إن شاء الله تعالى.
(ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قال في "الفتح": لم تختلف الرواية في هذا عن أبي هريرة ﵁، وأما رفاعة، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله"، وفي رواية يحيى بن علي: "فإن كان معك قرآن، فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله"، وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود: "ثم اقرأ بأم القرآن، أو بما شاء الله"، ولأحمد، وابن حبان من هذا الوجه: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت"، ترجم له ابن حبان بـ[باب فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة]. انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بهذه الروايات أن معنى ما تيسر هي الفاتحة، فلا متمسك لمن استدل به على عدم فرضية الفاتحة. فتبصر. والله تعالى أعلم.
(ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، وفي رواية أحمد المذكورة: "فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وتمكن لركوعك". وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيركع حتى تطمئن مفاصله، ويسترخي".
(ثم ارفع) أي رأسك من الركوع (حتى تعتدل قائماً)، وفي
стр. 6897
رواية ابن نمير عند ابن ماجه: "حتى تطمئن قائمًا"، أخرجه ابن أبي شيبة عنه، وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسق لفظه، فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، عن أبي أسامة، وهو في "مستخرج أبي نعيم" من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة.
قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدم: فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن حبان، وفي لفظ لأحمد: "فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها"، وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها -أي الطمأنينة في الرفع من الركوع- شيء لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته، دالّ على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
(ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: "ثم يكبر، فيسجد حتى يمكن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي".
(ثم ارفع) أي رأسك من السجود (حتى تطمئن جالسًا)، وفي رواية إسحاق المذكورة: "ثم يكبر، فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويقيم صلبه"، وفي رواية محمد بن عمرو: "فإذا رفعت
стр. 6898
رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى"، وفي رواية إسحاق: "فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئن جالسًا، ثم افترش فخذك اليسرى، ثم تشهد".
(ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) بالجر توكيد لـ"صلاتك". وفي رواية محمد بن عمرو: "ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة". وفي حديث رفاعة ﵁ الآتي -١٥/ ١٠٥٣ - : "فإذا صنعت ذلك، فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك". وفي رواية -٦٧/ ١٣١٤ - : "فإذا أتممت صلاتك على هذا، فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك".
تنبيه: وقع في رواية ابن نمير عند البخاري في "الاستئذان" بعد ذكر السجود الثاني: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا". وقد قال بعضهم: هذا يدلّ على إيجاب جلسة الاستراحة، ولم يقل به أحد. وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وَهَم، فإنه عَقَّبَه، بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائمًا".
قال الحافظ: ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويقويه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواهُ إسحاقُ بن راهويه في "مسنده"
стр. 6899
عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم افعل ذلك في كل ركعة". وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح رواية عبد الله بن سعيد أبي قُدامة، ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا"، ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تضعيف رواية إسحاق غير صحيح، لأنه تابعه ابن نمير كما مر آنفًا، فالحديث صحيح، وأما دلالته على وجوب جلسة الاستراحة فظاهر، إلا أن له صارفًا، وهو ما صح عنه ﷺ من تركه جلسة الاستراحة في بعض الأحيان، كما يأتي البحث عنه في موضعه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 6900
أخرجه هنا -٧/ ٨٨٤ - وفي "الكبرى" -٧/ ٩٥٧ - عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
أخرجه هنا -٧/ ٨٨٤ - وفي "الكبرى" -٧/ ٩٥٧ - عن محمد ابن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
وقال في "الكبرى" عقب إيراد الحديث: قال أبو عبد الرحمن: خولف يحيى في هذا الحديث، فقيل: عن سعيد، عن أبي هريرة، والحديث صحيح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف يرى صحة الطريقين، طريق يحيى بزيادة "عن أبيه"، وطريق غيره بإسقاطه، وهو مذهب الشيخين، حيث أخرجا الحديث عن الطريقين، ومذهب الدارقطني أيضًا، حيث قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وأما الترمذي فقد رجح طريقة يحيى، حيث قال: حديث يحيى بن سعيد أصح. وقد تقدم تمام الكلام على هذا في التنبيه الذي ذكرته عقب ذكر لطائف الإسناد، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
стр. 6901
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخر جه (البخاري) في "الصلاة" عن مسدد -وفيه، وفي الاستئذان عن محمد بن بشار- (مسلم وأبو داود) في "الصلاة" عن أبي موسى محمد بن المثنى - ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر به. و (الترمذي) فيه عن محمد بن بشار به. وقال: روى ابن نمير هذا عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواية يحيى أصح. وأخرجه أحمد، وابن حبان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: وجوب الإعادة على من أخل بشيء من واجبات الصلاة.
ومنها: ما قيل: إن الشروع في النافلة مُلزِم، لكن يحتمل أن تكون تلك الصلاة فريضة.
ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومنها: الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النبي ﷺ عامله بالرفق فيما أمره به، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح
стр. 6902
المسألة، وتلخيص المقاصد.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من حسن الخلق، ولطف المعاشرة.
ومنها: طلب المتعلم من العالم أن يعلمه ما يجهله من أمر دينه، ولاسيما الصلاة.
ومنها: مشروعية تكرار السلام ورده، وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال.
ومنها: جلوس الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه.
ومنها: التسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ.
ومنها: ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظر، بل ما دل الدليل على وجوبه مما ثبت في السنة، فهو واجب، لأنه مما أمر الله به، إذ آية الوضوء مجملة، فسرتها السنة القولية والفعلية، وقد تقدم البحث في ذلك في أبواب الوضوء مُستوفى بحمد الله تعالى، فارجع إليه تزدد علمًا.
ومنها: تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
ومنها: أن فيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية، لكون ما ليس
стр. 6903
بلسان العرب لا يسمى قرآنًا. قاله عياض ﵀.
ومنها: وجوب القراءة في كل الركعات.
ومنها: أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كونه قال: "علمني" أي الصلاة، فعلمه الصلاة ومقدماتها.
ومنها: أنه استدل به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم، فإنه ترجم "مقدار الركوع والسجود" ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: "سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، وذلك أدناه". قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزىء أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعاً واطمأن ساجداً أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. قاله في الفتح (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في وجوب تكبيرة الإحرام:
стр. 6904
ذهب جمهور العلماء إلى تعين لفظ "الله أكبر" للشروع في الصلاة، دون غيره من ألفاظ التعظيم، ووافقهم أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم، كالله أعظم، والله أجلّ، ونحو ذلك.
واحتج الجمهور بحديث الباب، حيث قال للمسيء صلاته: "فكبر"، ولفظ أبي داود في حديث رفاعة ﵁: "لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر"، ورواه الطبراني بلفظ: "ثم يقول: الله أكبر"، وبحديث أبي حميد الساعدي ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه، ثم قال: "الله أكبر". أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وهذا فيه بيان المراد بالتكبير، وهو قول: "الله أكبر".
وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولأحمد، والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر ﵄ عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: "الله أكبر" كلما وضع، ورفع (١).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثابت عن نبي الله ﷺ أنه قال لرجل: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر"، وجاء الحديث عنه أنه قال:
стр. 6905
"مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير"، وجاءت الأخبار من وجوه شتى عن نبي الله ﷺ أنه افتتح الصلاة بالتكبير، وأجمع أهل العلم على أن من أحرم للصلاة بالتكبير أنه داخل فيها.
وممن رأى أن التكبير افتتاح للصلاة عبدُ الله بن مسعود، وطاوس، وأيوب، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، وعليه عوامّ أهل العلم في القديم والحديث، لا يختلفون أن السنة أن تفتتح الصلاة بالتكبير.
وكان الحَكَم يقول: إذا ذَكَرَ الله مكان التكبير يجزيه.
واختلف أصحاب الرأي في هذه المسألة، فحكَى يعقوب عن النعمان أنه قال في الرجل يفتتح الصلاة بـ"لا إله إلا الله" يجزيه، وإن افتتح بـ"اللهم اغفر لي" لم تجزه الصلاة، قال: وهو قول محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: لا تجزيه إذا كان يحسن التكبير.
وفي كتاب محمد بن الحسن قال: قلت: أرأيت رجلاً افتتح بالتهليل، أو بالتحميد، أو بالتسبيح، هل يكون ذلك دخولاً في الصلاة؟ قال: نعم. قلت له: لم؟ قال: أرأيت لو افتتح الصلاة، قال: الله أجل، أو الله أعلم، أكان داخلاً في الصلاة؟ قال: نعم. قال: فهذا وذاك سواء، قال: وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وإبراهيم، والحكم.
стр. 6906
وقال يعقوب: لا يجزيه إن كان يعرف أن الصلاة تُفتتح بالتكبير، وكان يحسنه، وإن كان لا يعرف أجزأه.
قال أبو بكر: ولا أعلم اختلافًا في أن من أحسن القراءة، فهلل، وكبر، ولم يقرأ -أن صلاته فاسدة، فاللازم لمن كان هذا مذهبه أن يقول: لا يجزىء مكان التكبير غيرها. وقد روينا عن الزهري قولاً ثالثًا أنه سئل عن رجل افتتح الصلاة بالنية، ورفع يديه، فقال: يجزيه.
قال أبو بكر: ولا أعلم أحدًا قال به غيره.
قال أبو بكر: والأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب مُستغنىً بها عما سواها، ولا معنى لقول أحدثَ مخالفًا للسنن الثابتة. ولِمَا كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون، وسائر المهاجرين والأنصار، وأصحاب رسول الله ﷺ ، وفقهاء المسلمين في القديم والحديث.
وقد أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم أن الرجل يكون داخلاً في الصلاة بالتكبير متبعًا للسنة إذا كبر لافتتاح الصلاة، وقد اختلفوا فيمن سبح مكان التكبير لافتتاح الصلاة، وغير جائز أن تنعقد صلاة عقدها مصليها بخلاف السنة. والله أعلم.
واختلفوا في الرجل يفتتح الصلاة بالفارسية، فكان الشافعي وأصحابه يقولون: لا يجزىء أن يكبر بالفارسية إذا أحسن العربية، وهكذا قال يعقوب، ومحمد: إن ذلك لا يجزيه، إلا أن يكون ممن لا
стр. 6907
يحسن العربية. وقال النعمان: إن افتتح الصلاة بالفارسية، وقرأ بها، وهو يحسن العربية أجزأه.
قال أيو بكر: لا يجزيه، لأن ذلك خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علّم رسول الله ﷺ أمته، وما عليه جماعات أهل العلم، لا نعلم أحدًا وافقه على مقالته هذه، ولا يكون قارئًا بالفارسية القرآن أبدًا، لأن الله تعالى أنزله قرآنًا عربيًا، فغير جائز أن يُقْرأ بغير ما أنزل الله. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر ﵀ هو الحق الحقيق بالقبول، وما عداه لا يؤيده منقول، ولا معقول، فلا تلتفت إليه إن كنت من ذوي العقول. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: ذهب مالك في أكثر الرواية عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه -إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة.
والحجة لهم حديث أبي هريرة، ورفاعة بن رافع عن النبي ﷺ أنه قال للرجل: "إذا أردت الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن … " الحديث. فعلمه ما كان من الصلاة واجبًا، وسكت له عن كل ما كان منه مسنونًا ومستحبًا، مثل
стр. 6908
التكبير، ورفع اليدين، والتسبيح، ونحو ذلك. فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها، مع قوله ﵇: "تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم". رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ ، ورواه أبو سعيد الخدري (١).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسماً من أسماء الله، ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه.
وقال الزهري، والأوزاعي، وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما، وأن الإمام إذا لم يكبر للإحرام بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، وهذا يقتضي على قوله في المأموم. والصحيح في مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام، وأنها فرض، ركن من أركان الصلاة، وهو الصواب، وكل من خالف ذلك فمخطىء محجوج بما وصفنا، وبالله توفيقنا.
وقال أيضًا: وأجمع جمهور العلماء على أن التكبير في افتتاح الصلاة لا يجزىء منه غيره من سائر الذكر، تهليلاً كان، أو تسبيحًا، أو تحميدًا، وعلى هذا مذهب الحجازيين: مالك، والشافعي، ومن
стр. 6909
اتبعهم، وأكثر العراقيين. وروي عن الحكم بن عتيبة، قال: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. وقال أبو حنيفة: إن افتتح بـ "لا إله إلا الله" يجزيه، وإن قال: "اللهم اغفر لي" لم يجزه. ولا يجزىء عند مالك إلا "الله أكبر"، لا غير. وكذلك الشافعي، وزاد: ويجزي "الله الأكبر"، ولا يجزي عند المالكيين "الله الأكبر".
وقال أصحاب مالك، والشافعي، وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: من أحسن العربية لم يجزه أن يكبر بالفارسية. وقال أبو حنيفة: يجزيه التكبير بالفارسية، وإن كان يحسن العربية، وكذلك لو قرأ بالفارسية عنده. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار (١).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: عند شرح حديث "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحريمُهَا التكبير" ما حاصله: فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل لفظ قصد به التعظيم. والحديث يرد عليه، لأن الإضافة في قوله: "تحريمها" تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير، أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير، لا تحريم لها غير ذلك، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو.
стр. 6910
وفي الباب أحاديث كثيرة تدلّ على تعين لفظ التكبير من قوله ﷺ وفعله. وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير.
وقد اختلف في حكمه، فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعي، وسنة عند الزهري. قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره. وروي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا: يجزيه تكبيرة الركوع. قال الحافظ: نعم نقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية (١)، وأبي بكر الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة.
وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف، قال في البحر: إنه فرض، إلا عن نفاة الأذكار، والزهريِّ. ويدل على وجوبه ما في حديث المسيء عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ: "فإذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر"، وعند الجماعة من حديثه بلفظ: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر"، وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة، وأن كل ما هو مذكور فيه واجب، وما خرج عنه، وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه، ففيه خلاف
стр. 6911
سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف.
ويدل على الشرطية حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود بلفظ: "لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر". ورواه الطبراني بلفظ: "ثم يقول: الله أكبر". والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح، إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة، وهو الظاهر، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها فعليه البيان.
وقد جعل صاحب "ضوء النهار" نفيَ التمام هنا هو نفي الكمال بعينه، واستدلّ على ذلك بقوله ﷺ في حديث المسيء: "فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك". وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضًا، لأنا نقول: الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها، لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يرد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات، وليست منها.
نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ: أنه لما قال ﷺ : "فإنك لم تصلِّ" كبر على الناس أنه مَن أخَفَّ من صلاته لم يصلّ، حتى قال ﷺ : "فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك". فكان أهون عليهم، فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام
стр. 6912
المذكور بمعنى نفي الكمال؛ إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين، ولَمَا كانت هذه أهون عليهم.
ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره، لا في فهم بعض الصحابة، سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع، فنحن نقول بموجب ما فهموه، ونسلم أن بين الحالتين تفاوتًا، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة، فقد فعل خيرًا من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها، وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف (١)، وهو حسن.
ثم إنا نقول: غاية ما ينتهض له دعوى مَن قال: إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية، لا عدم الوجوب، لأن المجيء بالصلاة تامة كاملة واجب، وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام، ولفظه: ومن قال من الفقهاء: إن هذا لنفي الكمال. قيل: إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين:
стр. 6913
أحدهما: أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع؛ أنه ينفي عملاً فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي عملاً إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه.
والثاني: لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم، ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله ﷺ . يقال: لا صلاة له. اهـ. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما سبق من الأدلة أن قول الجمهور هو الصحيح. والحاصل أن الدخول في الصلاة لا يصح، ولا يجزىء إلا بلفظ "الله أكبر" باللغة العربية، فتبصر، ولا تتحير، واتبع، ولا تبتدع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا
стр. 6914
المصلي، وما لم تتعلق فيه إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط.
فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه، لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكل موضع اختلف في تحريمه (١) فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه، لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده، فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبًا لذكر ذلك على ما قررناه. فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضد، ومن الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره -أعني الأمر بالتلبس بالضد- انتفى ملزومه، وهو الأمر بالضد، وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء.
فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف:
أحدها: أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد، فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب.
стр. 6915
وثانيها: إذا قام دليل على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين، فيعمل به.
وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعد ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى، لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب، لأن المراد ثَمَّةَ أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول ﷺ يدل على عدم الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذُكِرَ، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب.
وأيضًا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها.
وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية،
стр. 6916
وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح.
وثالثها: أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتثعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالاً واحدًا، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (١).
وكتب العلامة الصنعاني ﵀ الزيادات التي أشار إليها ابن دقيق العيد ﵀ فيما تقدم من كلامه، فقال:
ولتضم ألفاظه التي تفرقت في الأمهات التي فيها زيادة على ما ذكر في "العمدة"، فأخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث رفاعة الحديثَ، وفيه:
"فخاف الناس، وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، قال: فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء، قال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، فأقم، فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره - إلى أن قال: فإذا فعلت ذلك، فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك". قال: وكان أهون عليهم من الأولى أنه إن انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها.
وفي لفظ من رواية أبي هريرة: "إنه لا تتم صلاة أحد من الناس
стр. 6917
حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله ، ويثني عليه، ثم يقرأ ما شاء من القرآن". ثم ذكر فيه تكبير النقل والتسميع.
وفي أخرى "حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ثم يقرأ من القرآن".
وفي أخرى "إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وإذا سجدت فمكن سجودك، وإذا رفعت، فاقعد على فخذك اليسرى، ثم تشهد". وفي أخرى: "فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافرش فخذك اليسرى، ثم تشهد".
وفي أخرى بعد ذكر الوضوء: "ثم تشهد، فأقم، ثم كبر".
وفي أخرى بعد ذكر إحسان الوضوء: "ثم قم، فالشقبل القبلة، ثم كبر".
قال: فهذه خلاصة الزيادات في الروايات جميعًا سقناها لنفعها فيما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى "العدة" جـ ٢ ص ٣٥٩.
وكتب الحافظ ﵀ بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصه: قد امتثلت ما أشار إليه، وجمعت طرقه القوية من رواية أبي هريرة،
стр. 6918
ورفاعة، وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها، فمما لم يذكر فيه صريحًا من الواجبات المتفق عليها: النية، والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ ، والسلام في آخر الصلاة.
قال النووي: وهو محمول على أن ذلك كان معلومًا عند الرجل اهـ.
قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو ثبوت الدليل على إيجاب ما ذكر كما تقدم، وفيه بعد ذلك نظر.
قال: وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب اهـ.
وهو في معرض المنع، لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق، كما تقدم بيانه، فيحتاج من لم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدم تقريره. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
المسألة السابعة: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: قد تقدم أنه قد يستدل حيث يراد نفي الوجوب بعدم الذكر في الحديث، وقد فعلوا هذا في مسائل:
منها: أن الإقامة غير واجبة، خلافاً لمن قال بوجوبها من حيث إنها
стр. 6919
لم تذكر في الحديث، وهذا على ما قررناه يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق هذا الحديث، وقد ورد في بعض طرقه الأمر بالإقامة، فإن صح فقد عدم أحد الشرطين اللذين قررناهما.
قال الجامع: قد تقدم في كتاب الأذان أدلة وجوب الإقامة، وأيضًا قد ذكر في بعض طرق هذا الحديث ذكر الإقامة، فالراجح وجوبها. فتبصر. والله تعالى أعلم.
ومنها: الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح، حيث لم يذكر، وقد نقل عن بعض المتأخرين ممن لم يرسخ قدمه في الفقه، ممن ينسب إلى غير الشافعي أن الشافعي يقول بوجوبه، وهذا غلط قطعًا، فإن لم ينقله غيره فالوهم منه، وإن نقله غيره كالقاضي عياض ﵀، ومن هو في مرتبته من الفضلاء فالوهم منهم، لا منه.
ومنها: استدلال بعض المالكية به على عدم وجوب التشهد بما ذكرناه من عدم الذكر، ولم يتعرض هذا المستدلّ للسلام، لأن للحنفية أن يستدلوا به على عدم وجوب السلام بعينه، مع أن المادة واحدة، إلا أن يريد أن الدليل المعارض لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه، فلذلك تركه، بخلاف التشهد، فهذا يقال فيه أمران:
أحدهما: أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر، وهو أرجح مما ذكرناه.
стр. 6920
وبالجملة فله أن يناظر على الفريقين بين الرجحانين، ويمهد عذره، ويبقى النظر ثمة فيما يقال.
الثاني: أن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح، فإن الدلالة أمر، ويرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لو جرد النظر إليه لثبت الحكم، وذلك لا ينفي وجود المعارض.
نعم لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب به، وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح، والأولى أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول، ومن ادعى العارض الراجح فعليه البيان. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
المسألة الثامنة: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: استدل بقوله: "فكبر" على وجوب التكبير بعينه، وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول: إذا أتى بما يقتضي التعظيم، كقوله: "الله أجل" أو "أعظم" كفى، وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكل ما دل عليه، وغيره اتبع اللفظ، وظاهره تعيين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها الاتباع.
وأيضًا فالخصوص قد يكون مطلوبًا، أعني خصوص التعظيم بلفظ "الله أكبر"، وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة، كما تدل عليه
стр. 6921
الأحاديث، فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى، ولا يعارض هذا أن يكون أصل المعنى مفهومًا، فقد يكودن التعبد واقعًا في التفصيل كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعًا آخر لم يكتف به. ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة؛ أعني "الله أكبر".
وأيضًا فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة. ويخرج على هذا حكم هذه المسألة، فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير، وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرًا وتفصيلاً، وعلى تقدير تقريرها مطلقًا يخرج ما ذكرناه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة حسن جدّاً، وحاصله تعين جملة "الله أكبر" للدخول في الصلاة، كما هو مذهب الجمهور، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة السابقة، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة: قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"، استدل به من قال: إن قراءة الفاتحة لا تتعين، قال ابن دقيق العيد: ووجهه أنه إذا تيسر فيه غير الفاتحة، فقرأه يكون ممتثلاً، فيخرج عن العهدة، قال: والذين عينوها أجابوا بأن الدليل على تعيينها تقييد للمطلق في هذا
стр. 6922
الحديث، وهو متعقب، لأنه ليس بمطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير، وإنما يكون مطلقًا لو قال: اقرأ قرآنًا، ثم قال: اقرأ فاتحة الكتاب. وقال بعضهم: هو بيان للمجمل، وهو متعقب أيضًا، لأن المجمل ما لم تتضح دلالته، وقوله: "ما تيسر" متضح، لأنه ظاهر في التخيير.
قال: وإنما يقرب ذلك إن جعلت "ما" موصولة، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها، فهي المتيسرة.
وقيل: هو محمول على أنه عَرَف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر. وقيل: محمول على أنه منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة، ولا يخفى ضعفهما، لكنه محتمل، ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله: "لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
وقيل: إن قوله: "ما تيسر" محمول على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة، ويؤيده الرواية التي تقدمت لأحمد، وابن حبان حيث قال فيها: "اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت". قاله في الفتح (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة العاشرة: استدل به على وجوب الطمأنينة في الأركان، واعتذر بعض من لم يقل به بأنه زيادة على النص، لأن المأمور به في
стр. 6923
القرآن مطلق السجود، فيصدق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر. وعورض بأنها ليست زيادة، لكن بيان للمراد بالسجود، وأنه خالف السجود اللغوي، لأنه مجرد وضع الجبهة، فبينت السنة أن السجود الشرعي ما كان بالطمأنينة. ويؤيده أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود، وكان النبي ﷺ ومن معه يصلون قبل ذلك، ولم يكن النبي ﷺ يصلي بغير طمأنينة. قاله في الفتح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
стр. 6924
٨ - الْقَوْلِ الَّذِي يُفْتَتَحُ بِهِ الصَّلَاةُ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي يفتتح المصلي صلاته به.
والقول الجُمَل، أي الأذكار التي تأتي في الحديثين المذكورين، لأن القول يطلق على ما يعم الكلمة، والكلم، والكلام، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كَاسْتَقِمْ … وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
وَاحِدهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمّ … وَكَلِمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
و"يفتتح" بالبناء للمفعول، أي يُبتدأ، و"الصلاة" نائب فاعله. وفي الكبرى "تفتتح" بتاءين. والله تعالى أعلم.
٨٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ -هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ خَلْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ
стр. 6925
صَاحِبُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ، "لَقَدِ ابْتَدَرَهَا اثْنَا عَشَرَ مَلَكًا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعَافَى الحَرَّاني، مات سنة ٢٤٣، صدوق، من [١٠]، أخرجَ له النسائي، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦.
٢ - (محمد بن سَلَمَة) بن عبد الله الباهلي مولاهم الحرّاني، مات سنة ١٩١ على الصحيح، ثقة، من [٩]، أخرج له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦.
٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد/ سماك بن رستم الأموي مولاهم الحرّاني، مات سنة ١٤٤، ثقة، من [٦]، وقيل: اسم أبيه يزيد، وقيل: اسم جده سَمَّال (١)، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦.
٤ - (زيد بن أبي أنيسة) الجزري، أبو أسامة الكوفي، نزيل الرُّها، مات سنة ١١٩، عن ٣٦ سنة، ثقة له أفراد، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦.
٥ - (عمرو بن مُرَّة) بن عبد الله بن طارق الجَمَلِي المرادي،
стр. 6926
أبو عبد الله الكوفي الأعمى، مات سنة ١١٨، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧١/ ٢٦٥.
٦ - (عون بن عبد الله) بن عُتْبَة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله الكوفي الزاهد، أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه، ثقة عابد، من [٤].
قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: قال عون: صليت خلف أبي هريرة. وذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لَمَّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله، وعمر بن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقة كثير الإرسال. وقال الأصمعي، عن أبي نوف الهذلي، عن أبيه: كان من آدبِ أهل المدينة، وأفقههم، وكان مرجئًا، ثم رجع عن ذلك، وقال أبياتًا في ذلك [من الوافر] منها:
لأوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكِّ … نُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِئُونَا
وَقَالُوا مُؤمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرِ … وَلَيْسَ الْمُؤمِنُونَ بِجَائِرِينَا
وَقَالُوا مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلالُ … وَقَدْ حَرُمَت دِمَاءُ الْمُسْلِميِنَا
ثم خرج مع ابن الأشعث، فهرب حيث هربوا، فأتى محمد بن مروان بنَصِيبين، فآمنه، وألزمه ابنه، ثم صحب عمر بن عبد العزيز في
стр. 6927
خلافته، وكانت له منه منزلة، وخرج جرير، فأقام بباب عمر بن عبد العزيز، فطال مقامه، فكتب إلى عون بن عبد الله [من البسيط]:
يَا أَيُّهَا الْقَارِىءُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ … هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي
أبْلِغْ خَلِيفتَنَا إِنْ كُنْتَ لاقِيَهُ … أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالمَشْدُودِ فِي قَرَنِ
وقال ابن عيينة، عن أبي هارون موسى بن أبي عيسى: كان عون يحدثنا، ولحيته تَرْتَشُّ بالدموع. وعن المسعودي: قال عون بن عبد الله: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون لدنياهم ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم. وعن ابن عجلان: كان عون بن عبد الله يقول: اليوم المِضْمَار، وغدًا السِّبَاق، والسُّبْقَة الجنة، والغاية النار، فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون الجنة، وبالأعمال تقتسمون المنازل. وقال العجلي: كان يرى الإرجاء، ثم تركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من عباد أهل الكوفة وقرائهم، يروي عن أبي هريرة، إن كان سمع منه، وقد أدرك أبا جحيفة. وقال البخاري: سمع أبا هريرة، وابن عمرو. ذكره البخاري فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة. أخرج له الجماعة إلا البخاري (١).
٧ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم
стр. 6928
في ١٢/ ١٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين حرانيون، وزيد بن أبي أنيسة كوفي، ثُمّ رُهَاويّ، وعمرو، وعون كوفيان، وابن عمر مدني.
ومنها: أن شيخه انفرد هو به.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عمرو، عن عون.
ومنها: أن فيه قوله: "هو ابن أبي أنيسة"، وهو إشارة إلى القاعدة المشهورة لدى أهل الاصطلاح، وهي أن الراوي إذا أراد أن ينسب غير شيخه، عليه أن يأتي بفاصل بين كلامه وكلام شيخه؛ لئلا ينسب إلى شيخه ما لم يقله، وهو من باب الورع، وقد تقدمت القاعدة المذكورة غير مرة. والقائل: "هو" إلخ محمد بن سلمة، أو من دونه، فتنبه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمر) ﵄، أنه (قال: قام رجل خلف نبي الله ﷺ ، فقال:) وفي الرواية الآتية بعد هذه: "بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ فقال رجل من القوم (الله أكبر) مبتدأ
стр. 6929
وخبر.
قال القاري ﵀: أي أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، أو من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو من كل شيء.
وفي "الغريبين" قيل: معناه الله كبير، وبَيَّنَ بعض المحققين أن "أفعل" قد يقطع عن متعلقه، قصداً إلى نفس الزيادة، وإفادة المبالغة، ونظيره: فلان يعطي، ويمنع، أي توجد حقيقتهما فيه، وإفادة المبالغة من حيث إن الموصوف تفرد بهذا الوصف، وانتهى أمره فيه إلى ألا يتصور له من يشاركه فيه. وعلى هذا يحمل كل ما جاء من أوصاف الباري جلّ وعلا، نحو "أعلم".
وقال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلاً في صفاته تعالى سواء، لأنه لا يراد بـ"أكبر" إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة، لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء، فكان "أفعل" بمعنى "فعيل". لكن في "المغرب" الله أكبر من كل شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف. ويمكن أن يكون المراد من كون كبير وأكبر واحدًا في صفاته أن المراد من الكبير المسند إليه الكبرياء بالنسبة إلى كل ما سواه، وذلك بأن يكون كل ما سواه بالنسبة إليه ليس بكبير، وهذا المعنى هو المراد بأكبر، فتدبر، ولكن لَمّا كان هذا المعنى في أكبر أظهر لم يجوّز بعضهم في التحريمة إلا أن يقال: الله أكبر. قاله القاري في "المرقاة" (١).
стр. 6930
(كبيرًا) منصوب بفعل محذوف، أي أكبَرُ كبيرًا، أو على أنه صفة لمحذوف، أي تكبيرًا كبيرًا، أو حال مؤكدة للجملة. قاله في "المنهل" (١).
(والحمد لله) مبتدأ وخبر أيضاً (كثيرًا) نعت لمصدر محذوف، أي حمدًا كثيرًا.
(وسبحان الله) قال الأزهري رحمه الله تعالى: و"سبحان الله" معناه تنزيهًا لله من الصاحبة والولد. وقيل: تنزيهُ الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به. ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحا له، تقول: سبحتُ الله تسبيحًا له، أي نزهته تنزيهًا (٢).
(بكرة وأصيلاً) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل "سبحان"، وخص هذين الوقتين بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. كذا ذكره الأبهري، وصاحب "المفاتيح". ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيهَ الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون. وقال الطيبي: الأظهر أنه يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قاله القاري رحمه الله تعالى (٣).
(فقال نبي الله ﷺ : "من صاحب هذه الكلمة؟ ") وفي رواية
стр. 6931
مسلم: "من القائل كلمة كذا وكذا". وأراد بالكلمة الكلامَ؛ إذ الكلمة تطلق على الكلام لغة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ الآية. وتقدم قريبًا قول ابن مالك رحمه الله تعالى:
..................... … وَكلِمَةٌ بهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
وإنما سأله النبي ﷺ بيانا لعظم شأن الكلمة، وليتعلم السامعون كلامه، فيقولوا مثل قوله. والله تعالى أعلم.
(فقال رجل: أنا يا نبي الله) وفي رواية مسلم: "قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله" (فقال) ﷺ (لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا) أي تسابقوها، يريد كل منهم أن يصعد بها إلى الله تعالى.
وفي الرواية الآتية: قال: "عجبت لها"، وذكر كلمة، معناها: "فُتِحَتْ لها أبواب السماء". قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله ﷺ يقوله. ولفظ مسلم: "قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.
قال النووي ﵀: فيه دليل على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة أيضًا. انتهى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه
стр. 6932
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨/ ٨٨٥ - وفي "الكبرى" -٨/ ٩٥٩ - عن محمد بن وهب، عن محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عنه.
وفي -٨/ ٨٨٦ - "والكبرى" -٨/ ٩٦٠ - عن محمد بن شجاع الْمَرُّوذِيّ، عن إسماعيل بن علية، عن حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن عون بن عبد الله، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب. والترمذي في الدعوات عن أحمد بن إبراهيم الدورقي -كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان، به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 6933
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان ما تُفْتَتَحُ به الصلاة من الأذكار.
ومنها: بيان ما أكرم الله به هذا الصحابي الجليل حيث ألهمه هذا الذكر العظيم القدر.
ومنها: أن بعض الأعمال يتولى كتابتها غير الحفظة أيضًا لشرفها، وعظيم منزلتها عند الله تعالى، كما تقدم عن النووي رحمه الله تعالى.
ومنها: بيان أن الملائكة يتسابقون في الخيرات.
ومنها: حرص عبد الله بن عمر ﵄ في التمسك بما سمعه من رسول الله ﷺ من الأقوال، والأفعال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ
стр. 6934
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ الْقَائِلُ: كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "عَجِبْتُ لَهَا". وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: "فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ، مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن شُجَاع المرّوذي) الباكندي، أبو عبد الله نزيل بغداد، ثقة، من [١٠]. قال ابن عقدة: سمعت محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، قال: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال هو والسرّاج: مات سنة ٢٤٤، زاد السرّاج: في شعبان، أو رمضان. وقال ابن قانع: مات سنة ٧، قال الخطيب: والأول أصح. روى عنه الترمذي، والمصنف (١).
وقوله: "الْمَرُّوذِيُّ" (٢) -بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة، بعدها ذال معجمة- ويقال فيه: الْمَرْوَ الرُّوذِيّ: نسبة إلى مَرْوِ الرُّوذ موضع معروف بخراسان بين بلخ ومَرْو، افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁، وأكثر ما يقال فيه: مَرُّوذ كسَفُّود (٣).
стр. 6935
وقال العلامة الفيومي ﵀: والْمَرْوَان بَلَدَان بخُراسانَ، يُقَال لأحدهما: مَرْوُ الشَّاهِجَان، ويقال للآخر: مَرْوَرُوذُ، وِزَانُ عَنْكَبْوتٍ، والذال معجمة، ويقال فيها أيضا: مَرُّوذُ، وزانُ تَنُّورٍ، وقد تدخل الألف واللام، فيقال: مَرْوُ الرُّوذِ، والنسبة إلى الأول في الأنَاسِيِّ مَرْوَزِيّ بزيادة زاي على غير قياس، ونسبة الثوب مَرْوِيٌّ بسكون الراء، على لفظه، والنسبة إلى الثانية على لفظها، مَرْوَرُوذيٌّ. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار بعضهم إلى أنه وقع في بعض نسخ "المجتبى": "الْمَرْوَزِيّ" بالزاي. وكذا وقع في بعض نسخ "ت" وهو تصحيف. فتنبه.
قلت: كثيرًا ما تلتبس هاتان النسبتان، ويقع في كثير من كتب الرجال تحريف أحدهما إلى الآخر، ولاسيما "المَرُّوذِيّ" بالذال المعجمة، فيكثر تصحيفه، فينبغي التنبه له. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية، ثقة حافظ، من [٨]، تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (حجاج) بن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم الصواف أبو