربع ركعات، يجعل التسليم في آخر ركعة، وبعدها أربع ركعات، يجعل التسليم في آخر ركعة"
٣٣٩ - أنبأنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد -وهو ابن زريع- .... إلى ما ساقه هنا في "المجتبى" في أول الباب.
٣٤٠ - أنبأنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا علياً عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ إنكم لن تطيقوها (١) قلنا: فأخبرنا، فإنا نحب أن نعملها، قال: إذا كان الشمس من قبل
стр. 6811
المشرق كنحوٍ من صلاة العصر، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل الشمس حتى إذا كانت من مشرقها كنحوٍ من صلاة الأولى صلى أربع ركعات، ثم ينطلق إلى أهله، فينتقل إن بدا له، ثم يقوم حين تميل الشمس، فيصلي أربع ركعات، ثم يصلي بعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات.
٣٤١ - أنبأنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي دبر كل مكتوبة ركعتين، إلا العصر والصبح. انتهى ما في "الكبرى" جـ ١ ص ١٤٧ - ١٤٨. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي ﵁ هذا حديث حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٦٥/ ٨٧٤، ٨٧٥، بالإسنادين المذكورين. وقد تقدم بيان مواضعه في "الكبرى" بالتفصيل قريبًا.
وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن محمود بن غيلان، عن وهب
стр. 6812
ابن جرير، وعن ابن المثنى، عن غندر كلاهما عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عنه. وقال: حديث حسن. وقال إسحاق: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ بالنهار هذا.
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن أبيه، وسفيان، وإسرائيل، ثلاثتهم عن أبي إسحاق نحوه.
وأحمد جـ ١ ص ٨٥، ١٤٣، ١١١، ١٤٧، ١٦٠. وعبد الله بن أحمد ١٤٢، ١٤٣، ١٤٦. وابن خزيمة رقم ١٢١١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان استحباب التطوع قبل صلاة العصر.
ومنها: ما كان عليه السلف من شدة حرصهم على معرفة صلاة رسول الله ﷺ ليقتدوا به فيها.
ومنها: بيان هدي النبي ﷺ من تكثير النوافل، مع كونه غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ليكون عبدًا شكورًا، كما قال لعائشة ﵂: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
ومنها: استحباب صلاة ركعتين عند ارتفاع الشمس من مطلعها بعد خروج وقت الكراهة بارتفاع الشمس قدر رمح، أو رمحين، ويسميهما بعض العلماء صلاة الإشراق.
стр. 6813
ومنها: استحباب صلاة أربع ركعات قبل الزوال، وأربع بعده قبل صلاة الظهر بتسليمة واحدة، ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"؛ لأن الحديث مختلف في صحته، وإنما المتفق عليه: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وعلى تقدير صحته يحمل على بيان الجواز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجح والمآب.
المسألة الرابعة: قال الإِمام الترمذي ﵀: قال إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه-: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ بالنهار هذا. انتهى. ولعله -كما قال المباركفوري ﵀ أراد بكونه أحسن شيء في تطوعه ﷺ بالنهار باعتبار أنه مشتمل على ست عشرة ركعة دون غيره من الأحاديث.
وقال في موضع آخر: واختار إسحاق بن إبراهيم أن لا يفصل في الأربع قبل العصر، واحتج بهذا الحديث، وقال: معنى قوله: "إنه يفصل بينهن بالتسليم"، يعني التشهد. ورأي الشافعي وأحمد صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يختاران الفصل. انتهى.
قال المباركفوري ﵀: وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: صلاة الليل والنهار رباع رباع، وقال صاحباه أبو يوسف، ومحمد: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار رباع رباع، والاختلاف في الأولوية. انتهى (١).
(١) "جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي" جـ ٢ ص ٥٠٤ - ٥٠٥.
стр. 6814
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق الاختلاف المذكور مع أدلته، ومع بيان ما لها، وما عليها، وترجيح الراجح من ذلك في محله من [كتاب قيام الليل، وتطوع النهار] إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: نقل الترمذي ﵀ عن ابن المبارك أنه ضعف هذا الحديث قال: وإنما ضعفه عندنا -والله أعلم-؛ لأنه لا يروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وعاصم بن ضمرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث. قال علي ابن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان، قال سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث. انتهى كلام الترمذي (١).
وقال الذهبي في "الميزان": عاصم بن ضمرة صاحب علي وثقه ابن معين، وابن المديني، وقال أحمد: هو أعلى من الحارث الأعور، وهو عندي حجة، وقال النسائي: ليس به بأس. وأما ابن عدي، فقال: ينفرد عن علي بأحاديث، والبلية منه. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت المغيرة، يقول: لم يصدق في الحديث على علي إلا أصحاب ابن مسعود. وقال ابن حبان: روى عنه أبو إسحاق، والحكم رديء الحفظ فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيراً، فاستحق الترك، على أنه أحسن حالاً من الحارث.
стр. 6815
وقال الجوزجاني: روى عنه أبو إسحاق تطوع النبي ﷺ ست عشرة ركعة؛ ركعتين عند التالية من النهار، ثم أربعًا قبل الزوال، ثم أربعًا بعده، ثم ركعتين بعد الظهر، ثم أربعًا قبل العصر، فيا عباد الله أما كان الصحابة وأمهات المؤمنين يحكون هذا، إذ هم معه في دهرهم، يعني أن عائشة، وابن عمر، وغيرهما حكوا عنه خلاف هذا، وعاصم ابن ضمرة ينقل أنه ﵇ كان يداوم على ذلك، قال: ثم خالف الأمة، وروى: أن في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه. انتهى كلام الذهبي رحمه الله تعالى (١).
وقال الذهبي أيضًا في "الكاشف" بعد نقل نحو ما تقدم له، ما نصه: وهو وسط (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت جواب الجوزجاني فيما تقدم من كلام الحافظ رحمه الله تعالى في ترجمة عاصم هذا، وأما قول ابن حبان: فاستحق الترك، فيقدم عليه قول الإِمام أحمد: هو عندي حجة، وكذا توثيق ابن معين، وعلي بن المديني كما تقدم.
والحاصل أن حديثه لا ينزل من درجة الحسن. فأما إعلاله بصحة أحاديث الصحابة الآخرين على خلاف ما قاله، فيجاب عنه بالحمل على اختلاف الأوقات، فأحيانًا يصلي هكذا، وأحيانًا يصلي هكذا.
стр. 6816
وأما الاحتجاج بتعبيره بـ"كان" حيث إنها تفيد الدوام، فيجاب عنه بأنها ليست للدوام دائمًا، بل تأتي أحيانًا لمجرد الدلالة على الحدث الماضي لقرينة، والقرينة هنا ثبوت ما نَقَله الصحابة الآخرون عنه بخلاف هذا، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6817
١١ - كِتَابُ الافْتِتَاح (١)
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الافتتاح. والمراد به افتتاح الصلاة، وعبارة الكبرى [كتاب افتتاح الصلاة].
والظاهر أن في عبارته اكتفاءً؛ لأنه ذكر في هذا الكتاب أحاديث افتتاح الصلاة، وأحاديث القراءة، وغير ذلك.
والافتتاح مصدر "افتتح الشيء": إذا ابتدأهُ.
قال الفيومي ﵀: فَتَحْتُ البابَ فَتْحاً: خِلافُ أغلقتُهُ، وفَتَحْتُهُ فانفَتحَ: فَرَجْتُهُ، فانفرَجَ، وبابٌ مفتوحٌ: خلافُ المردود والمُقْفَلِ، وفَتَحْتُ القَنَاةَ فَتْحاً: فَجَرْتُهَا ليجريَ الماءُ، فيَسْقيَ الزرعَ، وفَتَحَ الحاكمُ بين الناسِ فتحاً: قَضَى، فهو فاتحٌ، وفَتَّاحٌ: مبالغةٌ، وفتح السلطانُ البلادَ: غَلَبَ عليها، وتَمَلَّكَهَا قَهْراً، وفتح الله على نبيه ﷺ : نصرهُ، واستفتحتُ: استنصرتُ، وفتحَ المأمومُ على إمامه: قرأ ما أرْتِجَ على الإِمام لِيَعْرِفَه.
وفاتحةُ الكتاب سميت بذلك لأنه يُفْتَتَحُ بها القراءةُ في الصلاة، وافتتحهُ بكذا: ابتدأه به، والفُتْحَةُ في الشيء -أي بالضم- الفُرْجة،
стр. 6818
والجمع فُتَحٌ، مثل غُرْفة وغُرَف، وباب فُتُح -بضمتين-: مفتوحٌ واسعٌ، وقَارُورة فُتُحٌ -بضمتين أيضاً-: ليس لها غلاف، ولا صِمَامٌ، والمِفْتاح: الذي يُفْتَحُ به المِغْلاقُ، والمِفْتح مثله، وكأنه مقصور منه، وجمع الأول: مَفاتيح، وجمع الثاني مَفَاتِح بغير ياء.
وقوله ﷺ : "مِفتاحُها الطَّهور" استعارة لطيفة؛ وذلك أن الحدث لَمَّا مَنَعَ من الصلاة، شَبَّهَهُ بالغَلَقِ المانع من الدخول إلى الدار، ونحوِها، والطَّهور لَمَّا رفع الحدث المانع، وكان سبب الإقدامِ على الصلاة، شبَّهَهُ بالمفْتَاح. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم.
…
يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد، ثقة من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (علي بن عياش) -بتحتانية، ومعجمة- الألْهَاني -بفتح الهمزة، وسكون اللام- الحمصي، مات سنة ١١٩، ثقة ثبت من [٩]، أخرج له البخاري والأربعة، تقدم في ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة/ دينار الأموي مولاهم، أبو بِشْرٍ الحمصي، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهري، مات سنة ١٦٢ أو بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أحمد بن محمد بن المغيرة) بن سِنَان الأزدي الحمصي، صدوق، مات سنة ٢٦٤، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٥ - (عثمان بن سيعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، مات سنة ٢٠٩، من [٩]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٦ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر الإِمام الحافظ الحجة المثبت المدني مات سنة ١٢٥، وقيل غير ذلك، من [٤]، أخرج له
стр. 6821
الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٧ - (سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدني، ثقة عابد فقيه فاضل، مات سنة ١٠٦ على الصحيح، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٤٩٠.
٨ - (عبد الله بن عمر) الصحابي المشهور ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخيه، فانفرد هو بهما، وعثمان بن سعيد، فانفرد هو به، وأبو داود.
ومنها: أن هذا السند أصح الأسانيد على ما ذكره أبو عَمْرو ابن الصلاح قال: رَوَينا عن إسحاق بن راهويه، أنه قال: أصح الأسانيد كُلِّها الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه، وروينا نحوه عن أحمد بن حنبل (١).
ومنها: أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدم الكلام
стр. 6822
عليها غير مرة.
ومنها: أن فيه قوله: "هو ابن سعيد"، وقوله: وهو الزهري، إشارة إلى القاعدة المشهورة في مصطلح أهل الحديث، وهي أن الراوي إذا أراد نسبة غير شيخه إلى أبيه، أو غيره، دون أن ينسبه له شيخه أتى بما يدلّ على زيادته، من نحو" هو"، أو "يعني"، فصلاً لكلامه من كلام شيخه، وقد ذكر هذه القاعدة الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح"، فقال:
وَلا تَزِدْ في نَسَبٍ أوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أوْ بـ" أنَّ" أوْ بـ"هُوَ" … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
أَجِزْهُ في الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
وقد تقدم غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، الزهري، عن سالم.
ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهم المذكورون في قول الحافظ العراقي في "ألفية المصطلح":
وَفِي الْكِبَارِ الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عَرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ … سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إِمَّا أبُو سَلَمَةٍ أوْ سَالِمُ … أوْ فَأبُو بَكْرٍ خِلافٌ قَائِمُ
стр. 6823
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه، سالم، عن ابن عمر.
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول الحافظ السيوطي في ألفية المصطلح:
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِ .... وَابْنُ الْزُبَيْرِ في اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ .... وَغَلّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وأحد المكثرين السبعة المذكورين في الألفية المذكورة أيضاً:
وَالْمُكْثِرُونَ في رِوَايةِ الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَأنَسٌ وَالْبَحْرُ كالْخُدْرِيِّ … وَجَابِرٍ وَزَوْجَةِ الْنَبِيِّ
وكل هذا تقدم غير مرة، وإنما أعدته تذكيراً لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ إِذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه)، قال السندي ﵀: لعل المعنى إذا ابتدأ في الصلاة بالتكبير، فنصب التكبير بنزع الخافض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى ما قاله، بل معنى الكلام: إذا ابتدأ التكبير للدخول في الصلاة رفع؛ يعني أن رَفْعَ يديه يكون مع ابتداء التكبير بحيث لا يتقدم ولا يتأخر، فيكون قوله: "حين يكبر"
стр. 6824
مؤكدًا. والله تعالى أعلم.
(حين يكبر) متعلق بـ"رفع" أي أن رفعه يكون مقارنًا لتكبيره (حتى يجعلهما حذو منكبيه) غاية للرفع، أي يرفع يديه حتى ينتهي بهما إلى مقابلة منكبيه.
و"الحَذْوُ" -بفتح المهملة، وإسكان الذال المعجمة- المقابِلُ. و"المنكب" -بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة-: مجمع عظم العضد والكتف. يعني أنه يرفع يديه حتى تكونا مقابلتين لمنكبيه.
وبهذا أخذ الشافعي والجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى حديث مالك ابن الحويرث عند مسلم، ولفظه: "كان النبي ﷺ إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه". وفي لفظ له: "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ابن حجر بلفظ: "حتى حاذتا أذنيه". قال الحافظ: ورجح الأول لكون إسناده أصح.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن العمل بالحديثين هو الأرجح، لصحتهما، وإمكان العمل بهما، فيعمل بهذا تارة، وبهذا تارة، فلا حاجة للترجيح؛ لأن الترجيح لا يصار إليه إلا عند تعذر العمل بالدليلين، وسيأتي تحقيق القول في بابه ٣/ ٨٧٨ إن شاء الله تعالى.
(وإِذا كبر للركوع فعل مثل ذلك) وفي رواية يونس، عن الزهري: "وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع"، قال في الفتح: أي عند
стр. 6825
ابتداء الركوع، وفي حديث مالك بن الحُوَيرث: "وإذا أراد أن يركع رفع يديه".
(وإِذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك) ظاهره أنه يقول التسميع في ابتداء ارتفاعه من الركوع. قاله في الفتح. أي رفع يديه حين قوله: "سمع الله لمن حمده"، (وقال) أي بعد أن استتمّ قائماً (ربنا ولك الحمد) سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى (ولا يفعل ذلك حين يسجد) أي لا يرفع يديه حين يهوي للسجود (ولا حين يرفع رأسه من السجود).
قال في الفتح: وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية، والرابعة، والتشهدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضاً لكن بدون تشهد، لكونه غير واجب (١)، وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدلّ هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة، لكن قد روى يحيى القطان، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً هذا الحديث، وفيه: "ولا يرفع بعد ذلك". أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن، وظاهره يشمل النفي ما عدا المواطن الثلاثة، وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع، وهو الرفع إذا قام من الركعتين انتهى (٢).
стр. 6826
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الرفع ثبت في حديث ابن عمر ﵄ في أربعة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام للثالثة، وسيأتي إثباته عند السجود أيضاً من حديث مالك بن الحويرث ﵁، ويأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١/ ٨٧٦ - وفي "الكبرى" -١/ ٩٤٩ - عن عمرو بن منصور، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة - وعن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، عن شعيب -وفي ٢/ ٨٧٧ - و"الكبرى" -٢/ ٩٥٠ - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس -وفي ٣/ ٨٧٨ - و"الكبرى" -٣/ ٩٥٢ - عن قتيبة، عن مالك -وفي ١٩/ ١٠٥٧ - و"الكبرى" ١٨/ ٦٤٤ - عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن مالك -وفي ٢١/ ١٠٥٩ - و"الكبرى" -٢٠/ ٦٤٦ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن مالك -وفي ٨٦/ ١٠٢٥ -
стр. 6827
و"الكبرى" -٣٣/ ١٠٩٨ - عن قتيبة، عن سفيان - وفي -٨٨/ ١٠٣٧ - والكبرى -٣٥/ ٦٧٥ - عن محمد بن عبيد الكوفي المحاربي، عن ابن المبارك، عن معمر -وفي ٨٥/ ١١٤٤ - و"الكبرى" -٨١/ ٧٣٠ - عن - إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان -وفي ٣/ ١١٨٢ و"الكبرى" -٣٩/ ١١٠٥ - عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر - ستتهم عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (البخاري) في "الصلاة" عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك -وعن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن يونس- في (جزء رفع اليدين) عن أبي اليمان، عن شعيب -عن علي بن عبد الله، عن سفيان- وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك -وعن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس- وعن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر -وعن قتيبة، عن هشيم- وعن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عُقيل.
و (مسلم) عن يحيى بن يحيى التميمي، وسعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن نمير، كلهم عن ابن عيينة -وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج- وعن محمد بن رافع، عن حُجَين بن المثنى، عن الليث، عن
стр. 6828
عقيل- وعن محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ، عن سلمة بن سليمان، عن عبد الله، عن يونس.
و (أبو داود) عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة - وعن محمد بن المُصفَّى الحمصي، عن بقية، عن الزبيدي.
و (الترمذي) عن قتيبة، وابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة - وعن الفضل ين الصباح البغدادي، عن ابن عيينة.
و (ابن ماجه) عن علي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبي عمر الضرير، كلهم عن ابن عيينة - سبعتهم عن الزهري، به.
وأخرجه (مالك في الموطأ) ص ٦٩، و (الحميدي) رقم ٦١٤، و (أحمد) جـ ٢ ص ٨ و١٨ و٤٧ و٦٢ و١٣٤ و١٤٧ و (الدارمي) رقم ١٢٥٣ و١٣١٥ و١٣١٤، و (ابن خزيمة) ٤٥٦ و٥٨٣ و٦٩٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان العمل الذي يعمله المصلي في افتتاح صلاته، وهو رفع اليدين إذا افتتح الصلاة، وكون الرفع مع التكبير، وبيان حد الرفع وهو كونه بمحاذاة المنكبين.
ومنها: رفع اليدين عند الركوع.
ومنها: الرفع أيضاً عند الرفع من الركوع.
ومنها: مشروعية قول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
стр. 6829
ومنها: عدم مشروعية الرفع في حالة السجود، وسيأتي إثبات ذلك في حديث مالك بن الحويرث، ويأتي الكلام عليه ٢٦/ ١٠٨٥، وكذا سيأتي تفاصيل هذه الأمور في أبوابها الخاصة بها، إن شاء الله تعالى. والله تعالى ولي التوفيق.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في الصلاة:
قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: في هذا الحديث رفع اليدين في هذه المواطن الثلاثة عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبه قال أكثر العلماء من السلف والخلف.
قال ابن المنذر ﵀: روينا ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وقال الحسن البصري: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنها المراويح، وروي ذلك عن جماعة من التابعين، وجماعة ممن بعدهم، وقال الأوزاعي: ما اجتمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في هذه المواطن الثلاثة.
قال ابن المنذر: وهو قول الليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه ابن وهب عن مالك، وبه نقول. انتهى.
стр. 6830
وقد حكاه عن مالك أيضاً أبو مصعب، وأشهب، والوليد بن مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذي عن مالك.
وقال البخاري: يُروى عن عدة ومن أهل الحجاز والعراق والشام والبصرة واليمن - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ورفع الرأس منه، منهم سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله ابن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وغيرهم عدة كثيرة. انتهى.
وقال البيهقي: وقد رويناه عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ثم عن مالك، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، ثم عن الشافعي، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان.
وقالت طائفة: لا يَرفَع يديه فيما سوى الافتتاح، وهو قول سفيان، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن صالح بن حي، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، قال ابن عبد البر: وتعلق بهذه الرواية عن مالك أكثر المالكيين.
وقال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة". وهو المشهور عند