← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

مسلم: "من القائل كلمة كذا وكذا". وأراد بالكلمة الكلامَ؛ إذ الكلمة تطلق على الكلام لغة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ الآية. وتقدم قريبًا قول ابن مالك رحمه الله تعالى: ..................... … وَكلِمَةٌ بهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ وإنما سأله النبي ﷺ بيانا لعظم شأن الكلمة، وليتعلم السامعون كلامه، فيقولوا مثل قوله. والله تعالى أعلم. (فقال رجل: أنا يا نبي الله) وفي رواية مسلم: "قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله" (فقال) ﷺ (لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا) أي تسابقوها، يريد كل منهم أن يصعد بها إلى الله تعالى. وفي الرواية الآتية: قال: "عجبت لها"، وذكر كلمة، معناها: "فُتِحَتْ لها أبواب السماء". قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله ﷺ يقوله. ولفظ مسلم: "قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. قال النووي ﵀: فيه دليل على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة أيضًا. انتهى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه

стр. 6932

التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨/ ٨٨٥ - وفي "الكبرى" -٨/ ٩٥٩ - عن محمد بن وهب، عن محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عنه. وفي -٨/ ٨٨٦ - "والكبرى" -٨/ ٩٦٠ - عن محمد بن شجاع الْمَرُّوذِيّ، عن إسماعيل بن علية، عن حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن عون بن عبد الله، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب. والترمذي في الدعوات عن أحمد بن إبراهيم الدورقي -كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان، به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 6933

المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان ما تُفْتَتَحُ به الصلاة من الأذكار. ومنها: بيان ما أكرم الله به هذا الصحابي الجليل حيث ألهمه هذا الذكر العظيم القدر. ومنها: أن بعض الأعمال يتولى كتابتها غير الحفظة أيضًا لشرفها، وعظيم منزلتها عند الله تعالى، كما تقدم عن النووي رحمه الله تعالى. ومنها: بيان أن الملائكة يتسابقون في الخيرات. ومنها: حرص عبد الله بن عمر ﵄ في التمسك بما سمعه من رسول الله ﷺ من الأقوال، والأفعال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ

стр. 6934

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ الْقَائِلُ: كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "عَجِبْتُ لَهَا". وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: "فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ، مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن شُجَاع المرّوذي) الباكندي، أبو عبد الله نزيل بغداد، ثقة، من [١٠]. قال ابن عقدة: سمعت محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، قال: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال هو والسرّاج: مات سنة ٢٤٤، زاد السرّاج: في شعبان، أو رمضان. وقال ابن قانع: مات سنة ٧، قال الخطيب: والأول أصح. روى عنه الترمذي، والمصنف (١). وقوله: "الْمَرُّوذِيُّ" (٢) -بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة، بعدها ذال معجمة- ويقال فيه: الْمَرْوَ الرُّوذِيّ: نسبة إلى مَرْوِ الرُّوذ موضع معروف بخراسان بين بلخ ومَرْو، افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁، وأكثر ما يقال فيه: مَرُّوذ كسَفُّود (٣).

стр. 6935

وقال العلامة الفيومي ﵀: والْمَرْوَان بَلَدَان بخُراسانَ، يُقَال لأحدهما: مَرْوُ الشَّاهِجَان، ويقال للآخر: مَرْوَرُوذُ، وِزَانُ عَنْكَبْوتٍ، والذال معجمة، ويقال فيها أيضا: مَرُّوذُ، وزانُ تَنُّورٍ، وقد تدخل الألف واللام، فيقال: مَرْوُ الرُّوذِ، والنسبة إلى الأول في الأنَاسِيِّ مَرْوَزِيّ بزيادة زاي على غير قياس، ونسبة الثوب مَرْوِيٌّ بسكون الراء، على لفظه، والنسبة إلى الثانية على لفظها، مَرْوَرُوذيٌّ. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أشار بعضهم إلى أنه وقع في بعض نسخ "المجتبى": "الْمَرْوَزِيّ" بالزاي. وكذا وقع في بعض نسخ "ت" وهو تصحيف. فتنبه. قلت: كثيرًا ما تلتبس هاتان النسبتان، ويقع في كثير من كتب الرجال تحريف أحدهما إلى الآخر، ولاسيما "المَرُّوذِيّ" بالذال المعجمة، فيكثر تصحيفه، فينبغي التنبه له. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. ٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية، ثقة حافظ، من [٨]، تقدم في ١٨/ ١٩. ٣ - (حجاج) بن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم الصواف أبو

стр. 6936

الصلت الكندي مولاهم البصري، مات سنة ١٤٣، من [٦]، ثقة حافظ، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢/ ٧٩٠. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي، صدوق يدلس، مات سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. والباقيان تقدما في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته من المسائل، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***

стр. 6937

٩ - وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في حال القيام في الصلاة. ٨٨٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَيْرٍ الْعَنْبَرِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ قَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة، من [١٠]، روى عنه الترمذي، والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (موسى بن عمير (١) العنبري) هو التيمي الكوفي، ثفة، من كبار [٧]. قال ابن معين، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد الله بن نمير، والخطيب، والعجلي، والدولابي: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. أخرج له المصنف حديث الباب فقط (٢).

стр. 6938

وقوله: "العَنْبَرِي" -بفتح العين، والموحدة بينهما نون ساكنة-: نسبة إلى العنبر بن عمرو بن تميم مُرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر ابن نزار. اهـ "لب اللباب" جـ ٢ ص ١٢٣. بزيادة من "الأنساب". ٤ - (قيس بن سُلَيم (١) العنبري) هو التميمي الكوفي، ثقة، من [٧]، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، والنسائي. قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ما رفع رأسه للسماء تعظيمًا لله. له عند مسلم حديث جابر في قوم يخرجون من النار، وعند النسائي حديثان عن وائل في الصلاة (٢). ٥ - (علقمة بن وائل) بن حُجْر الحضرمي الكوفي، صدوق، من [٣]، أخرج له البخاري في رفع اليدين وفي الأدب المفرد، ومسلم والأربعة. ذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. وحكى العسكري عن ابن معين: أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل (٣). وقال الترمذي في "العلل الكبير": سألت محمدًا عن علقمة بن وائل: هل سمع من أبيه؟ قال: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر. وقال

стр. 6939

الترمذي أيضًا في "الجامع": سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار ابن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال الذهبي في الميزان: صدوق إلا أن يحيى بن معين يقول فيه: روايته عن أبيه مرسلة. وقال في "ت": صدوق، إلا أنه لم يسمع من أبيه (١). قال الجامع عفا الله عنه: وعلى كونه سمع من أبيه كما قال الترمذي ﵀ في "الجامع" مشى الإمام مسلم ﵀، حيث أخرج رواياته عن أبيه في "صحيحه". والله تعالى أعلم. ٦ - (وائل بن حُجْر) -بضم المهملة، وسكون الجيم- بن سعد بن مسروق الحضرمي، صحابي مشهور، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، مات في خلافة معاوية ﵄، تقدم في ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات الصنف ﵀، وأن رجاله ثقات، وأنهم كوفيون، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.

стр. 6940

شرح الحديث (عن وائل بن حُجْر) ﵁، أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ إِذا كان قائمًا في الصلاة) المراد القيام الذي يعقب تكبيرة الإحرام، لما في الرواية الآتية بعد باب، حيث قال: "فقام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى .... " الحديث. فلا يشمل القيام الذي بعد الركوع، فاستدلال بعضهم بقوله: "إذا كان قائمًا" على القيام الذي بعد الركوع غير صحيح، وسيأتي تحقيق ذلك عند شرح الحديث المذكور إن شاء الله تعالى. (قبض بيمينه على شماله) سيأتي في الحديث الآتي بعد باب كيفية القبض، وموضعه، وهو أنه "وَضَعَ يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد". قال الحافظ ﵀: قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه. انتهى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 6941

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث وائل بن حُجْر ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩/ ٨٨٧ - وفي "الكبرى" -٩/ ٩٦١ - بالإسناد المذكور، وهو بهذا السياق من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ ٤ ص ٣١٦. وسيأتي له في مواضع بسياق آخر، وسنبين هناك من أخرجه معه من أصحاب الأصول، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان اختلاف العلماء في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: ما حاصله: قد ثبت أن النبي ﷺ كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وكذا نقول. وممن رأى أن توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة مالك بن أنس، وأحمد، وإسحاق، وحكي ذلك عن الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يستحب أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى، وهو قائم في الصلاة.

стр. 6942

وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يرسلون أيديهم في الصلاة إرسالاً، ولا يجوز أن يجعل إغفال من أغفل استعمال السنة، أو نسيها، أو لم يعلمها حجة على من علمها، وعمل بها. فممن روينا عنه أنه كان يرسل عبد الله بن الزبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وروي أن سعيد بن جبير رأى رجلاً يصلي واضعاً إحدى يديه على الأخرى، فذهب، ففرق بينهما. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). وقال في "الفتح": وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في "الموطأ"، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. ومنهم من كره الإمساك. ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدًا لقصد الراحة. انتهى (٢). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم تختلف الآثار عن النبي ﷺ في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا، إلا شيء روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه. وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي

стр. 6943

والأثر، فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب، فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، والليث بن سعد إلى سدل اليدين في الصلاة، قال مالك: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يفعل ذلك في النوافل من طول القيام. قال: وتركه أحب إلي. هذه رواية ابن القاسم عنه. وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه. وقال الليث: سدل اليدين في الصلاة أحب إلي، إلا أن يطيل القيام، فَيعْيَا، فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى. قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يصلي في إزار ورداء مسدلاً يديه. وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك. وهو قول عطاء. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود بن علي، والطبري: يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة، وقالوا كلهم: وذلك سنة مسنونة. قال الشافعي: عند الصدر، وروي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على صدره. وعن طاوس قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدهما على صدره، وهو في الصلاة. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وأبي هريرة، والنخعي، ولا يثبت عنهم، وهو قول أبي

стр. 6944

مِجْلز. وقال أحمد بن حنبل: فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير. قال أحمد بن حنبل: وإن كانت تحت السرة فلا بأس به. قال أبو عمر ﵀: قد ذكرنا أن الصحابة لم يرو عن أحد منهم في هذا الباب خلاف لما جاء عن النبي ﷺ فيه. وروي عن الحسن، وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة، وليس هذا بخلاف، لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يرسل العالم يديه ليري الناس أن ليس ذلك بحتم واجب. وقد ذكر ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. وذكر عن عمر بن هارون، عن عبد الله بن يزيد، قال: ما رأيت سعيد بن المسيب قابضًا يمينه على شماله في الصلاة، كان يرسلهما، وهذأ أيضًا يحتمل ما ذكرنا. وذكر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن العيزار، قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلاً يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب، ففرق بينهما، ثم جاء. وهذا يحتمل أن يكون رأى يسرى يديه على يمينه، فانتزعها على نحو ما روي عن النبي ﷺ أنه صنعه بابن مسعود. وقد روي عن سعيد ابن جبير ما يصحح هذا التأويل لأنه ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السرة.

стр. 6945

فهذا ما وري عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف، لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهية، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجة، لأن الحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولاسيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار (١). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف -ما نصه: احتج الجمهور على مشروعية الوضع بأحاديث الباب التي ذكرها المصنف -يعني صاحب المنتقى- وذكرناها، وهي عشرون، عن ثمانية عشر صحابيًا وتابعيين. وحكى الحافظ عن ابن عبد البر أنه قال: لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف. واحتج القائلون بالإرسال بحديث جابر بن سمرة المتقدم بلفظ: "ما لي أراكم رافعي أيديكم". وقد عرفت أن حديث جابر وارد على سبب خاص. فإن قلت: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قلنا: إن صدق على الوضع مسمى الرفع، فلا أقل من صلاحية أحاديث الباب لتخصيص ذلك العموم، وإن لم يصدق عليه مسمى الرفع لم يصح الاحتجاج على عدم مشروعيته بحديث جابر المذكور. قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الاستدلال، فأين وضع

стр. 6946

اليمنى على اليسرى في حديث جابر بن سمرة الذي ذكروه؟ وأيُّ علم، وأيُّ فهم لمن يستدل بمثل هذا، ويترك ما صح عن رسول الله ﷺ من عدة طرق عن عدد كثير من الصحابة ﵃ من وضع اليد اليمنى على اليسرى؟ إن هذا لشيء عجيب!! وأعجب منه تصدي الشوكاني للجواب عنه مع وضوح بطلانه. والله المستعان. قال: واحتجوا أيضًا بأنه مناف للخشوع، وهو مأمور به في الصلاة. قال: هذه المنافاة ممنوعة. قال المهدي في البحر: ولا معنى لقول أصحابنا: ينافي الخشوع والسكون. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأمر بالعكس، فوضع اليمنى على اليسرى أقرب إلى الخشوع؛ إذ هو صفة السائل الذليل، كما تقدم. فتبصر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. واحتجوا أيضًا بأن النبي ﷺ علّم المسيء صلاته الصلاةَ، ولم يذكر وضع اليمين على الشمال. كذا حكاه ابن سيد الناس عنهم، وهو عجيب، فإن النزاع في استحباب الوضع، لا وجوبه، وترك ذكره في حديث المسيء إنما يكون حجة على القائل بالوجوب، وقد علم أن النبي ﷺ اقتصر على ذكر الفرائض في حديث المسيء. وأعجب من هذا الدليل قول المهدي في البحر مجيباً عن أدلة الجمهور بلفظ: قلنا: أما فعله فلعله لعذر لاحتماله، وأما الخبر فإن

стр. 6947

صح فقوي، ويحتمل الاختصاص بالأنبياء. انتهى. اهـ كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين واتضح بما تقدم من أقوال الحفاظ المحققين، كابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني، والشوكاني رحمهم الله تعالى أن المذهب الصحيح الذي جاءت الأحاديث الصحيحة تنص عليه، ووردت الآثار عن الصحابة والتابعين مؤيدة له هو ما ذهب إليه الجمهور، من مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. فتمسك به أيها المنصف الطالب للحق، ولا تتجمد على رأي بعض أهل العلم الذي لا أثارة عليه من الأدلة. والله ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. تنبيه: أخرج البخاري ﵀ في "صحيحه" عن أبي حازم عن سهل بن حنيف، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا أنه ينمي ذلك إلى النبي ﷺ . قال العلامة الشوكاني ﵀: والحديث يصلح للاستدلال به على وجوب وضع اليد على اليد، للتصريح من سهل بن سعد بأن الناس كانوا يؤمرون، ولا يصلح لصرفه عن الوجوب ما في حديث

стр. 6948

علي بلفظ: "إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة". وكذا ما في حديث ابن عباس بلفظ: "ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال"؛ لما تقرر من أن السنة في لسان أهل الشرع أعم منها في لسان أهل الأصول، على أن الحديثين ضعيفان. ويؤيد الوجوب ما روي أن عليًا فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بوضع اليمين على الشمال. رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وقال: إنه أحسن ما روي في تأويل الآية. وعند البيهقي من حديث ابن عباس مثل تفسير علي. وروى البيهقي أيضًا أن جبريل فسر الآية لرسول الله ﷺ بذلك. وفي إسناده إسرائيل بن حاتم، وقد اتهمه ابن حبان به. ومع هذا فطول ملازمته ﷺ لهذه السنة معلوم لكل ناقل، وهو بمجرده كاف في إثبات الوجوب عند بعض أهل الأصول، فالقول بالوجوب هو المتعين، إن لم يمنع منه إجماع. على أنا لا ندين بحجية الإجماع، بل نمنع إمكانه، ونجزم بتعذر وقوعه. إلا أن من جعل حديث المسيء قرينة صارفة لجميع الأوامر الواردة بأمور خارجة عنه لم يجعل هذه الأدلة صالحة للاستدلال بها على الوجوب. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١).

стр. 6949

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فالقول بالوجوب هو المتعين إن لم يمنع إجماع. حسن جدّاً. وأما جعل حديث المسيء صلاته صارفًا عن الوجوب فغير صحيح، لأنه تقدم لنا أن الراجح أن ما لم يذكر فيه مما دلت القرينة على أنه للوجوب، يؤخذ به؛ إذ الزيادة في هذا الباب مقبولة. فتبصر. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في محل وضع اليدين في الصلاة: قد حقق هذه المسألة العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري ﵀ في كتابه "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي" تحقيقًا حسنًا، أحببت نقله هنا لنفاسته، وإفادته، قال رحمه الله تعالى: اعلم: أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن الرجل يضع اليدين في الصلاة تحت السرة، والمرأة تضعهما على الصدر، ولم يُروَ عنه، ولا عن أصحابه شيء خلاف ذلك. وأما الإمام مالك فعنه ثلاث روايات: (إِحداها) وهي المشهورة عنه أنه يرسل يديه، كما نقله صاحب الهداية، والسرخسي في محيطه (١)، وغيرهما عن مالك. وقد ذكر العلامة أبو محمد عبد الله الشلسي المالكي في كتابه المسمى بـ"عقد الجواهر الثمينة في مذهب

стр. 6950

عالم المدينة"، والزرقاني في شرح الموطأ أن إرسال اليد رواية ابن القاسم عن مالك، وزاد الزرقاني أن هذا هو الذي صار إليه أكثر أصحابه. (الثانية) أن يضع يديه تحت الصدر فوق السرة، كذا ذكره العيني في شرح الهداية عن مالك، وفي "عقد الجواهر" أن هذه رواية مطرف، والماجشون عن مالك. (الثالثة) أنه يتخير بين الوضع والإرسال، وذكر في "عقد الجواهر" وشرح الموطأ أنه قول أصحاب مالك المدنيين. وأما الإمام الشافعي فعنه أيضًا ثلاث روايات: (إِحداها) أنه يضعهما فوق السرة، وهي التي ذكرها الشافعي في الأم، وهي المختارة المشهورة عند أصحابه المذكورة في أكثر متونهم وشروحهم. (الثانية) وضعهما على الصدر، وهي الرواية التي نقلها صاحب الهداية عن الشافعي، وقال العيني: إنها المذكورة في "الحاوي" من كتبهم. (الثالثة) وضعهما تحت السرة، وقد ذكر هذه الرواية في شرح المنهاج بلفظ: قيل. وقال في المواهب اللدنية: إنها رواية عن بعض أصحاب الشافعي. وأما الإمام أحمد ﵀، فعنه أيضًا ثلاث روايات: (إِحداها) وضعهما تحت السرة. (والثانية) وضعهما تحت الصدر. (والثالثة) التخيير بينهما، وأشهر الروايات عنه الأولى، وعليه جماهير الحنابلة.

стр. 6951

هذا كله مأخوذ من "فوز الكرام" للشيخ محمد قائم السندي، و"دراهم الصرّة" لمحمد هاشم السندي. واعلم: أن الأحاديث والآثار قد وردت مختلفة في هذا الباب، ولأجل ذلك وقع الاختلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى، وها أنا أذكر متمسكاتهم في ثلاث فصول مع بيان ما لها، وما عليها. (الفصل الأول): في بيان من ذهب إلى وضع اليدين تحت السرة، وقد تمسك هؤلاء على مذهبهم هذا بأحاديث: (الأول): حديث وائل بن حجر ﵁، روى ابن أبي شيبة في مصنفه، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عمير، عن علقمة ابن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يضع يمينه على شماله تحت السرة". قال الحافظ القاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث "الاختيار شرح المختار": هذا سند جيد. وقال الشيخ عابد السندي في "طوالع الأنوار": رجاله ثقات. قلت (١): إسناد هذا الحديث وإن كان جيدًا لكنَّ في ثبوت لفظ "تحت السرة" في هذا الحديث نظرًا قويًا. قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته "فتح الغفور": في زيادة "تحت السرة" نظر، بل هذا غلط منشؤه السهو، فإني راجعت

стр. 6952

نسخة صحيحة من "المصنف" فرأيت فيها هذا الحديث بهذا السند، وبهذه الألفاظ إلا أنه ليس فيها "تحت السرة" وذكر فيها بعد هذا الحديث أثر النخعي، ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث، وفي آخره "في الصلاة تحت السرة"، فلعل بصر الكاتب زاغ من محل إلى محل آخر، فأدرج لفظ الموقوف في المرفوع. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي. وقال صاحب الرسالة المسماة بـ"الدرة في إظهار غش نقد الصرّة": وأما ما استدل به من حديث وائل الذي رواه ابن أبي شيبة، فهذا حديث فيه كلام كثير. قال: وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة، وروى بعده أثر النخعي، ولفظهما قريب، وفي آخر الأثر لفظ: "تحت السرة" واختلف نسخه، ففي بعضها ذكر الحديث من غير تعيين محل الوضع مع وجود الأثر المذكور، وفي البعض وقع الحديث المرفوع بزيادة لفظ السرة بدون أثر النخعي، فيحتمل أن هذه الزيادة منشؤها تَرْكُ الكاتب سهوًا نحو سطر في الوسط، وإدراج لفظ الأثر في المرفوع، كما يحتمل سقوط لفظ "تحت السرة" في النسخة المتقدمة، لكن اختلاف النسختين على هذا الوجه يؤذن بإدخال لفظ الأثر في المرفوع. انتهى كلام صاحب "الدرة". وقال الشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي: ما حاصله أن ما نقله القاسم بن قطلوبغا عن المصنَّف لا اعتماد عليه، ولا عبرة به، فإن الكتاب الذي رأيته أنا وجدت فيه خلاف مقصوده. قلت (١): ما قاله هؤلاء الأعلام يؤيده أن هذا الحديث رواه أحمد في

стр. 6953

مسنده بعين سند ابن أبي شيبة، وليست فيه هذه الزيادة، ففي مسند أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة". انتهى. ورواه الدارقطني أيضًا بعين سند ابن أبي شيبة، وليس فيه أيضًا هذه الزيادة؛ قال في سننه: حدثنا الحسين بن إسماعيل، وعثمان بن جعفر ابن محمد الأحول، قالا: حدثنا يوسف بن موسى، نا وكيع، نا موسى ابن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ واضعا يمينه على شماله في الصلاة". انتهى. ويؤيده أيضا أن ابن التركماني شيخ الحافظ الزيلعي ذكر في "الجوهر النقي" لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، حيث قال: قال ابن حزم: وروينا عن أبي هريرة، قال: وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة. وعن أنس قال: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة. انتهى. ونقل قبل هذين الحديثين أثر أبي مِجْلَز عن مصنف ابن أبي شيبة، حيث قال: قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ثنا يزيد بن هارون، أنا الحجاج بن حسان، سمعت أبا مجلز، أو سألته، قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من

стр. 6954

السرة. انتهى. ولم ينقل ابن التركماني عن مصنف ابن أبي شيبة غير هذا الأثر، فالظاهر أنه لم يكن في حديث وائل الذي أخرجه ابن أبي شيبة زيادة "تحت السرة"، فإنه لو كان هذا الحديث فيه مع هذه الزيادة لنقله ابن التركماني، إذ بعيد كل البعد أن يذكر ابن التركماني لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، وينقل عن مصنف ابن أبي شيبة أثر أبي مجلز التابعي، ولا ينقل عنه حديث وائل المرفوع مع وجوده فيه بهذه الزيادة، ومع صحة سنده. ويؤيده أيضا ما قاله الشيخ محمد حياة السندي في رسالته "فتح الغفور" من أن غير واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث، ولم يذكر "تحت السرة"، بل ما رأيت، ولا سمعت أحدًا من أهل العلم ذكر هذا الحديث بهذه الزيادة إلا القاسم. هذا ابن عبد البر حافظ دهره قال في "التمهيد": وقال الثوري، وأبو حنيفة: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وإبراهيم النخعي، ولا يثبت ذلك عنهم، فلو كان هذا الحديث الصحيح بهذه اللفظة في مصنف ابن أبي شيبة لذكره مع أنه قد أكثر في هذا الباب وغيره الرواية عن ابن أبي شيبة. وهذا ابن حجر حافظ عصره يقول في "فتحه": وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل "أنه وضعهما على صدره". وللبزار "عند صدره".

стр. 6955

وعند أحمد في حديث هُلْبٍ نحوه. ويقول في تخريح الهداية: وإسناد أثر علي ضعيف، ويعارضه حديث وائل بن حجر، قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". وأشار إلى ذلك في تخريج أحاديث الرافعي، فلو كانت هذه الزيادة موجودة في "المصنف" لذكرها، وكتبه مملوءة من أحاديثه وآثاره. وقد اختصره، كما قال السيوطي في "شرح ألفيته". والظاهر أن الزيلعي الذي شمر ذيله بجمع أدلة المذهب لم يظفر بها، وإلا لذكرها، وهو من أوسع الناس اطلاعًا. وهذا السيوطي الذي هو حافظ وقته يقول في وظائف اليوم والليلة: "وكان يضع يده اليمنى على اليسرى، ثم يشدهما على صدره". وقد ذكر في "جامعه الكبير" في مسند وائل نحو تسعة أحاديث عن "المصنف"، ولفظ بعضها: "رأيت النبي ﷺ وضع يمينه على شماله في الصلاة". وهذا اللفظ هو الذي ذكره صاحب "نقد الصرة" إلا أنه زاد لفظ "تحت السرة" فلو كانت هذه الزيادة موجودة في "المصنف" لذكرها السيوطي. وهذا العيني الذي يجمع بين الغث والسمين في تصانيفه يقول في شرحه على البخاري: احتج الشافعي بحديث وائل بن حجر، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، قال: "صليت مع رسول الله ﷺ ، فوضع يده

стр. 6956

اليمنى على يده اليسرى على صدره". ويستدل علماؤنا الحنفية بدلائل غير وثيقة (١). فلو كانت هذه الزيادة موجودة في المصنف لذكرها، وقد ملأ تصانيفه بالنقل عنه. وهذا ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخَه ابن الهمام في التحقيق، وسعة الاطلاع يقول في شرح "منية المصلي": إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب "البحر الرائق"، فلو كان الحديث في "المصنف" بهذه الزيادة لذكره ابن أمير الحاج مع أن شرحه محشو من النقل عنه. فهذه أمور قادحة في صحة هذه الزيادة في هذا الحديث. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي. قال المباركفوري ﵀: فحديث وائل المذكور، وإن كان إسناده جيدًا، لكنَّ في ثبوت زيادة "تحت المسرة" فيه نظرًا قويًا كما عرفت، فكيف يصح الاستدلال بهذا الحديث على وضع اليدين تحت السرة؟ (والحديث الثاني): حديث علي ﵁، روى أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، والدارقطني، والبيهقي عن أبي جحيفة أن

стр. 6957

عليًا قال: "السنة وضع الكف على الكف تحت السرة". قال المباركفوري ﵀: في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وعليه مدار هذا الحديث، وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج به. قال الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن القطان: عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن حرب أبو شيبة الواسطي، قال فيه ابن حنبل، وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: فيه نظر. وقال البيهقي في المعرفة: لا يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو متروك. وقال النووي في الخلاصة، وشرح مسلم: هو حديث متفق على تضعيفه، فإن عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق. انتهى ما في "نصب الراية". وقال الشيخ ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر، فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار. انتهى. فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن حديث علي هذا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. ثم حديث علي هذا مخالف لتفسيره قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ أنه وضع يده على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره في الصلاة. رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،

стр. 6958

والدارقطني، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه. كذا في الدر المنثور (١). قال الفاضل ملا الهداد في حاشية "الهداية": إذا كان حديث وضع اليدين تحت السرّة ضعيفًا، ومُعارَضًا بأثر علي بأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ بوضع اليمين على الشمال على الصدر يجب أن يعمل بحديث وائل الذي ذكره النووي. ثم حديث علي منسوخ على طريق الحنفية. قال صاحب "الدرة في إظهار غش نقد الصرة" وهو حنفي المذهب: روى أبو داود عن جرير الضبي أنه قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا: إذا خالف الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل، وإن لم يكن أقوى من القول فلا أقلّ أن يكون مثله. انتهى. قال المباركفوري: إسناد أثر علي هذا -أعني الذي رواه أبو داود عن جرير الضبي- صحيح كما ستعرف. (والحديث الثالث): حديث أبي هريرة ﵁، رواه أبو داود في سننه، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: "أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة". وفي إسناده أيضًا عبد الرحمن بن

стр. 6959

إسحاق الواسطي، فلا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. كما عرفت آنفًا. (والحديث الرابع): حديث أنس ﵁ ذكره ابن حزم في "المحلى" تعليقًا بلفظ: "من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة". قال المباركفوري ﵀: لم أقف على سند هذا الحديث، والعلماء الحنفية يذكرونه في كتبهم، ويحتجون به، ولكنهم لا يذكرون إسناده، فما لم يعلم إسناده لا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. قال صاحب "الدرة": وأما حديث أنس: "من أخلاق النبوة وضع اليمين والشمال تحت السرة" الذي قال فيه العيني إنه رواه ابن حزم، فسنده غير معلوم لينظر فيه، هل رجاله مقبولون، أم لا؟ وقد روى هذا الحديث غير واحد من المحدثين من غير زيادة "تحت السرة". والزيادة إنما تقبل من الثقة المعلوم. انتهى كلام صاحب "الدرة". وقال الشيخ هاشم السندي في رسالته "دراهم الصرة": ومنها ما ذكره الزاهدي في "شرح القدوري"، وابن أمير الحاج، وابن نجيم في "البحر الرائق" أنه روي عن النبي ﷺ : "ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة". قال: لم أقف على سند هذا الحديث غير أن

стр. 6960

الزاهدي زاد أنه رواه علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ ، لكن قال ابن أمير الحاج، وابن نجيم: إن المخرجين لم يعرفوا فيه موقوفًا ولا مرفوعًا لفظ: "تحت السرة". انتهى كلام هاشم السندي. فهذه الأحاديث هي التي استدل بها على وضع اليدين تحت السرة في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاستدلال. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ساقه العلامة المباركفوري ﵀ من نصوص هؤلاء العلماء الحنفية أنهم معترفون ببطلان زيادة "تحت السرة"، وأما الحديث بدونها فصحيح، أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ﵁، قال: "ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة". قال الحافظ أبو بكر الهيثمي ﵀: رواه الطبراني في الكبير مرفوعًا وموقوفًا على أبي الدرداء، والموقوف صحيح، والمرفوع في رجاله من لم أجد ترجمته. لكن المرفوع يشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبي الله ﷺ يقول: "إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة". قال الهيثمي ﵀: رجاله رجال الصحيح (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب.

стр. 6961

(الفصل الثاني): في ذكر ما تمسك به من ذهب إلى وضع اليدين فوق السرة. قال المباركفوري: لم أقف على حديث مرفوع يدل على هذا المطلوب، نعم أثر علي ﵁ يدل على هذا، روى أبو داود في سننه عن جرير الضبي، قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. قال: إسناده صحيح أو حسن، لكنه فعل علي ﵁ ليس بمرفوع، ثم الظاهر أن المراد من قوله: فوق السرة - على مكان مرتفع من السرة، أي على الصدر، أو عند الصدر، كما جاء في حديث وائل بن حجر، وحديث هُلْب الطائي، ومرسل طاوس، وستأتي الأحاديث الثلاثة، ويؤيده تفسيره ﵁ قوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ بوضع اليدين على الصدر في الصلاة، كما تقدم. (الفصل الثالث): في ذكر متمسكات من ذهب إلى وضع اليدين على الصدر. احتج هؤلاء بأحاديث: منها: حديث وائل بن حجر ﵁، قال: "صليت مع النبي ﷺ ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". أخرجه ابن خزيمة، وهذا حديث صحيح، صححه ابن خزيمة كما صرح به ابن سيد الناس في شرح الترمذي. وقد اعترف الشيخ محمد قائم السندي الحنفي في رسالته "فوز الكرام" أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، حيثما قال فيها: الذي

стр. 6962

أعتقده أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادر من صَنِيع الحافظ في "الإتحاف"، والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في شرح جامع الترمذي، وصححه ابن خزيمة. انتهى. وقال ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة الاطلاع في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب "البحر الرائق". كذا في "فتح الغفور" للشيخ محمد حياة السندي. وقال الشوكاني في "النيل": أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وصححه. انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري: ولم يذكر -أي سهل بن سعد- محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وضعهما على صدره، والبزار "عند صدره"، وعند أحمد في حديث هُلْب الطائي نحوه، وفي زيادات السند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ضعيف. انتهى. فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل عنده صحيح، أو حسن، لأنه ذكر هاهنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل، وحديث هُلْب، وحديث علي، وضعف حديث علي، وقال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث وائل، وحديث هُلْب، فلو

стр. 6963

كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبين ضعفهما، ولأنه قال في أوائل مقدمة "الفتح": ما لفظه: فإذا تحررت هذه الفصول، وتقررت هذه الأصول افتتحت شرح الكتاب، فأسوق الباب، وحديثه أوّلا، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادت، وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة، أو الحسن فيما أورده من ذلك. انتهى كلام الحافظ. فقوله: بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك يدل على أن حديث وائل، وكذا حديث هلب الطائي عنده صحيح أو حسن. فتفكر. وأيضًا قد صرح الحافظ في "الدراية" بعد ذكر حديث وائل: أخرجه ابن خزيمة، وهو في مسلم دون قوله: "على صدره" انتهى. فالظاهر من كلامه هذا أن حديث ابن خزيمة هذا هو الذي في "صحيح مسلم" في وضع اليمنى على اليسرى سندًا ومتناً بدون ذكر المحل. فالحاصل أن حديث وائل بن حجر صحيح قابل للاحتجاج والاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة. ومنها: حديث هُلْب الطائي ﵁، رواه الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثنا سماك، عن

стр. 6964

قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه، وعن يساره، ورأيته يضع هذه على صدره -ووصف يحيى اليمنى على اليسرى- فوق المفصل". ورواة هذا الحديث كلهم ثقات، وإسناده متصل. أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل، قال الحافظ في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام قدوة. وأما سفيان فهو الثوري، قال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وربما كان يدلس. انتهى. قلت: قد صرح هاهنا بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس. وأما سماك فهو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وكان قد تغير بآخره، فكان ربما يلقن. كذا في التقريب. وقال الذهبي: قال أحمد: سماك مضطرب، وضعفه شعبة. وقال ابن عمار: كان يغلط، وقال العجلي: ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه، وقال: روايته مضطربة، وليس من المتثبتين. وقال صالح: يضعف. وقال ابن خداش: فيه لين. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم. انتهى. وكون سماك مضطرب الحديث لا يقدح في حديثه المذكور، لأنه رواه عن قبيصة، وروايته عن عكرمة خاصة هي المضطربة، وكذا تغيره

стр. 6965

في آخره لا يقدح أيضًا، لأن الحديث المذكور رواه عنه سفيان، وهو ممن سمع قديمًا من سماك، قال في "تهذيب الكمال": قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع قديمًا من سماك مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه مستقيم. انتهى. وأما قبيصة فوثقه العجلي، وابن حبان، وأما أبوه فهو صحابي، فحديث هلب الطائي هذا حسن. وقد اعترف صاحب "آثار السنن" بأن إسناده حسن، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح. ومنها: حديث طاوس رواه أبو داود في "المراسيل": قال: حدثنا أبو توبة، حدثنا الهيثم -يعني ابن حميد، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: "كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة". وهذا الحديث قد وجد في بعض نسخ أبي داود؛ قال الحافظ المزي في الأطراف في حرف الطاء من كتاب المراسيل: الحديث أخرجه أبو داود في كتاب "المراسيل"، وكذا قال البيهقي في "المعرفة"، فحديث طاوس هذا مرسل، لأن طاوسًا تابعي، وإسناده حسن، والحديث المرسل حجة عند الإمام أبي حنيفة، ومالك، وأحمد مطلقًا، وعند الشافعي إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندًا

стр. 6966

كان أو مرسلاً، وقد اعتضد هذا المرسل بحديث وائل، وبحديث هُلْب الطائي المذكورين، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح. تنبيه: قال بعض الحنفية: حديث وائل فيه اضطراب، فأخرج ابن خزيمة في هذا الحديث: "على صدره"، والبزار: "عند صدره"، وابن أبي شيبة: "تحت السرة". قال المباركفوري: قلت: لقد تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى ترجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ومع الاستواء يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهاهنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية، فإن في ثبوت لفظ "تحت السرة" في رواية ابن أبي شيبة نظرًا قويًا كما تقدم بيانه. قال الجامع: بل هو غلط كما تقدم تحريره. وأما رواية ابن خزيمة بلفظ: "على صدره"، ورواية البزار بلفظ "عند صدره" فالأولى راجحة، فتقدم على الأخرى، ووجه الرجحان أن لها شاهدًا حسنًا من حديث هلب، وأيضاً يشهد لها مرسل طاوس، بخلاف الأخرى، فليس لها شاهد، ولو سلم أنهما متساويتان فالجمع بينهما ليس بمتعذر، قال الشيخ أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم السندي في رسالته "فوز الكرام": قال العلامة الشيخ أبو الحسن في

стр. 6967

رسالته "جواز التقليد، والعمل بالحديث" بعد ذكر حديث وائل، وهلب، ومرسل طاوس، وتفسير علي، وأنس، وابن عباس: هذه الأحاديث قد أخذ بها الشافعي، لكن قال بوضع اليد على الصدر بحيث تكون آخر اليد تحت الصدر جمعًا بين هذه الأحاديث، وبين ما في بعض الروايات "عند الصدر". انتهى. وقد جمع بعض أهل العلم بينهما بالحمل على صلاتين مختلفتين، ونظير هذا الاختلاف اختلاف رفع اليدين حذو المنكبين، وحذو الأذنين في الصلاة، فقول بعض الحنفية بالاضطراب في حديث وائل مما لا يُصغَى إليه. انتهى كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما تقدم من الأدلة أن الراجح في محل وضع اليدين في الصلاة هو الصدر، وأما من قال: تحت السرة فليس له دليل صحيح، وكذا من قال: فوق السرة، إلا إذا أراد الصدر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. …

стр. 6968

١٠ - فِي الإِمَامِ إِذَا رَأَى الرَّجُلَ قَدْ وَضَعَ شِمَالَهُ عَلَى يَمِينِهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ما يفعله الإمام إذا رأى شخصاً خالف السنة في وضع اليد، بأن وضع يده اليسرى على اليمنى؛ وهو أن يرشده إلى السنة، فيضع يمينه على شماله. قال الجامع عفا الله عنه: ليس ذكر الإمام في هذا قيدًا، بل غيره مثله، وإنما خصه بالذكر لأنه الذي يشاهد مثل هذا غالبًا حيث إنه يتقدم أمام الجماعة، ويقبل عليهم ليرى تسويتهم للصفوف، فربما وقع بصره على ذلك. والله تعالى أعلم. ٨٨٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: رَآنِى النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَدْ وَضَعْتُ شِمَالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاةِ، فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضَعَهَا عَلَى شِمَالِي. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.

стр. 6969

٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان، العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ١٨٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (الحجاج بن أبي زينب) السلمي، أبو يوسف الصَّيْقَل الواسطي، صدوق يخطىء، من [٦]. قال أحمد: أخشى أن يكون ضعيف الحديث. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال الحسن بن شجاع البلخي، عن علي بن المديني: شيخ من أهل واسط ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به فيما يرويه. وقال الدارقطني: ليس بقوي، ولا حافظ، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: ليس به بأس. وقال العقيلي: روى عن أبي عثمان النهدي حديثًا لا يتابع عليه. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم حديثًا واحدًا "نعم الإدام الخل"، وأخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (١).

стр. 6970

٥ - (أبو عثمان النّهديّ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو الكوفي، ثم البصري، مشهور بكنيته، ثقة ثبت عابد مخضرم، مات سنة ٩٥، وقيل: بعدها، عن ١٣٠ سنة، وقيل: أكثر، من كبار [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١/ ٦٤١. ٦ - (ابن مسعود) عبد الله الصحابي ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله ثقات نبلاء، إلا الحجاج بن أبي زينب، فمتكلم فيه، وقال في "ت": صدوق يخطىء، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين أخذ عنهم أصح الأصول الستة بدون واسطة، وأن هشيمًا ليس في الكتب الستة من يسمى باسمه غيره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن مسعود) ﵁، أنه (قال: رآني النبي ﷺ ، وقد وضعت شمالي على يميني) جملة في محل نصب على الحال من المفعول به، أي حال كوني واضعا يدي اليسرى على اليمنى مخالفًا للسنة (فأخذ يميني، فوضعها على شمالي). ولأحمد، والدارقطني من حديث جابر ﵁، قال: مر رسول الله ﷺ برجل، وهو
следующие страницы →