وقال ابن أبي حاتم: بالفتح. أخرج له أبو داود، والنسائي حديث الباب فقط (١).
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب، ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنهم ما بين بصريين، ومكيين، ومدني.
ومنها: أن شيخه من رجال الجماعة، إلا البخاري، وسفيانُ بن حبيب من رجال الأربعة، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأن سعيد بن زياد، وشيخه ممن انفرد به هو وأبو داود.
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زياد بن صُبَيح) مصغرًا، وقيل: بالفتح، كما تقدم، الحنفي
стр. 7002
البصري، ثم المكي، أنه (قال: صليت إِلى جنب) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (فوضعت يدي على خاصرتي)
وفي "الكبرى": "على خَصْرِي". قال في اللسان: الخَصْرَتان، والخاصرتان: ما بين الحَرْقَفَة والقُصَيْرَى، وهو ما قَلَصَ عنه القَصَرَتَان،
وتقدم من الحَجَبَتَيْنِ، وما فوق الخَصْرِ من الجلدة الرقيقة الطِّفْطِفَةِ (١). انتهى (٢).
(فقال لي هكذا ضربةً بيده) أي ضربني هكذا، من إطلاق القول على الضرب، لأن القول يطلق على الضرب، كما قاله ابن الأنباري،
وقد نظمت المعاني التي تأتي لها "قال" بقولي:
تَجِيءُ قَالَ لِمَعَانٍ تُجْتَلَى … تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَات أَقْبَلا
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا … ولِلتَّهَيّؤ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى
فَجُمْلَةُ الْمَعَانِي قُلْ ثَمَانِيَهْ … فَاحْفَظْ فإِنَّها مَعَانٍ سَامِيَهْ
وقوله: "ضَرْبَةً" مفعول مطلق، لـ"قال" كقعدت جلوسًا. وقال السندي ﵀: قوله: "ضربة بيده" بالنصب مفعول "قال" على أنه
стр. 7003
بمعنى "فعل". انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكرته أقرب. فتبصر.
وفي بعض النسخ: بدل: "ضربة" "ضَرَبَهُ" فعلًا ماضيًا. وهو الذي في "الكبرى". وعليه فتكون الجملة بيانًا لما قبلها. يعني أنه يريد بقوله: "فقال لي هكذا" أنه ضربه بيده. والله تعالى أعلم.
(فلما صليت) أي انتهيت من الصلاة (قلت لرجل: مَنْ هذا؟) استفهام ممن ضربه (قال:) أي ذلك الرجل (عبد الله بن عمر) بالرفع خبر لمحذوف، أي "هو" يعني أن هذا الذي ضربك هو عبد الله ابن عمر بن الخطاب ﵄، ولعل زياد بن صبيح، لا يعرف ابن عمر قبل ذلك، أو كان يعرفه، ولكنه لم ير وجهه حينما ضربه، ويؤيد هذا قوله: "يا أبا عبد الرحمن"، فإن ظاهره يدل على معرفة سابقة. والله أعلم.
(ما رابك مني) أي ما الذي سَاءكَ من أمري، وكَرِهْتَهُ مني. فـ "ما" استفهامية، و"راب" بمعنى "ساء" قال ابن منظور ﵀ نقلًا عن
"تهذيب الأزهري": أراب الرجلُ يُريب: إذا جاء بتُهْمَةٍ، وارتبتُ فلانًا. أي اتهمته، ورابني الأمرُ رَيْبًا: أي نابني، وأصابني، ورابني أمره
يَريبني: أي أدخل عليّ شرًا وخوفًا، قال: ولغة رديئة: أرابني هذا
стр. 7004
الأمر. انتهى (١).
(قال) عبد الله بن عمر ﵄ (إِن هذا الصَّلْبُ) برفع الصلب خبرًا لـ"إن" وجوّز السندي ﵀ نصبه على أنه صفة
"هذا"، والخبر محذوف، أي رابني منك. انتهى.
والصَّلْبُ -بفتح، فسكون-: مصدر صَلَبَ، من باب ضرب، يقال: صلب الجاني: إذا شدَّ أطرافه، وعلقه. والراد أنه شبْهُ الصَّلْب،
لأن المصلوب يمدّ يده على الجِذعْ، وهيئة الصَّلْب في الصلاة أن يضع يديه على خاصرتيه، ويجافي بين عضديه في القَيام. قاله ابن الأثير رحمه الله تعالى (٢).
(وإِن رسول الله ﷺ نهانا عنه) أي عن الصَّلْب الذي هو وضع اليدين على الخاصرتين. وهذا يؤيد ما تقدم من ترجيح تفسير الاختصار في حديث أبي هريرة ﵁ بوضع اليد على الخاصرة. فتفطن.
والحديث دليل على ما ترجم له المصنف، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في الحديث الماضي. وفيه الإنكار على المصلي إذا أخطأ، وإن كان داخل الصلاة، ولا يلزم أن ينتظر حتى يسلم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 7005
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٢/ ٨٩١ - وفي "الكبرى" -١٢/ ٩٦٥ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد، عن وكيع، عن سعيد بن زياد، عن زياد بن صُبَيح، عنه.
وأخرجه أحمد جـ ٢/ ١٠٦، وابن أبي شيبة جـ ١/ ١٨٣، والبيهقي ٢/ ٢٨٨.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 7006
١٣ - الصَّفُّ بَيْنَ القَدَميْنِ فِي الصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على كراهة صف القدمين في الصلاة، والمراد به أن يساوي بينهما مع الإلزاق، وعدم المراوحة بينهما.
٨٩٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: خَالَفَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَفْضَلَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان بن سعيد الثوري) الكوفي الإمام الحجة الثبت، من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (ميسرة) بن حبيب النَّهْدي -بفتح، فسكون- أبو خازم (١)
стр. 7007
الكوفي، صدوق، من [٧].
قال عبد الله بن أحمد: أملى علي أبي أن أبا خازم ميسرة ثقة. وقال ابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو داود: معروف. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن ميسرة، وحجاج بن أرطاة، وابن أبي ليلى؟ فقال: ميسرة أحب إلي على قلة ما ظهر من حديثه، قلت: فما تقول فيه؟ قال: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى مسلم، وابن ماجه.
قال الجامع عفا الله عنه: ميسرة هذا قال عنه في "ت": صدوق، كما مرَّ آنفًا، وكان من حقه أن يقول: ثقة، فإنه متفق على توثيقه، فإن قول أبي حاتم: لا بأس به. بمنزلة ثقة من غيره. فتنبه. والله أعلم.
٥ - (المنهال بن عمرو) الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق، ربما وَهِمَ، من [٥].
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ترك شعبة المنهال بن عمرو على عمد. قال ابن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إلي من المنهال، وقال: نعم شديدًا أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسن. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال وهب بن جرير، عن شعبة: أتيت منزل المنهال، فسمعت منه صوت الطنبور، فرجعت، ولم أسأله،
стр. 7008
قلت: فهلا سألته، عسى كان لا يعلم. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتًا، فتركه. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال الدارقطني: صدوق. وقال جرير، عن مغيرة: كان حسن الصوت، وكان له لحن يقال له وزن سبعة. وقال الغلابي: كان ابن معين يضع من شأن المنهال بن عمرو. وقال الجوزجاني: سيئ المذهب، وقد جرى حديثه. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني محمد بن عمر الحنفي، عن إبراهيم ابن عبيد الطنافسي، قال: وقف المغيرة صاحب إبراهيم على يزيد بن أبي زياد، فقال: ألا تعجب من هذا الأعمش الأحمق إني نهيته أن يروي عن المنهال بن عمرو، وعن عباية، ففارقني على ألا يفعل، ثم هو يروي عنهما، نشدتك بالله تعالى هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟ قال: اللهم لا. وكذا عباية. وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ: محمد بن عمر الحنفي راوي الحكاية فيه نظر.
وقال الحاكم: المنهال بن عمرو غمزه يحيى القطان. وقال أبو الحسن ابن القطان: كان أبو محمد بن حزم يضعف المنهال، وردّ من روايته حديث البراء، وليس على المنهال جرح، فيما حكى ابن أبي حازم، فذكر حكايته المتقدمة، قال: فإن هذا ليس بجرح، إلا إن تجاوز إلى حد تحريم، ولم يصح ذلك عنه، وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن
стр. 7009
معين، والعجلي، وغيرهما. أخرج له الجماعة سوى مسلم (١).
٦ - (أبو عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر، مات سنة ٨٠، كوفي
ثقة، من كبار [٣]، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، أخرج له الأربعة، تقدم في ٥٥/ ٦٢٢.
٧ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي ﵁، تقدم ٣٥/ ٣٧.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى ميسرة، فأخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والمصنف، والمنهال بن عمرو، فما أخرج له مسلم، وأبا عبيدة، فمن رجال الأربعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي؛ المنهال، عن أبي عبيدة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود (أن عبد الله) بن مسعود ﵁ (رأى رجلًا يصلي) جملة في محل نصب صفة
стр. 7010
لـ"رجلًا" (قد صف بين قدميه) جملة حالية من "رجلًا" لكونه موصوفًا بالجملة، أو صفة بعد صفة، قال السندي ﵀: كأنّ المراد قد وصل بينهما (فقال) عبد الله (خالف السنة) وفي الرواية الآتية من طريق شعبة عن ميسرة: "فقال أخطأ السنة" (ولو راوح بينهما) أي اعتمد على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة ليُوصِلَ الراحة إلى كل منهما (لكان أفضل)، وفي رواية شعبة: "ولو راوح بينهما كان أعجب إلي".
يعني أن السنة في القيام المراوحة بين القدمين، لا صفّهما مع الإلزاق. والحديث وإن كان فيه انقطاع بين أبي عبيدة وأبيه، لكن سيأتي للمصنف أنه قال: الحديث جيد.
وقد قال به كثير من أهل العلم: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ في كتابه "الأوسط": كان مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، لا يرون بأسًا أن يراوح الصلي بين قدميه. انتهى (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى في "المجموع": [فرع]، في الترويح بين القدمين في القيام، قال ابن المنذر (٢): قال مالك، وأحمد، وإسحاق: لا بأس به. قال: وبه أقول. قال النووي: وهذا أيضًا
стр. 7011
مقتضى مذهبنا، قال: ويكره أن يلصق القدمين، بل يستحب التفريق بينهما. ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى. انتهى (١).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويكره أن يلصق إحدى قدميه بالأخرى في حال قيامه؛ لما روى الأثرم عن عيينة بن عبد الرحمن، قال: كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي، قد صف بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط. وكان ابن عمر ﵄ لا يفرج بين قدميه، ولا يمس إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك، لا يقارب، ولا يباعد. انتهى (٢).
لكن يعارضه ما أخرجه أبو داود في سننه، قال: حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير يقول: "صفُّ القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة". ورجال هذا الإسناد ثقات، وزرعة، وإن قال في التقريب: مقبول، لكنه وثقه ابن حبان، وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة. فالظاهر أن الحديث صحيح، وإن ضعفه بعضهم. والله تعالى أعلم.
لكن يمكن الجمع بينهما بحمل الصف الذي أنكره ابن مسعود على
стр. 7012
إلزاق إحدى القدمين بالأخرى، وحمل الصف الذي قاله ابن الزبير على صفهما متساويتين، مع التفريج بينهما قليلًا كما تقدم عن ابن عمر ﵄.
والحاصل أن المستحب صف القدمين مع التفريج بينهما، أو يراوح بينهما إن احتاج إلى ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا فيه انقطاع، كما أسلفته آنفًا. لكن المصنف قال: إنه جيد، ونصه في "الكبرى":
قال أبو عبد الرحمن: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فظاهر كلامه رحمه الله تعالى أنه يرى صحة حديث أبي عبيدة عن أبيه مع أنه منقطع، وقد ثبت مثله عن علي ابن المديني، ويعقوب بن شيبة رحمهما الله، كما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في "شرح علل الترمذي"، ونصه فيه: قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: هو
стр. 7013
منقطع، وهو حديث ثبت. قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة، عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بأحاديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١). وكثيرًا ما يحسن الترمذي في جامعه حديث أبي عبيدة عن أبيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف، أخرجه هنا -١٣/ ٨٩٢ - وفي "الكبرى" -١٣/ ٩٦٧ - عن عمرو بن علي الفَلاَّس، عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عنه. و -٨٩٣ - و"الكبرى" -٩٦٨ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيميّ، عن شعبة، عن ميسرة به.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٩٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَيْسَرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 7014
أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ البصري، ثقة، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7015
١٤ - سُكُوتُ الإِمَامِ بَعْد افْتِتَاحهِ الصَّلاةَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السكوت للإمام بعد افتتاحه الصلاة بالتكبير.
والمراد من السكوت هنا عدم الجهر، لا ما يقابل الكلام، فلا ينافي ما يأتي في الباب التالي وغيره، أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي فيه. والله تعالى أعلم.
٨٩٤ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ سَكْتَةٌ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمود بن غَيْلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، مات سنة ٢٣٩، وقيل: بعد ذلك، ثقة، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤَاسِيّ، أبو سفيان الكوفي، مات في آخر سنة ١٩٦ أو أول ٧، عن ٧٠ سنة، ثقة حافظ عابد، من
стр. 7016
كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام، تقدم في الباب الماضي.
٤ - (عمارة بن القعقاع) بن شُبْرُمة الضبي الكوفي، ثقة أرسل عن ابن مسعود، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٨/ ٦٠.
٥ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمهْ هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل:
جرير، ثقة، من [٣]، تقدم في ٤٣/ ٥٠.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغدادي، وأبا هريرة، فمدني.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رئيس المكثرين، روى -٥٣٧٤ - حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة،
стр. 7017
وكلها من صيغ الاتصال، من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به، يأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي
فيه، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7018
١٥ - بَابُ الدُّعَاءِ بَيْنِ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَةِ
أي هذا باب مشروعية الدعاء بين تكبيرة الإحرم وبين قراءة الفاتحة، وقد ذكر ﵀ في هذا الكتاب سبعة أنواع من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، فقد تقدم له في ٨/ ٨٨٥ وهذا ثاني الأنواع، و"الدعاء": الابتهال. يقال: دعوت الله أدعوه دُعاءً: ابْتَهَلْتُ إليه بالسؤال، ورَغِبْتُ فيما عنده من الخير. قاله الفيومي (١). والله تعالى أعلم.
٨٩٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: "أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".
стр. 7019
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، مات سنة ٢٤٤، ثقة حافظ، من صغار [٩]، أخرج له البخاري،
ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، مات سنة ١٨٨، ثقة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إِذا افتتح الصلاة) أي ابتدأها بالتكبير (سكت هنيهة) أي ساعة لطيفة، وهي تصغير هَنْت. وفيه أوجه:
الأول: "هُنَيْهَةٌ" -بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء، بعدها هاء مفتوحة.
والثاني: "هُنَيَّةٌ" -بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء. وأصلها هَنْوَة، فلما صغرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت. كما قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِن عُرُوضٍ عَرِيَا
стр. 7020
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمًا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
والثالث: "هُنَيْئَة" -بالهمز بدل الهاء الثانية، قال القاضي عياض، والقرطبي: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النووي فقال: الهمز خطأ. وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة. وقد تقدم تمام البحث في أوائل الكتاب، في شرح الحديث ٤٨/ ٦٠ فراجعه تزدد علمًا.
والمراد بالسكوت هنا عدم الجهر، لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن، لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتى السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟.
(فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله) الجار والمجرور متعلق بمحذوف، إما اسمٍ، فيكون تقديره: أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعلٍ،
فالتقدير: فديتك بأبي، وحذف تخفيفًا لكَثرة الاستعمال، وعلمِ المخاطب به، فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
وفيه تفدية النبي ﷺ بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره أيضًا، وليس خاصًا به، وفيه خلاف تقدم بيانه في الباب المذكور.
(ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة) "ما" استفهامية؛ أي أيَّ شيء تقول في حال سكوتك بين التكبير وقراءة الفاتحة.
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "ما تقول" يشعر بأنه
стр. 7021
فهم أن هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله: "ما تقول"، ولم يقع بقوله: "هل تقول"، والسؤال بـ"هل" مقدم على السؤال بـ "ما" هنا،
ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (١).
(قال:) ﷺ (أقول) بينهما (اللهم) أي يا الله (باعد) أي أبعد، قال الكرماني ﵀: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة (بيني وبين خطاياي) جمع خطيئة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خطأ في دينه خَطَأ: إذا أثم فيه. والخِطْأ بالكسر الذنب. وقد تقدم بيان تصريف هذه الكلمة في الباب المذكور، فراجعه.
وإنما كرر "بين" في قوله: "بيني وبين خطاياي"، ولم يكرره في قوله الآتي: "بين المشرق والمغرب" لأنه إذا عطف على الضمير المجرور يلزم إعادة الجار عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك ﵀ كما قال في "خلاصته":
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لازِمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
(كما باعدت بين الشرق والمغرب) "ما" مصدرية، أي
стр. 7022
كمباعدتك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلًا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق من المغرب.
قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "اللهم باعد بيني إلخ" عبارة: إما عن محوها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من
وقوعها، والعصمة منها. وفيه مجازان:
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل.
والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي الزوال. وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى (١).
(اللهم نقني) بتشديد القاف، أمر من التنقية، كناية عن الإزالة والمحو (من خطاياي) وفي رواية البخاري "من الحطايا" (كما ينقى الثوب الأبيض) أي طهرني من خطاياي، وأزلها عني، كما يطهر الثوب الأبيض من (الدنس) بفتحتين- أي الوَسَخْ.
وهو مجاز عن زوال الذنوب وأثرها، ولما كان ذلك أظهر في
стр. 7023
الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
(اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج) -بفتح فسكون-: ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده، (والبرد) -بفتحتين-: حَبُّ الغَمَام، ماء ينزل من السماء جامد كالملح، ثم يذوب على الأرض. أي طهرني من ذنوبي بأنواع المغفرة التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الوسخ.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقوله: "اللهم اغسلني … إلخ" يحتمل أمرين- بعد كونه مجازًا عما ذكرناه:
أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع، فإنا الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء.
الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذا الأشياء مجازًا عن صفة يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فكل واحدة من هذه الصفات -أعني العفو، والمغفرة، والرحمة- لها أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالًا على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول
стр. 7024
لا ينظر إلى أفراد الألفاظ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب. انتهى (١).
وقد تقدم البحث في هذا مطولًا برقم -٤٨/ ٦٠ - فراجعه تستفد.
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٥/ ٨٩٥ - و ٤٨/ ٦٠ - وفي "الكبرى" -١٥/ ٩٦٩ - و ٤٢/ ٦٠ - عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، عن عمارة ابن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وفي ١٤/ ٨٩٤ - و"الكبرى" -١٤/ ٩٦٨ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمارة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة به. ومسلم فيه عن زهير بن حرب،
стр. 7025
عن جرير به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، كلاهما عن محمد ابن فضيل - وعن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن عمارة به. وأبو داود فيه عن أحمد بن أبي شعيب، عن محمد بن فضيل به. وعن أبي كامل به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمد كلاهما عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ ٢ ص ٢٣١ و ٤٤٨ و ٤٤٩، والدارمي رقم ١٢٤٧، وابن خ زيمة ٤٦٥ و ١٥٧٩ و ١٦٣٠.والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة، وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية.
ومنها: جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا للحنفية.
ومنها: ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته. واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار.
ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من المحافظة على تتبع أحوال النبي ﷺ في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى
стр. 7026
حفظ الله بهم الدين.
ومنها: أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وقد تقدم هذا للمصنف في الباب الذي مر ذكره، قال في الفتح: واستبعده ابن
عبد السلام. وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل. انتهى (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح:
قال الإمام النووي ﵀ في "شرح مسلم": وفي حديث أبي هريرة ﵁ هذا دليل للشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد،
والجمهور رحمهم الله تعالى أنه يستحب دعاء الافتتاح، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح. وقال مالك ﵁: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى (٢).
وفي "شرح المهذب": فيستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد،
ومضطجع، وغيرهم أن يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضًا: أما الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن
стр. 7027
بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا مالك ﵀، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلًا، بل يقول: الله أكبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلى آخر الفاتحة. واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته، فإنه ليس فيه استفتاح، وقد يُحتَجّ له بحديث أنس "كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " [الفاتحة: ٢] متفق عليه، ويأتي للمصنف -٢٠/ ٩٠٣.
ودليلنا الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها، والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي ﷺ إنما علمه الفرائض فقط، وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس ﵁ أن المراد يفتتحون القراءة، كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيَّنَه حديث عائشة ﵂ "كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، متفق عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة التظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة
ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي. والله أعلم.
وأما ما يستفتح به فيستفتح بـ"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" إلخ. الآتي -١٧/ ٨٩٧ - وبه قال علي بن أبي طالب، وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة،
стр. 7028
وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" إلخ الآتي ١٨/ ٨٩٩ - ولا يأتي بـ"وجهت وجهي". وقال أبو يوسف: يجمع بينهما، ويبدأ بأيهما شاء، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي. قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث "وجهت وجهي" أميل. قال النووي: دليلنا أنه لم يثبت عن النبي ﷺ في الاستفتاح بـ "سبحانك اللهم شيء (١)، وثبت "وجهت وجهي"، فتعين اعتماده، والعمل به. والله أعلم. انتهى كلام النووي ﵀ ببعض تصرف (٢).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: بعد ذكره أنواعًا من دعاء الاستفتاح - ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رويناه عن عمر، وابن مسعود ﵃.
وكان الشافعي يقول: بحديث عبيد الله بن أبي رافع، عن علي.
وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك"، ومثل "وجهت وجهي"، ومثل قوله: "الله أكبر كبيرًا"، وما أشبه ذلك.
فأما مالك بن أنس، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا
стр. 7029
يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي من عمل به بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كله ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سهو، وأصح ذلك إسنادًا حديث علي، فإن لم يقله فكالذي روي عن عمر، وابن مسعود - يعني "سبحانك اللهم وبحمدك". انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأصح في دعاء الاستفتاح ما جاء في حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهو "اللهم باعد بيني وبين خطاياي … إلخ" المتفق عليه، وأما "وجهت وجهي" الذي في حديث علي ﵁، فأخرجه مسلم فقط. فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ﵀: ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من
الشافعية، وحديث أبي هريرة ﵁ أصح ما ورد في ذلك انتهى (٢).
وقال المجد ابن تيمية ﵀ في "المنتقى": واختيار هؤلاء الصحابة- يعني الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ "سبحانك اللهم"، وجهرُ
عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنة إخفاؤه
стр. 7030
يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي ﷺ يداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه علي، أو أبو هريرة فحسن، لصحة الرواية انتهى.
قال العلامة الشوكاني ﵀: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ﷺ أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة -يعني حديث الباب- ثم حديث علي -يعني الآتي بعد باب -١٧/ ٨٩٧ - وأما حديث عائشة -يعني حديثها في استفتاح النبي ﷺ بـ"سبحانك اللهم" ففيه مقال. وكذا حديث أبي سعيد الآتي ١٨/ ٨٩٩ - فيه مقال أيضًا.
قال الإمام أحمد ﵀: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما روي كان حسنًا.
وقال ابن خزيمة ﵀: لا أعلم في الافتتاح بـ"سبحانك اللهم" خبرًا ثابتًا، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدًا، ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدم أن دعوات الاستفتاح التي ثبتت عن رسول الله ﷺ كما في حديث الباب، وأحاديث الأبواب الآتية ١٦ و ١٧ و ١٨ و ١٩ وغيرها، يستحب استعمالها في
стр. 7031
الفرائض والنوافل، فإن تيسر للمصلي الجمع بينهما فحسن، وإن اقتصر على بعضها فحسن، وأصحها ما في حديث الباب، ويليه حديث علي "وجهت وجهي" الآتي ١٧/ ٨٩٧، ويليه "سبحانك اللهم" الآتي ١٨/ ٨٩٩. وأما قول مالك ﵀ بعدم مشروعية ذلك فقد عرفت الرد عليه في كلام النووي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7032
١٦ - نَوْعٌ آخَرُ مِن الدُّعَاءِ بَيْن التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ
أي هذا باب في ذكر الحديث المبين لنوع آخر من الدعاء الذي يقرأ بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وهذا ثالث الأنواع.
٨٩٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَال، وَسَيِّئَ الأَخْلَاقِ، لَا يَقِى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، مات سنة ٢٥٠، صدوق، من [١٠]،
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢١/ ٥٣٥.
стр. 7033
٢ - (شريح بن يزيد الحَضْرَمِيّ) أبو حيوة الحمصي المؤذن، مات سنة ٢٠٣، من [٩].
قال الذهبي في "الكاشف": ثقة. وقال في "صه": وثقه ابن حبان. انفرد به أبو داود، والمصنف.
٣ - (شعيب بن أبي حمزة) دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، مات سنة ١٦٢ أو بعدها، ثقة عابد، من [٧]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، مات سنة ١٣٠ أو بعدها، ثقة فاضل، من [٣]، تقدم في ١٠٣/ ١٣٨.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمِي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الشيخان، والترمذي، وإلا شريحًا، فانفرد به هو، وأبو داود، وأن الثلاثة الأولين حمصيون، وابن المنكدر مدني، وجابر مدني، وقد سكن مكة أيضًا، ولذا قال المصنف ﵀ في "الكبرى" عقب هذا الحديث- ما نصه:
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حمصي، رجع إلى المدينة، ثم
стр. 7034
إلى مكة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بذلك أنه حديث رواه ثلاثة من الحمصيين، وهم: عمرو بن عثمان، وشريح بن يزيد، وشعيب بن أبي
حمزة، ثم انتقل إلى المدينة حيث رواه محمد بن المنكدر، وجابر، ثم إلى مكة، حيث رواه جابر ﵁، فإنه سكن مكة، كما صرح بذلك البخاري، ففي "شرح علل الترمذي" للحافظ ابن رجب ﵀ ما نصه: وقال -يعني البخاري- في تاريخه: قال لنا مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. انتهى. جـ٢ ص ٨٥٢.
ومنها: أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) ﵄ أنه (قال: كان النبي ﷺ إِذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، وليست السين والتاء للطلب، وفي نسخة: "إذا افتتح الصلاة" (كبر) أي قال: "الله أكبر" (ثم قال: "إِن صلاتي) قال الأزهري: الصلاة اسم جامع للتكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والتشهد، وغيرها،
стр. 7035
(ونسكي) بضمتين - وهو كما قال الأزهري: العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته لله تعالى، وأصله من النسيكة، وهي النقرة الخالصة المذَابة المُصَفَّاة من كل خلط، والنسيكة أيضًا القربان الذي يتقرب به إلى الله تعالى. وقيل: النسك ما أمر به الشرع.
(ومحياي ومماتي) أي حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها، والأكثرون على فتح محياي، وإسكان مماتي.
(لله رب العالمين) الجار والمجرور خبر "إن"، و"رب" صفة لـ "لله". قال الواحدي وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد، والاستحقاق، كالسرج للفرس، وكلاهما مراد هنا.
وقال النووي ﵀: وفي معنى "رب" أربعة أقوال، حكاها الماوردي وغيره: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي. قال: فإن وصف الله تعالى بأنه رب، أو مالك، أو سيد، فهو من صفات الذات، وإن قيل: لأنه مدبر خلقه، أو مربيهم، فهو من صفات فعله. قال: ومتى أدخلتَ عليه الألفَ واللام فهو مختص بالله تعالى، دون خلقه، وإن حذفتها كان مشتركًا، فتقولى: رب العالمين، ورب الدار.
وأما العالمون فجمع عالم، والعالم لا واحد له من لفظه. واختلف العلماء في حقيقته؛ فقال المتكلمون، وجماعات من أهل اللغة
والمفسرون: العالم كل المخلوقات. وقال جماعة: هم الملائكة، والإنس، والجن. وقيل: أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجن،
стр. 7036
والشياطين. قاله أبو عبيدة، والفراء. وقيل: بنو آدم. قاله الحسن بن الفضل، وأبو معاذ النحوي. وقال آخرون: هو الدنيا، وما فيها.
قال الواحدي: اختلفوا في اشتقاق العالم، فقيل: مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه، كالعالم اسم لجميع المخلوقات، ودليله استعمال الناس في قولهم: العالم محدث. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، ودليله من القرآن قوله : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. وقيل: مشتق من العلْمِ، فالعالمون على هذا مَنْ يعقل خاصة. قاله ابن عباس، واختارهَ أبو الهيثم، والأزهري، لقول الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (١).
(لا شريك له) جملة في محل نصب على الحال من "الله"، أي حال كونه غير مشارك في الصلاة، والنسك، والمحيا والممات (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالتوحيد والإخلاص له (وأنا من المسلمين) أي المنقادين لأمر الله تعالى. وفي حديث علي ﵁ المذكور في الباب التالي: "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة، كما قاله قتادة ﵀.
(اللهم اهدني لأحسن الأعمال) أي أكملها وأفضلها، وهي ما كانت موافقة للكتاب والسنة، وخالصة لله تعالى (والأخلاق) جمع
стр. 7037
خلق -بضمتين- السَّجِيّة، وأحسنها ما كانت على هدي رسول الله ﷺ الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، والذي تخلق بمعنى قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (لا يهدي لأحسنها إِلا أنت) علة لطلب الهداية منه، أي إنما طلبت منك الهداية لأحسن الأعمال والأخلاق لأنه لا يهدي إليها غيرك (وقني) أمر من وَقَى يَقِي: إذا حفظ (سيئ الأعمال، وسيئ الأخلاق) أي احفظني من قبيحها (لا يقي سيئها إِلا أنت) أي لأنه لا يحفظ من قبيحها غيرك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا صحيح. وهو من أفراد الصنف ﵀، أخرجه هنا - ١٦/ ٨٩٦ - وفي "الكبرى" -١٦٩٧٠ - بالسند المذكور.
ويستفاد منه استحباب قراءة هذا الدعاء بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وتقدم في المسائل المتقدمة في الباب الماضي أنه لا تنافي بين هذه الدعوات، فإن المصلي مخير فيها، أو يجمعها إن تيسر له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7038
١٧ - نَوْعٌ آخرُ من الذِّكرِ والدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِراءَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ذكر نوع آخر من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، وهو النوع الرابع، والخامس.
٨٩٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي
стр. 7039
لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ، وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ، وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان، أبو سعيد البصري، مات سنة ١٩٨، ثقة ثبت حجة، من [٩]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٣ - (عبد العزيز بن أبي سلمة) هو ابن عبد الله بن أبي سلمة، الماجشون (١) -واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار- أبو عبد الله، ويقال: أبو الأصبغ، أحد الأعلام، المدني، نزيل بغداد، التيمي، مولى آل الهُدَير، مات سنة ١٦٤، ثقة فقيه، مصنف، من [٧].
قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي الماجشون لأن
стр. 7040
وجنتيه كانتا حَمْراوين، فسمي بالفارسية الماهكون، فشبه وجنتاه بالقمر، فعربه أهل المدينة، فقالوا: الماجشون. وقال ابن أبي خيثمة: قال أحمد: تعلق من الفارسية بكلمة، وكان إذا لقي الرجل يقول: شموني، فلقب الاجشون. وقال الحسين بن حبان: قيل لأبي زكريا: الماجشون، هو مثل ليث، وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا، هو دونهما، إنما كان رجلًا يقول بالقدَر والكلام، ثم تركه، وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد كتبوا عنه، فكان بعدُ يقول: جعلني أهل بغداد محدثًا، وكان صدوقًا.
وقال أبو داود، عن أبي الوليد: كان يصلح للوزارة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود والنسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن مهدي، عن بشر بن السري: لم يسمع من الزهري. قال أحمد بن سنان: معناه أنه عرض. وقال ابن السراج، عن ابن وهب: حججت سنة -١٤٨ - وصائح يصيح: لا يفتح الباب إلا لمالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وأهل العراق أروى عنه من أهل المدينة. وتوفي ببغداد سنة
١٦٤ - وكان فقيها ورعًا متابعًا لمذهب أهل الحرمين مفرعًا على أصولهم ذابًّا عنه. وكذا قال البخاري.
وقال أحمد بن صالح: كان نزهًا صاحب سنة ثقة. وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال ابن أبي مريم: سمعت أشهب يقول: هو أعلم من